الجوكر، مريض مسحوق أم ثائر ؟

img

الجوكر، مريض مسحوق أم ثائر ؟ حمادي الخليفي .

في بحثها الميداني، قامت جامعة نورثستارن في شيكاغو بالتقصي وراء سبب توجه معدي الأفلام حاليا الى خلق شخصيات ’شريرة’ بالمعني الكلاسيكي أكثر من شخصيات ’خيرة’ ، البحث شمل اكثر من خمسمائة طالب وبين أن الناس عموما أصبحوا يميلون أكثر نحو المعادين للنظام أكثر من منتجيه أو المحافظين عليه، الشباب هنا وهم من طلبة الجامعة اعتبروا أن باتمان مثلا، ولي كنا أطفالا نعتبره البطل الحقيقي، ليس الا محافظا على النظام ليس أكثر، هو شخص ثري بن عائلة ثرية، يقوم بكل ما بوسعه ويبذل قصارى جهده للقضاء على المجرمين، ولكن لماذا تحديدا؟ من أجل الحفاظ على النظام الاجتماعي والقانوني والمالي على ما هو عليه، نظام الاغنياء مقابل الفقراء، والحاكمين مقابل المطحونين.
بينما ينتصب الجوكر هنا كسلسيل هؤلاء المسحوقين، هو الثائر ضد ماهو سائد وموجود، بسخرية اللاذعة وخرقه لكل القواعد والخطوط الحمراء، مما يجعله، خاصة في الحقبة الراهنة ، يكسب شعبية مضاعفة.
وطرقت الدراسة ايضا الى ان فئة الشباب حاليا اصبحت ترفض كل ماهو ممؤسس، ومن بينه العمل السياسي والنظام الديمقراطي بل والعملية الانتخابية برمتها، مما جعل اناسا من خارج النظام تماما ( كترامب او قيس سعيد ، على اختلافهما الشديد) يصعدان الى سدة الحكم، ومنه نتبين أن الجوكر، هذا الخارق لكل النواميس، قد جذب الجميع.
مشاهدة فلم الجوكر كانت من أكثر التجارب غرابة وعمقا وتكثفا في حياتي :
بدأ الأمر في البداية في اللبس الكبير حول الفلم، حيث سمعت آراء متنافضة من الأصدقاء حولي، بعضهم أخبرني انه فلم رديئ جدا ولم يعجبه أبدا، بينما ضحكت صديقة في أسى وهي تقول لي مسوية نظاراتها المستديرة: هذا الفلم يحمل جرعة كبيرة من الاكتئاب، لكنه رائع، استعد.
جعلني الأمر أقف على ناصية من الحيرة لأول مرة قبل مشاهدة الفلم أساسا، ليزداد الأمر اشتباكا بعد قرائتي لتقارير حول اجراءات أمنية مضاعفة وشبه استنفار أمني أمام قاعات عرض فلم الجوكر بسبب الخوف من حوادث اطلاق نار عشوائي، نظرا ل’محتوى الفلم المحرض على العنف’ حسب ما قرأت. حتى وسائل الاعلام هاجمت الفلم بما تستطيع ووصفته بالعنيف والمحرض.
وصلنا قاعة العرض في أطراف المدينة، لأجد غيابا أمنيا تاما عكس ما كنت أقرأ، وليتضاعف منسوب الأدرينالين لدي، ماذا لو يقع اطلاق نار فعلا داخل قاعة السينما وسط تجاهل الشرطة المحلية هنا عكس الولايات الأخرى؟ نحن وسط اللاشيء هنا، دون حراسة أو حماية ، وقد تبدو عملية اطلاق نار في هاته القاعة المعزولة بالذات فرصة ذهبية.
التهمتني الهواجس، لم يتملكني أبدا الخوف من حصول أية عملية ارهابية في بلدي الذي كان لسنوات على صفيح من النار، لأجلس هنا في قاعة السينما البعيدة في بلد قصي، على درجة من التحفز والتوتر الشديدين، وجرعات متدفقة من الادرينالين الزائد، لم أشاهد فلما أبدا وأنا على هاته الحالة من التحفز والتوتر، مما ضاعف تحسسي لكل شيء، لكل تفصيل في الجوكر.
الفلم بدا مربكِا،مربِكا بدرجة رهيبة، أي أنه يعبث بحواسّك كمتلق، لا تعلم ان كان عليك الضحك أم البكاء، الفرح أم الحزن الشديد، التشفي للقتل والرصاص أم الغضب والغيض والرفض، الجوكر يسائل كل جزء فيك عن كل شيء، عن سخريتنا المخفية من أصحاب الاضطرابات الذهنية ، وعدم اهتمامنا بهم وبحياتهم، بل وعدم حديثنا عنهم أبدا، فهم دوما مقصوْن من المجال العام والفضاء العمومي، صاحب الاضطراب الذهني لن يكون حاضرا الا كمحل شفقة فقط، مثل أرثر او الجوكر، الذي تنتابه نوبات هستيرية من الضحك بسبب اضطراب سببه ارتجاج في المخ بعد اعتداءات متواصلة عليه من رفيق والدته.
الجوكر كفلم قام بمسائلة الخير والشر من جديد، وبتسليمنا الطوعي البسيط بأن المجرمون يولدون بنزعات اجرامية وفقط، ذلك هو التفسير البسيط الذي يجعلنا نرتاح نفسيا ونطمئن ولا نشعر بالذنب، بينما نقوم نحن بامتياز بصناعة كل مجرم، كل ظلم واحتقار ولاعدالة ونفور وتجاهل وسخرية وتنمر تحمل مشروع مجرم وقاتل محتمل. نحن نترك الناس وحيدين، نسخر منهم ، نستسهل التنمر منهم والضحك وتقليدهم وشتمهم بكل عفوية، ثم نتفاجئ بالمجرمين والارهابيين والقتلة.
أداء فوينكس بدا رائعا، يجعلك تريد الضحك ثم الانهيار، تترقب خوفا ثم تشعر باطمئنان، تحزن لحزنه، تفرح لفرحه، وتصيبك نوبات هستيرية مثله تماما.
ثم تتسائل مثله، عن الغني والفقير، ولم يزداد الغني غنى كلما ازداد الفقراء فقرا، ولم حزن سكان المدينة كثيرا بسبب موت ثلاثة من الشبان الاغنياء بينما يموت الفقراء كل يوم على قارعة الطريق، ولم يحتفي الناس بالاغنياء والمشرقين والجميلين ويتجاهل الوحيدين والبؤساء والمتعبين حتى يقتلهم.
انتهى الفلم، وتنفست الصعداء مترجلا من قاعة السنما، رحلنا، وانا اتنفس بصعوبة، غير مصدق انني نجوت من هذا الفلم بأعجوبة، غير قادر على الحديث.
كلنا نحمل تلك الاقنعة التي يلبسها الجوكر كل صباح، مخفين حزننا وبؤسنا ووحدتنا، كي نسير ونضحك في وجوه الآخرين، منتظرين يوما ما، لحظة الانفجار !

حمادي الخليفي – ناشط حقوقي و روائي تونسي . حاصل على جائزة ألفة رامبورغ عن روايته “هرب” و متحصل على ماجستير قانون عام جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة .

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: