الالتفات من الأداء البلاغي إلى خلخلة البنية والدّلالة

img

الالتفات من الأداء البلاغي إلى خلخلة البنية والدّلالة

عبد المجيد يوسف

الالتفات أسلوب من أساليب العربية نرى أدباء اليوم لا يكترثون به منصرفين عنه وعن غيره من إمكانات عديدة كفيلة بأن تحسّن إهاب ما يكتبون. وبترك هذه الأساليب صار الخطاب الأدبي في عمومه رثا مهلهلا عطلا من الجمال استعيض عن تجميله بهاجس الفكرة وتعميقها وتحميلها بالمعرفة. ولو علم الأدباء الذين هذا مذهبهم في الكتابة فتمكنوا من أسرار العربية -إن كان ذلك يعوزهم- لوجدوا فيها خير رافد لغاياتهم ولأضافوا لذة التلقي لعمق الفكرة وزادوا مقدار الرغبة في القراءة. فمثل من لا يستفيد من إمكانات التوليد الجمالي والمعرفي في اللغة كمثل من له مال وهو لا يعلم فيقيم على الفاقة لا يستفيد مما لديه.

والالتفات شديد المِحال لا يكاد البلاغيون وفقهاء اللغة يتّفقون على تحديدٍ جامع مانع له. أمّا الجهاز المصطلحيّ المؤدّي لمفهومه فمتنوّع هو أيضا، فهو الاعتراض والتّرك والتّحوّل والانتقال والالتفات… ثم استقرّ هذا المصطلح الأخير لدى المتأخّرين منهم(نهاية القرن الرّابع الهجري) وهو من وضع الأصمعي.

وفي تعريف الالتفات يقول الحسن بن رشيق” هو الاعتراض عند قوم (ويعني أبا هلال العسكري لكن أبا هلال جعل للالتفات بابا وللاعتراض بابا آخر) وسمّاه آخرون بالاستدراك (ويعني قدامة بن جعفر)…”وسبيله أن يكون الشاعر آخذا في معنى ثم يعرض له غيره فيعدل عن الأول إلى الثاني ثم يعود إلى الأول” (انتهى النقل عن ابن رشيق) ويضرب لذلك مثلا من شعر كثير عزة:

لو أنّ الباخلين   – وأنتِ منهم-*** رأوكِ تعلّموا   منك المطالا

ويعرف العسكري الالتفات على أنّه “أن يفرغ المتكلم من المعنى فإذا ظننت انه يجاوزه يلتفت إليه فيذكره بغير ما تقدم ذكره”(انتهى النقل) وهو الصنف الأول الذي سيأتي بيانه. أما الاعتراض فهو عنده “اعتراض كلام في كلام لم يتمّ” والمؤدى واحد وإن اختلف اللفظ… ويتأكّد التطابق حين تنظر في الأمثلة المقدّمة للبرهنة والتّعريف…فالمثال الذي اتخذه  نموذجا للاعتراض هو ذاته الذي اتخذه ابن رشيق لتعريف الالتفات. وهكذا يكون ابن رشيق قد حسم الأمر في خصوص الاعتراض والالتفات فطابق بينهما وهو الأنسب.

….والالتفات عند ابي هلال العسكري على ضربين… الأول هو ما تحدثنا عنه من اعتراض سلسلة تلفّظيّة في أخرى عن طريق الإدراج Insertion  تكون معزولة عن الأولى من جهة المعجم والبناء المغلق المستقلّ وحتى الأسلوب أحيانا. ولسنا نقصد بالأسلوب ما عناه الزركشي (745/794ه) في  كتابه “البرهان في علوم القرآن”  عند الحديث عن الالتفات من انتقال الإسناد من  التكلم إلى المخاطبة أو الغياب أو من المفرد إلى الجمع … ممّا هو شديد التّواتر في القرآن وذلك قصد “تنشيط السّامع، واستجلاب صَفائه، واتّساع مجاري الكلام” (انتهى النقل عنه) بل نعني به أساليب التّكلّم كالانتقال من الاستفهام إلى الدّعاء كما في هذا الشاهد الذي أورده أبوه هلال في هذا الصّدد وهو بيت لجرير ورد استفهاما فيه التفات بأسلوب الدّعاء.(من الوافر)

اتنسى إذ تودّعُنا سليمى*** بعُود بَشامة( سُقي البَشام)

( البَشام شجر طيّب يُستاك به كالأراك)

أمّا النمط الثاني من الالتفات فيثير إشكالا يُهمله البلاغيون إهمالا ذريعا ، وهو متعلّق بموقعه من السّلسلة الأصل… فهو في النّمط الأول يردُ مدرجا في قلب البنية الأصل وفي الثاني يرد في آخرها بحيث ينتفي الإدراج وهو في نظرنا الأهمّ والأكثر توليدا للإنشائيّة.

ومن أمثلة ذلك في الشعر كثيرٌ مثل قول عنترة العبسي (من الكامل)

فشككت بالرّمح الأصمّ ثيابه*** (ليس الكريم على القنا بمحرّم)

فمن الناحية الهيكلية نحن إزاء بنيتين متباينتين تركيبيّا ومعجميّا وأسلوبيّا:

  • تركيبيا: يأتي الالتفات بنية مستقلة لا تربطه بالبنية الأصل باستثناء أن هذه الأخيرة كانت قادحا  له في شكل تعقيب أو تعليق أو تعبير عن أرضيّة تجريبيّة مهّدت  لإنتاج خطاب تجريديّ متعال ذي صلة بالبُنى الفكرية، لذلك هو يتخذ شكل مصادرة     Postulat

محيلة على العقل الإمبريقي وعلى الخبرات الحاصلة من الوجود وممّا فيه من التّجارب.

  • أسلوبيا: يأتي الخطاب في نَصّ الالتفات – في الأغلب – مختصرا في شكل تركيب إسناديّ إسميّ خال من الفعل ومجسّد لمفهوم قارّ وثابت تنتفي منه الحركة(الفعل) لأنّه لا صلة لها بالجملة الأصليّة التي هي تجربة فرديّة إلاّ بواسطة الرّابط الدّلالي… ليكون الالتفات صياغة لحكمة كليّة كما أسلفنا .
  • معجميا : هناك على العموم مظهران يميّزان هذا الصّنف من الالتفات وهما الاتّصال والانفصال: فالاتّصال أن يرد في الالتفات لفظ يحيل على الجملة الأصل دون اعتبار لصيغته المورفولوجية وهو في اعتبارنا الأضعف من جهة الأداء الإنشائيّ لكنّه محصّل لنغم إيقاعيّ محبّب كما في قول لبيد بن ربيعة (من الكامل)

فاقطع لُبانة من تعرّض وصله*** ولشرّ واصل خُلّة صرّامها

أو قول عمر بن أبي ربيعة (من الطويل)

وليلة ذي دوْران جشّمني السّرى*** وقد يجشَم الهولَ المُحبُّ المُغرّرُ

أمّا الانفصال فإنّك لا تجد في هذا الصّنف من الالتفات تكرارا معجميا (بالمعنى البلاغي للكلمة) Redondance  وهو وإن عطُل من هذا الرّافد الإيقاعيّ فإنّك واجد صلة دلاليّة قائمة على الاستعارة التّمثيليّة ومحيلة على البنُى الفكريّة المتعالية كما جاء بيانه في فقرة سابقة … من ذلك قول المتنبي: (من البسيط)

ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه*** تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن

 

فهاهنا الصّلة المعجميّة منعدمة تماما وقد مثّل إخفاقَ المرء في مسعاه بريح تجري في غير اتجاه المراكب … أو قوله (من الطويل)

إن تكن تغلب الغلباءُ عنصرَها*** فإنّ في الخمر معنى ليس في العنب.

أو قول البوصيري في بردته ملتفتا عن الحثّ على ردع النّفس عن شهواتها:

والنفس كالطفل، إن تهمله شبّ على*** حبّ الرّضاع، وإن تفطمه ينفطم

ونقول على سبيل الخاتمة إنّ الالتفات يتجاوز الدّراسة المحدودة التي انجزها حوله البلاغيون العرب القدامى من فائدة سيكولوجية ذات صلة بعملية التّلقّي كما بيّنه الزّركشي في البرهان ولكنّه يتجاوز كل ذلك إلى كونه مولّدا مهمّا لإنشائية النّصوص  ومخلخلا للبنى التّركيبية ونافذة على البنى الفكرية العليا ومناسبة لصياغة القول الحكيم الناطق بثقافة القوم

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: