الثّابت و المتحوّل

img

بقلم :يسرى بلالي 

كنت في المغازة العامّة، عندما مرّ بجانبي سائحين فرنسيين أفزعا شابّتين كانتا تبحثان عن “الجافال”، كان فزعا انتبه إليه كلّ الحرفاء، أو هو صرخة “انتبه خطر”… هذا الفزع الذي كان بالأمس القريب فرحا وترحابا بالأوربيين، بذلك العقل الغربي الذي أبهر العالم بالجمال والأدب والنقاء ورائحة العطور الباهضة…

بالأمس القريب، كانت أوروبا ملجأ للمهاجرين الغير الشرعيين، برّ الأمان الذي يطمحون لملاقاته، كان العقل الغربي أو أوروبا “ما قبل الكورونا”، عقلا تنازعت حوله كلّ العقول العربية، بين مؤيّد ورافض لسياسة تفضيل العلم على الأخلاق، وهاهي العقول العربية تسقط مرّة أخرى في خانة احترازها على أوروبا؛ أوروبا القاتلة.

اقتحمت “الكورونا” هذا الكائن المجهري الذي لا طعم له ولا رائحة، العالم الكبير، العالم الذي ابهرنا بالحداثة في كلّ محطّاتها، بعلوم تجاوزت عقل الإنسان، إذ طرحت علينا فكرة “ما بعد الإنسان” أو الخلود البشري، كنّا بالأمس نتنقّل بين الألعاب وأفلام الخيال العلمي ونتشدّق باللحظة التي سيتمّ فيها إعلان العلم عن انتصاره القاتل على الوجود المتناهي.

انتظرت كثيرا لحظة الإعلان على لقاح لخلود البشرية، انتظرت البقاء الأبدي والجسد اللامتناهي والروح الخالدة، انتظرت الصراع بين العلم والدين، انتظرت المعركة، كان ذلك فقط قبل ظهور “الكورونا”. وها نحن الآن ننتظر انتصارا على هذا الوباء وحياة “الما بعد الكورونا”،  ننتظر التخلّص من كوابيسنا التي أصبحت تظهر لنا في صورة عناق…

“الآخر هو الجحيم”، هكذا أصبحنا نعبّر على لسان سارتر في زمن الكورونا، مفقدين كلّ المعاني التي نطق بها الفيلسوف، ومؤوّلين الثلاث كلمات تأويلا كورونيّا يتماشى مع “النظرية الكورونية”، التي انتقمت للطبيعة وروّضت الإنسان بعدما كان سيّدا عليها ومروّضا لها، لقد أغلقت الماركات العالمية أبوابها، تلك الماركات التي شيّئت الإنسان وجعلت منه مادّة منتجة ومستهلكة مروّضة في آن. قضى زمن الكورونا على الرأسمالية المتوحّشة أو علّها بصدد خلق نظام انساني جديد لا يسحق الطبيعة بالمواد الكيميائية والمفجّرة والمخدّرة، لا يقطع الجسم الإنساني إلى أشلاء متناثرة متبعثرة في كلّ مكان، ولا يجعل من الحيوانات “فئران تجارب” لأغلى المنتوجات التجميلية…

إنّه الزمن الذي أقرّ المساواة بين الأعراق والأديان والأجناس، فالكورونا تنخر كلّ الأجساد ولا تصطاد الجسد الأنثوي المغري، إنّها هاوية ومتغزّلة بكلّ التشكيلات الجسدية وعاشقة لكلّ الأعضاء، و”النقاب المعقّم” حامي لكلّ العورات سواء كانت أنثوية أو ذكريّة.

ولا تخل أنّها لم تتفطّن لأصحاب العقول النيّرة الذين تتهافت عليهم المعاهد والجامعات ومراكز الدراسات، فمن كان بالأمس باحثا ومثقّفا أصبح في الحجر متهافتا على ما تحقنه وسائل التواصل الاجتماعي أو التلفاز في العقل الاستهلاكي الجديد-القديم، الفعل الكوروني عرّى العقل الذّي يحصي ضحايا العالم صباحا وينتظر حياة تبعث من الجسد الراقص ليلا، جسدا لا ينفكّ عن بعث نوستالجيا الزمن الجميل، زمن أسّرة “ما قبل الكورونا”.

ولئن كانت المعتقدات بالأمس تتمحور حول الإله وما يدور في فلكه من أنبياء، ورسل، وصحابة، وجان خلق ثنائية الإيمان والبقاء، فإنّ الإله الأعظم اليوم هو ذلك الجيش الأبيض الذي يعتمد على ثنائية العلم والوجود، ثنائية تبعثنا إلى الإنسان الجديد أو الجيل الذي لطالما حلم أن يكون جديدا متجدّدا، يكسر “الثابت” وينطلق حول “المتحوّل”.

جيل القرن 21، جيل تشتّتت ثقافته بين محطّات التلفاز المتنوّعة، القناة الايطالية والفرنسية، القنوات الشرقية العربية، ثمّ قنوات الخيال الأميركي العنيف، وما انفكّ هذا الجيل للحسم في ثقافته وتوجّهاته، حتّى اصطدم بأحلام عظمت مع تجاربه؛ حلم الوطن قبل الثورة، حلم ما بعد الثورة بعد وهم الثورة، حلم الثقافة الوطنية المصطدمة بالثقافة الفرونكوفونية، حلم الدولة الديمقراطية، حلم الاكتفاء الذاتي، ثمّ الحلم بالبقاء… يا لأحلامنا كم عظمت مع تقلّصها…

فهل ستكون الطبيعة هي المنتقية الأولى لجيل “ما بعد الكورونا”، بعدما جعلنا الحجر ننتقي الثابت والمتحوّل بدءا من الأيادي التي نصافحها؟

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: