الجبهة الشعبية و ضفادع أريستوفان:هل من مقارنة ممكنة ؟

img
الجبهة الشعبية و ضفادع أريستوفان:هل من مقارنة ممكنة ؟
بقلم : حسام بلغولة 
في سنة 405 قبل الميلاد كتب الشاعر اليوناني ” أريستوفان ” رائعته المسرحية ملهاة الضفادع لتكون هذه المسرحية لحظة فاصلة في تاريخ الكوميديا بشكل خاص و في تاريخ المسرح الاغريقي بشكل عام .
لقد انطلق أريستوفان من مكانة الفنان داخل المجتمع ليقودنا بذلك الى حلقة أوسع و أرحب من التفكير فنجد في الضفادع علاقة الفنان بالسياسي و نجد فيها كذلك سبل التجرد و التحرر من سلطة المقدس ليكون هذا المقدس محل سخرية و نقد لاذع من قبل أريستوفان .و بالعودة الى الظرفية التاريخية التي كتبت فيها المسرحية فسنجد أنها كتبت في ظرفية تاريخية عرفت فيها الامبراطورية الاغريقية  تدهورات على مستويات متعددة تظافرت في تحققه عدة عوامل و ليس هذا المجال لسردها
تنطلق المسرحية بتنكر ” الاله ديونيزوس ” و ذهابه صحبة عبده ” كاثنياس ” الى منزل هيراكليس هذا الذي سبق له السفر الى عالم الموتى و عاد منه سالما فيذهب ديونيزوس اليه مستشيرا اياه عن سبل السفر الى هذا العالم و غاية ديونيزوس في زيارة عالم الموتى تلخصت في ضرورة العودة بأحد الشاعرين ” يوربيديس ” و ” اسخيلوس ” عل بعودة أحدهما تسترجع أثينا مجدها الفني و يبدأ ديونيزوس و قد اعترضت سبيله جملة من العوائق و العراقيل و التي كان العبد المسكين ” كاسانثياس ” هو من يتحمل تبعاتها . و بمجرد وصووله يجد أن النقاش بين الشاعرين قد احتدم حول أسلوبيهما في الكتابة و مضامين نصوصهما فيطلبان منه التحكيم بينهما لتبدأ بذلك مناظرة فكرية بينهما تنتهي بتدخل بلوتون الاه عالم الاموات الناص بالعودة باسخيلوس ؟
هذا جوهر مسرحية الضفادع و ربما هو تلخيص بسيط لها فأي علاقة يمكن أن تكون لهذه المسرحية بالوضع الحالي” للجبهة الشعبية ” التعبيرة المكثفة عن قوى الطيف الديمقراطي التقدمي في تونس ؟
في مواجهة السطوة الاخوانية بعد انتخابات المجلس التأسيسي كان لابد من ” جبهة شعبية ” لخلق التوازن داخل الساحة السياسية و على قاعدة هذه الأرضية اجتمعت جملة من مكونات الطيف اليساري التقدمي داخل القطر و قد مثل اجتماع هذه المكونات داخل اتلاف الجبهة الشعبية خطرا حقيقيا على سلطة الاخوان التي ما انفكت تشوه زعمائه و تهددهم ثم مرت فيم بعد الى مرحلة التصفية الجسدية لقياداته حيث اقدمت على تصفية الرفيق الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطين الموحد شكري بلعيد في 6 فيفري 2013 ثم الرفيق الشهيد محمد البراهمي أمين عام حزب التيار الشعبي في 25 جويلية 2013 في مدة وجيزة استطاعت الرجعية تصفية زعيمين لأحدى أهم العائلات السياسية المكونة لهذا الاتلاف لكن هاذين الاغتيالين لم يؤثرا  على وحدة و تماسك هذا الاتلاف الذي مثل عنصرا أساسيا في خلق توازن سياسي أنقذ البلاد من سطوة و تغول الاخوان عبر جر حركة النهضة الى مربع الحوار الوطني الذي لئن اختلفت الأراء حوله يظل لحظة حاسمة في تاريخ تونس و الذي انبثق عنه ” دستور 2014 بشكله المحترم و المحافظ على مسألة مدنية الدولة بعد صراع دامي داخل البرلمان و خارجه و لا يمكن أن ننسى أحداث 9 أفريل و اقتحام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل .
لقد لعبت الجبهة في تلك الفترة دورا حاسما في وقف التغول الاخواني و يمكن أن يختلف البعض حول تكتيكها في تلك المرحلة الا أنه لا يمكن أن نغض النظر عن دورها الحاسم
وهذا ما بوئها احتلال المرتبة الثالثة في انتخابات 2014 و التي لا يخفى عن أحد تلك المبالغ الطائلة التي أنفقها اليمين بشقيه الليبرالي و الديني رغم ذلك استطاعت الجبهة تصعيد 15 نائبا داخل البرلمان بمجهودات بسيطة من مناضلين صادقين اجتمعوا حول مشروع يرون أنه الأصدق و الأنقى في تلك الفترة
هل هي شرعية الدم وحدها ما جعل الجبهة الشعبية تتبوء تلك المرتبة ؟
برأيي لا و لئن كانت شرعية الدم عاملا أساسيا في بناء و تماسك الجبهة فأن هذا الاتلاف منذ لحظة الاعلان عليه كان منفتحا على الفئات الشعبية المهمشة و على نخبة البلاد من المفكرين و الفنانين و غيرهم و هذا ما أكسب الجبهة الشعبية تعاطفا شعبيا في تلك الفترة الحرجة من تاريخ تونس
فالتنظيمات عادة ما تولد لتكبر و تنتشر الا أن الجبهة الشعبية كيان ولد كبيرا لكنه يسير تدرجيا نحو الاندثار و تسارع بعض مكوناته نحو ذلك عبر سياسة الهروب للأمام و دليل ذلك هو الوضع الحالي للجبهة الشعبية بماهي عليه من انقسام
فهل تنطلب الجبهة الشعبية ديونيزوسا جديدا يسافر لعالم الموتى من أجل استرجاع أحد الشهيدين لينظر في خلاف الرفاق
لعلّ الجبهة الشعبية تسترجع مجد 2012 و زخمها حين كانت تتحكم في الشارع ؟
في مقال له تحت عنوان تقريض الخزي يقول الرفيق سنان العزابي :
إن القول بأن الخزي هو دافع للثورة ليس بعيدا عن القول بأنه محرك التاريخ و أن وظيفة المثقفين و السياسيين و غيرهم يجب أن تقاس ثوريتها بمدى استحثاثها لهذا الانفعال الثوري بصفته شرط استدامة الحرية، و على ذلك فان المثقف العميل يمكن في هذه الحالة تعيينه بكل يسر انه ذلك الذي يمدح الشعب بما ليس فيه و قديما قالت العرب قبح لله من مدحني بما ليس فيّ، أما عن الفلاسفة فلا تسأل، فأكثرهم صدقية هو ذلك الذي يعلمك أن الحقيقة تبدأ حين يسخر المرء من نفسه
و كما سخر اريستوفان من قداسة ديونيزوس و نزله على الركح علينا أن نسخر من سلوكات قيادة الجبهة فلا زياد الأخضر و لا منجي الرحوي فوق النقد فمن المؤكد أن لهم أخطائهم . و لا أيضا حمة زعيما أبديا للجبهة الشعبية فكسر فكرة الزعامة خطوة نحو التأسيس لجبهة ديمقراطية و السخرية هنا لا يجب أن تكون سخرية لمجرد السخرية بقدر ما يجب أن تكون استحثاثا لتطوير الجبهة و دمقرطة هياكلها
و علينا حقا أن نسخر من الوضع الحالي للجبهة الشعبية هذا المشروع الذي يراه بعض مكوناته اليوم أسيرا للحلقية و السكتارية و للحسابات السياسية الضيقة فليس من الجرم في شيء المطالبة بهيكلة الجبهة و دمقرطة هياكلها . و ليس من الجرم في شيء أن نمارس نقدنا الذاتي أمام الجماهير التي ترى في الجبهة صوتها فلماذا نخشى الحقيقة دائما ؟
لم لا نعترف اليوم أن الجبهة الشعبية لم تعد شعبية بالشكل الذي أريد لها أن تكون
ان أوجه التشابه بين ضفادع اريستوفان و الوضع الحالي للجبهة الشعبية يمكن أن نتقصاه من خلال الظرفية التاريخية التي كتبت فيها المسرحية اي وضع تدهور أثينا و انحدارها فالجبهة اليوم على حافة الهاوية و الاندثارفالجبهة الشعبية اليوم في حاجة للحوار بين جميع مكوناتها لتتجاوز هذا الاشكال فكما تحمل ديونيزوس مسؤولية السفر الى عالم الأموات من أجل استرجاع أحد الشاعرين على الرفيق حمة الهمامي أن يتحمل مسؤلية فشله كناطق رسمي للجبهة الشعبية و على حد السواء يجب أن تعترف بقية المكونات في فشلها في التأسيس لجبهة شعبية حقيقية أو بالأحرى الحفاظ على رصيد الجبهة بعيدا عن السكتارية و السقوط الأخلاقي المدوي لبعض قيادات الجبهة الذين يتعاملون معها باعتبارها أصلا تجاريا
فالتاريخ وحده كفيل بأن يذكر من أراد الحفاظ على هذا المشروع و ساهم في تخريبه فمن يرفض الحوار هو من يريد لهذا المشروع أن ينتهي لكن دماء الشهداء و أحلام المهمشين لن ترحم أحد …..
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: