الحجر  الصحيّ وصور الطّعام والمشهديّة

img

الحجر  الصحيّ وصور الطّعام والمشهديّة

صالحة حيوني

على امتداد فترة  الحجر  الصّحيّ ، دأبت الكثير من   النّساء على نشر  صور  المأكولات  التي يطبخنها في البيت على  مواقع  التّواصل  الاجتماعي ّ ، مع الكثير  من التّعليقات المرافقة  التي  تظهر براعتهن ّ  وقدراتهن ّ الهائلة في “التّصنيف” .ويتشارك في هذا  الفعل  نساء  كثيرات ، حتى  البعض من المحسوبات على الثّقافة .وإذا  قرأنا المشهد من زاوية  أولى ، فهو حتما  مرتبط بظروف الحجر الصّحيّ   التي  تفرض نواميس  جديدة   للعيش . فبسبب ملازمة  هذا  الفضاء  طيلة  الوقت ، يصبح  من الممكن لهؤلاء الّنساء توفير  الحيّز الزّمنيّ لتحقيق  الكثير  من ” شهوات العائلة ” وهي  شهوات  مؤجّلة  غالبا في ظروف ما  قبل الحجر لكثرة  شواغلهنّ  ، خاصّة  إن كانت المرأة  عاملة .كما أن ّ الضيق  النفسيّ الذي  يتسبّب فيه   الحجر ، مع ما  يرافقه  من مخاوف ، يجعل الأسر  والأفراد تبحث عن  مسارات لتصريف  ذلك الضّيق ، ومن تلك المسارات الأكل والّتفنّن فيه، خاصّة إن كان في البيت صغار يحتاجون إلى اهتمام  أكثر  لامتصاص  مخاوفهم .ويوفّر الأكل هذه  الوظيفة إذ هو من زاوية  أخرى   ليس مجرّد  غذاء ، وإنّما حاجة  عاطفيّة  أيضا.

كلّ  هذا  طبيعيّ . شرط أن يبقى الأمر داخل  البيت  لا يغادره .ولكن  عندما يتحوّل من البيت إلى مواقع  التّواصل الاجتماعي ّ وهي  فضاءات  عامّة ، يتغيّر  المشهد والجمهور  المتقبّل  فتتغيّر  زاوية القراءة  أيضا . ذلك  أن ّ الأكل في هذه الحالة  ، لا يبقى   حاجة مقدّمة  للأسرة  في إطار  التّرابط، وإنّما رسالة  موجّهة  إلى الآخرين، جمهور مواقع  التواصل الاجتماعيّ. تحمل  هذه  الرّسائل في زمن الجائحة خطاب تفاؤل وأمل مفاده  أنّ هذه  الأسر تحيا وتستمتع  بوقتها في الفضاء الدّاخليّ على ضيقه.  لكن وهذا  هو الأهم ّ ،   تنشد  هذه  الرّسائل  الاعتراف المجتمعيّ  أن ّ  أولئك النسوة  أدرن  بيوتهن ّ فأحسن ّ  إدارتها. وتتمّ ترجمة هذا الاعتراف  في تعليقات  مُطرية  من روّاد مواقع  التّواصل الاجتماعيّ. وكلّما كان الإطراء أكثر ، والتّعليقات  أكثر ، حازت المرأة الطباخة والطّاهية لقب ” مرا  حرّة “، “مرا  زعيمة ” ” مرا  مقدودة ”  حسب  ما تنطق به  اللّهجات والفئات .يترسّخ  دورها الاجتماعيّ مرارا  وتكرارا كلما  تلقّت  تلك   الشهادات .وباعتبار وظيفة الطّبخ تكاد  تكون حكرا  عليها ، وباعتبار الرّجال غالبا لا يطبخون ولا ينشرون صور  ما  طبخوا  ، فإنّ ما تفعله هؤلاء النّساء يصبح بمثابة إعادة تأكيد   للدّور ، وإعادة تعاقد  اجتماعي ّيثبّتن فيه  أدواهن من جديد ، ومع كلّ مشهد  طبخ يتمّ  تنزيل صوره ، يترسّخ  الدور.تخضع  النّساء  عبر ذلك  طوعا إلى الاعتراف بالأدوار  التي  أوكلها  المجتمع  لهن ّ، وليُثبتن ذلك يؤدّين  دورهنّ في الطبخ ثم في نشر الصّور. ويشكّل الاستعراض نوعا من المشهديّة القائمة على  تأدية  الدّور  المرسوم والاحتفاء به.يصبح الطبح  ككلّ شؤون البيت الأخرى ، بعضا من هويّتهنّ الثّابتة.

بعد  هذا  الانخراط ، يصبح  من الصّعوبة  بمكان الحديث عن إعادة  توزيع  الأدوار أو حتى العدالة في توزيعها  إذا كانت بعض النساء يؤبّدنها ، وإذا كنّ يبحثن عن مشاركة  أسريّة  هنّ  أنفسهنّ لا يكرّسنها ، وإذا كانت الّلغة  مخاتلة  إلى الحدّ  الذي تصبح فيه  عبارة ” مرا  حرّة”  لعبة  أضداد  تستعبد فيها شؤون البيت  أرواح  النّساء، وهنّ الرّاضيات.

 

 

 

 

 

 

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: