“التَّطَرُّفُ العَنِيفُ” مُصْطَلَحاً أمْرِيكيّاً دِيماغُوجِيَّاً

38

“التَّطَرُّفُ العَنِيفُ” مُصْطَلَحاً أمْرِيكيّاً دِيماغُوجِيَّاً

هادي دانيال

قَبْلَ البَدْءِ بِتَنْفِيذِ مُؤامَرَةِ “الرَّبيعِ العَربيّ” بِسَنَواتٍ شهَدَتْ الأوساطُ السِّياسيّة والدّيبلوماسيّةُ والإعلامِيّة عَبْرَ العالَم ما يُمكِنُ عَدَّهُ “أزمَة مُصطَلَحات” تَتَعَلَّقُ خاصَّةً بِتَوصيفِ مَن هُوَ الإرهابيّ .

بَدَأتْ الأزمةُ مَع ظُهُورِ الخَلايا الأولى للجّماعاتِ الإسلاميّةِ المُسَلَّحَةِ التي أسَّسَ “أسامَة بن لادن” الذي كانَ يُدِيرُ عائلةَ ثَروَتِهِ البالِغة آنذاكَ سَبْعَةَ ملياراتِ دُولار، أسَّسَ “مكتَبَ خَدَماتٍ”  لِتَمويلِ تَجْنيدِ وَتَسْليحِ وَتَدْريبِ المُنْخَرِطِينَ في صُفُوفِها على أيْدِي ضُبّاطِ المُخابَراتِ الأمريكيّةِ في “مُعَسْكَرِ الفارُوق” لِلقِتالِ ضدَّ نِظامِ “محمّد نجيب الله” آخِر زعيم شيوعي أفغاني في كابول وضدَّ الجيش السّوفياتي الذي حَضَرَ إلى أفغانستان بِطَلَبٍ مِن “نجيبِ الله” لِنَجْدَتِهِ.

كانت وَسائلُ الإعلامِ الأمريكيّةُ والغربيّةُ والخليجيّةُ تُطْلِقُ على هؤلاءِ المُسَلَّحِين الإسلامِيّين صِفَةَ “المُقاتِلِينَ مِن أجْلِ الحُريَّةِ”.

وَبَعْدَ أنْ أعْلَنَتْ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ الاسْتِغْناءَ عن خَدَماتِ “بن لادِن” وَمُقاتِلِيهِ ، وَرَدِّ فِعْلِ الأخيرِبإصْدارِ بَيَانٍ مع “أيمَن الظَّواهري” يَدعو إلى قَتْلِ الأمريكانِ أيْنَما وُجِدُوا ، وَتُرْجَمَة ذلكَ البيان بتفجيراتِ “الخبر” و”نيروبي” و”دار السلام” وُصُولاً إلى تفجيرات “نيويورك” و”واشنطن” 11/09/2011، وَما تَلا ذلكَ مِن تَفجيراتٍ في السُّعُوديّةِ مِن سنةِ 1995حتى سنة 2006، صارَتْ وَسائلُ الإعلامِ الأمريكيّةُ والفرنسيّةُ والخليجيّةُ تَصِفُ “المُقاتِلين مِن أجْلِ الحُريّةِ” سابِقاً بالإرهابيِّين.

وَعلى الرُّغْمِ مِن قَتْلهاِ “أسامةَ بن لادن” ، احْتَفَظَتْ المُخابَراتُ الأمريكيّة (السي .آي. إي) بِسَيْطَرَتِها على تنظيمِ “القاعِدَة” ، وَبالتَّنسيقِ مع السُّعُوديَّةِ أعادَتْ بِناءهُ – حَسبَ اعْتِرافَ الرئيس الأمريكيّ السابِقِ “باراك أوباما” والوزيرة “هيلاري كلينتون” -تَحْتَ اسْم “الدولة الاسلاميّة في العراق وبلاد الشام” الذي عُرِفَ لاحِقاً بتنظيم “داعش” ، وَأطْلَقَتْ الدوائر الأمريكيّة الصهيونيّةُ الفرنسيّةُ البريطانيّةُ التركيّةُ الخليجيّةُ هذا التنظيمَ المُتَوحِّشَ  على أراضي الدولتين العِراقيّة والسُّوريّةِ لتدمير هاتين الدّولتين العربيّتين وعاصمتيهما الرّمزين (دِمَشْق وبغداد) ، وإعمامِ الفوْضى في المنطقةِ وإعادةِ خَلْطِ  أوْراقِها وَمِن ثَمَّ صياغَة مَصائرِها دِيمُغرافيّاً وجغراسياسيّاً وفْقَ الخطَّةِ الصّهيو-أمريكيّة لإقامَةِ الشَّرْقِ الأوسطِ الكبير.

كانَ تنظيمُ “داعش” ولا يزال مُتَعَدِّدَ الوَظائف ، فإضافَةً إلى كَوْنِهِ أداةً وَحْشيّةً لِتَدْمِيرِ الدُّوَلِ المُسْتَهْدَفَةِ ، صارَ “حصان طروادة ” لِلتَّدَخُّلِ الأمريكيّ والغَرْبيِّ في المنطقةِ تَحْتَ ذريعَةِ مُكافَحَةِ الإرهاب. فالولاياتُ  المُتَّحِدَةُ في الوقتِ الذي تُصَنِّفُ فيهِ “داعشَ” و”جبهة النّصْرَة” مُنَظَّمَتَيْنِ إرهابِيَّتين تحرصُ على حِمايَتِهِما مِن الجيش العربي السوري وحُلَفائهِ كُلّما كانُوا بِصَدَدِ القَضاء عليهما ، خاصَّةً في الشمال السُّوري. ذلكَ أنّ القَضاءَ علي “داعش” و”النّصرة” يَعْني انْتِفاء “المُبَرِّر” المزعُوم للوُجُودِ الأمريكيّ  على الأراضي السوريّة .

مع افْتِضاحِ الدَّوْرِ الأمريكيِّ الصّانِعِ والرّاعي للإرهابِ عَمَليّاً ،حَاوَلَتْ واشنْطُن  التَّحايُلَ على المُجْتَمَعِ الدّولي بإطْلاقِ مُصطَلَحٍ فَضْفاضٍ قَدْ يَتَضَمَّنُ “الإرهابَ” لكنَّهُ يَشْمَلُ القُوى الإقليميّةَ والدّوليّةَ التي تَتَصَدَّى عَمَليّاً للإرهابِ وَتُحارِبُهُ وَتَهزِمُهُ . فَكانَ مُصْطَلَحُ “التَّطَرُّفِ العنيفِ” الذي حاوَلَتْ الولاياتُ المُتّحدةُ زَجَّ “بان كيمون” أمين عام منظّمة الأمم المُتّحدة السابِقِ ليكونَ ستاراً تُمَرِّرُ مِن ورائهِ هذا المُصطَلَحَ الغامِضَ الذي يُساوِي تنظيمَ “داعِشَ” و”جبهَةَ النَّصْرَة” بالقُوى التي قاتَلَتْ ضدَّهما. بل إنَّ مُلاحَظات  تقارير الأمم المُتِّحدَة وَ “ضِفْدعِها عميقِ القَلَق” بهذا الصَّدَدِ ذَهَبَتْ إلى تحميلِ الأنظِمَة الحاكِمَة في الدُّوَلِ المُسْتَهْدَفَةِ مَسْؤوليّةَ ظاهِرَة الإرهابِ على أساسِ أنَّ شكلَ الحكم فيها يَقِفُ وَراءَ تشجيعِ الخطابِ الإرهابيِّ والبيئة ِ الحاضِنَةِ للإرهاب ، وبالتالي (وَهُنا نَعُودُ إلى مَعْزُوفَةِ تَصديرِ الدّيمقراطيّةِ الأمريكيّةِ) فإنَّ الولايات المُتَّحِدَة مَعْنِيّة بالتَّدَخُّلِ لِوَأْدِ أسبابِ الظّاهِرَةِ الإرهابيّةِ “تَدَخُّلاً استِباقِيّاً” مُتَجاهِلةً حقيقةَ أنَّ احْتِلالها العِراق وَتَدَخُّلَ “الناتو” الوحشيّ في ليبيا كانا البَوّابَتَيْن الكُبريَين اللتين دَخَلَ منهما الإرهاب إلى هذين البلدَين الجريحين.

وكما سَبَقَ للولاياتِ المُتَّحِدَةِ بَعْدَ انهيارِ الاتِّحاد السوفياتي واستفرادِ ها بِمُنَظَّمَةِ الأممِ المُتّحِدَةِ ومجلسِ الأمْنِ ، أن اغْتَنَمَتْ الفُرْصَةَ فألغَتْ قراراً أمَمِيّاً سابِقاً يَعدُّ الصُّهيُونيَّةَ حَرَكَةً عُنْصُريّةً ، وَغَزَتْ العراقَ بَعْدَ حِصار جائرٍ شامِلٍ دامَ ثَلاثَةَ عَشَرَ عاماً ضارِبَةً عَرْضَ هذا الحائط وذاكَ مِن مَبْنى الأمَمِ المُتَّحِدَة بميثاقِها وَقراراتِها ، فَقَدْ حرصَتْ على أنْ لا يُشارَ في مُلاحَظاتِ الأمين العام السابق للأممِ المُتَّحِدَةِ بشأنِ “التَّطَرُّفِ العَنيف” إلى أنّ الاحتِلالَ سَبَبٌ رئيسٌ في نُشُوءِ نَوْعٍ مِنَ “التَّطَرُّفِ العنيف؟” أجازَهُ ميثاقُ الأمم المُتَّحِدَة ، هُوَ تحديداً حَقُّ الشُّعُوبِ الواقِعَةِ تحْتَ الاحتِلالِ بأن تُقاوِمَ المُحتَلِّين بجميعِ أشكالِ المُقاوَمَةِ بما في ذلكَ الكِفاح المُسَلَّح. بَلْ عَلاوَةً على ذلكَ فإنّ الأمم المُتَّحِدَة في ظلِّ نُفُوذِ واشنطن كقطْبٍ أوْحَد مُسَيْطِر على  المُنَظَّمةِ ويُديرُ بِمُفْرَدِهِ السياسةَ الدّوليّةَ ، كانتْ تتجاهَلُ المُذَكَّرات العديدةَ التي قَدَّمَتْها حكومةُ الجمهوريّةِ العربيّة السُّوريّة والتي تدعو بها إلى ضَرورةِ تحديدِ المُصطلَحاتِ والتّفريقِ الواضِحِ بينَ “الإرهابِ” و “المُقاوَمَة”.

وهكذا فإنَّ الولايات المُتّحدة الأمريكيّة تَرْمي إلى إيجادِ المناخ العام والذرائعِ التي قد تَفيدُ مِنها لِتَوصيفِ قُوى المُقاوَمَةِ مُنَظَّماتٍ وأفْراداً والحكومات الوطنيّة التي ترفُضُ أيَّ تَدَخُّلٍ خارِجِيٍّ في شُؤونِها الدّاخِليَّةِ  ، وتصنيفِها “مُنَظَّماتٍ وحُكُوماتٍ إرهابيّة” أو يَشْمَلها توصيف “التّطَرُّف العنيف”.

لذلكَ فإنَّ الدُّوَل العُظْمى المَعْنيّةَ بسياسَةٍ دَوليَّةٍ مُتَعَدِّدَة الأقطاب ، والحريصة على حِمايَةِ القانونِ الدّوليّ وميثاق مُنَظَّمَة الأمم المُتّحدة ، مُطالَبَةٌ بالتَّصَدِّي لهذا الخطاب الأمريكي الدّيماغوجي ، وذلكَ بإعادَةِ الأمور إلى مسارِها الصّحيحِ بالتأكيدِ على أنَّ الإرهابَ هُوَ فَرْضُ أيّ عقيدة أو فكرة أواستراتيجيّة سياسيّة أو نَمَط حياة بالقُوَّة العنيفة ، كما أنّ الإرهابَ هُوَ احتِلالُ أراضي وبحار وسماء الغير وقَهْرُ الشُّعوبِ وسَلْبُها حقوقها الشرعيّة الطبيعيّة في تقرير المصير على ترابِها الوَطَنيّ ، وَهُوَ كذلك التَّدَخُّل في الشُّؤون الدّاخليّة للدُّوَلِ ذات السيادَة . وهذا الإرهابُ ، إرهاب الدّولة المُنَظَّم ، هُوَ ما تقومُ بِهِ الولاياتُ المُتّحدة والكيانُ الصّهيونيُّ منذُ عُقُودٍ عبْر المنطقةِ والعالَم ، وَهُوَ ما يجبُ أن يُوضَعَ لَهُ حَدٌّ بِصرامَةٍ وَحَزْمٍ كي تَضَعَ البشريَّةُ المُعاصِرَةُ قدَماً واثِقَةً على عَتَبَةِ السّلامِ الحضاريّ العادل المَنْشُود.

Facebook Comments



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *