الجنوسة والدين ووضع المرأة في مجتمعات الأديان السماوية  

img

 

الجنوسة والدين ووضع المرأة في مجتمعات الأديان السماوية  

بقلم تيسير النصراوي  

تتغلغل الأنماط الديناميكية بين الجنسين في جميع مجالات الدين بطريقة تبدو معلنة وأخرى ضمنية سواء ان كان معترف بها او غير معترف بها، ولنفهم أكثر فيبدو من البديهي انه يوجد جدل على نطاق واسع وغالبا ما يساء فهمه فصحيح ان الشواغل الجنسانية تكتسب أهمية كبيرة في الثقافة المعاصرة باعتبارها تحمل جزءا كبيرا من جدول الاعمال السياسية والاجتماعية. وبالرغم من ان المرأة تمثل نصف الجنس البشري لكن قضية مساواتها مع الرجل لاتزال رهن المعاينة فيما يتعلق بحقوقها من منظور الدين والمعتقد. اليس من السخرية ان حقوق الانسان تعلن عن مساواة مطلقة بين جميع اجناس البشر ولكن عندما تكون هذه المساواة من نصيب المرأة فهي تبقى مكبلة من قبل العادات والتقاليد والدين. وغالبا ما يكون هذا التقييد مصاحبا لتفسيرات غير منطقية ناهيك وانه يتم تبرير هذا الاضطهاد باسم الدين والوصاية والالتزام بالحماية الكاملة للنساء. ولكن في الحقيقة هي دوافع لإخفاء الصراع القائم حول الأدوار وتقسيمها واكتساب السلطة والهيمنة والتي دائما ما يسعى الرجل لاكتسابها على حساب المرأة تحت تبريرات المنظومات الدينية. فنجد ان الحساب النظري للعلاقات بين الدين والجنس يتطلب اعترافا بان كل من هما يسعى الى تمثيل السلطة وتوزيعها داخل المجتمع. فمن أجل تفسير الطابع العالمي الظاهر للاختلافات بين الجنسين، يقترح عالم السوسيولوجيا الفرنسي “بيار بورديو” أن يلجأ علماء الاجتماع إلى العمل على تحديد الآليات التاريخية التي تحقق ازالة التاريخ والأبدية للاختلاف الجنسي. ويجادل “بورديو” بأن دور المؤسسات في إعادة إنتاج عدم المساواة بين الجنسين يحتاج إلى فهم أفضل. فعلى الرغم من العمل الكبير الذي تم القيام به بشأن دور الأسرة في إعادة إنتاج عدم التماثل بين الجنسين، يجب أن يتوسع التحليل المؤسسي لاستيعاب دور الدين والمدرسة والدولة بشكل أفضل في إعادة إنتاج الهيمنة الذكورية. فتتجلى المواجهة بين الأديان التوحيدية وحقوق الانسان الحديثة بشكل واضح في الفجوة بين مفهوم الواجب الديني والمعارضة الدينية الابوية لحقوق المرأة في المساواة.  فالدين يرتبط بشكل هيكلي بنظام الجنوسة داخل المجتمع حيث يتم تعزيز هذا النظام من خلال الأنشطة الدينية ولكن نجد من يستعمل الدين كخطة لانتهاك حقوق المرأة وردعها عن التحرر والتقدم. فضلا عن ان هذه الظاهرة لا تقتصر فقط على الذين يزعمون انهم رجال دين بل نجد أيضا النساء اللواتي يكرسن لهذه المنظومة التي تسعى لإقصاء النساء لصالح الرجل وهنا لا نواجه هيمنة ذكورية بل نجد أنفسنا أيضا امام هيمنة نسوية والتي تتمثل في هيمنة امرأة على امرأة أخرى ضعيفة. فالدين يلعب دورا هاما في تشكيل الثقافات والمعايير الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في جميع دول العالم. فضلا عن توزيعه للأدوار الجندرية. فالرجل والمرأة يرتبطان بشدة وهذا ما حددته وفسرته الأحاديث الدينية والآيات القرآنية خاصة باعتبار ان الإسلام كان أكثر انصافا لوضعية المرأة مقارنة بالأديان الأخرى. ولكن اليوم نعيش مع تناقض كبير بين ما هو موجود في العقيدة والشريعة وبين ما نحياه على ارض الواقع والذي يتجلى في الغياب الواضح للمرأة في صنع القرار في المجتمعات الدينية او بالأحرى في المجتمعات التي تستند كثيرا في سياستيها للعقيدة الدينية. في حين ان نجدهن يلعبن دورا محوريا في تجسيد الأدوار النمطية التقليدية ويمررن هذه التعاليم للأجيال القادمة. فنحن اليوم نحي تناقضا كبيرا بين النظري والتطبيقي، فحتى المنظمات والمؤسسات الدينية التي تزعم انها تسعى الى تحقيق المساواة والعدالة بين الجنسين غالبا ما تكون متمسكة بالتقاليد الابوية. 

وهنا يمكن لنا نسأل هل قدر المرأة في المجتمعات المحافظة ان تكون ضحية المعتقد لا العقيدة؟ 

باعتبار ان التأويل لا يمس العقيدة (كل خبر جاء عن الله أو رسوله يتضمن خبرًا غيبيًّا لا يتعلق به حكم عملي شرعي) بقدر ما يمس المعتقد (وهو ما يعتقده الشخص) وفي هذه الوضعية يجب الالتجاء الى العلم والحجة المنطقية لا استعمال الحجج السطحية التي تخدم مصالح فئة معينة وهذا يتنزل في قوله تعالى “وَلَھُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ “.

فبعد النبش والبحث في التاريخ الديني وخاصة الإسلامي نجد ان النساء لعبن دورا هاما في الحياة الاجتماعية والسياسية أمثال عائشة زوجة الرسول ﷺ التي كانت تصحح الأحاديث فضلا عن الحريات التي تمتعن بها زوجات النبي ﷺ كما انه كان دائما يستشر نساءه. وإذا رجعنا أكثر بالزمن ووقفنا عند العلم الانثروبولوجي نجد ان الديانات الوثنية التي سبقت الديانات التوحدية كانت الهتها انثوية وان المرأة كانت صاحبة القرار في اول المجتمعات التي عرفتها الإنسانية، فكيف اليوم يتم اقصاءها من اتخاذ وصنع القرارات استنادا الى اقاويل تم تسويقها من اشخاص يزعمون انهم رجال فقه ودين. فلقد صدقت فعلا “رفعت حسن” حين قالت: “إن القرآن أكثر إنصافاً من شأن النوع، بينما يستمد معظم الأحكام المجحفة بالنساء مصادره من الحديث”.

واختم هذا المقال بان توغل هذه الهيمنة الذكورية يبقى نتاج التنشئة الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة والتي تكرس لتعزيز ايديولوجيات صارمة بين الجنسين، ناهيك ان هذه الأيديولوجيات تتغذى على العادات والتقاليد والمعتقد والتي تكون في غالب الأوقات تخدم مصالح الرجل وتقصي المرأة. 

 

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: