الجسد في سياق الانساق الفلسفيّة و الموروث الثقافي 

img

الجسد في سياق الانساق الفلسفيّة و الموروث الثقافي 

بقلم:غازي السليمي

طالما طرحت الفلسفة نقاشات واسعة حول قضية الجسد من عدة نواحي ،وعلى مر العصور من القديمة للوسطى فالمعاصرة. حيث تطورت النظرة للجسد ،اذ يراه البعض سجنا للنفس مثلما تحدث عنه الفيلسوف افلاطون . اما الفيلسوف الألماني ماكس شيلر فهو يرى  ان الذات تدرك الغير بطريقة كلية يندمج فيها النفسي بالجسدي ليشكلا وحدة حيّة متكاملة لا تقبل التجزئة والانقسام الى جسم ونفس. كما تكلم فيها العديد من علماء الاجتماع والنفس وغيرهم من المختصين.  وبقيت حتى يومنا هذا قضية جدلية ،مثل قضايا أخرى نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر ،الحياة والموت،وجود الانسان،ماهية الربوبية. تراوحت فيها المواقف والدراسات بين مؤيد للجسد على كونه قوام وجود وأداة ادراك كما يصف هذا مارلوبونتي  ،أو على أنه موطن جمال واغراء، اضافة الى انه أداة للتعبير عن مكنونات النفس البشرية .وهنالك من قطع مع الجسد وخاصة نجد هذا في الموروث الشعبي أوالتجليات الدينية المختلفة حيث اعتبر الجسد موطن شهوات ورذيلة وجب الترفع عنه وكبته في مرمى سرمدي للرقي والسمو للروح الألهيّة. ولئن كان الجسد معطى طبيعيًا، إلا أن الثقافة المجتمعية منحته دلالات جديدة، لهذا رأينا كيف أن نظرة الشعوب إلى الجسد – شأنها شأن مقاييس التعامل معه – متعددة ومختلفة باختلاف ثقافات المجتمعات، وتعتبر عمليات التجميل والختان،مثلا، سلوكيات ثقافية الغرض منها اضفاء طابع الثقافة حتى على الجسد بما هو معطى طبيعي في الإنسان، بل هناك من أصبح مهووسًا بالبحث في هويته الجسدية فيصل الامر أحيانا الى احداث تغييرات عليه، مثلاجراء عمليّات”التحول الجنسي” أوعن طريق توشيمه  او بتطويل الرقبة مثلما يفعل نساء قبائل الكايان.

بذلك نخلص إلى أن الجسد يتحدد كصيغة للحضور المادي للإنسان في العالم، فالجسد هو تجسيد، أي انتقال من المستوى التصويري/اللامادي المرتبط بوعي الإنسان بذاته إلى المستوى الواقعي/المادي. إلا أن هذا لا ينبغي أن يُفهم منه اختزالية الإنسان في الجسد، فالإنسان ذكرى مرت من هذا العالم، لكن جسده ليس كذلك، فكثيرًا ما نتذكر شخصًا رغم أن حضوره المادي كجسد غير متحقق بفعل الموت أو الغياب. بالفعل يصعب إعطاء الجسد دلالة موحدة، والتفكير فيه ليس وليد اليوم بقدر ما أن حضارات قديمة، عُرِف عنها امْتِهانها للتأمل والتفكير، تناولته بالدرس والتحليل.

لقد اعتبر “سقراط” أن الجسد متعفن وأن الروح طاهرة، بل إنها هي من تحفظ للجسد طهارته لكنه حالما يتعفن فهي تغادره بالموت إلى نبعها الطاهر، لهذا كان سقراط كثير الميل إلى التجرد من انفعالات الجسد وشهواته، وهو الذي عرف بإهماله لنفسه وانشغاله بالبحث في الموت والحياة فيما بعدها، بل لقد كان يتمرن على تجنب الشهوات الجسدية واعتزالها مفضلاً الموت كطريق للانفصال النهائي عن الجسد لإدراك الجواهر في ذاتها وصفاتها، فهو يعتبر أن الموت ما هو إلا حياة مؤجلة لا تعدو أن تكون مجرد انفصال للروح عن الجسد، والحياة ما هي إلا موت بالقوة يمارسه الفيلسوف بإهماله التام لكل ما يتطلبه الجسد من ملذات وعناية بالمأكل والمشرب والملبس والجري المبالغ فيه وراء المتع والشهوات.

لطالما غُلِفَ الجسد الإنساني بالطابع الأخلاقي في العقيدة الإسلامية، فهو شهواني غريزي مُعَرَّضٌ للوقوع في الرذيلة في أي لحظة يغيب فيها العقل الإنساني أو الوازع الديني، الأمر الذي يجعل منه جسدًا إغوائيًا غافلاً عن القيم الثقافية. بل إن الفقهاء أكدوا على ضرورة خضوع الجسد للإيمان كما الطهارة تخليصًا له من الشهوة، فالجسد هو مصدر الأخطاء والمنزلقات الأخلاقية، لذا لابد من التحوط في اطلاق العنان له. فهذا ابن مسكويه يعتبر أن الانغماس وراء شهوات الجسد وغرائزه هو بمثابة اندحار إلى مرتبة الحيوان، وإن التعفف والتعالي عن هذه الشهوات والغرائز والتحكم فيها يؤهل الإنسان إلى الارتقاء إلى مرتبة الملائكة.

اما وبالنسبة للثقافة العربية يبدو أيضًا أن الجسد ظل مُسْتَصْغَرًا حتى في الموروث  الإسلامي أو النظرة الإسلامية  التي رأت فيه مقياسًا للتدين أو مجلبة للعار، بل إن هناك دعوات من الفقهاء إلى تحريم تصويره أو رسمه أو نحته، بل لطالما عمَّقَت الثقافة العربية الفجوة بين الجسد الذكري والجسد الأنثوي، على اعتبار أن الثاني مصدر فتنة بالنسبة للأول، كما نُظِر إلى الجسد على أن وضعه خسيس، ولا بد من تطهير نجاسته كلما رغب المسلم في الوقوف بين يدي الله.

لكن تعود فتطرح اليوم في ظل القرن الواحد والعشرين خاصة في القطر العربي قضية التعامل مع الجسد المكشوف في الفنون كالمسرح، السينما، الفن التشكيلي والنحت خاصة ، لكن هناك موجتين أساسيتين هما المعارض بشدة والمؤيد بشدة في حين أن أغلب المجتمعات المتقدمة قد تجاوزت هذا الجدل منذ أمد حيث تركوها مسألة شخصية في ارتباط وثيق بما واكبته هاته الدول من نهضة وتطور اجتماعي وسياسي وانخراطها في منظومة حقوق الانسان وكونيتها واقرارها للمواطنة كمفهوم أشمل للتعايش بين افراد الدولة اضافة الى انعتاقهم من سلطة الدين المتمثلة في الكنيسة وقطعهم مع الدولة الدينية إلى الدولة المدنية الحديثة.

ان العرب بصفة خاصة ظلوا في تململ وتناقض صارخ بين مايكتسيه العالم في نطاق اشمل وما تمليه عليهم الديانة الإسلامية. في المقابل نجد انّ بعض الدول مثل تونس ،التي تعتبر الاكثر تقدما على أصعدة عدة خاصة السياسي والاجتماعي، مازالت تخطو أولى خطواتها في القطع مع الموروث والتقاليد محاولة ارساء مفاهيم الدولة الحديثة خاصة أنها تمر بالانتقال الديمقراطي. كما تعتبر تونس رائدة في الفن بكل أصنافه وهو ما يجعلنا نتساءل عن سبب موجة الرفض التي وجّهت الى العمل المسرحيّ “يا كبير” الذي عُرض خلال أيام قرطاج المسرحيّة  وقد قام بطلهابالتعرّي على الرّكح بالكامل، لتطفو قضية التعري والتغطيةالى السطح مجدّدا. وتباينت ردود الأفعال بين أطياف المجتمع بين ناقد بشدة ومساند للتحرر. وهنا نشير الى  أنه من العادي أن تكون هناك نقاشات وهي ظاهرة صحية للغاية لكن ما  يثير الجدل  هو تبسيط المسألة واخضاعها الىمنطق التحليل والتحريم و التقييم الاخلاقوي..

ثم انه عمل مسرحي قائم على حرية المبدع وهو عمل فني لا يمكن ان يخضع بأي شكل الى أي أحكام اخلاقوية، بل يندرج ضمن تجسيد رواية ما في تصور ما يحاول الفنان تجسيده وايصاله الى المشاهد فُيسَخّر الجسد بوصفه مكونا ركحيا للتعبير عن حالات أو قضايا معينة تهم الانسان .تعريته أو تلثيمه تندرج ضمن التجليات الفنية البحتة. وهي مجرد قراءة من جهة أو جهات مختلفة والحري بالمشاهد نقد الشخصية.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: