البِدُونْ (كتابة سِيَريّة)-حسن المسلّمي

img

البِدُونْ

(كتابة سِيَريّة)

 

الكاتب: حسن المسلّمي

غادرت “العكري” المشفى مع فريق المحاجيب المنتخب لزيارتي. خرجت تجر ساقيها جرا، بخطوات متكسرة تئن تحت وقع صرخات “البدون”. تابعهم بنظراته الزائغة. الحلق تيبس.. الشفتان كشريحتي تين ناشفتين.. الروائح العطنة تسري في كامل الجسد، يتأفف من الرطوبة والحرارة والأوجاع يتململ كأنه على صفيح ساخن، كل مسام الجسد تلعن هذا الكائن الغريب الذي حقنوه في الخلايا العفنة التي حولت جذعه عندما نبهه الأطباء بإطلاق أول جرعة كيميائي إلى حريق يسري في كامل الجهاز الهضمي، فيتحول كبقايا اللهيب الذي تستعمله أمه خديجة في الطابونة لصنع الخبز الحافي.. بدا شيءه يمتلئ بالبول ، اللعنة على هذا السائل الذي كان حبيس جوفه فهو يسابق قوارير الجعة التي يتناوب على عبها بكل لذة خاصة وهي تخرج تلك الرغوة البيضاء المثلجة.. عندما يختلس بعض الدنانير من مرتب بؤسه ليلتحق بصعاليك المدينة. فهو بحكم عيش الضنك ليس من عشاق الإسفنجات التي تشرب ولا تسكر..

يرفع عقيرته بالصياح المخلوط بالألم والبكاء والإجهاد.. أيتها الأرواح  الراتقة لأوجاع المعطوبين عانتي تنشطر إلى نصفين.. تحز كامل نصفي الأسفل.. إلي بالدليل لأوقف شلالات البول المختلطة مع الأدوية وعطانة المكان وبقايا الدماء المنتشرة في الحجرة لأيام لغياب العمال والأعوان نتيجة سياسات تجفيف منابع كل المرافق الاجتماعية طبقا لتوصيات المؤسسات المانحة حتى تلتفت عصابات الإجرام. والقتل واللصوصية للتنمية المستدامة والإقلاع الاقتصادي والاجتماعي على أيادي المبشرين بجنة الخلد وتعاويذهم الناضحة بالبراءة والزهد الإنساني.. دعه يمر.. دعه يعمل فيتحول غيلان الرأسمال المتوحش إلى حكام فعليين للسلطة حتى تتفرغ لإعادة القروض المنهوبة من رحيق وعظام المفقرين.. فأعادوا البلاد إلى مرحلة بن إسماعيل وخزندار الذين باعا صابات الزيتون وهي عالقة في الأشجار لخلاص الكوميسون المالي الذي عبد الطريق لاستعمار البلاد الشهيدة..

“البدون” يعوي ككلب جريح هرم يغطيه “القراد” من رأسه إلى أخمص قدميه فيعجز على تحريك أذنيه أو ساقيه لإبعاد الحشرات التي تحتفل بامتصاص دمائه. أخيرا تأتي بعض فراشات الليل، صغيرات بنهود يافعة كحبات برتقال شامي، يقضين معظم الليل يتدربن على جثث المغدورين المستسلمين للعادة والقدر ولعنة الله الذي لا يحبهم في الأرض ليعدهم بالعسل والكعاب والحور في الجنة.. مستسلمين بحكم العادة للنسيان والإهمال.. فيتركون في هجيع الليل فريسة للآلام والأوجاع يحيط بهم البراز والقطط السائبة وهي تتجول بين جحور المرضى. فتكون تلك الفراشات كبلسم وهمي لشقائهم القاتل .. يأتين بأنبوب البول، يزحن الغطاء عن نصفه الأسفل يمسكن بالشيء المترهل كقطعة خبز يابسة بلون القطران.. كيف للفراشات أن يتعاملن مع شيئه بهذه الحيادية الجافة؟ ونحن شعب استوطن فيه الجهل المقدس الذي تحول إلى شرطة تجوب الشواطئ بحثا عن أعضاء النساء والرجال الذين خلق لهم البحر لكي يتقوا حر الشمس حتى لا يتحولوا إلى نكرات تتجول داخل جلابيب وقشاشيب وأكفان من عمل الدود المداوم وهو يزحف على المدينة والحضارة والعقول.. تفتح الفراشة المتمرنة على جثتي ثقب شيئي بأصابعها الناعمة الرقيقة الوجلة لكنها المصرة على إدخال الأنبوب.. المسكين منكفئ على نفسه منكسرا يلفه العرق وقطرات من البول العالقة بالخصيتين، يفتحان بصبر جميل ثقب تلك اللحمة الميتة، تفتح كمنقار عصفور وهو يفقس من البيضة، يدخلان الأنبوب حد النصف، ينز العرق على الجسد المتهالك. آه! أيتها الفراشات يا لهاته الأصابع المصقولة كقطع حلوى العيد التي يأتي بها محجوب من المدينة مع شراب النعناع والمقروض المرمي في كل مربع فتتحول المدينة إلى كتل من الحلويات يتقاطر عليها الذباب والفلاحون وهم يبددون شقاء أشهر وكدحَهُ في حقول الملاك الجدد..

يتقنفد الجسد من الألم ووخز الإبر في المعصم تزيده عذابا. أخيرا الفراشات تنجحن في إدخال الأنبوب وربطه بكيس داكن كلون الرماد مركون تحت السرير اللعين.. يبقى متجمدا لا يقوى على الحراك تنتابه نوبات قاتلة من القيء، يحاول أن يخرج تلك السوائل التي غزت الجسد..فلا تندفع غير كويرات بيضاء من اللعاب، تعاوده النوبات يصهل كحصان جامح تخترق صيحاته جدران المتشفى -المسلخ- إنها لعبة ذلك اللعين فأثار أقدامه الوقحة في جهازه الهضمي تتلاعب بأمعائه.. الساعة الثالثة صباحا.. “البدون” يلتفت في الأركان الأربعة للحجرة تهدهده كطفل نسمات الفجر. فيرى في الغرفة حوات وسلاطين ورؤوس صلعاء ونياشين وفي القاعة كتب على بابها الخشن القميء رقم اثنان. فاليوم هو جلسة الاعتراض على الحكم الصادر في حقه على خلفية ملفات الفساد التي كشفها زمن أيام الجمر والرصاص. القاعة تعج بالنقابيات والنقابيين والرفاق والمحامين الذين كانوا الجدار الأول في التصدي لسياسات البطش النوفمبري.. نودي على “البدون”.. تقدم.. سأله القاضي القزم كبرميل بترولي اللون.. انك متهم بالقذف واتهام خصومك بأنهم جلاوزة وقوادة للرئيس باعث التغيير وحامي الوطن والدين.. انتصب “البدون” بقامته الضئيلة مرفوع الهامة تشحنه أرواح كل الأنبياء الذين عشقهم.. صدح بصوته وسط القاعة.. إن من تسميهم خصوما لم يكونوا غير زوائدة تسمى شُعَبا مهنية تحولت إلى فصيل متقدم لسياسات الفساد والإفساد.. إن أصحاب الدعوة هم سليلو الصبايحة منذ الاستعمار إلى اليوم.. دمّل في الإدارة حولوا المرفق العمومي إلى مقبرة للمعدات التي يعاد تركيبها في مصحات لوبيات العقارات المقربين من بعض المتنفذين في الإدارة.. “البدون” يقارع ويشهر بدور الشُّعَب في تصفية العمل النقابي وفي تكسير الإضرابات حيث تحولت إلى أجهزة موازية لمؤسسات القمع والفتك بالشغيلة.. تدوي القاعة بالتصفيق.. “حق النقابي واجب حق الإضراب واجب”.. “بالروح بالدم نفديك يا اتحاد”..

يكمل “البدون” محاكمته للجلاد.. تتحول تلك البروفة في مقارعة الديكتاتورية إلى جنين بدأ يعتمل في أحشاء البلاد ويبشر بهبوب العواصف لتهز عرش الجنرال العميل. يخرج صناع الحياة مرفوعي القامة كالنخيل الباسق.. صادحين بالشعارات أمام جحافل الغربان السوداء وهي تمتشق الخوذات والهراوات يقتلها الانكسار والمهانة… فالأوامر صدرت بعدم التدخل فالجهات المرمية على أطراف الجوع والنسيان تنتفض كالعنقاء من الرماد ضد التهميش والفقر والفساد. تخترق جسده وخزات الدواء اللعين وهو مازال يمارس عشقه في سحق أمعائه ووخز كل خلايا الجسد كإبر الحقن وهي تخترق الأوردة. أفاق على امتلاء عانته فالأنبوب اللعين لا يقوم بوظيفته فقد يكون من مخلفات سنوات الانفتاح والتحرر الاقتصادي بعد ثلاثية الرخاء الكاينزية.. أو في الأيادي الرقيقة الملساء التي ركبته للحاق بالعالم المخملي للسلطان وجواريه ومخصييه وحريمه الذي منّ به الباب العالي على الشعب المؤمن…

يصيح “البدون” يا أولاد القحبة تروضون الذئب ليندس في جسمي وهو يغيضني بابتسامة كلها لؤم..ثم تغلقون ثقب شيئي اللعين فيحول إلى كبسولة على وشك الانفجار.. يأتي الممرض ببقايا نعاسه وزبيبة خضراء تلمع في جبهته كنطفة براز طفل مصاب بإسهال في الأحياء القصديرية الخلفية لمدن الثراء الفاجر.. يزيل الغطاء بكل جفاء تعلو وجهه مسحة من التأفف والحياد القاتل.. هيا انزع هذا السفاح لقد أوشك شيئه على الانفجار.

ينزع الأنبوب مختلطا بالدماء المتخثرة.. يقدمون لي قارورة ماء فارغة، أدخل رأس شيئي في عنق الزجاجة بصعوبة يندلق السائل شلالات لا تتوقف.. ثلاث قوارير، يا أولاد الكلب، كافية لإحداث ثقب في باحة حوشنا. تنفست كسبّاح حملته تيارات البحر اللولبية إلى القاع.

سكنت كل خلايا الجسد عن النباح والعويل والوخز القاتل، فتحولت في سكون الليل الموحش إلى أحلام وعواصف تهز عوالم القهر والغبن الإنساني.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.