الثقافة الجنسية في كنف العالم العربي

img
الثقافة الجنسية في كنف العالم العربي
بقلم :سارة زيدي
لطالما كنت طفلة فضولية تطرح كثير الأسئلة عن الكون و الخلق و السماء و الجنس . أعلم جيدا أن لفظي لهذه الكلمة هو شجاعة مفرطة مني أو يراها البعض حتى تمردا على القيم الأخلاقية . ألا تعلمون أننا في العالم العربي ننجب الأطفال بواسطة جنيات لطيفة ، تلك الخرافات التي نرويها لصغارنا لأنه من السهل تعقيد الأمور عكس تيسيرها و تفسير الوقائع لأطفالنا . فاليجرب أحدكم الحديث يوما عن الجنس سيجلب لنفسه كما هائلا من الشتائم لا يمكن للعقل تخيلها .
بنية مجتمعنا تقوم على العيب ، يخجلنا حقا الحديث عن المواضيع الجنسية و لكننا أكبر مستهلكين للأفلام الإباحية ، لا نتحدث عن العادة الشهرية لأننا نستحي ، لا نلقن أطفالنا تربية جنسية سليمة و متوازنة لأننا و ببساطة نعاني من تخلف مفرط .
ماهي هذه الثقافة الجنسية؟
هي علمية سليمة بالأساس ، هي شرح حسب الفئة العمرية و المدارك العقلية و الفهم ، هي فهم لتركيبة الإنسان و لجسده ، فهم للاوعي و الهو ، هو توازن ، هو يقين بمداخل الإنسان .
ما الذي يحصل في حال كان عماد الثقافة الجنسية معدوما؟
هذا المجتمع الرافض للاعتراف بالثقافة الجنسية هو مجتمع يسيء فهم الجنس عامة ، لا يتحكم بغرائزه و الكبت يولد الإنفجار ، هذا الافتقار المعرفي يؤدي بنشر ثقافة التحرش و الإغتصاب بل يرحب بها ، يمحق ثقافة الخصوصية : خصوصية الجسد و الحرمة .
منذ نعومة أظافري كانت والدتي تقول لي : ” كل أسئلتك لديها إجابات فلا تترددي ” ، هي زرعت فيّ بوادر الاكتشاف و التطلع و أزاحت تلك الحدود المقيتة التي تضع بيننا و بين الوعي عواقبا .
ماهو الجنس ؟ الجنس ليست تلك الأفلام الإباحية التي تستهلكونها بنهم فتظنون أنكم فلحتم و لكنكم أضفتم للطين بلة ، الأفلام الإباحية في الحقيقة هي أفلام و تمثيل لا أكثر تمتلكها أكبر المؤسسات و الشركات في العالم و هي لا تقدم حلولا و تفاصيل بقدر ما تقدم الوهم و الخيال جاعلة من المشاهد مهووسا ، حيوانا ناطقا ، سيناريوهات أقل ما يقال عنها مثيرة للشفقة و الغثيان : المرأة لا يحق لها أن تعبر عن رغباتها لذلك هي ضعيفة و ضحية ، سيناريوهات بيدوفيليا و علاقات أخوية حتى .
أعلم جيدا أن معظم القراء و الأقارب خاصة تبدو على ملامحهم علامات التعجب و الاستغراب و لكنني أفضل شرح الأمور على تركها كما هي و أخفيها بحجاب من الأوهام و الخداع .
الثقافة الجنسية تصقل تفكير الإنسان ، تجعل منه عقلا لا مجرد رغبة للإشباع ، تجعله في بحث دائم عم حقائق الذات و البسيكولوجيا . إذا إمكننا النظر دون إلصاق ” عيب ” على أحاديث أجدها أقل ما يقال عنها عادية بل ضرورية ، كيف للعائلة أن تنجب الأطفال ثم تترك المواقع و المصادر الخاطئة تبني أفكارا ، هذه الأفكار ستكون بناء عشوائيا يسقط و يهدم و تغمره المياه  .
لماذا يخشى الأولياء التفسير و التحليل و إيضاح الصورة ، لماذا لا ندرجها في برامجنا الدراسية المثيرة للشفقة ، على الأقل ننقذ جيلا و نكونه لا نتركه لمعترك الأيام و الحوادث .
بتخطي الإنسان لحاجز ” العيب ” سيستطيع تخطي و الحديث عن كل المواضيع بطلاقة و حرية و إحترام ثم إنه سيعمل جيدا على أن يجعل من هذه المواضيع يومية سريالية ، من الواضح أن هذه العقدة أصبحت في تركيبتنا الجينية و يصعب التخلي عنها.
نحن نخشى الثقافة الجنسية لأنها ستفتح أعيننا على العالم ككل و ستحد حتى من التمييز الذي نعانيه يوميا .
هي مأساة حقا ، رفض هذا الجانب الذاتي و المعرفي ، عدم الإلمام به و العيش للعيش فقط.
في الغالب يتعلل العديد بالدين و كيف أن من الكبائر و المحرمات أن نتحدث عن المواضيع الجنسية غير أن في مثل حجة تناقض كبير فالإسلام يرحب و بصدر رحب العلم و البحث و التشكيك و النقاش و نوسع مثل أطروحة بما ذكر في كتابه الكريم : ” لا حياء في الدين ” أي أن عكس ما يعتقده الكثيرون لم يحرم الدين الحديث عن الجنس و لم يلصق عليه ” عيب ”
ثقافة المنع و الرفض و الانغلاق هذه مغلفة في خطابات بقشرة من ” الحشمة ” التي لا مبرر لها .
عديد أطباء النفس و العلماء المحللين ينددون بضرورة النقاش و التحاور حول مثل مواضيع بل يوضحون الاختلالات و الانعكاسات السلبية التي تضرب مجتمعاتنا كالزلزال . على مر الزمن ، تحدث فلاسفة و أدباء و فنانون تشكلييون حول ضرورة العمل على هذا المكبوت و إخراجه من صيغته الحيوانية و رؤيته من وجهة نظر نقدية تحليلية إحتياجية .
الثقافة الجنسية تجعلك ملما بكل تفاصيل جسدك و كينونتك و لكن في العالم العربي لا زلنا نشهد الرفض التام . 
أعلنت تونس عن إدراجها للتربية الجنسية في النظام الدراسي ، هذا الخبر كان له مؤيدين و رافضين ظانين أن مثل مواضيع قد تلحق الضرر بالمجتمع متناسين أن تركيبة المجتمع السليمة تبدأ حين يعي الكل بحرمته،  يقول سقراط : أعرف نفسك بنفسك ” و حان الوقت لينزع العالم العربي حجاب الأوهام و يكتشف ماهيته. 
أدرجت تونس التربية الجنسية للمرة الأولى في العالم العربي في البرنامج التربوي و المدرسي و لكنها مضمنة في بعض المواد مثل التربية المدنية و علوم الحياة و الأرض و يبقى السؤال المطروح لماذا لا تدرس كمادة مستقلة بذاتها لكل السنوات ؟ و إلى أي متى سيبقى العالم العربي متهرب من مثل قضايا يعتبرها Taboo ؟ 

https://www.bbc.co.uk/news/extra/8DKxx1xOoL/sexplainer
https://raseef22.com/article/36125-sexuality-in-the-arab-world
https://manshoor.com/life/sexual-education-in-arab-schools/
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: