البيت النابض -فرجينيا ولف

img

البيت النابض
تأليف: فرجينيا ولف،

ترجمة: أحمد عقب الباب.

 

 

 

ما استيقظتَ ساعة قط إلا ثَمَّ باب صك.
من غرفة إلى غرفة يدلفان خلسة، يداً بيد.
تراهما يبحثان معاً هنا، أو يفتحان باباً هناك.
يقيناً بلا أدنى ريب. زوجان من الأشباح ذانك.

قالت: “هاهنا تركناه”.
قال: “آه، ولكن أيضاً هنا”.
قالت متمتمة : “بالطابق العلوي هو”.
قال هامساً: “وكذلك في الحديقة”.
قالا معاً في صعيد واحد: “هدوء، وإلا سنوقظهما”.
قالت: “ألست أنت الذي أيقظتنا؟”.
قال: “لا، لست أنا”.

يجولان بحثاً عنه.
يحدقان صوب الستائر التي أمامهما تُطوى.
يخال للناظر أن صفحة أو صفحتين من الكتاب تُطوى.
ها هما قد وجداه. من المؤكد أن القلم الرابض عند الحافة خلّفهُ شخصٌ من القراءة تعب.
إذا رفع أحدٌ رأسه مشرئباً إلى الأعلى، فسيرى بأم عينيه أن البيت كله بات فارغا، أما الأبواب فبقت مفتحة على مصارعها.
لا يُرى إلا عصفور الساعة الخشبي يرفرف بجناحيها في حبور.
ولا يُسمع إلا ضجيج آلة درس المحاصيل في الحقول.
ما الذي أتى بي إلى هنا؟
عماذا كنت أبحث؟
صفر اليدين أنا.
إذن ربما يكونا بالأعلى؟

كانت التفاحات في القمرة العلوية، ثم مرة أخرى بالقاعة السفلية.
أما الحديقة فعلى حالها، لم تتغيير منذ الأزل.
فقط كتابٌ منبطحاً على العشب هناك لا يزل.
لكنهما وجداهما في غرفة المعيشة، وما لأحد أن يراهما في الحقيقة.

زجاج النافذة الذي يعكس التفاح، يعكس كذلك الورد الفواح.
أما أوراق الشجر فبدت على صفحة الزجاج خضراء.
فإذا ما انتقلا إلى غرفة المعيشة، أفصح التفاح عن لونه الأصفر.

لكن من بعد كل ذلك إذا فُتح الباب إنسكبا على الأرض.
تسلقا الجدران.
تدلا من السقف.
ما هذا؟
صفر اليدين أنا.

يحلق ظل طائر فوق السجادة، يغرغر عصفور الساعة الخشبي من قاع أعماق بئر الصمت.
ينبض قلب البيت الخافت منادياً: “سلاماً، سلاماً، سلاما”.
الكنز المدفون.
الغرفة الخالية.
النبض المتوقف لوهلة.
يا إلهي.. هل كان ذاك هو الكنز المدفون؟

ثم خفت الضوء بعد لحظات. هيا إلى الحديقة إذن؟
لكن الأشجار طوت الظلام مغلفة بداخله شعاع الشمس الحائر.
على روعته على ندرته، كنت أتطلع إليه باحتراق.
شعاع الضوء الذي يغرق في البرد المتواري خلف الزجاج.
كان الموت زجاجياً.
هدم الموت لذتنا.. فرق الموت جمعتنا.
خطف المرأة أولاً قبل بضع مئات من السنين.
ليترك البيت من ورائه ينبض.
ختم على نوافذه .. عتم على مجالسه.

أما هو فقرر أن يغادر البيت ويتركها.
متجهاً على غير هدى شمالاً و شرقاً.
بعيداً هناك حيث تهوى القلوب.
رأى النجوم تحوم في سماء الجنوب.
ثم بعد حين من الدهر، عاد يلتمس البيت مجدداً، فإذا هو قابع في أسفل المنحدر.
ينبض البيت مهللاً منادياً: “سلاماً، سلاماً، سلاما”.
“الكنز لك”.

تولول الريح فوق الطريق.
فتعتصر الأشجار هذا السبيل أو ذاك.
شعاع القمر المتطاير ينسكب بعيداً في المطر.
لكن شعاع المصباح النازف لايزل يخترق النافذة.
لهب الشمعة المتجمد يحرق قوامها. متجولة هي خلال البيت تفتح نوافذه.
همسٌ خافت يتردد في جنبات البيت: “لا توقظانا”.
فالشبحان يبحثان عن متعتهما.

قالت: “هنا كنا ننام”.
قال: “قبلات بلا حصر”.
قالت: “كنا نستيظ في الصباح”.
قال: “حبيبات الفضة على أوراق الشجر”.
قالت: “الطابق العلوي”.
قال: “الحديقة”.
قالت: “في حرور الصيف”.
قال: “في ثلج الشتاء”.
قالت: “عندما كانت الأبواب تُوصد من بعيد”.
قال: “بلطف كانت تُطرق بنبض القلوب”.

ثم أتيا من قريب .. واجمين بالباب واقفين.
هبت الريح، ونثر المطر زخات فضته على الزجاج.
عيوننا تغرق في الظلام، لا نسمع وقع أقدام غيرنا.
لا تفتح المرأة عباءتها الشبحية.
يداه تحتضنان الفانوس.
“أنظر إنه يتنفس”.
يبدو عليه أنه في سباته نائما، والوجد يكسو شفتيهما.
يحملان فانوسهما الفضي منحنيين فوقنا.
يرمقانا بنظراتهما العميقة الطويلة، ثم يمكثان واجمين هنا طويلا.
تهب الريح المباشرة، فينحني اللهب منثنيا.

يخترق شعاع ضوء القمر البري الأرض والجدران.
فيلطخ بضوئه ثنايا الوجهين المتفرسين في النائمين.
لينير لهما متعتهما الخفية.
بفخر ينبض قلب البيت منادياً:”سلاما، سلاماً، سلاما”.

قال متنهداً: “آه.. سنوات طوال طوال”.
قالت:”آه.. هاهنا وجدتني وجدتني” .
قالت مهمهة:
“هنا كنا ننام على الأريكة”
“هنا كنا نقرأ في الحديقة”
”هنا كانت ضحكتنا البريئة”
“ندحرج التفاح . . في القُمرة العلوية”.
“أسلمنا كنزنا . . غياهب السرية ”.

يمسح الضوء المنحني غشاوة عيني.
ينساب نبض البيت واسعا منادياً: “سلاماً، سلاماً، سلاما”.
أنهمر بالبكاء.
أذاك هو كنزك المدفون؟
نور في القلب ذو شجون.


النص الأصلي:

http://www.flashfictiononline.com/pdf/fpublic0011-a-haunted-house-virginia-woolf.pdf?fbclid=IwAR0mrWz9Al-ZcHieAvr0RpBMqx8TNNpUJOKy87JZ1NVTVhfj5JVIl0t6QS4
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: