الاقتصاد السياسي للتخلّف: من خير الدين جلاّد الخمّاسة إلى اتفاقية الأليكا

img

بقلم :خالد طبابي

باحث في علم الاجتماع التغير الاجتماعي: اختصاص علم اجتماع العمل والتنمية والبيئة بكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بتونس

مقدّمة

منذ أن ” طمى السيل حتى غاصت الركب” وأفاق التونسيون والعرب في القرن التاسع عشر  على صدمة اللقاء بأوروبا الغازية والمسلحة بالآلة والعلم، افترقت الساحة الثقافية التونسية والعربية شيعا وعصائب، وأضحت محل تنازع محتدم بين أصناف من المثقفين من ” ماضوييّن ” و” ليبراليين” و”وحدوييّن وعروبيين” و” ماركسيين” وما كان يجمع بين هؤلاء المثقفين على اختلاف رؤاهم، هو رفضهم للحاضر لأنّه حاضر يجسّد عجز العرب عن الانخراط في الحداثة، وإدراك زمن العالم وعن فك تبعيتهم للمراكز الرأسمالية العالمية الماسكة  للسلطة والثروة والعلم. فالعرب لا يزالون في علاقتهم بالعالم الغربي المتقدم ينفعلون أكثر مما يفعلون، ويستهلكون أكثر مما ينتجون…[1] وبالتالي فإنّ الصدمة الأوروبية كانت محطّة فاصلة في تاريخ المجتمعات العربية، فمعضلة التخلف التي تعاني منها اليوم تونس والعالم العربي وهي المعضلة التي خاض غمارها ولايزال المفكرون العرب منذ أن وطئت مصر أقدام عساكر نابليون في أواخر القرن الثامن عشر والاحباط الذريع الذي منيت به في العقود الأخيرة أكثر التجارب العربية التنموية تجذرا، يدعونا إلى مساءلة كل الجذور والخلفيات والمسلمات والبديهيات لكشف الأوهام التي نحملها عن أنفسنا. كما تقرّ  المسلمة السوسيولوجية بأنّه لا يمكن فهم التغيراتالاجتماعية والاقتصادية بمعزل عن التاريخ، فالذي لا يفهم ماضيه لا يمكنه فهم حاضره أو استشراف مستقبله. فعلم التاريخ كما يعرفه المؤرخ التونسي الهادي التيمومي بأنه ” ليس حكايات يتسلى بها الناس ولا يضرهم جهلها، فهدفه ليس الامتاع والتطريف، وهو ليس بالعلم المحكوم بعبر الماضي التي يجب على الحاضر استيعابها، إذ هو لا يهدف إلى الترهيب والترغيب، وإنّما هي شواغل الحاضر تحمل المرء على الاهتمام بهذه الناحية أو تلك من هذا الماضي، إذ أنّ معرفة هيكل معيّن لا يمكن أن تسبق ظهوره، بل تتأتى للإنسان معرفته بعد نموه وتعززه، وبالتالي فإنّ معرفة الحاضر هو الشرط الذي لا مناص منه لفهم الماضي، وعكس هذا أمر خاطئ لا يستقيم في نظرنا”.  فمن خلال القراءة السوسيو-تاريخية للمجتمع التونسي منذ عصر خير الدين باشا ولجنة الكومسيون المالي، نحاول من خلالها الإجابة عن السؤال المركزي لهذا المقال والمتمثل في: هل أنّ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التونسية الحالية تعود إلى جذور تاريخية من عصر الاستعمار العسكري إلى العولمة؟

لتكون فرضية العمل مفادها: أنّ البرجوازيات العربية نمت وتطورت في علاقة تبعية بنيوية مع السوق الرأسمالية. وفي تبعيتها البنيوية هذه عجزت عن حلّ المسائل الاجتماعيّة والوطنيّة. وعجزها هذا ليس طارئا أو مؤقتا، بل هو عجز بنيوي تاريخيّ، فهي لا تستطيع الانتقال إلى نمط رأسمالي مستقل، لذلك فإنّ تجدد الأنظمة العربية، وانتقالها من البرجوازيّة التقليديّة إلى البرجوازية الصغيرة، لم يجدد إلاّ مأزقها التاريخي، لأنّ هذا التجدد لم يكن إلا استبدالا طبقيّا في نمط الإنتاج الكولونيالي نفسه الذي يحكم حركة البرجوازيات العربية.

  1. خصائص التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية التونسية قبل 1881

لقد كانت تونس قبل 1881، تابعة للامبراطورية العثمانية  وأنّ تبعيتها كانت محدودة جدّا، بحيث يمكن القول إنّ تونس كانت قبيل 1881 بلد شبه مستقل. لقد كان نمط الإنتاج الإقطاعي مهيمنا في تونس شمال الظهريّة التونسيّة وفي المناطق الساحليّة وفي واحات الجريد وبعض مناطق الوسط والجنوب. أمّا أنماط الإنتاج الثانويّة فهي نمط الإنتاج شبه المشاعي ويهيمن على أغلب مناطق الوسط والجنوب. أمّا نمط الإنتاج العبودي المنزلي ونمط الإنتاج البضاعي البسيط فيخترقان بتفاوت الكثير من قطاعات المجتمع، ولا يمكن بالتالي تحديد حيزهما الجغرافي[2]. فالعامل الزراعي والفلاحي هو الذي كان يحددّ فائض القيمة، وهي المحددّ لاقتصاد الإيالة، ولتعليل هذه الفكرة، ليس لدينا ما أدلّ على منشور الباي في شأن الفلاحة، ففي سنة 1273 هجري الموافق لسنة 1856 ميلادي، أعلن “المشير محمد باشا باي” منشوره في شأن الفلاحة، وذلك بعد أن ثقلت الأعشار على منتحلي الفلاحة، كما أنّ الفلاح في سنة الجدب (أي قلة المطر) يبيع المواشي وآلات الفلاحة ولا يكاد يخلص في مغرمها المسمّى بالعشر، كما أنّ أرض المملكة عشرية غير مأمونة الري… كما أنّ المملكة متأخرة عن غيرها في إيجاد الصناعة، حتى إنّ غالب ثياب أهلها، شعارا ودثارا، من غيرها، والخارج من مصنوعها قليل كالشاشية، وموادّها من خارج، ونسيج جربة والجريد ونحوها ذلك نزر ويسير، فثروتها الحقيقية هي ما يخرج من أرضها وتربتها الطيبة الخصبة[3]، كما أن الفائض في تونس كان محدودا نظرا للظروف الايكولوجية ولضعف إنتاجية العمل ولما يسود المجتمع من نظرة احتقارية للفلاحة وللعمل اليدوي بصفة عامّة. لكن القول إنّ الفائض محدود لا يعني أنّه منخفض. ولعل تونس بصفتها ” مطمورة روما” _رغم أنّ تلك الشهرة مبالغ فيها_ تعكس واقعا معينا، وهو أنّ تونس تقف على طريق نصفي بين المجتمعات ذات الفائض الغزير والمجتمعات ذات الفائض المنخفض. ولقد ظلّت موارد الأرض دوما أهم موارد الدولة في تونس حتى في أعزّ فترات ازدهار التجارة. وهذه حقيقة لا بد من إبرازها لتنسيب أهميّة التجارة في تاريخ تونس وذلك بالرغم من أهميّة هذه التجارة[4]. كذلك مثّلت حركة التنقل المؤقتة استراتيجية اعتمدها الفاعلون الاجتماعيون منذ أمد بعيد للتغلب على العوامل الايكولوجية الصعبة وقد كانت من أيسر التقنيات التي يقع الالتجاء إليها في الأوقات التي تشح فيها الطبيعة أو يتزامن شحّها مع ضرورة دفع الضرائب فكانت تلك الحركة تعتمد أيضا كتعبير عن الرفض ووسيلة للتمرد على السلطة[5]. فعموما يمكن القول أنّ الصناعات التقليدية كالشاشية والنسيج، كذلك التجارة الخ هي ذات أهميّة لتحديد الفائض لاقتصاد الايالة، لكن تجدر الاشارة بالقول أنّ المجال الفلاحي والزراعي هو الأكثر أهميّة لتحديد القيمة المضافة قبل 1881.

  1. المحاولات الأولى للانتقال إلى طبقة رأسمالية مستقلّة

تطبيقا لما جاء في “قانون عهد الأمان” قام الباي منذ نوفمبر 1857 بتكليف لجنة لصياغة دستور للبلاد التونسية على الطريقة الغربية، وقد تمخض عمل هذه اللجنة الذي دام أكثر من ثلاث سنوات عن أول دستور من نوعه في العالمين العربي والاسلامي، وهو دستور 29 جانفي 1861، وهذا الدستور انتصار للمصلح خير الدين باشا ومؤيديه مثل المؤرخ أحمد ابن أبي الضياف وحمد بيرم الخامس وسالم بوحجاب وحمد السنونسي والجنرال حسين… وهؤلاء المصلحون الذين كانوا يحتلون مواقع عليا في هرم الدولة كانوا متأثرين بالنهضة الأوروبية الحديثة التي اطلع عليها بعضهم مباشرة، وبالفكر الليبرالي الأوروبي، وكانوا يعتقدون أنّ المهمة العاجلة هي توظيف الشرع الإسلامي في اتجاه تحويل النظام السياسي في تونس من “حكم الاطلاق” الذي هو أهم أسباب الانحطاط الحضاري في نظرهم إلى حكم ملكي دستوري، وهذا الاصلاح الذي بدأ تطبيقه في الامبراطورية العثمانية تحت اسم ” التنظيمات الخيريّة” كفيل في نظرهم بجعل الثروة في مأمن من المصادرات وبتطوير قوى الانتاج وبالسير على “التمدن الأوروباني” وذلك بادخال تونس على المدى المتوسط والبعيد في الطريق الرأسمالية على الطريقة “البروسيّة” La voie prussienne ، أي جرّ الطبقة الحاكمة إلى التحوّل عن طوعية وبطريقة تدريجية وسلمية إلى طبقة رأسمالية، وإصلاح النظام السياسي كذلك كفيل في رأيهم بحماية البلاد من الهيمنة الأوروبية الزاحفة[6]. أمام هذا المعطى التاريخي نستخلص بأنّ المحاولة الأولى للانتقال إلى طبقة رأسمالية حديثة أتت في سياق التحديث، لأنّه تأثير بالقوى الغربية وبالتالي استهلاك لأفكار ومسارات وخيارات دون انتاج فكريّ ومعرفيّ، كما أنّ الرأسمالية تتطلب وسائل الانتاج وتتطلب الصناعة والصناعات الاستخراجية وعصرنة الفلاحة والايالة تفتقر إلى كلّ هذا خلال تلك الفترة. وبالتالي فإنّ هذه المحاولة تندرج ضمن تبعية البرجوازية العربية للبرجوازية الغربية، وحتى وان كانت ضمن حسن النوايا فهي نمت وتطورت بمحتوى أفكار القوى الإقليمية بل نقل بمحتوى الأفكار الاستيطانية التي تريد الهيمنة والتمركز وخلق دوائر تابعة لها، لنستنتج بأنّ عهد الأمان وصياغة دستور 1861 هو انتصار للطبقات البرجوازية لأنّه مستمد من الفكر الليبرالي وبالتالي هو في خدمة الاستراتيجيات الفرنسية آنذاك، فهذا الانتقال هو انتقال لا يعبر عن السيادة الوطنية وإنّما هو امتداد كولونيالي على أراضي الايالة.

1_  خير الدين ووصوله إلى الوزارة الكبرى

ولد خير الدين حوالي سنة 1822 في المنطقة الشركسيّة من الجنوب الشرقي للجبال القوقازيّة، وينتمي إلى قبيلة أباز، اشتراه من سوق العبيد بالأستانة أحد أعوان أحمد باي سنة 1839 وجلبه إلى تونس وعمره سبعة عشر سنة تقريبا، وربيّ في البلاط مثل أمثاله من المماليك، وفي أواخر فيفري 1842 عيّن في خطّة قائد فرقة من فرق الخيّالة، ثمّ أصبح في أكتوبر 1846 الآي أمين للخيالة. صاحب أحمد باي في أواخر عام 1846 في رحلته إلى فرنسا حيث اطلع على التطور الهائل لقوى الانتاج الرأسمالية وجهاز الحكم الدستوري الليبرالي القائم على سيادة القانون … وفي عام 1850 عيّن خير الدين قائدا أعلى للخيالة، وفي السنوات بين 1853 و1856 أقام بباريس قصد فضّ مشكلة محمود بن عياد قابض الخزينة التونسية الذي فرّ إلى فرنسا عام 1852 حاملا معه الكثير من أموال الدولة التونسية… وخلال هذه السنوات ازداد خير الدين تشبعا بالفكر الليبرالي الأوروبي، وعيّن خير الدين في نوفمبر 1855 في رتبة فريق، ثم وزيرا للبحر بداية من جانفي 1857، وهو لا يزال مقيما بباريس، كما شارك في اللجنة المكلفة بصياغة دستور البلاد، كما أصبح كاهية للمجلس الأكبر، ثمّ رئيسا له غداة وفاة مصطفى صاحب الطابع في ماي 1861، وفضّل خير الدين في أواخر نوفمبر 1862 الاستقالة من رئاسة المجلس الأكبر ومن وزارة البحرية لما رآه من التخريب الذي كان يقوم به صهره الوزير الأكبر مصطفى خزندار، ورغم استقالته، ظلّ خير الدين محافظا على عضويته بالمجلس الأكبر، كما ظلّ عضوا بالمجلس الخاص الذي شكله امحمد باي لاستشارته في بعض شؤون البلاد، كما عارض خير الدين الزيادة في المجبى في نوفمبر 1863 الذي أشعلت فتيل الانتفاضة الكبرى ضد نظام البايات … وفي عام 1869 فرضت الدول الأوروبية المقرضة لتونس رقابتها على المالية التونسية نظرا إلى عجز الدولة عن تسديد ما كان متخلدا بذمتها من ديون، وعيّن خير الدين رئيسا لهذه اللجنة المالية العالمية المعروفة باسم لجنة الكومسيون المالي ومنح لقب وزير مباشر ليكون قادرا على تنفيذ قرارات الكومسيون وحتى يحافظ مصطفى خزندار على صلاحياته بصفته وزيرا أكبر، واستطاع خير الدين في نوفمبر 1871 الحصول من السلطان العثماني على الفرمان الذي كان طالب به الباي من نوفمبر 1864. وقد تمثلت الهدية التي قدمها الباي لوزيره الدبلوماسي المحنّك في هنشير شاسع جدّا هو هنشير النفيضة الذي تبلغ مساحته 96000 هكتارا تقريبا.ومن هنا انطلقت الاملاءات السياسية للجنة الكومسيون المالي، وتحديدا الاستعمار الزراعي وتمكين فرنسا من الغزو الفلاحي بهنشير النفيضة هي التي ستكون النواة الأولى للاستعمار المباشر خلال 1881، وبالتالي فخير الدين قام ببعض الإصلاحات لكنّه في خدمة القوى الفرنسية، ومن ذاك التاريخ أصبحنا نتحدث عن تبعية الايالة للجمهورية الفرنسية.

2_ خير الدين جلاّد الخمّاسة

موضوعيا قام خير الدين ببعض الإصلاحات في المجال الإداري حيث أعاد تنظيم الجهاز الإداري تنظيما جذريا يحقق له أكثر ما يمكن من المردود الجيّد والنجاعة… كما قام بإصلاحات في المجال القضائي وكذلك في المجال الثقافي والتعليمي حيث قام بتحسين أداء مطبعة الدولة وإدارة جريدتها كما اعتنى بأحجار الجاهلية أي المواقع الأثرية وأعاد تنظيم التدريس بالجامعة الزيتونية… كما قام ببعض الإصلاحات في المجال الصناعات الحرفية الخ. أمّا في المجال الفلاحي فقد شجع خير الدين على إحياء الأراضي الموات[7]…. ولكن كانت شركات الخمّاسة الذي أسّس أسسه القانونية الوزير خير الدين في سنتي 1874 و1875 والذي أبقى عليه بعد انتصاب الحماية، يمكن كبار الفلاحين والملاّكين للأرض ووسائل الإنتاج من ممارسة أبشع وأوقح أنواع الاستغلال لأفقر فئة من صغار الفلاحين التونسيين وأكثرهم كدّا. فالخمّاس أو المزارع بالخُمس، في الحقيقة لم يكن عاملا بل هو شريك، ولكنه مع هذا، لا يكسب إلاّ خُمس المحصول الزراعي بينما ينتفع الملاك بأخماس الأربعة الباقية.[8] وهذا القسط الذي يتحصّل عليه الخمّاس لا يوفرّ له حدّه الأدنى كي يعيش، كما أنّه محكوم عليه من قبل صاحب الأرض، فهو يستدين في أغلب الحالات من رب العمل، وبالتالي فهو يعيش في قبضة الملاك الذي يمكنه أن يبقيه في منزلة الأقنان. ينصّ الفصل 30 من أمر 1874 ما يلي: ” إن أراد الخمّاس تجديد العقد، وإن اقترض من الفلاح بصفته خمّاسّا أو بأي صفة أخرى، وفي كلتا الحالتين هو مجبر على تسديد مبلغ الدين للفلاح أو أن يقدم له ضمانا كافيا لتسديد دينه ويقبله الدائن، وإن لم يجد مالا أو ضمانا فهو مجبر على خدمته كخمّاس إذا كان يقدر على ذلك، وإن لم يقدر على العمل يسجن إلاّ إذا ثبت أنه معوز ولا يتعاطى أية مهنة أخرى أو أنّه غير قادر على الشغل كعامل يومي”.[9] وأمام هذا المنشور والأمر نستخلص القول سوسيولوجيا بأنّ إصلاحات خير الدين هي في خدمة الإقطاع أو الارستقراطية، تخدم صاحب الأرض وصاحب رأس المال، ولا تخدم الفئات المسحوقة الهشّة، ويعود هذا إلى أمرين اثنين: أوّلهما أنّ خير الدين شديد التأثر بالفكر الليبرالي الفرنسي، حيث أراد تطبيقه بتونس، والانتقال من البرجوازية التقليدية إلى برجوازية صغيرة، لكن هذا الانتقال تسبب في تجديد المأزق والنكبة الاقتصادية التونسية، والأمر الثاني هو أنّ خير الدين في خدمة كبّار الفلاحين وملاكي الأرض وفي خدمة شروط لجنة الكومسيون المالي، أي أنّه مقيّد بشروط التداين، ومن هنا يمكن القول أنّ تخلّف الاقتصاد التونسي يعود إلى جذور قديمة منذ أن بدأت فرنسا بالهيمنة والاستيطان، ومن خلال التفويت في أراضي الدولة، بدأ الاستعمار في بعث رحلات استكشافية تجول البلاد إلى أن وصل إلى تأسيس الشركات المنجمية.

3_ تأسيس الشركات المنجمية

أُرسلت البعثات العلميّة الاستكشافيّة الاستعمارية إلى مختلف أنحاء البلاد منذ 1879، وقد توصل فيليب توماس سنة 1885[10] إلى اكتشاف الفسفاط  بجبال قفصة وتمغزة على مساحة تمتد على ثمانين كيلومترا، من جبال الثالجة حتى ميداس، أي بالأراضي التابعة لأولاد بويحى وأولاد سلامة من قيادة قفصة وأولاد سيدي عبيد من قيادة توزر، وكان لا بدّ من فضّ الإشكال القانوني المتعلّق بملكيّة هذه الأراضي. ولهذا الغرض اجتمعت اللجنة المؤلفة من تاّليي Tellier المتفقد المساعد للغابات ورئيس مصلحة دائرة قفصة، والملازم شراير Chareyre ضابط الاستعلامات المساعد بفريانة يوم 27 أفريل 1894 بقفصة من أجل جمع ومعالجة وإثارة مطالب الأهالي بشأن حقّ الشُفعة الذي طرحته الدولة التونسيّة بخصوص أراضي الفسفاط الواقعة غرب قفصة.فالتجأ الاستعمار إلى سياسة الحيل القانونيّة كالارتكاز على عدم توفر رسوم الملكيّة بالتواطؤ مع بعض الأعيان، أو الاستيلاء على أراضي العروش لفائدة الاستعمار الفلاحي أو لاستغلالها لأغراض اقتصادية كالمناجم. كما تجريد حوالي أكثر من مائة ألف بدوي من حقهم التاريخي والغير قابل للتصرف، كما بدأ المشهد الاقتصادي بالتغير عند افتتاح الشركات المنجمية بعد أن فتح منجم الرديف سنة 1907 وأمّ العرائس 1919 بعد أن شرعت الشركة في استغلال منجم المتلوي سنة 1899. بالإضافة إلى مناجم شركة صفاقس_قفصة، ونتيجة للأبحاث التي جرت حول الفسفاط، تمّ استغلال منجم مهري جبّاس قرب المكناسي سنة 1920 ومنجم المظيلة سنة 1923.[11] لتصبح شركة فسفاط قفصة من الركائز والخزّان الأساسي للإنتاج التونسي. ففي الفترة ما بين سنوات 1900_1913 كان الإنتاج العالمي للفسفاط تجاوز 2.500.000 إلى 6.200.000 طن، أمّا بالنسبة للإنتاج التونسي فقد تجاوز أيضا 178.000 إلى مليوني طن. (32% من الإنتاج التونسي بما فيها 22،5% من إنتاج الفسفاط بقفصة) فحتى أثناء الحرب العالمية الأولى وبعد انتهائها ورغم عدم التوازن في السوق العالمية، نجد أنّ الإنتاج سنة 1923 في تونس بلغ 39% من الإنتاج العالمي منها 26% من إنتاج شركة فسفاط قفصة.[12] ولكن هذه الأرباح وغيرها كانت متجهة نحو الخزينة الفرنسية. لتجدر الإشارة بالقول أنّ هذا التاريخ الاستعماري والذي نجد فيه استعمارا اقتصاديا بتأسيس شركة منجمية بالجنوب الغربي للبلاد التونسية لفائدة المستعمر هو نتاج اقتراض الايالة والتداين، ونتاج المفاوضات الإقليمية والقبول بشروط دوائر الإمبريالية. فالتداين الأجنبي ليس بريئا ولا حبا إنسانيا وإنّما هو مسار مكتمل ومتكامل يحمل الأمر وضده، الشيء ونقيضه، هو برنامج متناغم ومتجانس يشتغل في سياق الأزمات ويمتد إذا وجد ساسة غير قادرين على تلبية الحاجيات الاجتماعية وتعبيراتهم تكون غير وطنية بل طبقية كما عبر عنها البايات وخير الدين، لتصبح هذه البرجوازية التونسية والعربية في خدمة الكيان الاستيطاني جيلا عبر جيل وتظلّ تحت التبعية التاريخية البنيوية، ولتبقى سجينة الأزمات لتتواصل سلسلة المفاوضات العالمية التي تفرض شروطها ومستحقاتها وليبقى الحل الوحيد في نظر الرأسمالية العربية المتخلفة هو الاقتراض دون إصدار برامج مناصرة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

  • من دولة الاستقلال إلى اليوم

بعد معارك التحرر الوطني ونشأة النقابات والأحزاب السياسية، وبعد بروتوكول الاستقلال تحصلت تونس على استقلالها (إلى حدّ ما) في 1956، لكن تونس خرجت منهكة وهشة ومفلسة بعد الحرب، وفي الآن نفسه راهنت على التشغيل والتمدرس، فكيف خلقت الدولة التونسية آنذاك مواقع الشغل والتعليم، وحال البلاد متسم بالقحط الاقتصادي؟ وما هي الاستراتيجيات السياسية التي انتهجتها الحكومات من دولة الاستقلال إلى اليوم؟

1_ الانتقال في الاقتصاد المتخلف

إنّ ظاهرة التخلّف رغم ارتباطها بالغزو الكولونيالي المترافق مع صعود الرأسمالية في أوروبا ومن ثم في أمريكا الشمالية، خضعت لمرحلتين من مراحل التحوّل في أشكالها تناسبت مع التحوّل في طبيعة السيطرة الاستعمارية وما حفزته من تحوّلات في التراكيب الداخلية للبلد المتخلف. فالفترة الممتدة منذ بدء الغزوات إلى الهند واندونيسيا وحتى القرن العشرين قد عجزت عن تحفيز تحولات في التراكيب الإنتاجية للبلدان المتخلفة، سوى تدمير أشكال الانتاج الحرفي الذي كان ناميا في تلك البلدان (باستثناء أمريكا اللاتينية التي استطاعت كسب استقلالها السياسي عقب انتهاء الحروب النابليونية). ويبدو أنّ تحول شكل الاستقلال من مجال التبادل التجاري، بما يفترضه من بقاء أنماط الانتاج الزراعي القائمة مع تحولها نحو التصدير، إلى الاعتماد على تصدير الرساميل إلى البلد المتخلّف واستثمارها في مجالات انتاج وتصدير المواد الأولية المعدنية أو في إقامة المزارع التجارية الواسعة قد أدخل عنصرا ديناميا ذا أثار قابلة للتغلغل في اقتصاديات البلدان المتخلفة نفسها. وقد كان هذا هو الحال في معظم البلدان المتخلفة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. لقد كان تدمير أشكال الانتاج المشاعية القائمة على الاستغلال الجماعي للأرض وتثبيت الملكية الخاصّة للأرض ذا أثر في ظهور التمايز الطبقي داخل هذه المجتمعات من خلال تركيزه الفائض الاقتصادي بيد أفراد أو فئات من الملاكين العقارين _ الزراعيين، في ظلّ المرحلة اللاحقة للهيمنة الاستعمارية هو الشكل شبه الإقطاعي المستند إلى الريع العيني بادئ الأمر، والنقدي في ما بعد، غير أنّ هذا الشكل شبه الإقطاعي كانت له خصوصياته حسب المجتمعات التي ساد فيها[13]. وإذا ما حللنا الخصوصية التونسية في هذا المجال فإنّ تدمير الاستغلال الجماعي للأرض انطلق أساسا مع لجنة الكومسيون المالي وبالتالي مع قوانين خير الدين التي مارست وشرّعت لأبشع أنواع الاستغلال في حقّ الخمّاسة، وجعلت من صاحب الأرض سيّدا والخمّاس في رتبت الأقنان، فهي تشريعات قانونية فرضتها اللجنة المالية العالمية التي يترأسها خير الدين والتي كانت بوابة الاستيطان بكلّ أشكاله من مرحلة التراكم البدائي عن طريق العنف إلى انتاج القيمة المضافة دون عنف بل عن طريق فرض سياسات في البلدان المهيمنة عليها. كذلك في المرحلة اللاحقة من العلاقات بين المراكز الرأسمالية المتقدمة والبلدان المتخلفة، والتي امتدت منذ القرن التاسع عشر وحتى الستينيات _وفي بعض البلدان لا تزال جارية حتى اليوم_ قد دفعت بالعلاقات الرأسمالية خطوات واسعة إلى الأمام من خلال توسيع الاستثمارات الأجنبية في الصناعة الاستخراجية لهذه البلدان، وفي مجالات الطاقة والبناء التحتي (سكك الحديد، الكهرباء…) ذلك أنّ قيام هذه الصناعات يترك أثارا متعددة على الاقتصاد المحلي، وأبرز مثال في تونس هي مناطق الحوض المنجمي، والجريصة، وفيريفيل (منزل بورقيبة اليوم) وسراورتان، فنشير إلى أنّ الخط الحديدي صفاقس قفصة المتلوي جريمة في تاريخ السكة الحديدية الفرنسية وإحدى الفضائح الكبرى في سجلّ الجمهورية الثالثة، فلئن ساهمت بقية شركات الفسفاط العاملة بالبلاد التونسية أو الجزائرية في تنمية موارد شركة بون-قالمة للسكك الحديدية بخضوعها لتعريفة نقل مرتفعة، تمكنت شركة فسفاط قفصة من بعث خطّ حديدي خاص بها، وذلك عن طريق الارتشاء وشراء الذمم. بالنظر إلى المعطيات الرقمية، نلاحظ أنّ تكاليف الكلم الواحد بلغت للخط الحديدي الرابط بين المتلوي وصفاقس 68.000 فرنك، وتساهم الدولة بمقتضى بنود اتفاقية 15 أوت 1896 بسُدس التكاليف أي 11.333.33 فرنك وتصل المساهمة الجملية للدولة إلى حدود 3.000.000 فرنك باعتبار أنّ الخطّ الحديدي يمتد على 254 كلم، ومقابل هذا السخاء اللامحدود الذي تغدقه السلط السياسية والإدارية على الشركة المعنية لم يضمن السيّد بافيلياي للدولة غير حق استرجاعها للخط الحديدي بعد عشرين سنة من تاريخ بداية استغلاله، غير أنّ الغموض صياغة هذا البند وأهدافه البعيدة تكشف عن مدى دهاء بافيلياي[14]. بصفة عامة ومختصرة ومن خلال هذا المثال يمكن القول أنّ تركيز شركات للصناعات الاستخراجية يترك أثارا لتغلغل الاقتصاد الرأسمالي الكولونيالي في المناطق التي هيمن عليها على المدى البعيد من خلال اتفاقيات السكك والكهرباء … التي تخلق لنفسها قوانين تجعلها مسيطرة عليها من خلال إقراضها أو جعلها متداينة لها. وكلّ هذا المسار يعود إلى جذور قديمة منذ اقتراض البايات وصولا لصفقة هنشير النفيضة مع خير الدين. لنستخلص القول بأنّ دولة الاستقلال هي في تبعيات فرنسية ولم تخرج من مربع الاستيطان، أو لنقل الأساليب الاستعمارية الجديدة.

2_ الطبقة الوسطى في تونس: مسار التكون وحالة التراجع

يمكن الاشارة بالقول على أنّ التشكل التاريخي للطبقة الوسطى في تونس يعود إلى مرحلتين أساسيتين، أوّلهما في الاستفادة من خروج الكفاءات والفئات الإدارية الاستعمارية وإبقاءها على حالة من الشغور بحوالي 30 ألف مغادر في الوظيفة العمومية، والمعطى الثاني يتمثل في أنّ دولة الاستقلال كان دولة رفاه ورعاية في آن واحد، عملت على الاستثمار في التعليم والتوظيف من جهة وعلى خلق طبقة موالية لها من جهة أخرى خاصّة وأنّها كانت تتوجس من الأرستقراطية التونسية القديمة والحركة اليوسفية آنذاك، إذ فالطبقة الوسطى كانت مصدرا من مصادر الشرعية السياسية وعنصرا داعما لحضور الدولة الوليدة، كما يمكن القول أن المجتمع التونسي لم يعرف تطورا طبقيا كالذي عرفه روسيا القيصرية أو كالذي عرفته مصر إبّان الحكم الملكي بين طبقة البشوات والمزارعين أو كالذي عرفته الصين قبل ثورة ماو تسي تونغ… ربما من الموضوعية يمكن القول بأنّ المجتمع التونسي عرف تفاوتات طبقية ولم يعرف تناقضات طبقية مثل المجتمعات الأخرى. فهذه الطبقة اكتست من دولة الاستقلال أهميتها العددية وقيمتها الاجتماعية وهو تحالف عملته دولة الاستقلال لضمان شرعيتها وضرب خصومها.ولكن تأثرت هذه الطبقة بمستويات الانكسارية والتراجع حينما يتراجع اهتمام الدولة بها، فبعد عقود من هذا المسار الذي انجر عنه سلسلة من الحركات النقابية والعمالية يتلاشي من خلال ازدياد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بدء من سنة 2007 إلى اليوم فهذه الصعوبات لا تعود إلى 2011 كذلك ازدياد غلاء المعيشة وارتفاع معدلات التضخم المالي التي وصلت 4،8% سنة 2017 وكانت 4،3% في 2016 و3،8% في 2012، كذلك تراجع السياسات الحكومية في مجال المرافقة والإحاطة بها بدليل ارتفاع المجابي واللجوء المكثف للطبقة الوسطى للاقتراض، وبالتالي تتوجب الاشارة بالقول بأنّ مسألة الثروات التونسية هي مسيّسة بامتياز تخضع لما نسميه سوسيولوجيا بالقطّارة السياسيةوالأمنية ولانغفل القول بأنّ الطبقة الوسطى أمدّت دولة الاستقلال بكلّ مواردها البشرية في التحكم في مفاصل الدولة بدليل أنّ أغلب الوزراء وكتاب الدولة والمديرين العامين ينتمون إلى هذه الطبقة لنجد مفارقة أخرى مفادها أنّ الطبقة الوسطى هي التي أنتجت جلّ المعارضات لنستخلص القول بتعريفMouriss Halbwacksبأنّها :”طبقة غير متجانسة وغير مستقرة وهي الأخطر من كلّ هذا إنّها شديدة التأثر بالأوضاع الاقتصادية وهي أيضا شديدة الارتباط بجهاز الدولة[15]“.

بناء على متقدم من معطيات نستخلص استنتاجا سوسيولوجيا مفاده أنّ دولة الاستقلال صنعت الطبقة الوسطى وعملت كلّ جهدها في برنامج “إجبارية التعليم”، أي التمدرس ولكن غايتها ذات بعد سياسي وهو خلق أذرع موالية لها حتى تتمكن من ضرب خصومها ومواصلة حكمها لتحقق نسيجا سياسيا مستقرا يمكنها من السيطرة، فالبرامج ليست موجهة للشعب بقدر ما كانت في خدمة الطبقات السياسية الحاكمة، وهذه الطبقات هي امتداد للمستعمر الذي لا يزال يفرض سياساته ويحتكر المنتوج التونسي ولعلّ أكثر مثال هي صفقة الملح.

3_ المديونية في تونس

تاريخيا، بدأ التداين الخارجي في تونس يبرز بشكل واضح منذ سنة 1830، حيث أدى اللجوء المفرط للأسواق المالية العالمية إلى تفاقم عبء الديون الخارجية (125مليون فرنك فرنسي) وأجبر حكومة البايات على إعلان إفلاسها وعجزها عن تسديد الديون ليتم إحداث الكومسيون المالي الذي تطرقنا له سابقا، وهو أحد أهم التدخل الاستعماري. وخلال فترة الاستعمار المباشر تواصل لجوء الإدارة الاستعمارية إلى الديون الخارجية خاصة خلال 1948_1965، وبعد إمضاء بروتوكول 20 مارس 1956 وبتواطؤ من البنك العالمي تمّ تحميل ديون الإدارة الاستعمارية المتبقية على كاهل ميزانية الدولة التونسية بتعلة أنّ هذه الديون قد أنفقت لتحسين البنية التحتية في تونس. ومنذ بداية ستينات القرن الماضي انخرطت دولة الإستعمار الجديد في سياسة التداين الخارجي مبررة في ذلك بالحاجة إلى استيراد عوامل التنمية الغير متاحة محليا أي التكنولوجيا والموارد المالية. وقد ارتفع التداين بشكل ملحوظ، إلاّ أنّ الريع النفطي الذي وظف مجمله لتسديد الديون مكن الدولة من البقاء خارج دائرة الإفلاس إلى حدود 1982_1984. وبداية من سنة 1986 ومع تعمق الخيارات الليبرالية بتطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي  المملى من طرف المؤسسات المالية العالمية عرفت سياسة التداين منعرجا خطيرا، ذلك أنّ الديون المسداة من طرف هذه المؤسسات لم تساهم إلاّ في تعميق واقع الارتهان بالخارج وتفكيك النسيج الاقتصادي والدفع نحو المزيد من التداين إلى حدّ الوصول إلى التداين لتسديد الديون المتراكمة، ولتواصل الحكومات بعد 14 جانفي 2011 في نفس سياسة التداين المجحف  حفاظا على مصالح الطبقات الحاكمة رضوخا لإملاءات المؤسسات المالية العالمية ( صندوق النقد الدولي والبنك العالمي)، فيمكن القول موضوعيا أنّ الدولة مفلسة وعاجزة عن تسديد ديونها ففي سنة 2014 مثلا بلغ قائم الدين الخارجي 138% من جملة الموارد الذاتية للدولة. إذا كانت القروض الممنوحة في تونس خلال 1986 مرتبطة بضرورة تطبيق جملة من السياسات الليبرالية تحت برنامج الإصلاح الهيكلي، وفي نفس السياق كانت القروض الممنوحة من طرف الإتحاد الأوروبي مشروطة بإمضاء ما يعرف ب “اتفاق الشراكة” سنة 1995.كذلك في نفس الاطار وتحت عنوان تشجيع الاستثمار الخاص وجلب الاستثمار الأجنبي ودعم الصادرات احتوت “مجلة الاستثمار 1993” جملة من الحوافز والتشجيعات والإعفاءات الجبائية. إذا اعتبرنا فقط الفترة 1994_2007، فإنّ خسائر ميزانية الدولة المتأتية من هذه ا إجراءات تقدر ب2% من الناتج المحلي الخام، 11% من الموارد الجبائية وحوالي 7% من مجمل موارد الميزانية. هذه النزعة نحو تراجع الموارد الذاتية للدولة تعمقت أكثر بتراجع الموارد المتأتية من المعاليم الديوانية خاصة بعد إبرام اتفاقية المنظمة العالمية للتجارة 1994، وتفاق الشراكة مع الإتحاد الأوروبي 1995، ذلك أنّ هذا  الأخير اعتمد أساسا على الإلغاء التدريجي للمعاليم الموظفة على الواردات. كما تجدر الإشارة بالقول أنه خلال الفترة 2010_2015، باغت خدمة الدين 7،25 مليار دينار وبذلك تكون الدولة قد خصصت ما يقارب 6،21% من نفقاتها لتسديد ديونها، كذلك مثلت خدمة الدين لنفس الفترة

الفترة 23% من مجمل الموارد الذاتية للدولة.، والموارد الذاتية للدولة متكونة  بأكثر من 80%  من موارد جبائية  وهذا يعني أنّ دافعي الضرائب هم من يتحمل الجزء الأكبر من كلفة تسديد الديون.[16]

بعد تقديم بعض المعطيات المختصرة والمتعلقة بالمديونية في تونس من  مسار تاريخها إلى اليوم، يمكن أن القول أنّه منذ سنة 1830 إلى اليوم، أنّ الديون التونسية غير سيادية فإنّ تسديدها لا يتم بالدينار، بل بالعملة الصعبة التي تمثل مداخيل الصادرات أهم مصدر لها. لهذا كان دعم وتعميق النزعة التصديرية أحد أهم ركائز برنامج الإصلاح الهيكلي، ونظرا لتخلف النسيج الصناعي وتمركزه في نشاطات المناولة فإنّ المحافظة على القدرة التنافسية للصادرات التونسية لم تكن ممكنة عبر تحسين الإنتاجية والتجديد التكنولوجي بل ارتكزت أساسا، إلى جانب الإعفاءات الجبائية، على آليات الضغط على الأجور والتخفيض من قيمة الدينار مقارنة بالعملات الأجنبية، وهي نفس الآليات المعتمدة لجلب الاستثمار الأجنبي كشرط ضروري للتنمية حسب نفس المؤسسات العالمية.

4_ اتفاقية الأليكا

انطلقت المفاوضات بين الجمهورية التونسية والاتحاد الأوروبي منذ سنة 2014 حول اتفاقية جديدة لتحرير التبادل التجاري وهي اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق،(ALECA) وذلك في اطار استراتيجية تحرير الاقتصاد بالمتوسط التي يتبعها الاتحاد الأوروبي منذ عقود، وهي الاستراتيجيات السالفة الذكر، ومواصلة لهذا التمشي، تهدفاتفاقيات التبادل الحر الشامل والمعمق للتوسع بشكل يشمل كافة دول المتوسط ويرفع القيود عن تجارة الخدمات والفلاحة ويقلص الحواجز غير الجمركية، كما تسعى لجعل الدول الشريكة  للاتحاد الأوروبي تتبنى معاييره وطرق عمل اقتصاده من خلال ما يسمى “بالتنسيق التنظيمي”، أي سن قواعد إجرائية موحدة. كما أنّ هذه الاتفاقية لا تقتصر على المبادلات التجارية بل تؤسس لإنشاء منوال اقتصادي في تونس يفرض التقليص، بل إلغاء دعم ومساعدة الدولة وتعديل الأسعار وتقاطع الأسواق وذلك  بجعل الأسواق العمومية مفتوحة للمؤسسات الأوروبية.  وتمثل هذه الاتفاقية خطوة جديدة للانفتاح وذلك بعد الانتهاء من الإصلاحات على مستوى الإصلاح الهيكلي. كما أنّ أوروبا لا ترى في تونس أي مصالح تجارية مباشرة إلاّ أنها تسعى لتعزيز نفوذها الاقتصادي،وقد جرت أولى المفاوضات حول الاتفاقية بالمغرب في سنة 2013 وتونس في 2015 باعتبارهما الأكثر اعتمادا على الإتحاد الأوروبي في علاقة بالمبادلات التجارية.

بصفة عامّة ومختصرة تتكون اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق من 14 فصلا، وتدور فصولها حول 5 محاور رئيسية:القطاعات المحددة، الفلاحة، الخدمات والطاقة:ستفتح هذه الاتفاقية المجال للمنافسة الأوروبية في قطاعي الخدمات والفلاحة، باستثناء بعض القطاعات الثانوية التي وقع حذفها مسبقا. وسيتم ذلك من خلال إلغاء الحقوق الجمركية على البضائع الفلاحية وحجب القوانين التي تمنع مقدمي الخدمات الأجانب من الاستثمار بسهولة في السوق التونسية.

تحرير ودعم الاستثمار:  تهدف اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق في فصلها الثاني لرفع القيود كليا عن المستثمرين الأوروبيين في تونس ولدعم قدراتهم، ومن اجل تحرير الاستثمار، يجب على هذا الأخير أن لا يخضع لأي حدود من حيث كميته ، أومن حيث  نسبة رأس المال أو اشتراط توظيف السكان المحليين أو المطالبة بنقل التكنولوجيات. أما المحور الثالث فهو التنسيق التنظيمي” أو سن قواعد إجرائية موحدة: من خلال سن قواعد إجرائية موحدة ،ستخضع كل قطاعات الاقتصاد التونسي للقوانين الأوروبية. كما سيُفرض على تونس وحسب روزنامة مسبقة أن تستوفي كل الشروط المطلوبة من دول الاتحاد الأوروبي وأن تتبع شروطها التنظيمية. وأيضا، يجب أن تمتثل الجمهورية التونسية لمعاهدة تسيير الاتحاد الأوروبي (التي تعادل الدستور على المستوى الأوروبي) في كل ما يتعلق بالمنافسة، وفتح الأسواق العمومية للمستثمرين الأوروبيين وهو ما سيتطلب تعديل وتغيير المنوال الاقتصادي الداخلي ليتماشى مع منوال الاتحاد الأوروبي. أما الفصل أو المحور الرابع فهي الإجراءات التقنية للتعاون:وتتعلق بحماية المعايير والإجراءات التي تفرضها اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق من خلال التعاون الجمركي، تبادل المعلومات وإجراءات حماية الاقتصاد. يتم وضع هذه الشروط والمبادرات لتأمين سير المبادلات التجارية ، كما خطط له مسبقا. أمّا الفصل الأخير فهي التنمية المستدامة: فالفصول المتعلقة بالتنمية المستدامة والمؤسسات المتوسطة والصغرى لم تدرج بها شروط لتعديل القوانين بل هي فصول مرجعية للتشجيع على نشر وتبادل المعلومات بالاستناد على المعاهدات الدولية حول حماية المحيط ومقاييس العمل.[17]

نستخلص سوسيولوجيا بأنّ هذه الاتفاقية تثير العديد من المخاوف وتطرح العديد من التساؤلات نحو المستقبل الاقتصادي التونسي، كما عبّر العديد من الباحثين والخبراء في المجال الاقتصادي عن تخوفهم من هذا الطرح وهذه الاتفاقية.

خاتمة عامّة

بناء على ما تقدم من معطيات تاريخية وأخرى حالية، يمكن القول سوسيولوجيا بأنّ العملية التنموية التونسية هي عملية متخلفة وغير سيادة وبالتالي الاقتصاد السياسي للتخلف، وكنا قد طرحنا السؤال المركزي لهذا المقال والمتمثل في هل أنّ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التونسية الحالية تعود إلى جذور تاريخية من عصر الاستعمار العسكري إلى العولمة؟ لنجيب بالقول أنّ ا أزمة الحالية تعود إلى زمن البايات وانتهاجهم لسياسة التداين منذ 1830، إلى لجنة الكومسيون المالي والتشريعات الطبقية والاستعمارية لخير الدين باشا التي كانت المدخل الأساسي لدخول المستعمر ومن ثمة سياسة التراكم البدائي عن طريق النهب والاقتطاع والعنف والحرب وتركيز شركات للصناعات الاستخراجية (الفسفاط والحديد) ثمّ خروج المستعمر باتفاقيات وبترك الأثر على التراب التونسي وبالتالي التغلغل في نطاق العولمة. ثمّ نعلل فرضية البحث وهي أطروحة المفكر اللبناني مهدي عاملذلك أنّ البرجوازيات العربية عموما تتحدد كبرجوازيات كولونيالية، نمت وتطورت في علاقة تبعيّة بنيوية مع السوق الرأسمالية. وفي تبعيتها البنيوية هذه عجزت عن حلّ المسائل الاجتماعيّة والوطنيّة. وعجزها هذا ليس طارئا أو مؤقتا، بل هو عجز بنيوي تاريخيّ، فهي لا تستطيع الانتقال إلى نمط رأسمالي مستقل، لذلك فإنّ تجدد الأنظمة العربية، وانتقالها من البرجوازيّة التقليديّة إلى البرجوازية الصغيرة، لم يجدد إلاّ مأزقها التاريخي، لأنّ هذا التجدد لم يكن إلا استبدالا طبقيّا في نمط الإنتاج الكولونيالي نفسه الذي يحكم حركة البرجوازيات العربية،[18] وبالتالي لم تستطع هذه البرجوازيات في أشكالها التقليديّة والجديدة أن تعبر عن مصالح الشعوب العربيّة، فنمط الإنتاج الكولونيالي في المجتمعات التابعة كما صنفها مهدي عامل غير قادرة على تلبية الحاجة الاقتصادية والاجتماعية لمجتمعه، وبالتالي في ظلّ سياسات التبعيّة والهيمنة الجديدة عن طريق الصناديق العالميّة كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي وسياسة التداين الذي ينجر عنه التضخم المالي وغلاء المعيشة لا يمكن للدولة التونسيّة من القطع معالأزمة الاقتصادية والاجتماعية، كذلك مع عدم وجود مقاربات تنموية واتخاذ قرارات سياسية قادرة على القطع مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وصعود الحراك الاحتجاجي الذي ارتطم باليأس وبالتالي ارتفاع مشاعر الاحباط وتبخر أحلام الشباب وسط الساسة والحكومات المتعاقبة نتوقع المزيد من التراجع الاقتصادي وبالتالي المزيد من الفواجع في البحر المتوسط حيث يصبح طريق المتوسط نافذة للشباب نحو تحقيق حلمه والمزيد من انكسارية الطبقة الوسطى وانتشار لظاهرة الفقر.

 


 

[1] التيمومي (الهادي)، الاستعمار الرأسمالي والتشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية، الكادحون الخمّاسة في الأرياف التونسية 1861- 1943، دار محمد علي الحامي، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية بتونس، الجزء الأول، 1999، ص 13

التيمومي(الهادي)،انتفاضات الفلاحين في تاريخ تونس المعاصر، مثال 1906، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة 1993، ص 26[2]

[3] إبن أبي الضياف (أحمد)، إتحاف أهل الزمن بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، منشورات زخارف، الطبعة الأولى، تونس 2016، المجلد الرابع، ص 224

 التيمومي(الهادي)، انتفاضات الفلاحين… مرجع سابق، ص 27[4]

 التايب كرشيد (عائشة)،حركة الهجرة السريّة والتجارة الموازية عبر الحدود التونسيّة الليبية وظاهرة التهريب بأقصى الجنوب التونسي، شهادة الدكتوراه، تحت إشراف: د. عبد الوهاب بوحديبة،  كلية العلوم الإنسانية والاجتماعيّة بتونس، قسم علم الاجتماع 1996/1997،  ص 176[5]

[6] التيمومي (الهادي)، الاستعمار الرأسمالي… رجع سابق، ص 199

[7] لمزيد الاطلاع حول قوانين الفلاحة لخير الدين، يمكن للقارئ العودة إلى كتاب المؤرخ التونسي الهادي التيمومي الاستعمار الرأسمالي والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية ما قبل الرأسمالية، الكادحون الخمّاسة في الأرياف التونسية 1861_1943 الجزء الأول

[8]Mahjoubi (Ali), Les origines du mouvement national en Tunisie 1904-1934, Publications de l’université de Tunis, Faculté des lettres et sciences humaines, 1982, P 77

[9] Mahjoubi (Ali), Les origines du mouvement…,opcit,P 78

[10]Dougui (Noureddine), Histoire d’une grande entreprise coloniale : La compagnie des phosphates et ducheminde fer de Gafsa, 1897-1930, Publications de la Faculté de la Manouba, 1995, P 21

[11] طبابي (حفيظ)، من البداوة إلى المنجم، الدار التونسية للكتاب، 2012، ص، 151

[12]Hamzaoui (Salah), Conditions et genèse de la conscience ouvrière en milieu rural : Cas des mineurs du sud de la Tunisie, Thèse de 3éme cycle, Université Paris, 1970, PP 7_8

[13] خفاجي (عصام)، رأسمالية الدولة الوطنية، دار ابن خلدون، بيروت، لبنان، 1979، ص 78، 79

 دكتون (بول فينياي)،” جرائم الاستعمار الفرنسي في عهد الجمهورية الثالثة عرق البرنوس”، تعريب: الأزهر الماجري، المغاربية للطباعة والإشهار، تونس، 2008، ص217   [14]

[15] وناس (المنصف)، محاضرات عامة، سنة أولى ماجستير البحث في علم الاجتماع التغير الاجتماعي، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، مادة المجتمع التونسي والحراك، السداسي الثاني، السنة الجامعية 2016/2017

[16] مطير (محمود)، الرحيلي (حسين)، الجويلي (مصطفى)، البرنامج التكويني: نفهمو الاقتصاد 2019، المحور الثاني: المديونية والجباية، مؤسسة روزا لكسمبورغ، مكتب شمال إفريقيا، تونس

[17] Forum Tunisien pour les Droits Economiques et Sociaux, Perceptions de l’Accord de Libre Echange Complet et Approfondi (ALECA), Etudes des attentes et conséquences économiques et sociales en Tunisie. Octobre 2018.

[18] عامل (مهدي)، “مناقشات وأحاديث في قضايا حركة التحرر الوطني وتميّز المفاهيم الماركسيّة عربيّا“، دار الفارابي، بيروت، لبنان، 1990، ص 14

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.