الجامعة التّونسيّة والمجتمع في ظلّ التّقسيم العالمي الجديد للعمل

img

الجامعة التّونسيّة والمجتمع في ظلّ التّقسيم العالمي الجديد للعمل

قراءة أوّليّة[1]   

 

المولدي قسّومي

   جامعة تونس

مــقــدّمــة

ما نطرحه في هذه المساهمة العلميّة على أنّه السّياق العام الذي تتشكّل فيه العلاقة بين الجامعة والمجتمع ويعاد فيه تشكّلها لا علاقة له بما طرحه دوركايم “حول تقسيم العمل الاجتماعي”[2] سنة 1893 وهو أحد أهمّ الأعمال التي جعلته يتبوّأ مكانة “الأب المؤسّس” لعلم الاجتماع الفرنسي. ولكن الذي يعنينا هنا بالأساس هو التّقسيم العالمي الجديد للعمل القائم أساسا على مبدأ التّخصّص بين البلدان وفق الصّيغة التي يحدّدها الاقتصاد السّياسي للعلاقات الدّوليّة. وبمقتضى ذلك تحتكر الدّول المتقدّمة أو بلدان المركز الصّناعات الإستراتيجيّة والتّكنولوجيا التّصنيعيّة والخدمات المتطوّرة والمهارات الخلاّقة والمبتكرة التي تتحكّم في القدرات التّطويريّة وتهيمن عليها أيضا، ويوكل إلى البلدان المتخلّفة أو بلدان الهامش مهمّة توفير المواد الأوّليّة واليد العاملة وتبقى في تبعيّة تامّة لأنّها تعيش على توريد كلّ ما تستحقّه وما هو مسموح لها بنقله بما في ذلك المعرفة التي ينتجها المركز.

ولم يعد التّقسيم العالمي الجديد للعمل تقليديّا كما يشار إليه بعبارة “الجديد” لأنّه بمقتضى التّطوّر الذي أفضى إلى صعود العديد من القوى الصّناعيّة الجديدة[3] في كلّ من آسيا وأمريكا الجنوبيّة فإنّ مسألة التّخصّص التي تعبّر عن المنطق الدّاخلي للنّظام العالمي المبني على هذا التّقسيم تغيّرت بحكم العلاقات والموازين الدّوليّة. باعتبار أنّ البلدان الصّناعيّة الجديدة استفادت من نقل التّكنولوجيا ومن المهارات العمّاليّة وقوّة الانتاج التي تتقن التّعامل مع التّكنولوجيا التّصنيعيّة، فتحوّلت هذه البلدان إلى ورشات عملاقة للمناولة أو المقاولة من الباطن للشّركات متعدّدة الجنسيات والعابرة للقوميّات وذلك في إطار الامتيازات المقارنة التي تمنحها تشريعات تلك الدّول للاستثمار الأجنبي المباشر. نتيجة ذلك فإنّ خارطة العلاقات الدّوليّة من منظور الاقتصاد السّياسي أصبحت خاضعة لمعايير التقسيم العالمي الجديد (وليس التّقليدي) للعمل. وهو التّقسيم الذي خضع إلى معيار جديد لا يكتفي بالصّيغة الثنائيّة للعلاقات الدّوليّة (مركز – هامش) بل صيغة جديدة تحتلّ فيها الدّول الصّناعيّة الجديدة (البلدان الصّاعدة) مكانا محوريّا.

التّقسيم العالمي الجديد للعمل الذي ينطبق على الأنساق الشّاملة والمنظومات العامّة المتحكّمة في العلاقات الدّوليّة ينطبق أيضا على عناصرها وبنياتها التّكوينيّة ممثّلة في الأنساق الفرعيّة والنّظم القطاعيّة، بما في ذلك النّظم المعرفيّة ومنظومات الصّناعة العلميّة التي تختصّ بها الجامعات. ويمكن أن نعتبر علاقة الجامعة بالمجتمع ومدى قدرتها على أداء وظيفتها والقيام بدورها تجاهه هي المتغيّر الحاسم في تحديد أثار التّقسيم العالمي الجديد للعمل على هذه المنظومة الفرعيّة وعلى مكانة أيّة أمّة بمكوّنيها الأساسيّين (المجتمع والدّولة) بين الأمم.

  • في معنى الجامعة وعلاقتها بالمجتمع

إنّ الاتّجاه إلى فهم علاقة الجامعة بالمجتمع في هذا السّياق الجديد تحدّده ثلاث مبرّرات أساسيّة:

أوّلا لأنّ الجامعة تنشط في إطار ديناميكيّة المعرفة والبحث العلمي، وهذه مسألة متجاوزة للحدود الوطنيّة والثّقافيّة والجغرافيّة. ومع ذلك لا يمكن فكّ الارتباط معها لأنّ كلّ الجامعات في العالم تنشر المعرفة بنفس المعايير والضّوابط العلميّة ولكن الفوارق تبرز من حيث التّمييز بين الجامعات المنتجة للمعرفة والتي تملك صناعة علميّة والجامعات التي تنقل المعرفة ولا تملك صناعة علميّة. حينئذ فإنّ مقاييس التّقسيم العالمي الجديد للعمل تنسحب حتّى على الجامعات.

ثانيا لأنّ امتلاك الصّناعة العلميّة والتّحكّم في إنتاج المعرفة هما من المحدّدات الحاسمة  لمكانة البلدان في خارطة العلاقات الدّوليّة ودورها في نطاق التّخصّص الذي يفرضه التّقسيم العالمي الجديد للعمل. فالصّورة التّقليديّة لعلاقة البلدان المتقدّمة والمصنّعة بالبلدان المتخلّفة هي ذاتها التي تعبّر عن علاقة الجامعات المنتجة للمعرفة والمصنّعة للعلم (وبالتّالي تحمل نفس صفة بلدانها فنسمّيها جامعات متقدّمة) بتلك التي تكتفي بنقل المعرفة ولا تملك صناعة علميّة (شأنها شأن بلدانها في بقيّة المجالات) فتنال منها صفة التّبعيّة والتّخلّف لذلك هي جامعات متخلّفة.

ثالثا لأنّ الجامعات المتقدّمة تأسّست في سياق التّطوّر الطبيعي لمحيطها الاجتماعي وفي سياق مقتضيات الاستجابة لما يفرضه تطوّر المجتمع من المعارف والصّنائع لتكون الجامعة هي الورشة الخلفيّة المنتجة للعلم والمعرفة والتي تضمن ما يقتضيه تطوّر الحياة بالنّسبة إلى المجتمع. ولا شكّ أنّ الجامعات المتقدّمة نشأت على هذا الأساس ولأجل هذا الغرض، الأمر الذي لا نجده في التّجارب الجامعيّة للبلدان المتخلّفة حيث أنّها تفتقد أصلا إلى مبدأ “مجتمعيّة الجامعيّة”.

بالنّظر إلى هذه المبرّرات الثّلاث المذكورة وبالعودة إلى محدّدات المدخل- السّياق الذي نريد أن نفهم من خلاله علاقة الجامعة بالمجتمع – والعكس أيضا ينسجم مع ما نطرحه – فإنّه من الممكن أن نتناول هذه العلاقة من باب المسؤوليّة المجتمعيّة[4] للجامعة ومدى تجاوب هذه المؤسّسة مع محيطها العام بما يحيلنا عليه من معنى رمزي (المحيط بمعناه الثّقافي والأخلاقي والفكري…) ومعنى هيكلي (المحيط بمعناه الاقتصادي والجغرافي والدّيمغرافي والبيئي…). هذا بالنّظر إلى أنّه مهما تعدّدت التعريفات واختلفت المعاني فإنّ المشترك بينها هو “أنّ الجامعة هيكل أكاديمي موحّد لأجزائه يؤدّي أدوارا متكاملة في إنتاج وحفظ ونقل المعارف والعلوم في مجالات واختصاصات مختلفة، كما تلعب الجامعة دورا مهمّا كأداة للتّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة وكمجال لترسيخ القيم الجامعيّة الانسانيّة السّامية وروح المواطنة وقيمها بصفة عامّة”[5].

كان فولتير قد ذكّر أبناء جيله أنّ “اسم الجامعة جاء على افتراض أنّ الأجسام التي تكوّنها، والتي نسمّيها كليّات، هي التي تشكّل جامعة لإنجاز الدّراسات وإنتاج المعرفة، وهي تتولّى فهم وتفسير كلّ الأشياء”[6]. من خلال الاطّلاع على  التّجارب الجامعيّة العالميّة نجد أنّه تمّ اعتماد هذه الفكرة المتعلّقة بالتّضامن العضوي بين كلّ وظائف المعرفة وبين كلّ الأجسام المكوّنة للجامعة بشكل باهر في تأسيس جامعة برلين (1810) التي ستصبح الجامعة الأوروبيّة النّموذجيّة خلال لقرن التّاسع عشر.

تنبع تلك القناعة التي ميّزت تلك التّجربة من أنّ ضرورة المواجهة المعرفيّة لانهيار بروسيا سنة 1806 فرضت مبادرة من النّوع الفكري[7] تمثّلت في سياسة علميّة جديدة وجسورة يجب أن تساهم في الرفع من الشّأن الوطني بأن توفّر للدّولة الخدم الذين تحتاجهم، أناس ذوي ثقافة متينة قادرين على مواجهة الظروف الصّعبة وإدارة الأزمات بذكاء وتقوم على مبدأ أنّ الحياة الفكريّة هي حياة جماعيّة مشتركة. فهي تجمع، تحت عنوان  نفس الّدور والرّسالة، ما نسمّيه اليوم بالجماعة العلميّة المكوّنة من أناس يتابعون بحوثا مختلفة ومتعدّدة الاختصاصات ولكنّها متداخلة ومترابطة فيما بينها ومتعاضدة من حيث أنّها تثري بعضها البعض بشكل متبادل وبضمان التّنوّع في اهتماماتهم.

ففي الجامعة كلّ جسم علمي ونظام معرفي يوجد من أجل ذاته ولكنّه يوجد أيضا من أجل الآخرين في إطار علاقته بكليّة المعرفة، والمؤسّسة الجامعيّة هي التي تحدّد موقع التّداخل بين التّخصّصات بامتياز، هذه كانت خاصيّة كلّ الجامعات العريقة والمتقدّمة في العالم منذ أن أثبتت أهميّة ذلك جامعة برلين خلال القرن التّاسع عشر[8]. على العكس تماما من التّوجّه الذي بدأت تأخذه الجامعة الفرنسيّة في تلك الفترة ذاتها  والذي تعتمده أغلب الجامعات المتخلّفة في العالم. فعندما نظّم نابليون سنة 1808 بشكل تعسّفي، تحت اسم الجامعة الإمبرياليّة، المنظومة التّعليميّة في فرنسا، فإنّه قد ميّز للمرّة الأولى في التّاريخ بين كلّيات الآداب وكلّيات العلوم وكليّات الفلسفة وكليّات الفنون القديمة، ومنذ ذلك الحين فقد ضرب نابليون وحدة المعرفة، وأصبح في فرنسا لابدّ من الاختيار بين التّكوين الأدبي والتّكوين العلمي ولكن كل واحدة منهما مبتورة من الأخرى وتعاني من عوز أساسي. باعتبار اختزال كلّ منهما في مصادره الخاصّة – بفعل تقسيم عمل غير مبرّر – فإنّ الأدبي والعلمي كلّ منهما أصبح بمثابة نصف كفيف، وبالنّسبة إلى كل منهما فإنّ جزءا لا يستهان به من الحقل الابستيمولوجي كأنّه لم يوجد قطّ[9].

لقد كان القرن التّاسع عشر، بالنّسبة إلى تاريخ المعرفة، مطبوعا بتوسّع العمل العلمي. وقد عرفت خلاله تكنولوجيا البحث في كلّ المجالات ثراء غير مسبوق، ولكن هذا الثراء المتصاعد كان مقابل تخفيف المهمّات. لقد جاء زمن التّخصّصات في المجالات المعرفيّة، وبقدر اتّساعها فهي لا تكفّ عن الانقسام منذ أن بدأ مقدار اليقين بين المعارف يتقلّص. فمعرفة المختصّ أصبحت شيئا فشيئا أكثر اقتصارا على مجال أقلّ امتدادا. بناء على ذلك يبدو أنّ القرن التّاسع عشر تميّز بتراجع أمل التّداخل بين التّخصّصات، كما يبدو أنّ الوعي العلمي انهزم وأصبح مقيّدا بالكتلة المتصاعدة لهذه الغزوات.

هكذا يبدو أنّ ثمن التّراكم الكمّي للمعلومات أدّى إلى انهيار الذّكاء الموسوعي. وقد ظهر هذا التّعسّف  الإبستيمولوجي بشكل لافت في تاريخ المؤسّسات العالمة، وبشكل خاص الجامعات وكان السّبب الكامن وراءه هو تفتيت وحدة المعرفة والتّحكّم في اندماجها. فلا شكّ وأنّ الاندماج الاجتماعي للمعرفة، بالنّسبة إلى الذين يتعاملون مع الجامعة من باب السّياسة، عنصر مهمّ لتكوين السّلطة، والسّلطة تهتمّ أكثر بالمعرفة التّطبيقيّة لأنّها الوحيدة التي تقودها وتوجّهها في صياغة البرامج والتي تؤمّن تمفصل ممارساتها. لأنّ تداخل الاختصاصات هو قبل كلّ شيء تجميع المعلومات التي توفّرها عدّة تخصّصات في نهاية الأمر[10] والاشتغال على ما يمكن أن يكون فيها من روافد لبعضها البعض. وهذا لا يضمن فقط اندماج المعرفة ووحدتها بما يضفيه من قوّة على جسم الجامعة ولكن أيضا يتطلّب وحدة الجماعة العلميّة وتماسكها وهو ما لا يمكن أن يُستساغ بسهولة في أيّ نظام سياسي يمكن أن تكون وحدة المعرفة والجماعة العالمة مصدر تهديد لكيانه.

حينئذ فإنّ الفرق بين الجامعة الألمانيّة والجامعة الفرنسيّة يكمن في الهدف السّياسي الذي تكمن وراء كلّ تجربة، حيث كان الهدف من توحيد الجامعة الألمانيّة ومن ورائها وحدة الجماعة العالمة وصلابتها هو توحيد المجتمع والدّفاع عن البلاد بينما كانت الغاية من تفتيت الجامعة الفرنسيّة معرفيّا ومجتمعيّا هو مزيد السّيطرة والتّحكم وتسهيل الحفاظ على السّلطة لا غير.

لذلك لابدّ من توضيح أنّ وحدة الجامعة المبنيّة على وحدة المعرفة واندماجها الاجتماعي المعتمدين بدورهما على تداخل التّخصّصات وتعاضد مكوّنات الجماعة العلميّة لا يعني مجرّد استعمال علم ما لعلوم تابعة أو ثانويّة لمجرّد إثبات القدرة على ممارسة النّشاط المعرفي بل إثبات أنّ ذلك شرط براغماتي لتوظيف كلّ ما يمكن أن يثمره من إنتاج معرفي وصناعة علميّة لفائدة المجتمع ولتأكيد أنّ الجامعة أداة فاعلة في التّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة.

 

  • جامعة بلا جماعة علميّة، مطروح عليها الحفاظ على دورها في المجتمع ومواجهة شروط التّقسيم العالمي الجديد للعمل

عرف الجهاز القانوني الذي ينظّم الجامعة التّونسيّة منذ تأسيسها عدّة تعديلات أضفت عليها تغييرات متتالية في صفتها وتصنيفها القانونيّين[11]. وبالنّظر إلى كثرة التّعديلات التي أدخلت عل القانون المنظّم للجامعة التّونسيّة فإنّه يمكن القول أنّها خضعت إلى القوْننة المفرطة وتضخّم البنية التّشريعيّة التي أضاعت ملامحها القانونيّة أصلا، فلا يمكن بأيّ شكل من الأشكال أن نقف على تحديد واحد لصفة الجامعة التّونسيّة وطبيعتها مع ضمان استمراريّة تلك الصّفة والتّصنيف من منظور قانوني. فمنذ 1960 إلى الآن يمكن أن نحصي ما لا يقلّ عن سبعة[12] قوانين منظّمة للجامعة، مع أنّها جميعها لا تميّز بين الجامعة والتّعليم العالي من النّاحية القانونيّة والتّنظيميّة أيضا، وكذلك من ناحية الوظائف والأدوار في المجتمع.

وقد ساعد هذا الغموض والتّداخل في الفهم القانوني وفي الأسس والمبادئ التّنظيميّة لكلّ من الجامعة والتّعليم العالي على المضي بسرعة إلى الجمع بين مركزيّة الجامعة وجماهيريّة التّعليم العالي[13] مع إخضاع معنى الجامعة وأهدافها وأدوارها في المجتمع إلى محدّدات التّعليم العالي وأهدافه ووظائفه. وبالتّالي انحصرت وظيفة الجامعة التّونسيّة في التّعليم العالي الذي يقتصر على التّكوين وفق ما تسمح به إمكانيّات نقل المعرفة ونشرها ولم تصل إلى مستوى الاستجابة للشّروط التي يستبطنها معنى الجامعة وليس أقلّها القيام بوظيفة الإنتاج المعرفي والصّناعة العلميّة، كما أوردنا ذلك في تحديدنا لمعنى الجامعة.

يعرّف القانون عدد 19 لسنة 2008 المؤرخ في 25 فيفري 2008، وهو القانون المنظّم للتّعليم العالي في تونس وليس القانون المنظّم للجامعة، مؤسّسات التعليم العالي والبحث العلمي بأنها “مؤسسات عمومية ذات صبغة إدارية يُمكن أن تتحوّل بأمر، في حال استجابتها لشروط محددة، إلى مؤسسات عمومية ذات صبغة علمية وتكنولوجية وتتمتع بالشخصية القانونية وبالاستقلال المالي، ويُضبط تسييرها بأمر”. وقد حدّد نص القانون وظيفة للتعليم العالي في “التكوين وتنمية الكفاءات، والمساهمة في تشييد مجتمع المعرفة، وإثراء المعارف وتطوير التكنولوجيا ووضعها في خدمة الجماعة الوطنية”.

ما يمكن أن نستخلصه هو أنّ “الجامعة التّونسيّة”، التي لا تستجيب للمعايير الدّوليّة لتصنيف الجامعات أو حتّى لإدراجها ضمن المنظومات الجامعيّة، أصبحت جزءا من منظومة التّعليم العالي والحال أنّ المسألة ينبغي أن تكون عكسيّة.  حينئذ لا يمكننا بأيّ حال أن نقدّم الخارطة الوصفيّة للجامعة التّونسيّة، وإذا كان الأمر ضروريّا فينبغي أن نقدّم الخارطة الوصفيّة للتّعليم العالي الذي يمثّل المنظومة التي تحتوي الجامعة التّونسيّة.

يتكوّن التّعليم العالي في تونس من 203 من المؤسّسات الموزّعة على 13 جامعة يؤمّها 322625 طالبا (2014- 2015) وقد تخرّج منهم في نفس السّنة 67067 متحصّلا جديدا على شهادة علميّة ووافدا على سوق الشّغل المفلسة. أمّا الإطار البيداغوجي الذي يؤمّن سير التّكوين والتّدريس ويتكفّل بمهمّة التّأطير والبحث والإنتاج المعرفي والصّناعة العلميّة فهو يعدّ 23090 مدرّسا باحثا في كلّ الرّتب والأصناف. وهو ما يمكن أن يعطي نسبة تأطير مهمّة وقويّة باعتبار أنّه يمكن أن نجد 14 طالبا لكلّ أستاذ، وهذا يوحي للوهلة الأولى بمؤشّر إيجابي، ولكن الواقع غير ذلك تماما باعتبار أنّ عدد الأساتذة الباحثين صنف أ المخوّل لهم تأطير شهادات الماجستير والدّكتوراه لا يتجاوز عددهم 2091 أستاذا خلال السّنة الجامعيّة 2014- 2015 وهو أمر مثير للغاية حيث يفيد أنّ نسبة هذا الصّنف لا يغطّي 10% من العدد الجملي للإطار البيداغوجي الذي يشرف على منظومة التّعليم العالي التي تنفّذها الجامعة التّونسيّة.

وهذه المعطيات المثيرة تشير إلى بعض المعطيات الأشدّ إثارة من مسألة ضعف نسبة التّأطير، وهي تتمثّل فيما يلي:

أوّلا أنّ الجامعة التّونسيّة تحوّلت إلى مجرّد فضاء مؤسّساتي لتنفيذ برامج التّعليم العالي.

ثانيا أنّ منظومة التّعليم العالي تحوّلت منذ أواسط تسعينات القرن المنصرم إلى منظومة جماهيريّة.

ثالثا أنّه لم يعد بالإمكان الحديث عن جامعة تونسيّة بالنّظر إلى تخلّيها شبه الكلّي عن إنتاج المعرفة وصناعة العلم والاكتفاء بمهمّة نقل المعرفة التي لم تعد قادرة على تكوين كفاءات مهنيّة تستجيب لشروط سوق الشّغل بخصائصه الفنيّة والمعرفيّة العصريّة.

رابعا أنّ الجامعة التّونسيّة لا زالت تفتقر إلى وجود جماعة علميّة قادرة على تأمين الدّور الفعلي للجامعة وتحقيق الاندماج الاجتماعي للمعرفة العلميّة.

خامسا أنّها أصبحت معزولة عن المجتمع انطلاقا من كونها في حالة تخلّ تام عن مسؤوليّتها المؤسّساتيّة تجاه المجتمع، وهو ما يعني تخلّيها عن مؤوليّتها المجتمعيّة بوصفها مؤسّسة. لذلك فإنّنا لا نبالغ إذا ما اعتبرنا أنّ الجامعة التّونسيّة أصبحت خارج السّياقات والأطوار التي تعيشها الجامعات المتقدّمة، وهي أيضا عاجزة عن أداء الأدوار سواء تلك التي تأسّست لأجلها أو تلك التي فرضتها مسؤوليّة التّصدّي لمحددات التقسيم العالمي الجديد للعمل.

إذا انطلقنا من فرضيّة أنّ البلدان المتقدّمة صنعت تفوّقها من خلال السّيطرة على المخابر البحثية والعلمية القادرة على التّصنيع العلمي لا سيّما تلك التي تتحكّم في التكنولوجيا التصنيعية، بالإضافة إلى تحكّمها في الشبكات المعلوماتية والإعلاميّة والاتصالية، فلا شكّ أنّ ذلك كلّه من اختصاص المؤسسات الجامعية الكبرى. مع العلم أنّ كلّ عناصر التّفوّق الصّناعي والتّكنولوجي الذي هو شريان التّفوّق الاقتصادي في العالم متشابك مع الوظيفة الأساسيّة للجامعة ومع مدى استجابتها لشروط وجودها في المجتمع، وهي كذلك من النّتائج المباشرة لعلاقة التّلازم المجالي والبنيوي والوظيفي بين الجامعة والمجتمع… فكلّ ما تنتجه الجامعة متصل بما تحدّده احتياجات السّوق وما يحتاجه المنطق الدّاخلي للنّظام الاجتماعي الذي أصبح هو بدوره محكوم بهيمنة القيم السّلعيّة بما في ذلك من إضفاء الطّابع السّلعي على العلاقات البشريّة.

حينئذ فإنّ السّياق الشّامل الذي توجد فيه الجامعة اليوم يفرض عليها أن تستجيب لكلّ شروطه المتجدّدة التي فرضت تغييرات عميقة وجوهريّة على كلّ شيء متّصل بواقع الإنسان بدءا بالعمل الذي يمثّل عنصر إثبات وجوده عبر التّاريخ. والجامعة التي تملك القدرة على أخذ مكان في الطّريق السّريعة للتّغيير من أجل تهيئة أرضيّة التّحولات الكبرى للمجتمع ينبغي أن تكفّ عن أن تكون جامعة وتكتفي بدورها في تنفيذ برامج التّعليم العالي كما هو متّفق عليه وفق التّداول اللّفظي. وهو في الحقيقة حال الجامعة التّونسيّة راهنا.

فأيّ دور للجامعة والجماعة العلميّة تجاه المجتمع في ظلّ التّقسيم العالمي الجديد للعمل وثنائيّة المركز والهامش ؟

يمثّل ابتكار المعرفة ونشرها (التي هي من المهام الأساسيّة للجامعة) وظيفة مهمّة في كلّ المجتمعات. وهي تحتاج لمنظومة متكاملة ومتجانسة تبدأ بالنّظام التّعليمي ومؤسّسات الطّباعة والنّشر والتّوزيع ووسائل الإعلام والجامعة التي تمثّل المؤسّسة الأقدر على الرّبط بين كلّ تلك الوظائف. ولكنّ دور مبتكري المعرفة وتوزيعها في بلدان الهامش أكثر أهميّة ومسؤوليّة باعتبار أنّ هذه البلدان تعاني من ضعف البنية التّحتيّة العلميّة[14] والجامعيّة، كما أنّ هذه الأخيرة لم تتحوّل إلى جامعات بالفعل باعتبار أنّها لا تزال غير منتجة للمعرفة بل هي مستهلكة لمنتجات المخابر والجامعات الغربيّة سواء تعلّق الأمر بالعلوم الدّقيقة أو حتّى بالعلوم الانسانيّة التي أنتجت بالأساس في نطاق تطبيقات نظريّة ومنهجيّة وفكريّة على مجتمعات مغايرة.

فإذا كانت الجامعة متأثّرة بدورها بما تفرضه مقتضيات التّقسيم العالمي الجديد للعمل فهذا يضعنا أمام ضرورة التّشكيك لا في علاقة الجامعة بالمجتمع فقط بل في حقيقة وجود الجامعة أصلا. وفي حالة التّسليم بوجودها الواقعي والميداني فالأمر يدعو إلى التّشكيك في دورها الفعلي، وهو ما يتطلّب مراجعة هذه العلاقة جذريّا وإعادة تأسيسها نظريّا وبناء مسارها المرتبط بمجالها الجغرافي وفضائها الاجتماعي وما يوفّرانه لها حتّى تتمكّن (الجامعة) من لعب دورها الذي أنشئت لأجله أصلا.

لم تعد الحدود التي تفصل بين الشّعوب حدودا جغرافيّة أو ثقافيّة فقط، وهي لا شكّ مسائل أساسيّة وجوهريّة، ولكنّها قديمة ومتآكلة وضعيفة الجدوى فيما يتعلّق بالفصل والتّمييز بين الأمم. لأنّ المعطى الأكثر فاعليّة الذي فرضه التّقسيم العالمي الجديد للعمل وفق التّعريف الذي انطلقنا منه في بداية التّحليل يتمثّل الحدود الاقتصادية والمعرفيّة وهي متّصلة بعضها ببعض، بل إنّها متلازمة تلازم السّبب بالنّتيجة، لذلك أصبح تخطّي الحدود بين الأمم والعبور من تلك المتخلّفة إلى تلك المتقدّمة هو عبور الحدود العلميّة والمعرفيّة التي تفصل الشّعوب عن بعضها.

هذا الواقع أصبح يفرضه منطق التّمركز العلمي والمعرفي في علاقة الميتروبول بالهامش لا بالمعنى الاقتصادي والسّياسي فقط بل أيضا بالمعنى الذي يعنيه التّفوّق العلمي والأكاديمي في العالم[15]. فالتّحكّم في التّكنولوجيا واحتكارها والهيمنة الاقتصاديّة التي فرضت تقسيم الأدوار والمكانات بين الشّعوب على أساس منزلتها في سلّم النّفوذ الاقتصادي في العالم كلّه متعلّق بمدى قدرة هذه الشّعوب على التّحكّم في التّكنولوجيا التّصنيعيّة ومدى قدرتها على الابتكار والتّجديد العلمي ومدى تحكّمها في تحويل المؤسّسات المنتجة للمعرفة إلى محرّك أساسي لوتيرة التّقدم التّقني والتطوّر الاجتماعي والاقتصادي[16]. وكلّ ذلك لا يتجاوز نطاق البحث عن منزلة الجامعة في المجتمع ودورها تجاهه ومكانتها في التّوجّهات السّياسيّة العامّة للنّخب التي تدير شؤون الدّولة والمجتمع.

هنا يمكن أن نكتفي بالإشارة إلى ما أوردناه سابقا من أنّ الجامعة في الأصل هي محرّك من محرّكات تطوّر المجتمع، ولم يكن ثمّة سبب أصلي لتأسيسها بصفتها جامعة إلاّ لأجل هذا الدّور الذي ينبغي أن تقوم به في الاتّجاه الذي يفهم الزّمن التّاريخي فهما خطّيا تطوريّا تصاعديّا[17].

إنّ المتطلّبات المتصاعدة الموجّهة للعلم والمعرفة من طرف الفاعلين الاجتماعيّين لا تمثّل فقط تحدّيا بالنّسبة إلى الجماعة العلميّة ولكن أيضا بالنّسبة إلى السّياسيّين المطالبين بالإجابة عن الهواجس السّياسيّة والاقتصاديّة والتنمويّة لمجتمعهم، وهي هواجس لم يعد بالإمكان الإجابة عنها  بمعزل عمّا يمكن أن تقدّمه المؤسّسات المنتجة للعلم والمعرفة[18]. في المقابل فإنّ الاستحقاقات المجتمعيّة للباحثين والأكاديميّين تعبّر عنها المؤسّسات المكلّفة بوضع السّياسات العلميّة[19]، ومن خلال ذلك تلعب هذه المؤسّسات دور الوساطة أيضا بين الجامعة والمجتمع بالنّظر إلى كونها تحدّد ما يحتاجه منها علميّا ومعرفيّا من ناحية أولى ولكن أيضا توفّر آليّات التّواصل بينهما من ناحية ثانية لتضمن توطين الجامعة في بيئتها المجتمعيّة وبذلك تتحوّل العلاقة إلى حالة تلازم بنيوي وترابط وظيفي تلغي بمقتضاها الحدود المؤسّساتيّة الفاصلة بينهما، غير أنّ هذا المبدأ الأساس في علاقة الجامعة بالمجتمع لم يتوفّر إلى حدّ الآن بالنّسبة إلى الحالة التّونسيّة.

في الواقع تعتبر الجامعة التّونسيّة غير قادرة على التّجاوب مع مقتضيات التّحوّلات الكبرى التي تفرضها الأمم المتفوّقة من الإنسانيّة وتنفعل بها بقيّة الأمم من هذه لإنسانيّة. لعلّ أبرز ملامح هذه التّحوّلات التي نحن غافلون عنها، والحال أنّها تتحكّم في مصيرنا جميعا، أنّ العمل في صيغته التّقليديّة هو في حدّ ذاته بصدد الاضمحلال وهي أطروحة وجيهة يوجد من يدافع عنها[20]. فالعمل الذي كان هو المحدّد لنظام الانتاج  وللعلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة في منعطف يكاد يفقد فيه تلك الصّفات الأساسيّة بالنّظر إلى أنّ قوى الانتاج أصبحت مرتبطة بالآلة والحاسوب والتّسيير عن بعد والتّحكّم في تغيير مواطن الانتاج بمرونة كبرى، إضافة إلى تقليص ماديّة الانتاج الاقتصادي[21] وما يرافقه من الاضمحلال التّدريجي للطّبيعة الماديّة للنّقود[22] التي بدأت تحلّ محلّها بطاقات السّحب الآلي وأساليب التّداول الإلكتروني. يتزامن ذلك مع تحويل العلاقات البشريّة إلى سلع وتزويدها بالمضامين التي تجعلها ذات قيمة تداوليّة بقدر قيمتها الاستعماليّة من منظور القيمة العمريّة للفرد[23] كما تجعلها متجاوبة مع قانون العرض والطّلب حسب منطق النّظام الدّاخلي للسّوق.

نحن في هذا السّياق إزاء أربعة خصال أساسيّة بدأت تتشكّل نهائيّا وتتحكّم في المشهد العام على النّطاق الكوني: أوّلها تسليع العلاقات البشريّة، وثانيها بداية اضمحلال الطّابع المادّي للاقتصاد وتعبيراته النّقديّة، وثالثها استنباط أنماط جديدة من التّنظيم أبرزها نظام الشّبكات الأكثر انفتاحا، ورابعها الدّخول في مسار نهاية العمل بصيغته التّقليديّة المتعارف عليها وإحلال الآلة محلّ اليد العاملة وبرامج الكومبيوتر محلّ الموظّفين[24] بحيث تصبح السّمة الأساسيّة الميّزة للطّور التّاريخي القادم من عمر البشريّة ومن حقبة ما وراء السّوق هي وجود عالم بلا عمّال[25] تهيمن عليه التّحالفات بين السّياسة والاقتصاد والمعرفة العلميّة التي تضع الجامعة والجماعة العلميّة في محور البناء ثلاثي الأركان بمكوّناتها الفرعيّة وبنياتها التّكوينيّة المبطّنة. ولا شكّ أنّ هذه التّحالفات تبنى على قاعدة مزيد إحكام السّيطرة والتّنفّذ في العالم، الأمر الذي لا يمكن أن يتمّ خارج منطق السّيطرة على المخابر العلميّة وعلى الجامعات التي تحتضنها وعلى الجماعات العلميّة المنتجة للصّناعة العلميّة داخلها.

خــاتــمــة    

قد تكون خواتم المساهمات العلميّة غير قادرة على اختتامها عندما تكون هذه النّصوص مجرّد إعداد لمسار طويل من الدّراسة والتّحليل لواقع معقّد بالقدر الذي لا يمكن لدراسة واحدة ومقاربة واحدة من منظور واحد أن تحلّله كفاية. لذلك فإنّ ما ورد في هذه المساهمة لا يعدو أن يكون سوى مطارحة أوّليّة مهّدت لطرح الأسئلة الأكثر إجرائيّة لكي نستهلّ بها المشروع الذي يبحث في علاقة الجامعة بالمجتمع ضمن واقع محكوم بمحدّدات ومعايير متخارجة من أبرزها شروط التّقسيم العالمي الجديد للعمل الذي يعيد إنتاج ثنائيّة المركز والهامش.

فهل ينبغي للجامعة أن تجدّد علاقتها بالمجتمع؟ وكيف يمكنها أن تنسج روابط جديدة معه؟ وأيّ دور يمكن أن تلعبه في تجديد قدرته على مواجهة أسباب التّبعيّة والتّخلّف المتناميتين ؟ وماهي  قدرتها على كلّ ذلك في سياق يتّسم بهيمنة آليّات التّقسيم العالمي الجديد للعمل؟ وهل بالإمكان أن تجابه كلّ تلك المتطلّبات بواقعها المأزوم الذي عجز حتّى عن إيجاد جماعة علميّة يمكنها أن تؤسّس نواة صلبة تعيد للجامعة دورها تجاه المجتمع من باب مسؤوليّتها المؤسّساتيّة؟

قد لا يتوقّف الأمر على إلغاء الحدود بين الجامعة والمجتمع باعتبارها (الحدود) من مكوّنات علاقة التّرابط أصلا ولكن بهدم الحصون التي تفصل بينهما لكي نجعل العبور منهما إلى كليهما أسهل[26]. “ففي علاقة بالقضايا الطّارئة على الإنسانيّة مثل القضايا البيئيّة والأمراض المرتبطة بتطوّر نظام الحياة في العالم كلّه ينبغي على الجامعة أن تقطع طريقها في اتّجاه الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد التّقنيّة الصّرف لهذه المشاكل الاجتماعيّة”[27].

كما أنّه ينبغي على الجامعيّين أن يخرجوا من مكتباتهم ويغادروا مكاتبهم من أجل الاتّصال أكثر بمجتمعهم والارتباط أكثر بمشاكله والإنغراس أكثر في بيئتهم والانصهار أكثر في نسيجهم الاجتماعي بتناقضاته السّائدة، وتكون أداتهم الأساسيّة في كلّ ذلك المزيد من الالتزام تجاه قضايا المجتمع والانسانيّة أو على الأقلّ الملاءمة بين الممارسة البحثيّة والالتزام تجاه تلك القضايا[28] حتّى لا يظلّوا جامعيّين بلا خصال وبلا روابط تجمعهم بمسؤوليّاتهم المجتمعيّة.

الجامعيّون التّونسيّون الذين هم مطالبون بالقطع مع السّلبيّة واللاّمسؤوليّة المجتمعيّة ظلّوا غرباء عن مجتمعهم لأنّهم لم يرسّخوا خصال الالتزام بقضاياه، والدّليل أنّ العلوم الاجتماعيّة التي نشأت داخل الجامعة التّونسيّة ظلّت غريبة عن المحيط الاجتماعي والاقتصادي والسّياسي للجامعة التي تحتضنها، لذلك فإنّ مجتمعنا بقي غير مدروس وغير محلّل وغير مفهوم بالقدر الكافي. ولعلّ الحقيقة الكامنة وراء ذلك والتي لم تعد في حاجة إلى مؤيّدات هي أنّ الجامعة كانت ولا تزال جزءا من سياسة التّعليم العالي الموكولة إليه وظيفة إنتاج كوادر تسيير دولة متخلّفة وإعادة إنتاجها على نفس المعايير التي يفرضها التّخلّف.

إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية حَـوْكميّة يمكن أن نعتبر كلّ انحرافات الجامعة التّونسيّة عن مسارها الحقيقي يندرج ضمن منظومة الفساد التي تعتبر أبرز علامات تونس الرّاهنة. وهي تحتاج إلى معالجة فوريّة وعاجلة ضمن برنامج إصلاح شامل. قد يكون ذلك وجيها ولا يحتاج إلى تأكيد، ولكن ينبغي أن نتذكّر فقط ما نبّهنا إليه أحد أفراد الجماعة العلميّة التّونسيّة في المهجر والمنشغلين بأمر الجامعة في بلده الأصلي، بأنّه لا يمكن إصلاح منظومة فاسدة من طرف فاسدين، ويصعب على من تربّى على الولاء أن يؤسّس لفكر أو نهج نقدي[29]. وتلك معضلة أخرى تزيد الأمور صعوبة وتعقيدا وتكفي وحدها لتكون مبرّرا للبحث الجدّي والمعمّق في هذه الإشكاليّة التي أثارتها هذه القراءة الأوّليّة.


بيــــــبليوغرافيا

  • جيريمي ريفكين، عصر الوصول: الثّقافة الجديدة للرّأسماليّة المفرطة، ترجمة صباح صدّيق الدّملوجي، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، بيروت 2009.
  • جيريمي ريفكين، نهاية العمل: تضاؤل القوى العاملة العالميّة وبزوغ فجر حقبة ما وراء السّوق، ترجمة خليل راشد الجيوسي، دار الفارابي، بيروت 2009.
  • محمّد صالح عمري، في حوار أجرته معه سيماء المزوغي، في جريدة المغرب، 12 أفريل 2016.
  • منير السّعيداني، “الحركة النّقابيّة لدرّسي الجامعة التّونسيّة” في عمران العدد 13/4، صيف 2015.
  • نزار بن صالح، “من أجل دور مركزي للجامعات التّونسيّة صلب منظومة التّعليم العالي والبحث العلمي”، جريدة المغرب، الأحد 24 ماي 2015.
  • الهادي التّيمومي، “الطّاهر الحدّاد والزّمن التّاريخي”، في مجلّة الفكر الجديد، العدد 6، تونس، أفريل 2016

 

  • Dominique Méda, « Le nouvel âge du travail », in Sciences Humaines, N° 277, janvier 2016.
  • Georges Gusdorf, « Passé, présent, avenir de la recherche interdisciplinaire », in Revue Internationale des Sciences Sociales, 1977, N° 04.
  • Jean-François Dortier, « L’université Lyon 2 s’ouvre à la société », in Sciences Humaines, N° 259, mai 2014.
  • Mohammed Allal Sinaceur, « Qu’est ce que l’interdisciplinarité ? », in Revue Internationale des Sciences Sociales, 1977, N° 04.
  • Philip G. Altbach, «Centre et périphérie dans la diffusion des connaissances », in Revue Internationale des Sciences Sociales, N° 103, janvier 1985.
  • Ricardo Cappellin, « Les réseaux internationaux de connaissance et d’innovation dans le cadre de l’intégration de la cohésion et de l’élargissement européen », in Revues Internationale des Sciences Sociales, N° 180, juin 2004.
  • Tiago, Santos Pereira, « Politiques scientifiques, démocratie et mutation des institutions de savoir », in Revues Internationale des Sciences Sociales, N° 180, juin 2004.

 

 

[1] – منشور ضمن عمل جماعي يحمل عنوان: الجامعة والمجتمع في سياق الثّورات العربيّة وضمن الإنسيّة الجديدة، منشورات مخبر بحوث في التّنوير والحداثة والتنوّع الثّقافي بالمعهد العالي للعلوم الانسانيّة بتونس، ومؤسّسة روزا لكسمبرغ، تونس 2016، ص ص. 91- 102.

[2] – ويعتبر هذا الكتاب من أهمّ الأعمال التي أصّلت المقاربة النّسقية (المنظوميّة) والنّزعة السّوسيولوجيّة الدّوركايميّة والتّوجه الاندماجي للمجتمعات الحديثة خلال تلك الفترة الصّناعيّة، حيث كان السّؤال المحوري الذي وجّه تحليل دوركايم “حول تقسيم العمل الاجتماعي” يتعلّق بشروط الحفاظ على الاندماج الاجتماعي في أواخر القرن التّاسع عشر الذي اتّسم بتصاعد النّزعة الفرديّة وباستقلاليّة الوعي الفردي. لذلك فإنّ دوركايم اتّجه إلى ربط هذه المعطيات المجتمعيّة الجديدة بتطوّر تقسيم العمل الاجتماعي وذلك في كلّ مجالات الحياة الاجتماعيّة ليعتبر في نهاية المطاف أنّ الرّوابط الاجتماعيّة الي تحافظ على الاندماج الاجتماعي تنشأ من تقسيم العمل الذي هو بدوره مصدر من مصادر التّضامن الاجتماعي باعتباره في نفس الوقت الذي يفرض الاختلاف بينهم فإنّه يجعلهم في تبعيّة متبادلة وفي حالة تلازم وظيفي وهو ما يجعلهم ملزمين بالعيش معا في نطاق من التّضامن العضوي. فتقسيم العمل من منظور دوركايم سواء في طابعه الاقتصادي أو الاجتماعي لا يهدف إلى تنمية الرّبح المادّي المتأتّي من الانتاجيّة والمردوديّة بقدر ما يهدف إلى جعل الفرد تبعيّة متبادلة وفي تضامن مع غيره. فالدّور الأساسي لتقسيم العمل هو أخلاقي واجتماعي حسب دوركايم أكثر ممّا هو اقتصادي.

[3] – يعبّر عنها  اختصارا بـ: NIC وهي تعني باللّغة الإنجليزيّة   NEW INDUSTRIAL COUNTRIES

[4] – ظهرت عبارة “المسؤوليّة المجتمعيّة للمؤسّسة” في الولايات المتّحدة الأمريكيّة ويعود التّعبير أوّل مرّة إلى الاقتصادي Howard R. Bowen الذي أصدر كتابا سنة 1953 بعنوان The social responsability of the businessman  في سياق اتّسمت فيه العلاقة بين الأعمال والأخلاق بالطّابع الدّيني والفردانيّة وهذا ما فرض ضرورة خلق وسائل سلكيّة جديدة ليكون لتلك المسؤوليّة جدوى وفاعليّة: تطوير الرّقابة الاجتماعيّة للمؤسّسات، خلق هيئات تفاوض بين الشّركاء وإصلاح التّعليم والتّصرّف… ولكن في سنوات 1990 عرفت المسؤوليّة المجتمعيّة للمؤسّسة قفزة حقيقيّة، فبعد انقضاء عهد “الاتّفاق الفوردي” (حماية الشّغل وتطوّر الأجور مقابل ربح الانتاجيّة) للثّلاثينيّة المجيدة فإنّ الرّأسماليّة والمؤسّسات في مجملها عرفت أزمة شرعيّة وأدّت إلى أزمة البطالة وتغيير مواطن الانتاج وانتشار المناولة أدّت إلى هشاشة ظروف الأجراء. وعلى المستوى البيئي ظهرت العديد من الكوارث المرتبطة بالصّناعة ممّا ولّد حالة من القلق على مصير الكوكب مقابل ذلك فإنّ القوّة الاجتماعيّة تبدو شيئا فشيئا عاجزة على تعديل ذلك المجتمع المتّسم بالمخاطرة كما يصفه عالم الاجتماع الألماني إلريش باك Ulrich Beck منذ 1987 من خلال كتابه La société de risque  خاصّة وأنّ المشاكل التي يطرحها تتجاوز بكثير إطار الدّولة الوطنيّة. لذلك السّبب فإنّ المؤسّسات الدّوليّة الكبرى التي كانت تتميّز بصورة جيّدة حتّى سنوات 1970 كانت تولي الاهتمام لمواقف المواطنين والمنظّمات غير الحكوميّة التي تقود حملات تشهير بخياراتها السّيئة وأحيانا تدعو إلى مقاطعتها. وفي 1995 ونتيجة للأنشطة الاستعراضيّة لمنظّمة Green peace  التي قاطعت محطّات الشّركة النّفطيّة شال Shell ممّا اضطرّها إلى التّراجع عن قراراتها المتمثّلة في استعمال بحر الشّمال كمصبّ لحقولها النّفطيّة. وفي 1997 كان المصنّع الأمريكي للملابس Nike في موضع المتّهم بتصنيع أحذية رياضيّة في اندونيسيا وذلك بتشغيل الأطفال وبأجور بائسة.

ضمن عديد المعاني والدّلالات المخصّصة لتعريف المسؤوليّة المجتمعيّة للمؤسّسة يعتبر التّعريف الذي اقترحه الاتّحاد الأوروبي هو الأكثر استعمالا وتداولا، وهو الذي يعرّف المسؤوليّة المجتمعيّة للمؤسّسة بأنّها “الإدماج الإرادي من طرف المؤسّسات للاهتمامات الاجتماعيّة والبيئيّة في  جميع أنشطتها وفي علاقتها مع الأطراف المتدخّلة” . وفي غياب تعريف نهائيّ للمسؤوليّة المجتمعيّة للمؤسّسة، فإنّه لا توجد بعد مقاييس تمكّننا من تحديد ما يندرج ضمنها وما لا يندرج. لذلك فإنّه مفهوم ينسحب على كلّ ما ينسحب عليه مفهوم المؤسّسة بما في ذلك المؤسّسة الجامعيّة التي يمكن نتناول، في هذا الحيّز من التّحليل، قدرتها على القيام بنفس المعنى للمسؤوليّة تجاه المجتمع المحلّي الذي يعاني من العاهات المستديمة التي تسبّبت فيها السّياسات التّنمويّة المتعاقبة في تونس.

 

[5] – نزار بن صالح، “من أجل دور مركزي للجامعات التّونسيّة صلب منظومة التّعليم العالي والبحث العلمي”، المغرب، الأحد 24 ماي 2015، ص. 07.

[6] – Voltaire, Dictionnaire philosophique, au mot « Université ».

[7] – Georges Gusdorf, « Passé, présent, avenir de la recherche interdisciplinaire », in Revue Internationale des Sciences Sociales, 1977, N° 04, p. 632.

[8] Ibid, p. 633.

[9] – Mohammed Allal Sinaceur, « Qu’est ce que l’interdisciplinarité ? », in Revue Internationale des Sciences Sociales, 1977, N° 04, p. 622.

[10]Ibid. , p. 622.

 

[11] – في دراسة لمنير السّعيداني حول “الحركة النّقابيّة لمدرّسي الجامعة التّونسيّة” (عمران، العدد 13/4، صيف 2015 ص. 107- 108) نجده يلخّص ذلك كما يلي: “اعتُبرت الجامعة مؤسسة عمومية غير دولية (نص 1958) فيما غاب فيها أحيانًا مصطلح الجامعة ليتم تعويضه بمصطلح التعليم العالي (1976) ثم مصطلح جامعات بعد تكاثر المؤسسات الجامعية في صفاقس وسوسة والمنستير (1986) فضلاً عن تنصيص قانون 1989 على استقلال الجامعات في أداء وظائفها العلمية والبيداغوجية وانتخاب المسيرين في مستوييْ المؤسّسات والأقسام، أحدث النص مؤسسة وطنية للبحث العلمي ذات صبغة صناعية وتجارية وإن لم تعمر إلاّ بضع سنوات، لتعوَّض بكتابة دولة للبحث العلمي ظلت تظهر لتختفي بحسب الوزارات. ومنذ نهاية تسعينيات القرن العشرين بدأ التفكير في تحويل الجامعات من مؤسسات عمومية ذات صبغة إدارية إلى مؤسسات عمومية ذات صبغة غير إدارية، وتخضع للقانون التجاري ويعتمد ذلك التحويل على وضع أنظمة أساسية للأعوان، وإيجاد تنظيم إداري ومالي وكذا تنظيمٍ هيكلي مستقلين لكل جامعة مع عقود أهداف خماسيّة”.

[12] – صدر أوّل قانون سنة  1960وتمّ استبداله بقانون 1969  الذي عوضه هو أيضًا قانون  1976 قبل أن إصدار القانون المنشئ لوزارة خاصّة بالتّعليم العالي بدل الإدارة العامّة وكتابة الدّولة سنة  1978 ثم جاء بعد ذلك قانون  1986الذي لم يدم العمل به إلاّ ثلاث سنوات ليعوضه قانون 1989 وهو الذي تواصل العمل به إلى حدود سنة  2008 حيث صدر القانون 19 لسنة 2008 المؤرخ في 25 فيفري 2008، وهو القانون المنظّم للتّعليم العالي في تونس وليس القانون المنظّم للجامعة.

[13] – منير السّعيداني، “الحركة النّقابيّة لدرّسي الجامعة التّونسيّة”، في عمران العدد 13/4، صيف 2015، ص. ص. 109- 112.

[14] – Philip G. Altbach, «Centre et périphérie dans la diffusion des connaissances : in Revues Internationale des Sciences Sociales, N° 103, janvier 1985, p. 74.

[15]Ibid, p. 76.

[16] – Ricardo Cappellin, « Les réseaux internationaux de connaissance et d’innovation dans le cadre de l’intégration de la cohésion et de l’élargissement européen », in Revues Internationale des Sciences Sociales, N° 180, juin 2004, p. 233.

[17] – الهادي التّيمومي، “الطّاهر الحدّاد والزّمن التّاريخي”، في مجلّة الفكر الجديد، العدد 6، تونس، أفريل 2016، ص. 23.

[18] – Tiago, Santos Pereira, « Politiques scientifiques, démocratie et mutation des institutions de savoir », in Revues Internationale des Sciences Sociales, N° 180, juin 2004, p. 276.

[19]Ibid, p. 277.

[20] – Dominique Méda, « Le nouvel âge du travail », in Sciences Humaines, N° 277, janvier 2016, p.42.

[21] – جيريمي ريفكين، عصر الوصول: الثّقافة الجديدة للرّأسماليّة المفرطة، ترجمة صباح صدّيق الدّملوجي، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، بيروت 2009، ص. 73.

[22] – جيريمي ريفكين، المرجع نفسه، ص. 86.

[23]المرجع نفسه، ص. 196.

[24] – جيريمي ريفكين، نهاية العمل: تضاؤل القوى العاملة العالميّة وبزوغ فجر حقبة ما وراء السّوق، ترجمة خليل راشد الجيوسي، دار الفارابي، بيروت 2009، ص.ص. 23- 36.

[25] – جيريمي ريفكين، المرجع نفسه، ص. 38.

[26]– Jean-François Dortier, « L’université Lyon 2 s’ouvre à la société », in Sciences Humaines, N° 259, mai 2014, p. 30.

[27] Ibid, p. 30.

[28]Ibid, p. 30.

[29] – محمّد صالح عمري، في حوار أجرته معه سيماء المزوغي، في جريدة المغرب، 12 أفريل 2016، ص. 16.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: