الجمال وحده سيّد العالم ، رياض عمايرة

img

لا أحبّ رجال الدّين. أحيانا أتمنّى أن يُلقى بهم خارج الكوكب. غالبًا ما تستفزّني صورة شيخ بعمامته أو حاخام بزنّاره أو غير هذا من أشكال التديّن. آخر مرّة أُعجبتُ فيها برمز دينيّ كانت حين شاهدتُ قرط مونيكا بيلوتشي المتخّذ شكل صليب.
أظنّ أن الصّليب كان منتشيًا وهو يتدلّى على عنق امرأة جميلة مثل مونيكَا. تلك الصّورة الفاتنة كافية بجعلنا جميعا متديّنين و إقناعنا بالتخلّي عن الأفكار الكانطيّة التي قطعت مع حكم الكنيسة منذ عشرات السّنين. الأمر استيطيقي بحت و لا علاقة له بإيديولوجيا السّماء.
الجمال محور العالم , هذه الفكرة تلبسني دائمًا. الجمال هُنا ربّما يكون على هيئة أنثى بجمال متطرّف كجمال مونيكَا و ربّما يكون على هيئات أخرى مختلفة.
كلّما قرأت لهايدغر أو عنه إلّا وقلت أنّ هذا الرّجل عظيم. لكنّي سرعان ما ألعنه حين أتذكّر طريقة لباسه المتخلّفة. أجدني أسأل في صمتي : يا اللّه ..كيف تأتي الأفكار الجميلة إلى رأس رجل يميل إلى ربطات العنق و الأزياء الرّسميّة ؟
وكيف لمُفكّرة جميلة ك حنّا أرندت أن تُحبّ رجلًا يميل إلى هذا النّمط من اللّباس الذي يذكّرني بالوزراء و الرّؤساء التّافهين ؟ ألم يكن من المفترض أن تعلّمه اختيار ملابسه مثلمَا علّمها الفلسفة ؟ حنّا أرندت جميلة في نظري و طريقة تدخينها تقنعني بأنّه على جميع نساء العالم أن يدّخنّ. السّبب جماليّ بحت.
منذ فترة شاهدت فيلما وثائقيّا عن كوبَا. الآن نسيتُ أغلب مضامينه لكنّ صورة السّيارة الكوبيّة العتيقة و الرّجل الذي يدخّن الكوهيبا حذوها مازالت عالقة في ذهني. صورة أخرى شدّتني في ذلك العمل الصّحافيّ الرّائع , سمراء وحيدة ترقص على إيقاع أغنية جيفارا في شارع بهافانا. أنا مستعدّ للذّهاب إلى ذلك الشّارع سيرًا على الأقدام حتّى أراقص تلك السّمراء.
أظنّ أنّ صاحب الوثائقيّ أخرج كوبا في صورة أبهى حتّى من تلك التي رسمها الثوّار في أذهاننا. الاستيطيقا قادرة على هزم العقل المحض.
أرى أنّ تيودور هرتزل واحد من أبشع الرّجال الذين مرّوا بالبشريّة. كلّما قرأت عن الصّهيونيّة البشعة إلّا و قابلتني صورته. في الحقيقة هي صورة جميلة رغم حقدي الكبير على صاحبها. جميلة ربّما لأنّ هرتزل الصّحافي النّمساوي آتِ من بلد جميل جدّا أهدى للعالم موتسارت العظيم. لو كان لي لأتلفتُ هذه الصورة الجميلة ذاك الوقح من كلّ أرشيفات العالم و استبدلتها بصورة وقحة مثل روحه و تفكيره الاستعماريّ. فاختراع سيّئ كالصّهيونيّة لا يجب أن يُروّج له رجل أنيق ك هرتزل. صورة كتلك تسيء كثيرا لمفهوم الجمال.
في الحبّ أيضا نحن نبحث بطريقة ما عن موضع جمال. كلّ واحد فينا يبحث عن أمر أو لحظة جميلة يتقاسمها مع آخر يراه جميلًا بالضّرورة. لهذا فالاختلافات القائمة بيننا نحن البشر تعود أساسا إلى اختلاف نظرتنا للجمال. وهذا الاختلاف هو نفسه السبب الرّئيسيّ الذي بفضله انتشرت مظاهر الجمال في العالم. كلّ منّا يريد إثبات رؤيته الخاصّة وهو ما يولّد تراكميّة جماليّة.
منذ سنوات كنتُ أقرأ عن تاريخ الجوسسة. اصطدمت باسم “هبة سليم” الجاسوسة العربيّة الأشهر التي جنّدها الموساد للإطاحة بعقل فاروق الفقي. الموساد اختار هبة ليس لأنّها ذكيّة فقط بل لأنّها ذات جمال عال. لم أتصوّر للحظة أنّ شابّة عاديّة يمكنها الإطاحة بمخطّطات دولة ما. و منذ ذلك الموقف اقترنت لديّ صورة الجاسوس بالجمال. كي تكون(ي) جاسوسا يجب أن تكون(ي) فائق(ة) الجمال. و الأمثلة مختلفة و كثيرة .
في رواية “عندما بكى نيتشه” كنتُ أجري ككلب مسعور باحثًا عن مظاهر الجمال في لو أندرياس سالومي الأديبة والمحلّلة النفسانيّة الرّوسيّة التي فتكت بعظيم مثل صاحب زرادشت و بشاعر كبير ك ريلكه (بدرجة أقلّ) و حتّى ب فرويد حسب بعض المصادر و غيرهم. أظنّ أنّ من باستطاعتها فعل كلّ ذلك ليست امرأة عاديّة. أظنّها جميلة إلى ما لا نهاية. الجمال وحده القادر على الفتك بعقل جبّار كعقل نيتشه و جعله يبكي ويختار الرّحيل بعيدًا إلى جبال فرنسا كي لا يصله ذلك الإشعاع الجميل المتدفّق من مفاتن لو سالومي. حتّى اختيار نيتشه لتلك القرية الفرنسية النّائية لا يمكن إلّا أن يكون سببه جماليّا صرفًا.
العدميّون يرون العدم جميلًا لذلك فهم يريدونه. نحن جميعًا محكومون بقوّة الجمال.
و لا أحد فينا قد ينجو من هذه القوّة.
اليوم أصحاب القوّة و النّفوذ هم وحدهم من ينتجون الجمال و يبيعونه للعالم. لنأخذ مثلا ما نراه في هوليود أو جزر الهاواي و ما نراه في مانشيت الواشنطن بوست أو النيويورك تايمز.
باختصار شديد الجمال هو الحاكم الحقيقيّ لهذا العالم المريض. اليوم الأقوياء وحدهم من يمكن أن تكون سلعهم ( أيّ سلعة) جميلة.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: