الجرّافات- قصّة للكاتب التونسيّ رياض خليف

img

قصّة قصيرة

الجرّافات

رياض خليف (تونس)

تحامل على جسده المتعب واستجمع قواه ومشى بسرعة دون أن يأبه بالأصوات الحزينة التي تناديه وتتوسّل إليه أن لا يفعلها…

” لا ترجع فرشاشهم ينتظرك…سيصبّون كلّ ما في بنادقهم في صدرك وسيتمنّون لو كان بإمكانهم أن يصبّوه أيضا في ظلّك…

لا ترجع ولا تقدّم لهم نفسك فريسة…سيسمحون لنا بالعودة بعد أيام قليلة…سيحرجهم العالم…ستدينهم المنظمات …سيصرخ في وجههم العرب…سيخطب القادة و يجرون الاتّصالات الهاتفيّة مع نظرائهم…”

لم يبال بالنداءات…سخر منها في سرّه…أي عالم سيحتجّ وأيّ عرب؟

 “انتظرناهم عقودا فلم تأت منهم غير بيانات التنديد و توصيات القمم وقصائد الشّعراء…”

واصل سيره إلى الوراء…مستعدّا للرّصاصة الغادرة وليس مستعدّا لليلة عراء بعيدا عن رائحة الأرض…

***

البارحة كان مبتهجا بثمار البرتقال والزيتون وهي تلوح على الأغصان…شاكرا الأرض المعطاء…جمع الصّبية حوله حالما يرصّف لهم الأماني

و الأحلام ويتابع تحاليل عن السّلام المنتظر وجهود القوى العظمى وقادة الشّعوب الصّديقة لتحقيق السّلام في الشّرق الأوسط…هذا التّركيب المملّ والخبيث الذي ظلّوا يخاتلون به العرب طويلا حتى انصاعوا له…إنّه التّركيب المقابل لتحقيق استقلال فلسطين وتحريرها وقد دسّوه بدهاء …

ولكنّ للصّباح لغة أخرى…

غيوم سوداء تغطي السّماء وأزيز يصمّ الآذان وزوجته ترتعد و هي توقظه من النوم” انهض لقد جاؤوا….لقد جاؤوا”

نهض مذعورا و هرول خارج البيت وصوّب نظره إلى الحقل ثمّ جرى صارخا نحوهم وخلفه الزّوجة والأولاد.

قبعوا  أمام الجرّافات صارخين:

“ماذا فعلنا لكم؟ماذا اقترفنا؟هل أطلقت هذه الأشجار نحوكم صواريخ وقذائف؟آه يا عالم أين أنت؟ أين مواثيقك وقوانينك وجمعيّاتك ومجالسك؟أين معاهدات السّلام ؟ أين الصّداقات ؟

هبّ بعض الأهل و الأجوار من حقولهم وديارهم..حاولوا جميعا أن يصدّوا الجرّافات لكنّها تتقدّم بلا خجل تدهس الأشجار و الجدران و تزيد البرتقال حزنا.[1]

وصلت سيّارات عسكريّة..نزل منها جنود غلاظ…تكلّموا عبر المصدح محذّرين من الاقتراب ثم بدؤوا ينتشرون ويطلقون النّار في الهواء و يدفعون الجموع المحتشدة …

تمادت الجرّافات ولم تتراجع….كسرت الأشجار وأفسد الزّرع وصار البيت ركاما وحجرا و وقف الجنود يطالبونه بالرّحيل ..لم يعد مرغوبا فيه في هذا المكان ولم يعد له من وجهة يقصدها ..

صرخ كبير الضّبّاط:” انتهت المهلة”ثمّ أطلق النار في الهواء مهدّدا بالرّصاص الحي…

رفع أبو حسين  يديه إلى أعلى و لوّح بنظره إلى السّماء متمتما ببعض الأدعية.ثمّ سار وأمامه زوجته وأولاده وقد حملوا على رؤوسهم بعض الأمتعة وأمامهم قطيع من الماعز يلفّهم حزن شاسع و تدور في أذهانهم صور المنافي القديمة ومشاهد التّهجير التي تتكرّر منذ عقود و يتوجّسون من رحلة طويلة فرضت عليهم مثل أجدادهم وأعمامهم …

سارت القافلة الصّغيرة  يتبعها مصوّر تلفزيّ يعمل لفائدة قناة عربيّة بصدد ٳعداد شريط وثائقيّ عن الشّتات الفلسطينيّ …( يقسم أحدهم إنّه رآه ينزل من سيّارة عسكريّة)…

اشتعلت لافتات القنوات الإخبارية العربيّة:

عاجل: اشتباكات في الأراضي الفلسطينيّة

عاجل:قوات الاحتلال الصهيوني تشنّ حملة تهجير جديدة في الأراضي الفلسطينيّة…

تأهّب الصّحفي عمران الأسود ليظهر على القنوات الإخباريّة بصفته محلّلا سياسيّا عربيّا منتصرا للمقاومة عرف بتدخّلاته الحماسيّة التي تلقى صداها في الجماهير العربيّة العريضة.انتظر لساعات طويلة فلم يتّصل به أحد…أطلّ على شاشات قنواته الصّديقة فرأى صورا لدماء عربيّة تسيل هنا وهناك وسمع محلّلين تكثر جملهم الاعتراضيّة و تخفت أصواتهم كلّما جاء حديث جرائم الاحتلال.فتح حاسوبه ليكتب على صفحته الاجتماعيّة غاضبا:

“لقد باعوا القضيّة و قبضوا الثّمن…”

***

كان أبو حسين يقتفي خطى القافلة الصّغيرة، متعثّرا يكاد يرتطم بالأرض.لم يعد جسده يتحمّل المسافات الطّويلة و لم يعتد قلبه الاستسلام .

في النّقطة الحدوديّة توقّف و جثا على الأرض و لاذ بصمت طويل ثمّ قرّر أن لا يستسلم و استدار إلى الوراء،عائدا إلى الأرض…


 تضمين لعنوان المجموعة القصصيّة “ارض البرتقال الحزين”لغسان كنفاني

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.