البحث عن المعنى في واقع الجرح السوري النازف

img

البحث عن المعنى في واقع الجرح السوري النازف

قراءة في رواية: هيفاء بيطار الشحّاذة   (192ص)

من منشوات ضفاف (بيروت) ومنشورات الاختلاف (الجزائر) ودار الأمان(الرباط) ط. لبنان 2017

محمّد العشّي

 

 

هيفاء بيطار كاتبة سوريّة في مجالي الأقصوصة والرواية، من مواليد 1960 بمدينة اللاذقيّة بسوريا وتخرّجت طبيبة للعيون من جامعة دمشق 1986. وسافرت بعدها لمدة عام إلى باريس للاطلاع والبحث.

اقتحمت مجال الأدب والنشر منذ بداية التسعينات حيث أصدرت مجموعات “ورود لن تموت” 1992 و”قصص مهاجرة” و”ضجيج الجسد”  1993 ورواية “يوميات مطلقة” 1994 قبو العباسيين 1995 امرأة من طابقين 1999 أبواب مواربة 2007 إضافة إلى روايات ومجموعات أخرى، آخرها رواية الشحّاذة 2017. نالت جائزة أبي القاسم الشابي عام 2002 عن مجموعتها القصصية (الساقطة)

شدّتني رواية الشحّاذة منذ صفحاتها الأولى وذكّرتني بعمق المأساة التي يعانيها الشعب السوري بعد سنوات من “الثورة” التي تحوّلت إلى حرب أهليّة بالوكالة لقوى إقليميّة ودوليّة وكان ضحيّتها الأولى أبناء الشعب السوري وخاصّة الشباب منهم. أحسست بصدق الساردة وهي تتحدّث بكلّ حرقة عن بعض تفاصيل تلك المعاناة. وتقدّم رؤية من الداخل السوري من صميم الواقع اليومي عن “مأساة القرن”. قد يكون في الرواية بعض الهنات من الناحية الفنيّة ولكنّ صدق التجربة وعمق الأحاسيس والجرأة الكبيرة في التناول والكشف عن عمق الجراح كلّ ذلك يغري بالقراءة إلى آخر صفحة من الكتاب، كما يغري بالتعليق والتقييم وهذا ما سأحاول القيام به.

حول الجنس الأدبي:

وسمت الكاتبة نصّها على غلاف الكتاب بـ “رواية” ممّا يحوّله إلى منطقة التخييل وينأى به عن خصوصيّات “السيرة الذاتيّة”، غير أنّ النص قد اشتمل على كثير من التفاصيل الحقيقيّة المرتبطة بسيرة الكاتبة، من ذلك حصولها على جائزة أبي القاسم الشابي في فنّ الأقصوصة وسعادتها بذلك التكريم (ص179) ومشاركتها في عضويّة لجنة التحكيم لمسابقة القصّة القصيرة “التي تنظمها إحدى دول الخليج برعاية أميرة خليجيّة” وبمشاركة الناقدة المعروفة يمنى العيد (ص85)، ومعركتها مع المحكمة الروحيّة المسيحيّة للحصول على الطلاق وأثر ذلك في كتابة روايتها الأولى “يوميات مطلقة” (ص 178-179)… كما تضمّنت “الرواية” عرضا مفصّلا لبعض الأحداث المرتبطة بالواقع السوري اليومي زمن الكتابة ومنها أنّ كلّ صالات السينما في اللاذقيّة تحوّلت إلى أبنية مهجورة أو أبنية أمنيّة أو معتقلات وخاصّة سينما “أوغاريت” التي صارت معتقلا وأحيطت بسياج كبير من البراميل…(ص74) ومنها التعرّض لأحداث معروفة مثل الضربة الأمريكيّة لسوريا و هروب الآلاف إلى لبنان خوفا من تلك الضربة المتوقّعة (ص7) وقصف حلب في 27 أيلول2016 (ص116)…

كلّ تلك المعطيات تضع الرواية في خانة السيرة الذاتيّة، غير أنّ الكاتبة تراوغنا بحيلها السرديّة فتخلط الأوراق وتوجّهنا إلى عالم المتخيّل السردي الذي يطلق فيه الكاتب العنان لمخيّلته ولا يتقيّد بضوابط السيرة وشروطها من ذلك أنّها اختارت صفة “الرواية” لعملها وثبّتت ذلك على غلاف الكتاب. ثمّ إنّها التزمت عموما باستعمال ضمير الغائب وهي تتحدّث عن البطلة، كما أنّها جعلت بعض تفاصيل حياة البطلة مخالفة لسيرة الكاتبة مثل دراستها في كليّة الآداب عوضا عن كليّة الطب (ص172). والأطرف من كلّ ذلك دخول الساردة في نوع من الحوار الافتراضي مع البطلة  ممّا يؤكّد الانفصال بينهما، فقد ورد في الفصل الموسوم بـ”دمى منتصف الليل”: “هذا ما كتبتُه نيابة عن بطلة الرواية، لأنّها شعرتْ بالخجل، وطلبت مني أن أكتب بلغة الأنا” (158) وفي ذلك الفصل فضحت الساردة بلسان البطلة (بضمير الأنا) التحرّش الجنسي الذي يمارسه كبار السنّ عبر الفيس بوك وكان كلامها مباشرا إلى حدّ أنّ الساردة علّقت بقولها: “لماذا خجلت بطلة روايتي من ذكر تلك الحوادث وتسمية الرجال بالدمى؟ هل أرادت أن يكون ألمُها على شعبها ووطنها طاهرا نقيّا غير متضمّن تلك القذارات؟ فهي تعتبر أنّ اللهو مع الرجال على الفيس بوك ليلاً عار” ثمّ أضافت “أحترم رأي بطلة روايتي، فهي تشمئزّ من هذه المواقف وهذا الكلام، لكن بما أنّ ثمّة حلفا بيننا أن أكتب عنها لأنّها فوّضتني أن أن أكتب عنها، سمحتُ لنفسي أن يكون ولائي للحقيقة وأن أكتب ما يحصل ليلاً” (ص162).

وكأنّ الكاتبة تريد عن طريق لعبة الضمائر أن تؤكّد مشروعيّة الصفة التي أطلقتها على عملها (رواية) وأن تجعل التعاقد بينها وبين القارئ على أساس رواية ما يمكن أن يحصل لارواية ما حصل فعلا.

ورغم كلّ المراوغات الفنيّة للكاتبة تبقى نكهة السيرة الذاتيّة حاضرة بقوّة في عملها، فعندما سأل النادل الساردة في باريس :ماذا تكتبين؟ ساءلت نفسها “أجاهزة أنت لكتابة سيرة ذاتيّة لمواطن سوري ووطن نازف اسمه سوريا؟” ثمّ أجابت أكتب رواية. وما لبثت أن تذكّرت الرواية السير ذاتيّة لمحمد شكري “الخبز الحافي” بما فيها من جرأة باعثة على الإعجاب. (ص77) وإذا تقدّمنا قليلا في القراءة فسنجد الساردة تتوحّد مع البطلة بعبارات صريحة من نوع “تدمع عيناها وَجدًا وتقديرا واحتراما لتلك المرأة التي كانتها في اللاذقيّة” (ص79) ومن هنا تصبح البطلة التي طلبت من الساردة أن تتكلّم باسمها مستعملة ضمير المتكلّم هي الكاتبة نفسها، فنعود مرّة أخرى إلى دائرة السيرة الذاتيّة.

وما يمكن استنتاجه في الأخير أنّ هيفاء بيطار عندما شرعت في كتابة “روايتها” لم تفكّر في الجنس الأدبي الذي ستعتمده بل سايرت هواجسها وعبّرت عن همومها وعن أطراف من سيرتها مازجة كلّ ذلك بالتعبير عن هموم الوطن وعن سير الكثير من نسائه ورجاله، فكان مولودها الأدبي عصيّا على التصنيف. وقد عبّرت الساردة عن ذلك المعنى في قولها “لم تكن تفكّر في أهميّة ما تكتبه، وهل يصلح للنشر؟ وهل سيصير رواية؟” (ص81) فالكتابة عندها تحوّلت إلى شكل من أشكال المقاومة ومنع الانهيار الشامل للكيان. وقد جاءت روايتها “متشظّية مفكّكة”  توازي في تفكّكها وضعف حبكتها تفكّك الواقع السوري واتسامه بالضياع واليأس والإحباط.  (ص147)

البرنامج السردي:

تضمّنت الرواية العديد من الشخصيّات والأحداث الجزئيّة ممّا يجعل تلخيصها أمرا صعبا، غير أنّ الخيط الناظم بين تشعّبات السرد هو الهواجس والأحداث المرتبطة بالشخصيّة المحوريّة أو ما يمكن الاصطلاح على تسميته ببطلة الرواية (ونقصد بالبطلة الشخصيّة التي حظيت بالنصيب الأوفر من اهتمام السارد).

وبطلة الرواية هي أديبة وصحفيّة تجاوزت سنّ الخمسين، مطلّقة منذ سنوات عديدة ولها بنت وحيدة تمثّل رابطها الأساسي بالحياة. قرّرت البنت مواصلة تعليمها العالي بجامعة انجليزيّة وحصلت على منحة تساعدها على ذلك، فرافقتها الأمّ من سوريا إلى مطار بيروت. ثمّ ما لبثت أن التحقت بفرنسا حيث استقرّ أخوها وأختها الطبيبان منذ سنوات وهما يرعيان والدهما ووالدتهما المسنّين ويوفّران لهما كلّ شروط الراحة والمتابعة الصحيّة. لم تلتحق بفرنسا هربا من قتامة الواقع السوري كما يفعل اللاجئون بل بحثا عن رخصة إقامة مطوّلة تسهّل عليها وعلى ابنتها اللقاء المباشر. اضطرّت للبقاء بفرنسا أكثر من ثلاثة أشهر في عالم قد تجمّدت مشاعره وانشغل فيه كلّ فرد بهمومه الخاصّة، ممّا زاد من تأزّمها ودعاها إلى كتابة هواجسها وتجربتها في صفحات تحوّلت إلى رواية.

البرنامج السردي للرواية بسيط جدّا يمكن اختصاره في سفرة فاشلة إلى فرنسا وعودة اختياريّة إى أحضان المأساة بمدينة اللاذقيّة السوريّة، غير أنّ بساطة الهيكل الحدثي لا تعني ضعف المحتوى كما لا تعني ضعف القدرة على شدّ القارئ عن طريق تشابك خيوط الذاكرة والنبش العميق في جراح الواقع السوري ما بعد “الثورة”.

استطاعت الساردة عن طريق تداعي الخواطر والتقاط ما يمكن التقاطه من شظايا الذاكرة المهشّمة أن تعرض على القارئ صورة حيّة حقيقيّة لما يجري في الداخل السوري ولبعض استتباعاته في الخارج وخصوصا في مدينة باريس، حيث يعيش مجموعة من المعارضين ومن اللاجئين والفارين من جحيم الواقع السوري إلى ضياع من نوع جديد…

ولن نتوسّع في الحديث عن تقتنيات السرد و”ألاعيبه” بل سنركّز القول فيما كشفته الساردة سواء بضمير الغائب أو بضمير المتكلّم من تفاصيل المأساة السوريّة يضاف إليها نضالها كأنثى ضدّ كلّ أشكال التحرّش والاعتداء والضغط على المرأة بوصفها أنثى في مجتمع عربي مازال يجترّ بعناد العقليّة الأبويّة المتوارثة منذ قرون. وفي هذا السياق نفهم تسمية الكاتبة لروايتها بـ”الشحّاذة” فالشحّاذة في الكتاب هي الساردة التي دفعتها الظروف إلى التسوّل المعنوي بحثا عن بذرة كرامة لها ولشعبها “متسوّلة لحياة كريمة، مفجوعة بوطن جريح” (138)

الساردة ورفع القناع:

حرصت الكاتبة على طرح المسائل المتّصلة بالواقع السوري وأحيانا العربي بطريقة رفع القناع وتسمية الأشياء بأسمائها دون استعارات ولا قفّازات، أي دون تلطيف للوقائع يراعي هذا الطرف أو ذاك، سواء تعلّق الأمر بالقضايا السياسيّة أو الاجتماعيّة. ومن أبرز تلك القضايا:

*ضياع حقّ الحياة في بلد الموت:

بعد فترة قصيرة من اندلاع “الثورة” في سوريا واختلاط أوراقها وتحوّلها إلى “حرب قذرة” صارت سوريا تلقّب بـ”وطن الموت” (12) بل صارت “الشهادة الوحيدة الحقيقيّة في سوريا هي شهادة الوفاة” (16). ولم تحمّل الساردة طرفا واحدا مسؤوليّة القتل والدمار فكلّ الأطراف المتنازعة مسؤولة عن سلب المواطن السوري حقّه في الحياة فضلا عن حقوقه الأخرى الضامنة لكرامته “في سوريا تُقطع الرؤوسُ فعلا من قبل منظمات إرهابيّة تتقنّع بالدين، وعلى رأسها داعش، ويموت شبّان وشابّات، رجال ونساء وأطفال في معتقلات النظام” (33). لم تحاول الكاتبة البحث في دوافع القتل وأسبابه، فالقتل عندها جريمة مهما كان مرتكبها ولا يوجد أي سبب قادر على تبرير الجريمة. ويبقى الموت مأساة مهما كان اسم المقتول ومهما كان انتماؤه. لذلك ركّزت الكاتبة على وصف حزن الأمّهات الثكالى “فهم مثلها افتقدوا أولادهم بالموت أو بالغرق أو بالنزوح” (37).  وفي هذا المعنى تقول الساردة على لسان البطلة “يا إلاهي! أنا محطّمة من الألم، لأنّ ابنتي سافرت… فكيف حال الأمّهات الثكالى اللاتي دفنّ أولادهنّ، وبعضهنّ لم يتسلّمن حتى جثّة أبنائهنّ، بل أعطوهم ورقة اسمها شهادة وفاة! (16)

وقد دفعت أجواء الموت والدمار بالساردة إلى حافة الانهيار العصبي وجعلتها تفكّر أكثر من مرّة في الانتحار ولعلّ أكبر خبر هزّ كياتها ودفعها إلى تناول كميّة كبيرة من الحبوب المهدّئة والتي كادت تودي بحياتها، هو خبر مقتل سبعين جنديّا من الجيش النظامي في دير الزور. قتلهم الأمريكان وادّعوا أنّ ذلك كان على سبيل الخطأ وأنهم كاتوا يقصدون قتل عناصر من جبهة النصرة! لم تعد الساردة قادرة على ابتلاع المأساة، وفقدت كلّ احتياطيّ يمكّنها من القدرة على المقاومة فرأت في الانتحار “قرارا يحمل شيئا من الكرامة” ومن حسن حظّها أنّ كميّة الحبوب التي تناولتها لم تقض عليها. (84)

لقد قامت الثورة السوريّة من أجل الحريّة ومقاومة الفساد المستشري في مفاصل السلطة فإذا بها تتحوّل إلى محرقة تؤجّجها مطامع الدول المتدخّلة ويصطلي بلظاها عامّة أبناء الشعب. ولشدّ ما آلم الساردة أن يصف “بان كي مون” (الأمين العام للأمم المتحدة) ما يحصل في حلب (27 أيلول 2016) بأنّه “أكثر وحشيّة وإجراما ممّا يحصل في أوحش مسلخ” وإزاء هذا القتل الجماعي للمدنيّين في حلب عن طريق القصف الجوّي (من طائرات روسيّة هذه المرّة) كانت الساردة “تشعر بغضب يتعاظم في روحها، وبرغبة بالصراخ وإطلاق سيل من الشتائم على حياة العار” (116)

وصرخة الساردة هي صرخة كلّ مواطن سوري محبّ لوطنه ورافض أن يتحوّل إلى “مسلخ” وإلى مقبرة جماعيّة تدفن فيها أحلام الشباب في العيش الكريم. وهي صرخة إدانة لعالم يشاهد أمام عينيه شعبا يقتل “ولا أحد يبالي” (138)

*فساد النظام:

من المعلوم أنّ كلّ الأنظمة العربيّة (بشيء من التفاوت) قد استشرى فيها الفساد بأنواعه منذ عقود حتى ظنّ البعض أنّ الواقع العربي عصيّ على التغيير. ولا يمكن استثناء النظام السوري من ذلك، بل قد يكون في المراتب الأولى من حيث قمع المعارضة والتستّر على شبكات الفساد والتمعّش منها. لقد امتلأت السجون السوريّة بسجناء الرأي الذين يقضّي كلّ منهم ما بين عشر سنوات وعشرين سنة في السجن (65)

وقد أكّدت الساردة قمع النظام مستندة إلى أمثلة صارخة من واقع شعبها نسوق منها النماذج التالية:

  • “رياض الترك” سُجن سجنا انفراديّا لأكثر من سبعة عشر عاما … وما إن أفرج عنه وصرّح على قناة الجزيرة بعبارة “مات الدكتاتور” بعد وفاة حافظ الأسد (المتسبّب في سجنه) حتّى أعادوه إلى السجن.(66)
  • سُجن أحد سجناء الرأي تسعة أعوام بتهمة الدفاع عن حقوق الإنسان وسُجن أخوه ثلاث سنوات لأنّه لم يبلّغ عنه (66)
  • أحد أصدقاء الساردة سجن خمس سنوات بتهمة قراءة منشور معاد للنظام “وتمّ القبض عليه ولم يكن قد أكمل قراءة سطرين من المنشور، كان يمكن أن تكون بدلا منه لو أنّ أحدا ما أعطاها منشورا” (67)
  • أحد أصدقاء الساردة اعتقل في السجون السوريّة لأنّه تعاطف مع الثورة حين اندلاعها وكتب عنها على صفحات الفيسبوك. ودفع أبوه مليوني ليرة سوريّة ليطلق سراحه بعد شهرين ويتحوّل للإقامة ببيروت (8)

كانت الساردة “تشعر أنّها مدينة لهؤلاء الأصدقاء الذن قضوا زهرة شبابهم في السجن… وتشعر أنّهم سجنوا نيابة عنها وعن كثيرين غيرها، ولعلّ الصدفة وحدها حمتها من السجن” (67). وما يدفع للمرارة أكثر أنّ السجون في سوريا ليست مجرّد مكان سالب للحريّة بل هي إطار لممارسة شتى أشكال التنكيل والإهانة والتعذيب “وبعضهم يموت تحت التعذيب” (66) تهمتهم الحقيقيّة هي عشقهم للحريّة وتوقهم للكرامة.

ولا يقتصر فساد النظام على قمعه الشديد لكلّ نفس تحرّري بل يشمل ولوغه في شبكات الفساد عموما عن طريق مختلف أجهزته بما في ذلك ممثلي السلطة القضائيّة… ولم تفوّت الكاتبة الفرصة لتمكين ساردتها من فضح بعض تلك الجوانب.

لقد توسّلت الساردة يالسخرية السوداء لتعرّي المفارقة بين الخطاب والواقع في ممارسات ممثلي النظام. فحالما وصلت إلى مدخل الحدود السوريّة قادمة من بيروت رأت لافتة كتب عليها “سوريا بخير” في حين “كان السائق يتوقف عند الحواجز الكثيرة المتنوّعة من أمن عسكري إلى حواجز الجمارك إلى حواجز الشبيحة، ويرشو كلّ عناصر الحواجز” (18) فإذا بالخير الذي ينتظره السوريّون العائدون إلى بلدهم هو أن يخضعوا إلى ابتزاز كلّ الأجهزة التابعة للنظام!

وفي مجال القضاء صار الشعار السائد “من يدفع أكثر يربح الدعوى”. ويتباهى أحد المحامين من أقارب الساردة بأنّ الفساد أوصله إلى أعلى مراتب الكسب “وكان يبرّر سلوكه بأنّه مضطر إلى هذا السلوك، لأنّ القضاء في سوريا فاسد، ولأنّ القضاة يعتبرون الرشوة حقّهم.” (137)

 *فساد المعارضة:

لا يعني فضح الكاتبة لفساد النظام السوري أنّها تدعم تفصيلات المعارضة بشكل مطلق. فهي ولئن عبّرت على لسان الساردة عن شديد إعجابها وتقديرها للأصوات الحرّة الجريئة في الداخل السوري التي انتقدت النظام ودفعت ثمنا غاليا لمواقفها فإنّ ذلك لم يمنعها من انتقاد بعض الأطراف المعارضة التي حادت عن مبدئيّتها وعن استقلاليّة قرارها وصارت مجرّد أبواق في خدمة مموّليها من الجهات الأجنبيّة.

تقول الكاتبة في هذا المعنى “من حين لآخر كانت تلتقي بعض الأصدقاء الذين تركوا سوريا وانتموا إلى المعارضة السوريّة المرتبطة خاصّة بالسعوديّة وقطر وتركيا، كانت تخجل أن تسألهم عن علامات الثراء الفاحش الظاهر عليهم وعلى أفراد أسرتهم، وفي بيوتهم التي استأجرتها لهم الدول التي ارتبطوا بها، تحسّهم بلا إحساس وبلا ذرّة وطنيّة، وأنّ كلّ غايتهم الوصول إلى السلطة حتى لو مات الشعب السوري بأكمله” (52)

وقد آلم الساردة كثيرا أنّ أحد المعارضين الذين عرفوا تجربة السجن في سوريا كان يعامل قتلى الجيش السوري النظامي بكلّ احتقار وكأنّ أولئك الجند أتباع جيش من الغزاة وليسوا أبناء للوطن. فالموقف الإنساني يقتضي أن نحزن لمقتل كلّ إنسان سوري مهما كان انتماؤه السياسي ولاسيّما الجنود الذين “زُجّ بهم في معركة لم يختاروها” (52)

لقد دفعها واقع المعارضة المحسوبة على جهات خارجيّة إلى الحكم على ممثليها بأنّهم “خونة، يتاجرون بدم الشعب السوري”…”كانوا يزيدون من أزمة روحها ويأسها وهي ترى شعبها يُذبح يتاجَر به من قبل النظام والمعارضة والضمير العالمي والدول العظمى في الإرهاب” (53)

وخلاصة ما يمكن استنتاجه من كلام الساردة أنّ كلّ من لم يكن نبراسه حبّ الوطن والعمل على تحقيق رفعته وكرامة أهله فليس جديرا أن يتكلّم باسم الوطن فضلا عن يرشّح نفسه لحكمه.

*فساد الكنيسة:

نفهم من سياق الرواية أنّ الساردة تنتسب إلى الديانة المسيحيّة بالوراثة وأنّها كانت في طفولتها تزور الكنيسة وتشهد القدّاس وتتلو الأدعية بكلّ خشوع وإيمان… غير أنّها عندما كبرت انقطعت علاقتها بالكنيسة ولم يبق من آثارها إلاّ الذكريات الجميلة المرتبطة بمرحلة الطفولة. لذلك عندما شعرت الساردة بكآبة حادّة جعلتها تفكّر في الانتحار لم تبحث عن الحلّ في روحانيّات الكنيسة بل توجّهت إلى طبيب نفساني معروف (28)، غير أنّ استشراء أجواء القتل والدمار والإعاقة النفسيّة والجسديّة دفع الساردة إلى طرح الأسئلة الماورائيّة حول الحكمة الإلاهيّة والتناقض بين وصف الله بالأب الرحيم وبأنّه محبّة مطلقة وبين ما نراه في الواقع من شرور الحرب ومصائبها. والحقيقة أنّ هذا النوع من الأسئلة تطرح دائما في حالات الحروب وتفشّي الأوبئة أو عند حدوث الزلازل والعواصف المدمّرة. ونجد الثيولوجيّين والفلاسفة المؤمنين يقدّمون الكثير من الأجوبة والاجتهادات لتفسير وجود الشرّ والكوارث في العالم، غير أنّ الذي يعيش في لبّ الكارثة لا يجد وقتا للتفلسف، وتتعاظم لديه الحيرة التي قد تخرجه أحيانا من حدود الإيمان فيرى أنّ ما يجري حوله مجرّد عبث بلا معنى كما عبّر عن ذلك ألبار كامو مثلا في رواياته مثل الطاعون والغريب. في هذا السياق طرحت الساردة أسئلة وجوديّة من نوع “أهي مشيئتك يا إلاهي أن يحصل ما حصل؟… لماذا يا إلاهي صعب علينا فهم مقاصدك؟ ولماذا خلقتنا؟ ما غايتك من خلق أكثر مخلوق إشكالي ومعذّب: الإنسان” (97). وتتساءل لماذا لم تتدخّل العناية الإلاهيّة لحقن دماء الأطفال الذين يقتلهم القصف العشوائي في سوريا!

ورغم تخلّص الساردة من وثوقيّة العقائد المسيحيّة والدينيّة عموما ودخولها في مرحلة شكّ أقرب إلى الإنكار فإنّها ارتأت أن تخوض تجربة الاعتراف أمام كاهن مسيحي، من باب “لِمَ لا نجرّب الوهم؟” (99)

وقد تمّ ذلك فعلا عندما توجّهت إلى كاهن معروف محبوب من المؤمنين إضافة إلى كونه كان صديقا لها على الفيسبوك. واعترفت له أنّها تفكّر في الانتحار فأفادها بنصائح أثارت ضحكها الداخلي من نوع وجوب شحذ طاقاتها لواجهة هواجس الشيطان الذي يغريها بالانتحار. عندها أحسّت الساردة أنّ الفكر الكنسي متكلّس لم يتغيّر فيه شيء رغم عقود تبدّل فيها العالم أيّما تبديل.

ثمّ ألحّ الكاهن في دعوتها عبر الفيسبوك أن تزوره في الكنيسة مرّة ثانية فلبّت الدعوة بداعي الفضول. استقبلها الكاهن بكأس من النبيذ المعتّق ثمّ صبّ كأسا ثانية، وإذا به يتحوّل من الأب البتول إلى “رجل يشتهي امرأة”. وإذا به يصفها بالجميلة ثمّ يقترب منها ويحاول تقبيلها. وعندها واجهته الساردة ساخرة “ماذا فعلت يا أبانا! وتعمّدت أن تُحمّل كلمة “أبانا” كلّ احتقارها وسخريتها” (107) وذكّرته أنّ ما فعله هو في منطق المسيحيّة زنا يستوجب التوبة والتكفير عن الذنوب وأنّها عموما ضدّ منطق كبت الغريزة باسم الدين الذي يحوّل البتول ظاهرا إلى متحرّش  تحت غطاء الكنيسة أو غيرها.

في الواقع لا يمكن لهذا الكاهن أن يكون نموذجا لكلّ الكهنة. ولا ندري إن كان ما تحدّثت عنه الساردة حصل فعلا أم أنّه محض خيال روائي. ومع ذلك فإنّ ما عبّرت عنه يعكس موقفا واضحا من الدين عموما ومن الدين المسيحي خصوصا ترى فيه الساردة أنّ ما كانت تعتقده في طفولتها مقدّسا وطاهرا ورعاية أبويّة إن هو إلاّ مجرّد أوهام يكذّبها الواقع المدنّس بشهوات البشر وبدمار المتناحرين منهم.

 

*أنثى في عالم ذكوري:

تتبنّى أغلب الكاتبات العربيّات مشروع الدفاع عن قضايا المرأة ،عن حقّها في الكلام الحرّ الجريء المباشر في الخطاب الأدبي والفكري، عن حقّها في المساواة التامّة مع الرجل في فرص التعليم والعمل والمشاركة السياسيّة علاوة على حقّها في الكرامة البشريّة والتقدير المعنوي…

ولم تبتعد كاتبتنا عن هذا التوجّه العام حيث نجدها تثير في روايتها في أكثر من مناسبة وضعيّة المرأة عموما والمرأة العربيّة خصوصا في المجتمع الذكوري الأبوي الذي تطوّر في ميادين عديدة ولكنّ عقليّته مازالت تعاني من الجمود ولم تقدر على التخلّص من رواسب عقليّة العصور الوسطى!

أحسّت الساردة بسلعنة المرأة وحصر “الرجل” لها في الزاوية عندما رفضت الجريدة العربيّة التي تراسلها من باريس أن تخوض في قضايا الجرح السوري “وحوّلتها إلى مجرّد كاتبة في شؤون الأسرة” وكأنّ قضايا الأسرة هي الشأن الوحيد الذي يمكن أن تكتب فيه المرأة. وقارنت نفسها بما يُعرض في واجهة إحدى المغازات الباريسيّة من ملابس نسائيّة داخليّة مع استعمال الأضواء الحمراء وكأنّ قيمة المرأة انحصرت في قدرتها على إثارة شهوات الرجل. وخلصت الساردة إلى الاستنتاج التالي “إنّها تشترك مع تلك الواجهة الخلاعيّة للثياب الداخليّة النسائيّة في تسليع المرأة، الذي من أكبر الأخطاء اعتباره تسليعا لجسدها فقط، بل تسليع وابتزاز لفكرها، بحصرها ضمن إطار معيّن يتحكّم به الرجل” (154)

والساردة في نصّنا الروائي امرأة مطلّقة في عقدها الخامس وتتمتّع بقدر لا بأس به من الجمال. وقد عقّد ذلك من علاقتها بالجنس الآخر لأنّ المطلّقة في مجتمعاتنا ليست بالعذراء التي تخاف على عذريّتها وليست بالمتزوّجة التي تخشى ردود فعل زوجها. فيُنظر إليها على أنّها صيد “جنسيّ” ثمين ولا تٌعامل غالبا على أنّها إنسان ذو فكر ومواقف ومشاعر بل على أنّها “فرصة” لإقامة علاقات مفتوحة تلبّي نزوات وتهويمات بعض الذكور.

لقد كان للساردة أصدقاء يحترمونها ويعاملونها بوصفها إنسانا وذاتا مفكّرة لكنّ الصداقة أو مجرّد التعارف يتحوّل في حالات أخرى لمناسبة للتحرّش كما وقع مع الكاهن وكما وقع مع غيره ممّن أطلقت عليهم الساردة تسمية “دمى منتصف الليل” (159) وهم الرجال الذين “يقفزون” إلى صفحتها على الفيسبوك ليلا ليغازلوها بطريقة يرشح منها النفاق. ومنهم العجوز السبعيني الذي دعاها إلى أن تقضي معه يومين في إحدى المدن الأوروبيّة. فكان عَرضُه مناسبة لتسخر منه وتمعن في إهانته (161)

الواضح أنّ هاجس الكاتبة الأوّل في هذه الرواية هو الكشف عن عمق المأساة التي يعانيها الوطن، لكن ذلك لم يمنعها من إدراج معاناة الأنثى كجزء من تلك المأساة. ولعلّ إمعان الساردة في إهانة الشخصيّات الرجاليّة التي تعمد إلى التحرّش ولا ترى في المرأة إلاّ الجسد، هو نوع من الانتصار للأنثى والانتصار لكرامتها، وتعويض في عالم المتخيّل الأدبي لما لم يتحقّق بعد في الواقع العملي.

هواجس أخر:

لم تقتصر الرواية على إثارة ما ذكرناه من قضايا بل إنّها اتسعت لكثير من المسائل الهامّة الأخرى. وبما أنّ هدف هذا المقال ليس استقصاء كلّ التفاصيل بقدر ما هو بيان التوجّهات العامّة للكتاب، فإنّنا سنقتصر في ما يلي على الإلماع السريع لأهمّ المسائل الأخرى المثارة في تضاعيف الرواية دون ترتيب محدّد:

  • مسألة الهجرة السريّة في قوارب الموت فرارا من التجنيد الإجباري، وما تتكبّده الأسر من مصاريف باهضة جدّا تصل ببعضهم إلى بيع أثاث بيوتهم ليوفّروا مصاريف المهرّبين (ص24 و37)
  • فساد الصحافة واعتماد بعض رؤساء التحرير على “شلّة” من أصدقائهم ومعارفهم من عديمي الموهبة ليتبادلوا المكاسب والمغانم وذكت مثالا لذلك “أهمّ مجلّة ثقافيّة في دبي” وقد تحوّلت إلى عصابة (156)
  • اضطرار الكثير من الأطفال للعمل المضني لإعالة إخوتهم بعد موت مقتل ربّ الأسرة (94)
  • كثرة حالات الاكتآب الحاد في سوريا وارتفاع نسبة المنتحرين بسبب فقدان الدواء (المضاد للاكتآب) أو العجز عن شرائه (33)
  • أهميّة مسألة العذريّة عند الفتيات العربيّات واعتبار فقدانها مصيبة عظمى ولجوء الكثير منهنّ إلى العيادات الخاصّة لاسترجاع عذريّة مصطنعة (176)
  • أهميّة الحبّ في مواجهة الكآبة وخاصّة في العدول عن الانتحار. فلولا حبّ الساردة العارم لابنتها الطالبة لكانت عاجزة عن تحمّل مآسي الوضع ولكان مصيرها الانتحار (20-51)
  • الموقف من فرنسا التي لم تعد عند الساردة بلد الحريّة والمساواة والأخوّة كما تنصّ على ذلك شعارات الثورة الفرنسيّة بل هي بلد الأنانيّة والانغلاق على النفس وعلى هموم الأسرة الضيّقة فقط. وحتى السوريّون المقيمون هناك مثل أخت الساردة وأخوها لم يعودوا يبالون بما يحدث في وطنهم الأم وأكثر ما يهمّهم الحديث عن السيارات والكلاب وبرمجة سهرة رأس السنة… (128)

ولعلّ ما ساعد الكاتبة على طرح قضايا متعدّدة هو طريقتها في اعتماد توارد الخواطر ومزجها بين سرد ما تعيشه في يومها ووصف ما يثيره فيها أيّ خبر عن الوطن من تفاعلات وأشجان والمراوحة بين الحاضر والماضي. هذا إضافة إلى التزام الساردة بنقل الحقيقة كما هي، حتى إن كانت “البطلة” متحرّجة من ذلك.

نهاية المطاف:

نودّ في ختام عرضنا لرواية “الشحاذة” أن نشير بسرعة إلى نقطتين يمكن أن يكونا سلبيّتين من الناحية الفنيّة وهما التكرار وفوضى البناء القصصي.

لقد كرّرت الساردة بشكل مزعج أحيانا أنّها تتناول الحبوب المهدّئة والمضادّة للكآبة وقدّمت أسماء لبعض تلك الحبوب، كما كرّرت في عديد المناسبات أنّها تفكّر في الانتحار وأنّها كادت تهلك بسبب جرعة زائدة من تلك الحبوب. وتستدرك في كلّ مرّة لتوضّح أنّ حبّها لابنتها وحرصها على عدم تعكير حياة ابنتها الوحيدة بخبر انتحارها هو ما يجعلها تتمسّك بالحياة رغم ما تعانيه من آلام نفسيّة عميقة. وكرّرت في مناسبات عديدة أنّها تقبل على شرب أنواع من المشروبات الكحوليّة بغرض نسيان واقعها. قد يكون هذا التكرار عيبا فنيّا (إذا لم يكن مقصودا) وقد يكون مقصودا لتوتير القارئ وجعله يشارك الساردة بعضا من توتّرها.

أمّا فوضى البناء وضف الحبكة فقد حاولت الساردة تبريره بأنّه يعكس الفوضى في الواقع السوري زمن الكتابة فكانت روايتها من نوع “الرواية المتشظّية”. (147) كما أنّ الكاتبة لم تكن تكتب لممارسة هواية بل كانت الكتابة سبيلها إلى مقاومة الانهيار (81) وإلى الطيران بأجنحة الحريّة (179) أي أنّ الكتابة تحوّلت عندها إلى مطلب وجودي وإلى أداة إضافيّة تواجه بها فوضى الواقع وإغراء الانتحار.

والكتابة عند هيفاء البيطار وهي تعرّي الواقع إنّما تدفع إلى تجاوزه وإلى الحلم بغد أفضل للنزيف السوري، حلم ممكن التحقيق إذا صار نبراس كلّ السوريّين هو حبّ سوريا لا غير. فهل يتحقّق الحلم؟

 

 

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: