الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين جدلية عراقة التأسيس وحداثة التفعيل

img

 

    الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين جدلية عراقة التأسيس وحداثة التفعيل:

قراءة تحليلية في دور الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في دعم التنمية المحلية وإمكانية فتح افاق التشغيل في تونس

بقلم :مروى المزيطي 

باحثة في العلوم الاجتماعية

 

 

شهد العالم خلال العقود القليلة الماضية تحولات وتغيرات جذرية أفضت إلى بروز أزمات وتحديات جمة عقب تبني سياسة العولمة التي جعلت من العالم قرية صغيرة، مما يعني أن ما يحدث في دولة ما ليس بمعزل عن بقية الدول في العالم، فالسياق العولمي لا يؤثر فقط على نظام أسواق المال والإنتاج والتطور التكنولوجي، وإنما تعد العولمة ظاهرة واقعية لها تأثير على حياتنا الخاصة مجبرين على التعايش معها بمختلف الوسائل والأساليب الأمر الذي افرز تغييرات جذرية وجوهرية في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[1]. رغم مما قدمته العولمة من ايجابيات، فقد أصبحت تشكل تهديدا على المجتمعات النامية فهي وان فرضت على الأفراد في مختلف أنحاء العالم تبني قيم التنمية البشرية المستدامة، فإنها لم تفسح لهم المجال في تنفيذها طبقا لما يتلاءم مع خصوصيات مجتمعاتهم[2]. مما يعني عدم السماح بالاجتهاد والتطوير والتغيير الأمر الذي عمق التبعية ومديونية هذه الدول. هذا إلى جانب ضعفها في صياغة البرامج التنموية وطرق تنفيذها مما يحول دون تحقيقها لمؤادها.

وفي هذا الإطار نذكر على الصعيد الوطني فشل التجارب التنموية في تونس خصوصا بعد توخي البلاد لتجربة برنامج الإصلاح الهيكلي الذي كانت له عواقب وخيمة على مختلف الشرائح الاجتماعية وخاصة الفقيرة منها لتجعلها أكثر فقرا وهشاشة، علاوة على ارتفاع نسبة البطالة والعاطلين عن العمل، فهذا الخيار لم يكن موفقا، بل وقد انجر عنه فقدان الدولة لدورها التعديلي، وأسهم في تعميق التفاوت الاجتماعي باعتبار أن النظام الليبرالي يقوم على استحواذ فئة دون سواها على المنافع والمرابيح. كما أصبحت مؤسسات الدولة تشهد في الآونة الأخيرة ضمورا أفقدها هيبتها وخلق أزمة ثقة بينها و بين المواطن التونسي، الأمر الذي نتج عنه تقهقر لصورة المرفق العام في مقابل تغول القطاع الخاص كنتيجة للتوجه الليبرالي الذي عمق ظاهرة الفردانية وتسبب في تراجع المنظومة القيمية والثقافية أو ما يترجم بالضمير الجمعي في مقابل السعي وراء جني الأموال ومراكمة الثروات وخدمة المصالح الذاتية، فالمهم اليوم ليس القيم أو المعايير أو احترام القانون بل الوصول إلى الهدف وتحقيقه بغض النظر عن الوسائل المشروعة أو غير المشروعة لتحقيق النتيجة والوصول إلى المبتغى.

وجدير بالذكر أن غياب وتراجع دور مؤسسات الدولة، غيرت عديد المفاهيم في منظور المجتمع فبحيث أن المشكل الاجتماعي (بطالة، فقر، تغطية صحية…)  اليوم لم يعد ينظر له على أساس أنه مشكل مجتمعي ومن مشمولات وظائف مؤسسات الدولة وسياستها الاجتماعية، بل ينظر له على أساس أنه إخفاق فردي يخص ذلك الفرد وبالتالي عليه أن يبحث بمفرده عن مختلف الوسائل والسبل التي تمكنه من إيجاد حل لمشكلته بغض النظر عما إذا كانت شرعية أو غير شرعية، وبالتالي الإسهام بطريقة غير مباشرة في إنتاج مشكلات اجتماعية جديدة.

وعليه نخلص إلى فكرتين رئيسيتين مفادهما أن الدولة التي تتمثل في القطاع العمومي عجزت بمفردها عن النهوض بالمنوال التنموي إلى جانب عجز اقتصاد السوق عن القيام بالأدوار المنوطة بعهدته فيما يتعلق بتحقيق النمو الاقتصادي وتفعيل دوره في التنمية المحلية بل أسهم في تعميق التفاوت الاجتماعي من خلال مراهنته على تحقيق أهداف ذاتية وربحية على حساب المجموعة.

وأمام عجز كل من القطاعين عن الالتزام بأدوارهما التنموية استوجب الأمر التعويل على القطاع الثالث كبديل تنموي مبتكر قادر على تخليص البلاد من العوائق التي تعرقل المسار التنموي، و لعل أبرز ما يميز هذا القطاع هو ارتكازه على أبعاد ايتيقية محضة تجعل منه خيارا أساسيا تعول عليه البلاد من أجل التخلص من رواسب فشل التجارب التنموية السابقة واعتباره شريكا أساسيا في العملية التنموية لإخراج البلاد من أزمتها، خصوصا وأن هذا القطاع يتمتع بمبادئ ومرتكزات خصوصية تنسجم مع مقومات وأهداف التنمية المحلية ويتفق مع ما تصبو له من مبادئ ورهانات اجتماعية ومجتمعية يمكن تطويعها لتطوير وسائل وتقنيات تكون أكثر نجاعة وقدرة على النهوض بالمسار التنموي على غرار مبدأ الديمقراطية والتشاركية في عملية أخذ القرار والشفافية والحوكمة الرشيدة لتجنب الفساد الإداري والمالي، فالاقتصاد الاجتماعي يعزز القيم والمبادئ التي تركز على خدمة أهداف مجتمعية تراهن على تلبية احتياجات الناس ومجتمعاتهم. ويعتمد في تحقيق ذلك على التطوع والمبادرة الذاتية والتشجيع على المشاركة وتوحيد الجهود وتطوير المهارات لتمكين الفئات الهشة والمعوزة من مداخيل مستقرة تجعلها قادرة على تحقيق الاستقلالية المادية والاعتماد على الذات خاصة النساء في الأوساط المهمشة، وبذلك يصبح الاقتصاد التضامني وسيلة لتحقيق الازدهار الاقتصادي من جهة، ومن جهة أخرى أداة لتكريس الحقوق والإنصاف والعدالة الاجتماعية، انطلاقا من المستوى المحلي ووصولا إلى المستوى العالمي.

وفي هذا الصدد، يمكن القول بأن طرحنا لموضوع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لطرق عوائق التنمية المحلية يتنزل ضمن رغبتنا في البحث عن الابتكار والتجديد لعلنا نوفق من خلال هذا التحليل المقتضب في إيجاد حلول مبتكرة في فهم وتحليل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وسبل دعم التنمية المحلية من خلال الحث عن تجاوز التفكير في اختصار دور مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تقديم القروض الصغرى والأعمال الخيرية فقط والدعوة إلى الانفتاح والتطوير للتعريف بالقطاع كرهان أساسي قادر على معاضدة جهود الدولة في إنجاح وتفعيل السياسات التنموية من جهة والإسهام في بلورة وصياغة استراتيجيات تنموية باعتبار أنه يتمتع بالتجهيزات والموارد البشرية والمادية اللازمة إضافة إلى إلمامه الميداني بمتطلبات الواقع ليصبح  بذلك لا منفذا لسياسات مسقطة بل مشاركا أساسيا في وضعها.

هذا إضافة إلى أن موضوع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وموضوع التنمية المحلية يعتبران من المواضيع ذات البعد الاقتصادي وبالتالي أردنا من خلال هذا البحث تقديم طرح جديد لموضوع الاقتصاد الاجتماعي والبحث في طبيعة علاقته بالتنمية المحلية التي كانت تعد من المواضيع الاقتصادية البحتة وإخراج كليهما من بوتقة المجال الاقتصادي الذي انحصرت فيه والتوجه نحو المجال الاجتماعي الأمر الذي يفتح أمامنا كباحثين في مجال علم الاجتماع إعادة التفكير في مسألة التعويل على القطاع العام كمستقطب لتشغيل الشباب من أصحاب الشهادات العليا والتحرر والانعتاق من العمل داخل أسوار القطاع الخاص الذي يعمد إلى استغلال طاقات هذه الفئة وتوظيفها برواتب ضئيلة مقارنة بالجهد المبذول وساعات العمل الطويلة خصوصا في ظل مجتمع استفحلت فيه البطالة مما تسبب في توجه الشباب من ذوي الكفاءات عن فرص عمل في دول أجنبية لعلهم يجدون ضالتهم والأسوأ من ذلك انتشار ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي غذتها التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع التونسي بعد ثورة 14 جانفي 2011  والدعوة إلى فتح آفاق الاستثمار في المجال الاجتماعي الذي يعد إحدى مكونات الاقتصاد التضامني وهو ما يعرف بالمقاولة الاجتماعية، وحرى بنا في هذا الإطار أن نبحث عن دور الاقتصاد التضامني في النهوض بالتنمية المحلية وذلك من خلال دراسة العلاقة الواشجة بين كل من الاقتصاد التضامني والتنمية المحلية من أجل تشكيل رؤية علمية وموضوعية قادرة على أن تترجم إلى ممارسة في ظل الواقع القائم.

شهدت مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني أشكالا عدة عرفها التاريخ البشري على مداد العصور كانت تنبني على التأسيس الطوعي والعفوي في شكل جماعات طوعية تتفق على أهداف معينة إلا أنها كانت تعرف بمصطلحات مغايرة مع الحفاظ على نفس المفهوم إلى أن تطور المفهوم الحديث يشمل مختلف المنظمات غير الحكومية وهو ما يطلق عليه بالمجتمع المدني والذي يرتبط تشكله بالأنظمة التي تبنتها الدول في العالم كالاشتراكية والرأسمالية.

تعريف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني:

الاقتصاد الاجتماعي هو طريق ثالث للتنمية فهو يعتبر القطاع الثالث إلى جانب القطاع الأول المتمثل في القطاع الرأسمالي الذي يهدف إلى استغلال استثماراته بحثا عن الربح والقطاع الثاني وهو القطاع العمومي الذي يرمي إلى تلبية حاجيات وتوفير خدمات لفائدة المصلحة العامة، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن هذا القطاع الثالث يتقاسم بعض الأهداف مع القطاع العمومي باعتبار أنهما يشتركان في توفير خدمات لفائدة المجموعة. وهو ما أكدته اللجنة الاقتصادية الاجتماعية لغربي آسيا في تقرير صادر عن الأمم المتحدة في حديثها حول الاقتصاد الاجتماعي والتضامني “وهذا الاقتصاد يختلف عن النماذج الاقتصادية العادية، إذ يستثمر التقدم والتطوّر في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا وغيرها) في تحقيق التنمية الاجتماعية. وهو يسخر الأدوات الاقتصادية لخدمة غايات اجتماعية، أهمها الرفاه والنمو للجميع، بدلاً من التركيز على تحقيق مكاسب تخدم الربح الفردي كما في النماذج التقليدية للأعمال. ويرتكز الاقتصاد الاجتماعي التضامني على مؤسسات اقتصادية تخدم الناس وليس الأسواق، وتنتج سلعاً وخدمات لتحقيق الرعاية الاجتماعية وليس تحقيق الأرباح... والهدف من الاقتصاد الاجتماعي التضامني هو معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الرئيسية كالفقر وقلة فرص العمل المستقر من خلال تيسير الوصول إلى التمويلللحد من عدم المساواة في سوق العمل وسوق المنتجات، وتحسن مستوى الدخل وضمان استمراره.”[3]

وبناء على ما تقدم نستخلص أن هذا النموذج الاقتصادي يختلف عن النماذج                  الاقتصادية الكلاسيكية، فهو يستثمر أدواته وموارده في تحقيق أهداف ذات صبغة اجتماعية                       ومجتمعية تراهن على تحقيق العدالة الاجتماعية والرفاه الاجتماعي والرقي بالمجتمع نحو                                                                 الأفضل، فهو يستهدف الإنسان كغاية وكوسيلة باعتباره مادة أولية أي انه يستثمر في قدرات      ومهارات الإنسان ويطورها ليصبح من جهة، قادرا ومتمكنا من التعويل على ذاته وتحسين ظروفه حياته على المستوى الذاتي ومن جهة أخرى، ومشاركا فاعلا في النهوض بوضعية جهته على المستوى المحلي.

 

وعلى ضوء ما سبق قوله، فإننا سنمهد لتاريخية ظهور الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من خلال التطرق إلى بوادر بروز المجتمع المدني في ظل كل من النظام الاشتراكي والرأسمالي في العالم الغربي.

بداية، سنتطرق إلى فهم كيفية نشأة المجتمع المدني في ظل الدول التي عرفت النظام الشيوعي، حيث سادت بعض الأفكار والقناعات لدى بعض المفكرين الغربيين الأوروبيين في عقد الثمانينات من القرن العشرين، مفادها أن تسارع أزمة الشيوعية كان “ثورة المجتمع المدني ضد الدولة” وهو ما مهد إلى تشكل فكر وأدب يتأسس على رفض ما تدعو له الأحزاب الحاكمة المتعسفة وما تنبني عليه في نظامها السياسي من بيروقراطية ومركزية. علاوة على سيطرتها على قوى ووسائل الإنتاج وإنتاجها للصناعات الثقيلة كما أنها تدير النمو الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي، ضف إلى ذلك قمعها للمبادرات الاجتماعية التي تخرج عن حدود سيطرتها والرغبة في التدخل في مختلف المجالات وتسييسها. وهذا معناه حسب “جون اهرنبرغ”، أن الدولة في كنف هذا النظام ترفض الملكية الفردية وكل مبادرة جماعية عفوية تصدر عن المجتمع المدني بمبرر أنها بذلك تجبر الناس عن التنازل عن المصالح الذاتية وفي المقابل تسهم في تعزيز قوة الدولة وسلطتها من أجل خدمة المصلحة العامة. جل هذه العوامل نتج عنها بروز موجة فكرية نقدية لهذا النظام الذي يتسم بالتعسف والقمع وبخيانته للديمقراطية ويتجلى هذا النقد عمليا من خلال رفض القوى الشعبية لهذا النظام ورغبتها في تحقيق الديمقراطية السياسية متجاهلين بذلك التفكير في الجانب الاقتصادي، وطرح نفسه في الساحة كبداية للتغيير والتجديد في الفكر الشيوعي.[4]

وبالتالي فقد واجه النظام الشيوعي عديد الانتقادات الأمر الذي أسهم في تعبئة بعض القوى الشعبية وحراكها من أجل تحقيق الديمقراطية والرغبة في تطوير الفكر الشيوعي بل وانجذب إلى نظريات الليبرالية بصدد المجتمع المدني والتي كانت ترتكز على التحرر من سلطة الدولة القمعية، والتحرر من التدخل البيروقراطي والتعسفي، وبذلك تصير المنظمات المدنية متنفسا يسمح بممارسة الحريات واعتبارها فضاءات ديمقراطية ذات تنظيم ذاتي وإرادي. وعليه، فان المجتمع المدني يؤدي دورا محوريا في دعم الديمقراطية، من خلال تنمية الثقافة الديمقراطية المتعلقة بالتسامح والمساواة وخلق قنوات إضافية للتعبير عن المصالح وأصبح المجتمع المدني بمثابة المفتاح لتحقيق الديمقراطية والتعامل مع حقوق الإنسان.[5]

 

في هذا الإطار، استند “جون اهرنبرغ” في تفسير ظهور المجتمع المدني في كنف النظام الليبرالي إلى المدرسة التعددية التي تعد من المقاربات الليبرالية للمجتمع المدني والتي تبناها النظام السياسي الأمريكي، والتي ركزت على فهم كيفية قيام مجموعات المصالح بتشكيل نشاط الدولة، باعتبار أن علم السياسة الأمريكي كان منذ الحرب العالمية الثانية واقعا تحت تأثير النماذج الاقتصادية، وقد ركز على الفرد ككائن ناشط قادر على تمييز مصالحه ووضع الخطط الملائمة للوصول إليها. ومن هذا المنطلق، فان مجموع القرارات الفردية هي مرجع للنشاط السياسي على اعتبار أن الفرد في كل المجتمعات سواء كانت بسيطة أو معقدة يتأثر بصفة مباشرة بالمجتمع ككل أكثر من تأثره بالمجموعات الثانوية وبالتالي فان فهم السياسة يقتضي دراسة كيفية تشكل مجموعات المصالح التي تؤثر على نشاط الدولة، وفهم سياساتها الداخلية، ونوعية القيادة ومصادر التماسك. وتنشأ السياسة العامة التي ترسمها الحكومة من خلال التفاعل بين ما تدعيه مجموعات المصالح، وفهم موقعها في المجتمع المدني وتنظيمها الداخلي والمؤسسات التي تنشأ في إطارها لذلك فهم السياسة مقترن بفهم هذه التفاعلات.[6]

كما يشير الحبيب الجنحاني في كتابه المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي أن دراسة مفهوم المجتمع المدني بشكل دقيق المتعلقة بالمفهوم بعدم الحياد، هذا إلى جانب أنها تعكس صورة مجتمع معين، كما تخفي أفكار ومصالح سياسية وإيديولوجية، ويعتبر أن الاهتمام البالغ بهذا المفهوم من قبل فلاسفة الأنوار لم يكن من فراغ، حيث كان يعتبر هذا الأخير بمثابة الداعم الأساسي لتبرير الاستبداد المسلط من الدولة. هذا فضلا عن كون أن تطور المجتمع المدني اقترن أساسا بتطور النظام الرأسمالي على اثر انجاز الثورات البرجوازية ليبرز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تيار جديد يكسب المفهوم أبعاد جديدة في ظل فترة تاريخية اتسمت بالتوتر والصراع بين كل من التيار الماركسي والليبرالي، هذا وقد تباينت الآراء والرؤى حول هذا المفهوم، إلا انه تم الإجماع على تقديمه ضمن مقاربة مفاهيمية تقوم على المقارنة بينه وبين دور الدولة، وعليه فان هناك شق اعتبره معارضا ومتناقضا مع مفهوم الدولة، في حين اعتبره شق آخر مساند وملازم لمفهوم الدولة. إلا انه جدير بالذكر أن للبعد الوظيفي للدولة أهمية بالغة في تطور المجتمع المدني من عدمه.[7]

ويقدم الباحث الحبيب الجنحاني تعريفا دقيقا للمجتمع المدني بقوله: ” فالمجتمع المدني هو الفضاء الذي يتحرك فيه الإنسان ذائدا عن مصالحه الشخصية، وكذلك عن عالمه الخاص، متحولا إلى مسرح تبرز فوقه التناقضات الطبقي بجلاء، ويضع مقابل ذلك الدولة التي لا تمثل في نظره إلا فضاء بيروقراطيا يتحول فيه الإنسان إلى عضو ضمن جماعة مسيرة يقف في حقيقة الأمر غريبا عنها”.

ونستخلص من ذلك أن ديمقراطية أي مجتمع تتوقف على مدى وجود مجتمع مدني حر، تعددي، وقد اعتبرت الديمقراطية في تونس بأنها” ديمقراطية طموحةUne démocratie ambitieuse   وهي بحاجة إلى كل مكونات المجتمع المدني لبناء هذه الديمقراطية.  ونشير في هذا الصدد إلى أن الجمعيات ومكونات المجتمع المدني في تونس تتفاوت من حيث عملها وتخصصها فهي تهتم بالمجالات: الثقافية، الفنية، الرياضية، المهنية، والعلمية، والحقوقية.[8]

 

وعلى ضوء ما تقدم، نتوصل إلى فكرة هامة مفادها أن بوادر تكون المجتمع المدني اختلف فهمه من مجتمع إلى آخر وفقا للنظام الاقتصادي الذي تبناه المجتمع. فقد اعتبر داخل الأنظمة الشيوعية على أنه ميدانا قائم على روابط اجتماعية حرة ومستقلة تستوجب حماية قانونية وسياسية من الدولة باعتبار أنها تهدف إلى تأسيس حياة مدنية مبنية على احترام الحقوق والحريات وتدعو إلى الحد من تدخلات النظام السياسي وقد كان  ذلك بمثابة التحدي الديمقراطي للدولة، وهو ما جعل من تواجد المجتمع المدني جوهريا لحماية الحريات والحفاظ على النظام الديمقراطي ومن ثمة الدعوة لاقتصاد السوق الحر والمبادرة الخاصة التي النظام الليبرالي الذي تعزز في ظله دور المجتمع المدني في صيانة قيام النظام السياسي الديمقراطي. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن دراستنا لتاريخية تشكل المجتمع المدني يعكس تاريخية ما يعرف اليوم بالاقتصاد الاجتماعي الذي يعد قطاع ثالث إلى جانب القطاع العام الذي يذكرنا في النظام الاشتراكي والتدخل المطلق للدولة في مختلف مجالات الحياة والقطاع الخاص الذي يتمثل في النظام الليبرالي، وبالتالي فان ظهور هذا القطاع  لا يعتبر حديثا من حيث النشأة التاريخية وإن اختلفت التسمية، وهو ما جعله  يزداد نضجا وتجذرا نظرا لأهمية هذا القطاع في مساندة  دور الدولة في مختلف المجالات كمحاربة الفقر والحد من البطالة باعتباره فضاء للتشغيل إلى جانب  الدعوة إلى المحافظة على المحيط البيئي من خلال بعث مشاريع تحترم النظام الايكولوجي، إضافة إلى صيغته التضامنية التي تدعو إلى التعاضد وتوحيد الجهود لتحقيق الرفاه وتحسين الأوضاع والنهوض بالمستوى المعيشي على المستويين الفردي والمحلي حيث تسهم المشاريع التضامنية في تحقيق منفعة للفرد والمجموعة التي ينتمي إليها كما تسهم في إحداث حركية اقتصادية غلى المستوى المحلي. وبالتالي التصدي لقيم الأنانية والفردانية والعمل لفائدة المصلحة الخاصة التي يكرسها القطاع الخاص.

 

وعلى المستوى الوطني إذا رجعنا إلى العهود القديمة أو العصر الوسيط سنجد أنماطا تقليدية متعددة للنشاط التعاوني في كل المجتمعات الإنسانية بما في ذلك المجتمع التونسي حيث كانت المعونة أو التويزة تجسم نمطا متداولا للعمل التعاوني في بلدان شمال إفريقيا القائم على الانتماء العشائري خاصة في مواسم الحرث والحصاد وجني الزيتون وغيرها من الأشغال والأعمال التضامنية. وفي العصر الحديث اقترن بروز القطاع التعاوني وتناميه بولادة الثورة الصناعية والتحولات التي أحدثتها على مستوى التركيبة الاجتماعية حيث انتقلنا من نظام إنتاج زراعي إقطاعي إلى نظام إنتاج صناعي رأسمالي خلق طبقة اجتماعية جديدة هي الطبقة العاملة التي كان عليها أن تواجه أوضاعا سماتها الأساسية الفقر والهشاشة بفعل الاستغلال الفاحش لقوة عملها والأزمات الدورية التي بات يشهدها النظام الرأسمالي، أما ميدانيا تشكلت الجمعيات التعاونية وتعاضديات الإنتاج والاستهلاك لغاية تخفيف الأضرار الاجتماعية التي لحقت بالفئات الكادحة وذلك من خلال توفير ما تحتاجه من الغذاء والعلاج والسكن وغيرها من الحاجيات الأساسية لإعادة إنتاج قوة عملها بأسعار في متناولها.[9]

وانطلقت بدايات تجذر المجتمع المدني في تونس مع تجربة محمد علي الحامي التي كانت تؤسس لمشروع إصلاحي، بدا يبرز من خلال اهتمامه ببعث التعاونيات بعد عودته من أوروبا اثر الحرب العالمية الأولى يندرج ضمن سعيه إلى تركيز مؤسسات إنتاجية تكون مستقلة عن سلطة الدولة ولها القابلية لاستيعاب عدد هام من العاطلين عن العمل وتساهم في النهوض بالتشغيل في ظل فترة زمنية مثلت فيها البطالة كارثة وطنية وفي الآن ذاته تكون بديلا للمؤسسة الاقتصادية الرأسمالية، وتؤسس لمؤسسات يغلب عليها الطابع الاجتماعي وتخضع لنظام الملكية الجماعية. وبالتالي يمكن اعتبار هذه التعاونيات شكلا من أشكال المؤسسات المستقلة عن المؤسسات الرسمية، بل وتعد أيضا بداية لتأسيس مجتمع مدني، كما بعث محمد علي الحامي ورفاقه جامعة عموم العمال التونسيين التي مثلت أول اتحاد نقابي تونسي مستقل يعمل على تنظيم العمال في نقابات تدافع عن حقوقهم. ويمثل ميلاد هذا الاتحاد حدثا هاما في تاريخ شعبنا ونقلة نوعية في مستوى تنظمه ووعيه ومؤشرا على رغبة التونسي في خلق أطر انتمائية حديثة لمواجهة المرحلة الموالية في تاريخه: مرحلة التحرر الوطني والاجتماعي. ومن ثمة، انطلق إرساء سياسة التعاضد ببعث تعاضديات إنتاج نموذجية على أراضي الدولة ثم تجميع صغار الفلاحين في إطار تعاضديات إنتاج مماثلة إلى جانب تعاضديات خدمات بهدف تعصير طرق الإنتاج في القطاع الفلاحي وتشغيل اليد العاملة. كما وقع تجميع عديد التجار في تعاضديات كبرى وإنشاء الشركات الجهوية للتجارة والشركات الجهوية للنقل، وفي إطار هذا التوجه الاشتراكي، كانت الدولة هي أهم باعث وممول للمشاريع الصناعية وساهمت في بعث مشاريع مشتركة بتمويل خارجي ورصدت لذلك اعتمادات كبيرة.[10]

ونستخلص من ذلك أن بوادر ظهور مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس تجلت في جملة من التنظيمات السياسية والاجتماعية والثقافية والنقابية التي ارتكز عليها تشكل تاريخ مؤسسات ما يعرف بالاقتصاد الاجتماعي والتعاوني اليوم والمجتمع المدني سابقا، والتي أتينا على ذكر أهمها ومن بينها الحركة النقابية التي لعبت في تونس منذ نشأتها دور القاطرة في قيادة الشعب التونسي في مشروعها التحرري الإصلاحي وتكوين الجمعيات التعاونية والتعاضديات الفلاحية.

ولمزيد التعمق في البحث عن الجذور التاريخية لقطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني سنتناول شرح الموضوع في ضوء الأطر النظرية السوسيولوجية لنتبين أن الاقتصاد الاجتماعي قد تم التعرف عليه والعمل به قبل أن يعرف التعامل بالعملة النقدية أي منذ أن كان الإنسان يقوم بمقايضة السلع حتى يتمكن من سد حاجياته البيولوجية والحياتية. وبناء عليه، فانه يمكن اعتبار ابن خلدون من مؤسسي الاقتصاد الاجتماعي في العالم العربي الإسلامي، حيث اختص ابن خلدون بدراسة العمران البشري وما يطرأ عليه من تحولات وتغيرات. فالتضامن وفق الرؤية الخلدونية يعني التضامن من أجل هيبة الدولة والدفاع عن حرمتها حتى يتوفر الأمان الاجتماعي، فعلى سبيل المثال انتشار المجاعة والأمراض الجماعية ليس نتيجة لظروف طبيعية كعدم نزول الأمطار أو قلتها بل هو نتيجة لضعف الجهاز السياسي للدولة الذي ينجر عنه زيادة في نفقات الدولة ورفع في الضرائب أو فرض ضرائب جديدة، إضافة إلى ضعف جهازها الإداري.[11]

وفي هذا الإطار، تتبلور رؤيته حول محاور أساسية تتمثل في ارتباط الاقتصاد الاجتماعي بقوة الدولة وسياستها، وتأثيره على الروابط الاجتماعية بمعنى أن عوامل الازدهار أو التأزم ترتبط بمدى قوة الدولة ومن قوة امتلاكها للسلاح، وقوة امتلاكها “ للعصبية” وهو مفهوم خلدوني محض يعني مدى تماسك ولحمة أفراد المجتمع وبالتالي نحن إزاء ما يدعى بالتضامن الذي يرتكز على التآزر والتكافل والتعاضد بين مكونات المجتمع كحاجة أساسية تفرضها الطبيعة الاجتماعية وذلك لأن الفرد عاجز بمفرده على تلبية حاجياته. وذلك بقوله:” إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتم عمران العالم بهم، فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية، في دفع العدوان عنهم، لأنها موجودة لجميعها فلا بد من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم، فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون لهم عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يضل أحد لغيره بعدوان وهذا هو معنى الملك.” [12]

وبالتالي فالاقتصاد الاجتماعي كان متواجدا عبر العصور ولكنه يأخذ أشكالا مختلفة حيث عرفته الحضارة الأمازيغية وكان يطلق عليه “تويزة”، لكنه بقي هامشيا لم يسلط عليه الضوء من قبل الباحثين مما جعل تطبيقه جزئيا أو منضويا ضمن أنظمة اقتصادية أساسية كالنظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي.

وبناء على ما سبق ذكره، فانه إضافة إلى الفكر الخلدوني الذي أسس لظهور اقتصاد هامشي ينشط في ظل النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، ويرتكز أساسا على التعاون وتضافر الجهود ويدعو إلى التضامن الاجتماعي، وفي هذا الإطار، يعتبر ايمايل دوركايم من أول المنظرين لهذا المفهوم في دراسة حول” تقسيم العمل في المجتمع” هذا الكتاب الذي مكننا من فهم تطور طبيعة التضامن الاجتماعي الحاصل نتيجة التحولات الاجتماعية في مقاربة للحداثة والمجتمع الحديث.

ولعل أبرز ما يميز الرؤية الدوركايمية لمفهوم تقسيم العمل، عدم حصره في إطار اقتصادي وصناعي محض بل هو يتجاوز ذلك ليمس مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، كالمجال السياسي والإداري كما يشمل أيضا الفني والعلمي، حيث يقول دوركايم في هذا السياق:” لا يخص العالم الاقتصادي فحسب، بل يمكن ملاحظته في جهات مختلفة من المجتمع، فالوظائف السياسية، الإدارية والقانونية تتجه أكثر فأكثر نحو التخصص، بل انه امتد “أي تقسيم العمل” حتى إلى الوظائف الفنية والعلمية”.[13]

مما يعني أن تقسيم العمل ليس بظاهرة عرضية طرأت على المجتمع الحديث وبالتالي لا يمكن فهمه وتفسيره إلا ضمن صورة كلية تأخذ بعين الاعتبار صيرورة عامة لحركة التحديث العميقة التي شهدتها المجتمعات الغربية. وقد نتج عن هذا التقسيم للعمل الذي شهدته المجتمعات الحديثة تمايز بنيوي يكشف لنا حجم التمايز بين البنيات والوظائف الاجتماعية داخل المجتمع الواحد، ولا يقتصر أهمية تقسيم العمل في إنتاج تمايز بنيوي فقط، بل ساهمت في تحديد طبيعة التضامن وأسباب التحول في التماسك الاجتماعي داخل المجتمع نظرا لارتباطها المتين بالدينامية الاجتماعية ونمو حجم السكان والكثافة السكانية. وبناء عليه، فانه وفق الرؤية الدوركايمية تنتهي إلى أن كل أشكال العمل تنقسم إلى نموذجين، يقوم الأول على ما يطلق عليه بالتضامن العضوي الذي انتقل فيه المجتمع من العمل التقليدي إلى العمل المتخصص. وبالتالي يتشكل من نسق من الأعضاء والوظائف، حيث يتم تقسيم الأدوار ليضطلع كل فرد بدور محدد، أما الثاني فهو ينبني على التجانس والتشابه أي يتأسس على تكرار نفس الأدوار ونفس العناصر التي تقوم بالدور وهو ما يسود في المجتمعات التقليدية التي يكون فيها العمل غير متخصص بل يقوم على التعاون والعيش المشترك الذي يمتن علاقات التماسك الاجتماعي وهو ما يطلق عليه التضامن الآلي.[14]

ومن هذا المنطلق، فانه يمكن القول بأنه وفقا للرؤية الخلدونية والدوركايمية التي تأسستا على دراسة التغيرات والتحولات الطارئة على بنية المجتمع والتنظير لأهمية التضامن الاجتماعي الذي من شأنه أن يحافظ على تماسك ولحمة المجتمع ضد كل ما من شأنه أن يهدد توازنه، فقد اختص ابن خلدون في دراسة التضامن كوسيلة أساسية للمحافظة على ازدهار الدولة وهيبتها حتى يضمن الأمان الاجتماعي من خلال امتلاكها للعصبية.

وفي المقابل اختص دوركايم بدراسة طبيعة التضامن الاجتماعي في مقاربة بين المجتمعات التقليدية والحديثة التي تتميز بتقسيم العمل وسرعة نسق الحياة وتوزيع الأدوار والوظائف وبالتالي فهو يتحدث عن المجتمعات التي تتبنى القطاع الرأسمالي.

ونستخلص مما سبق أن التضامن عرفته المجتمعات التقليدية التي كانت فيها الدولة هي المحرك والمشرف الأساسي للعملية الاقتصادية وكذلك المجتمعات الحديثة التي تكون فيها السيادة لأصحاب رؤوس الأموال القادرين على المبادرة الحرة، إلا أن كل من النموذجين عرفا عديد المشكلات الاقتصادية والتنموية فالدولة أصبحت اليوم عاجزة بمفردها عن تلبية حاجيات الأفراد وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية أما القطاع الرأسمالي فقد تسبب في تعميق الفروقات الاجتماعية واللاعدالة ومزيد التهميش والتفقير للفئات المحرومة لذلك كانت الحاجة ماسة لبروز قطاع ثالث مكمل لمهام القطاع العام ومتكامل مع القطاع الخاص يسعى لتحقيق المنفعة العامة وضمان العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وفي نفس الوقت له وزنه وقيمته الاقتصادية التنافسية في السوق.

 

مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتنمية المحلية

عرف العالم خلال الفترة الأخيرة من القرن العشرين تزايد وتطور لنشاط المنظمات غير الحكومية، حيث ساهم الأمر في بروز تيارات فكرية تدعو إلى أهمية تشريك المجتمع المدني في عملية التنمية، والتأكيد على دوره في معالجة بعض القضايا المطروحة على الساحة راهنا، ويتجلى دورها التنموي في توعية أفراد المجتمع بأهداف وبرامج التنمية المحلية، وحثهم على المشاركة في النهوض بالشأن المحلي كم تعمل على الاضطلاع على رغبات مختلف الشرائح في المجتمع وعرضها على السلطات المحلية أو الوطنية للمطالبة بها ومن ثمة تفعيلها وتحقيقها. وكما أشرنا سابقا إلى التشاركية والديمقراطية والحوكمة الرشيدة كمقومات أساسية لنجاح الاقتصاد التضامني في الاضطلاع بالدور التنموي فإننا نصل إلى فكرة هامة مفادها أن هذه المقومات هي ذات الأسس التي تستند إليها مؤسسات الاقتصاد التضامني في فلسفتها ومبادئها وهو ما يجعل من هذه المؤسسات رافدا أساسيا للتنمية وبالتالي نستخلص من ذلك أن هناك توافق بين مبادئ مؤسسات الاقتصاد التضامني ومتطلبات التنمية. لذلك لابد من القول بأن التنمية لا تتحقق إلا بارتباط هذه المبادئ وخاصة الديمقراطية بالاقتصاد الاجتماعي لأنهما يشتركان في الحد من الفقر والحرمان والسلطة المطلقة وهذا لا يعني أنهما متطابقين وإنما متوافقين. “فالديمقراطية لها دور فعال في اعتدال موقف الفئات الاجتماعية المعارضة والفقيرة من الأخرى المهيمنة على دواليب الحكم والاقتصاد الاجتماعي، حيث من موقفها يتبلور السلم الاجتماعي الذي يتيح تكافؤ الفرص في جميع المجالات بين كل المكونات المجتمعية… فالتنمية لا يمكن تحقيقها في المجتمعات إلا بتوفر أربع محاور استراتيجية تكمن في نظام ديمقراطي ثم العلاقات البنيوية بين أنساق البناء الاجتماعي القيم وأخيرا اقتصاد السوق الاجتماعية، وصلة الوصل بين هذه المحاور تتمثل في الحوكمة الجيدة، والمراد منها تكريم الإنسان[15].

وما يسترعي الانتباه في هذا الإطار أن ما ساهم في تجذير جهود منظمات المجتمع المدني وتثمينها هو الحاجة الماسة إلى تدخل جهات مكملة لجهود الدولة في ما يتعلق بصياغة برامج التنمية خصوصا بعد تراجع دور أجهزة الدولة وإمكانياتها في الاستجابة للاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمواطنيها باعتبارها حقا من حقوقهم، وأصبحت الاستجابة لهذه الاحتياجات أمر محتم وضروري لضمان الأمن الإنساني والاستقرار الاجتماعي، الأمر الذي عمق فهم الدور الأساسي للمجتمع المدني وبالتالي توسيع نشاطه ليصبحا شريكا وفاعلا في مجال التنمية يمكن الاستعانة به للانتفاع بخبراته وموارده البشرية والمادية، ويمكن في هذا المجال أن نأتي على ذكر أهم الأدوار التي يمكن أن تؤديها منظمات المجتمع المدني والتي نتبينها أولا من خلال مهمة توفير الخدمات وهي من أقدم المهام التي تضطلع  بتفعيلها المنظمات غير الحكومية والأهلية منذ أمد بعيد والتي تشمل الجمعيات والهيئات الخيرية والمنظمات غير الحكومية المتخصصة، ويتميز المجتمع المدني بإمكانيات فنية وتقنية تساعده على تقديم خدمات ذات جودة عالية، علاوة عن قدرته في الوصول إلى الأرياف والمناطق النائية حيث تقطن الفئات المحرومة، وثانيا من خلال العمل على مساندة وتمكين المجتمعات المحلية، وهو ما يعني أن منظمات المجتمع المدني تلعب دورا هاما في تدريب الناشئة من أجل خلق قيادات وكفاءات تتمتع بقدرات ومهارات قادرة على الإبداع في المجالات ذات العلاقة بالتنمية التنموية كالتخطيط الإستراتيجي بلورة البرامج التنموية وتنفيذها وحث المجتمعات المحلية على المشاركة.

ولا يتوقف دورها عند التشجيع وحث الأفراد على المشاركة وتقويتهم من خلال تمكينهم من المهارات اللازمة لإحداث التغيير المطلوب بل يتجاوز ذلك لتصير مساهما في تصميم السياسات والخطط العامة على المستويين الوطني والمحلي من خلال اقتراح حلول بديلة ومناقشتها أو العمل على الوقوف على أهم المعوقات التي تتضمنها السياسات العامة لإحداث تغيير فيها وتعويضها بالبدائل المقترحة، هذا إلى جانب تمكين المجتمع من الاطلاع على السياسات التنموية المقترحة وكيفية تنفيذها وعلى نتائجها.[16]

دور هياكل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في فتح افاق التشغيل

يعتبر التشغيل من العوامل الأساسية التي تسهم في تثمين قيم المواطنة وإرساء مجتمع الرفاه الاجتماعي وإحداث تغييرات جذرية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفرد و يمكنه من حفظ كرامته البشرية، وفي هذا السياق يمكن للاقتصاد الاجتماعي والتضامني أن يسهم في تحقيق الاندماج الاقتصادي ومكافحة ظاهرة البطالة التي تمر بها بلادنا، خصوصا وأن اغلب العاطلين عن العمل هم من فئة الشباب ومن حاملي الشهادات العليا في عدة اختصاصات من خلال انتداب خريجي الجامعات اللذين يشكون البطالة وكذلك الحاصلين على شهائد من مؤسسات التكوين المهني ليشتغلوا ضمن الجمعيات والتعاونيات ومجامع التنمية والشركات التعاونية المطالبة بالحوكمة. ويوفر أيضا التشغيل الغير مباشر عن طريق دعم ومساندة وتمويل المشاريع الصغرى من الجمعية التي تمنح قرضا لبعث مشاريع وخاصة جمعيات التنمية والإقراض التي يمكن أن تساهم في خلق موارد الرزق وتمويل مشاريع صغرى وهناك جمعيات لا تمول ولكنها ترافق المشاريع وتجدر الإشارة إلى أهمية دور الجمعيات ومؤسسات الاقتصاد الاجتماعي في التعامل مع المانحين الأجانب مما يسهل عملية بعث المشاريع الصغرى.

وما يجدر التشديد عليه في هذا السياق هو أن الاستراتيجية الوطنية للتشغيل 2013-2017 دعت الى ضرورة استغلال مكامن التشغيل صلب مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وذلك من خلال بلورة جملة من الإجراءات الرامية الى توسيع مجال عمل مجالات هذا القطاع لتشمل مجال الصحة )انشاء التامين الصحي التعاوني، دعم الأشخاص ذوي الإعاقة ، بناء مستشفيات،…(مجال التعليم)القيام بالدعم المدرسي…( خدمات اجتماعية موجهة للفئات الهشة تعتمد من قبل مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي، مجالات بيئية )تطهير السواحل، إعادة رسكلة الفضلات…(، مجالات ثقافية وسياحية )التنشيط داخل الأحياء الفقيرة، برمجة زيارات ترفيهية للمسنين…(، دعم الأشخاص ذوي الإعاقة، خدمات المساعدة المنزلية للأفراد، إلى جانب مجالات ذات قيمة مضافة عالية كالإعلامية والاتصالات والطاقة… مما يعني إمكانيات الشغل الممكنة ضمن مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي تشمل خريجي علم الاجتماع والأخصائيين الاجتماعيين ومربي الأطفال وأخصائي التنشيط الثقافي والاجتماعي ومتصرفي الموارد البشرية والمختصين في مجال التكوين والإرشاد والتوجيه وغيرها من المجالات الأخرى .

فضلا عن تشجيع وتأهيل المؤسسات والجمعيات الناشطة في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وذلك من خلال إعداد مشروع قانون جديد للتعاونيات الذي يعتبر بمثابة إصلاح للقانون الحالي، يتضمن عدد من الإجراءات الخاصة بوضعية التعاونيات التي ستكون له انعكاسات ايجابية على الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. هذا وقد تم اتخاذ اجراء من اجل إحداث صيغة تشغيل من اجل الانطلاق تمكن الشباب الذي لم يشتغل ابدا من فرص عمل بعقود لمدة محدودة تسهم في تحسين قابلية تشغيلية وتحسن نسبة التأطير بالجمعيات. ويمكن حصر الانتفاع بهذا البرنامج بشروط تأخذ بعين الاعتبار القطاعات والمشاريع التي تنكب عليها الجمعيات والتي يجب ان تكون اولا مدرة للتشغيل، ثانيا تهدف لتحقيق مصلحة جماعية واجتماعية ، وثالثا تقدم حلولا لحاجيات عاجلة أو غير ملباة، على غرار وضع قاعدة بيانات خاصة بالجمعيات ذات الصلة بالإحاطة والمرافقة وتأهيل الجمعيات في مجالات البحث عن موارد مالية ذاتية وإعداد برنامج مرافقة يشمل ثلاثة أبعاد هي مرافقة الجمعية في برنامجها الاستراتيجي ومرافقة المنتدبين لدى الجمعيات ومرافقة أعضاء الهيئات المديرة للجمعيات وذلك لضمان ديمومة الجهد التشغيلي للهياكل الجمعياتية.

ومن باب الوجاهة الإشارة الى ان الدولة سارت في مخطط 2015-2020 نحو الاقتصاد التضامني والاجتماعي باعتباره رافد أساسي للتنمية في تونس، وفي أكتوبر 2016 تبلورت الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد التضامني والاجتماعي التي سيتم تطويرها والعمل عليها لتقديم الإضافة من أجل النهوض بالوضع الاقتصادي والاجتماعي، وتم تفعيلها بتكليف وزير مكلف لدى رئيس الحكومة بهذا المجال. ويندرج هذا الاجتهاد أو محاولة التجديد ضمن إطار المبادرة التشريعية للاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يعود له الفضل في اقتراح الفكرة على الحكومة، إلا أن الحكومة لم تستأنس بمقترح الاتحاد العام التونسي للشغل فقط، ولكن أيضا قامت بالتعويل على الجانب الحكومي والإداري لسن قانون وبرنامج واستراتيجية للاقتصاد التضامني والاجتماعي. وفي أثناء ذلك تم تقديم مشروع PROMESS في إطار شراكة مبرمة بين وزارة التكوين المهني والتشغيل والمكتب العالمي للشغالين BIT حيث احتوى هذا المشروع على تشكيل قانوني يهدف إلى بعث مشاريع في كل ولايات الشمال الغربي التونسي (جندوبة الكاف باجة سليانة).[17]

وفي هذا السياق، يهدف مشروع  بروماس إلى تفعيل ثلاث نقاط أساسية تتمثل في بلورة إطار قانوني و مؤسساتي واضح لقطاع الاقتصاد الاجتماعي و التضامني، إلى جانب العمل على وضع منظومة حوكمة، إضافة إلى دعم قدرات هياكل المساندة التي ستوفر المرافقة اللازمة للشباب باعثي المشاريع من خلال تقديم دعم مادي وفني للشباب الذي يرغب في خلق مشاريع في قطاع الفلاحة، الصناعات التقليدية وغيرها من القطاعات التي تتماشى مع مبادئ وأهداف الاقتصاد الاجتماعي و التضامني)، أما بالنسبة لتكلفة المشروع فقد بلغت ثلاثة ملايين دولار  ويمتد من  2016 إلى2019، ونذكر في هذا الصدد أنه وقع الاختيار على32 مشروعا تم اقتراحه من قبل 28 جمعية من إجمالي 80 جمعية مرشحة في كل من ولاية سليانة والكاف وجندوبة وباجة وتشمل أغلبها الأنشطة ذات الصبغة الفلاحية والحرفية نظرا لمميزات وخصوصية مناطق الولايات المذكورة.[18]

مكونات الاقتصاد الاجتماعي في تونس:

في هذا الإطار، سنقدم تعريفا قانونيا لأهم المؤسسات التي يندرج نشاطها ضمن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني التي تعتبر من مكوناته الأساسية.

1.2. 1. الجمعيات:

عرفت الجمعية في الفصل الأول من القانون عدد 154لسنة 1959 على أنها الاتفاقية الحاصلة بين شخصين أو أكثر والتي يتم بمقتضاها جمع معلوماتهم أو نشاطهم بصفة دائمة ولغايات دون غايات مادية تغنم من وراءها الأرباح وتخضع الجمعيات في تأسيسها إلى المبادئ العامة في المعاملات والعقود المدنية، الجمعية هي تجمع تطوعي لمجموعة من الأفراد من اجل متابعة أهداف أو مصالح مشتركة اغلبها طويلة الأمد ويعتبر حق تأسيس الجمعيات من صميم حق التجمع، وتعود بدايات الجمعيات في أوروبا إلى القرن الثامن عشر وكان الأمر الجديد بل الثوري الذي حققته هذه الروابط حينذاك هو أن أشخاصا من مختلف الطبقات) رجال دين، نبلاء، مواطنون وفلاحون أحرار (اجتمعوا في الجمعيات لمناقشة قضايا عصرهم، علما بان التواصل بينهم كاد يكون معدوما قبل ذلك[19]. ووفقا للمرسوم عدد88 لسنة2011 تعرف الجمعية على أنها «اتفاقية بين شخصين أو أكثر يعملون بمقتضاها وبصفة دائمة على تحقيق أهداف باستثناء تحقيق أرباح[20].

في هذا السياق، نشير إلى النشاط الجمعياتي كان له منزلة هامة منذ القدم حيث نجد الجمعيات المائية التي عرفتها الواحات والخيرية التي كان لها حضور منذ عديد القرون الأمر الذي يعكس مدى تجذر وعراقة فكرة المجتمع المدني، ففي 1775 أنشأ علي باي الثاني، احد بايات الدولة الحسينية ملاجئ للضعفاء العجز وهي ما كانت تسمى بالتكية[21].

2.1.2 التعاضديات:

بالرجوع للقانون عدد4 لسنة 1967 المتعلق بالقانون الأساسي العام للتعاضد تعرف التعاضديات على النحو التالي: “التعاضديات شركات ذات رأس مال ومشتركين قابلين للتغيير يقع تكوينها بين أشخاص لهم مصالح مشتركة يتحدون قصد إرضاء حاجياتهم وتحسين أحوالهم المادية والأدبية”.[22]

وطبقا لهذا القانون فان عمل التعاضديات يتركز أساسا في قطاعي التغطية الصحية والتأمين على المخاطر، كما تعمل بعض التعاضديات في مجال منح القروض الاستثمارية أو ضمان قروض أعضائها لدى المؤسسات الائتمانية. فالتعاضدية هي مؤسسة للتغطية الصحية التكميلية، تكمل كليا أو جزئيا تعويضات الضمان الاجتماعي، ويمكن لها أن تقترح خدمات صحية وأعمال الوقاية لتطوير المستوى الصحي للسكان، التعاضديات مؤسسات ليس لديها هدف ربحي خاضعة لقانون التعاضد. في التعاضدية، خطر المرض موزع على المتعاضدين، وأيضا الكلفة موزعة بشكل تضامني: كل واحد يؤدي حسب قدراته المادية ويحصل على الخدمات حسب حاجته.

  1. 3.1 التعاونيات

حسب الفصل الأول من مجلة التعاونيات الوارد بالعنوان الأول من الأحكام المشتركة تعرف التعاونية كالآتي: “تعتبر تعاونية كل شخص معنوي خاص يحدثه مجموعة من الأشخاص الطبيعيين بهدف تغطية المخاطر الملازمة بطبيعتها للإنسان بصفة تكميلية للنظام القاعدي للتأمين على المرض وإسداء خدمات أخرى ملازمة بطبيعتها للذات البشرية في إطار التضامن والتعاون لفائدة المنخرطين وأولي الحق منهم مقابل خلاص معاليم الاشتراكات”.[23]تهدف التعاونية إلى القيام بعمل احتياطي وتضامني وتعاوني لفائدة منخرطيها وأولي الحق منهم بفضل ما تتحصل عليه من مساهمات  المنخرطين وذلك قصد ضمان الأخطار الملازمة بطبيعتها للشخص البشري ويتمثل العمل التعاوني في ضمان تغطية صحية وخدمات اجتماعية للمنخرطين وأولي الحق منهم.كما يمكن للتعاونية القيام بنشاط ترفيهي وثقافي وبعث مشاريع صحية واجتماعية وفق التشريع الجاري به العمل لفائدة منخرطيها[24].

ويطلق على التعاونية في تونس اسم الجمعيات التعاونية والتي تخضع للأمر العلي المؤرخ في 18 فيفري 1958 المتعلق بالجمعيات التعاونية والى القرار الصادر عن كاتب الدولة للتصميم والمالية والصحة العمومية والشؤون الاجتماعية المؤرخ في 26 ماي 1961 المتعلق بتحرير قوانين أساسية نموذجية للشركات التعاونية وتم إتمامها بقرار وزيري المالية والشؤون الاجتماعية المؤرخ في 17 سبتمبر 1984، ونلاحظ في هذا الإطار أن التعاونية تعاني عديد الإشكاليات من أهمها أن النص القانوني قديم ويعود إلى ما قبل الاستقلال وبالتالي عدم وجود تناسق بين الإطار التشريعي للتعاونيات والنصوص القانونية التي لحقته، هذا إلى جانب محدودية الطابع الوقائي والزجري للعقوبات المالية ،هذا علاوة على عدم توفر الكفاءات والخبرات فيما يتعلق بالمكلفين بالتسيير الإداري والمالي للتعاونيات[25].

ويشكل النسيج التعاوني المكون الرئيسي لقطاع الاقتصاد التضامني، وذلك بالنظر إلى حجم مساهمته في التنمية الاقتصادية وقدرته على الإدماج الاجتماعي واعتمد البيان تعريف للتعاونية جاء فيه “إن التعاونية رابطة مستقلة من أشخاص اتحدوا طواعية لتلبية احتياجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المشتركة، ولتحقيق تطلعاتهم عن طريق مشروع ذي ملكية مشتركة خاضعة لمراقبة ديمقراطية”. وتقوم التعاونيات على قيم المساعدة الذاتية والمسؤولية تجاه النفس، والديمقراطية والمساواة والعدالة والتضامن ويؤمن أعضاء التعاونيات، وفقا لتقاليد مؤسسيها بالقيم الأخلاقية المتمثلة في النزاهة، والانفتاح والمسؤولية الاجتماعية، ومساعدة الآخرين[26].

4.1.2 مجامع التنمية الفلاحية:

لتعريف مجامع التنمية في قطاع الفلاحة والصيد البحري سنعتمد الفصل الأول من القانون عدد 43 لسنة 1999 المتعلق بمجامع التنمية في قطاع الفلاحة والصيد البحري التي عرفها من خلال تحديد الغاية من إحداثها: “يمكن إحداث مجامع تنمية في قطاع الفلاحة والصيد البحري الغاية منها تأمين حاجيات المالكين والمستغلين الفلاحيين والصيادين البحريين من وسائل الإنتاج ومن الخدمات المرتبطة بجميع مراحل الإنتاج والتحويل والتصنيع والاتجار وإرشادهم إلى أنجع السبل المؤدية إلى تثمين مجهوداتهم وانجاز الأشغال المرتبطة بهذا القطاع”[27].

في إطار إعادة هيكلة “المجامع ذات المصلحة المشتركة” ظهر مفهوم “مجامع التنمية” في قطاع الفلاحة والصيد البحري وهو تنظيم تنموي متعدد الوجوه يهدف إلى تمكين الوسط الريفي وبوجه الخصوص المالكين والمستغلين الفلاحين من اطر تنظيمية تتميز بتوحيد وتجميع إمكانيات وقدرات المجموعات الفلاحية ضمن مجامع تستجيب لحاجيات وتطلعات منخرطيها، ضمن هذا التنظيم برزت المجامع المائية، الهيكل الأكثر انتشارا في مختلف الجهات الفلاحية، وذلك نظرا ملائمتها لواقع القطاع الفلاحي ورغبات الفلاحين. فالجمعية المائية هي هيئة مدنية يؤسسها مواطنون متطوعون تتركز حول المشاريع المائية في المناطق الريفية قصد الاستغلال والتصرف في الموارد المائية المختلفة، كما تتولى تسيير وصيانة المنشئات والتجهيزات الموضوعة على ذمتها وبعث أنشطة ذات صبغة تنموية جماعية حيث أن مجامع التنمية تتركز عادة في الأوساط الريفية التي تعيش صعوبات مناخية، ولكن بالرغم من أهمية القطاع الفلاحي في منطقة جندوبة، هناك عدد قليل من مجامع التنمية فمعظم التجمعات في إدارة المياه ، من هنا تكاثف عدد الجمعيات المائية حيث بلغ 79 جمعية كان لها دور في تنظيم المهنة الفلاحية بالمجتمع المحلي وذلك بالمشاركة الفعلية التي أصبحت تتسم بها المجموعات الريفية في إدارة الموارد المائية لتنمية القطاع الفلاحي[28].

5.1.2 الوحدات التعاضدية للإنتاج الفلاحي:

الوحدات التعاضدية للإنتاج الفلاحي إحدى مكونات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني التي تعمل تراهن عليها الدولة في عملية التشغيل الشباب من حاملي الشهادات العليا في القطاع الفلاحي وغيرهم، حيث تم إدراجها ضمن أحد آليات التشغيل التي يعمل على تفعيلها وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري الذي صرح في ندوة صحفية عن انطلاق البرنامج الوطني لاستغلال الأراضي الدولية الموضوعة على ذمة الشباب، وفي هذا السياق أكد وزير الفلاح أن هذه الوحدات التعاضدية هي مؤسسات  الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وأنها تجسم توجهات الدولة نحو إرساء هذا القطاع إرساء هذا النوع  من الاقتصاد من خلال خضوعها لمبادئه الخصوصية مؤكدا أنها تختلف تماما عما كان سائدا منذ سنوات السبعينات إلى حدود 2011 وتضم هذه الوحدات 18 وحدة وتمتد على حوالي 10 ألاف هك موزعة على 8 ولايات و14 معتمدية. وأوضح الطيب أن هذه الوحدات ستقام على ضيعات دولية فلاحية هي الآن تحت تصرف ديوان الأراضي الدولية. وأن الوحدات التعاضدية للإنتاج الفلاحي هي صاحبة حق الانتفاع بهذه الأراضي حسب القانون عدد 28 لسنة 1984 المؤرخ في 12 ماي 1984 والقانون عدد 21 لسنة 1995 ويقع الانتفاع بهذا الحق لمدة 30 سنة بمقابل، مشددا على أن هذه الوحدات التعاضدية موجهة أساسا إلى الشباب المعطل عن العمل بـ 14 معتمدية.[29]

 

وفي هذا الإطار، حاولنا من خلال مقاربتنا النظرية البحث في كل من المقومات والأبعاد المتصلة بموضوع الاقتصاد الاجتماعي والتنمية المحلية لفهم العلاقة القائمة بين المجالين والإمكانات المتاحة امام القطاع الثالث لتخليص البلاد التونسية من أزمتها في ظل واقع معقد يتسم بالدينامية وعدم الثبات وذلك بتسليط الضوء على عراقة هذا القطاع وما أطلقه من مبادرات وما حققه من إنجازات وما بذله من مجهودات حثيثة وإنسانية كان لها دور هام في احداث تغييرات جذرية في مجالات عديدة من خلال أنشطتها الحقوقية والاجتماعية والخيرية والثقافية والتنموية وإمكانية التعويل عليه راهنا كقطاع حيوي مبتكر وأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية لما يتسم به من مبادئ خصوصية تتقاطع مع رهانات التنمية المحلية، وهو ما يجعله شريكا وفاعلا قادر على معاضدة جهود الدولة في النهوض بالمنوال التنموي بوصفه مكملا لدور القطاع العمومي والقطاع الخاص في توفير مواطن الشغل ضمن هياكله ذات الاختصاصات المتعددة القادرة على استيعاب خريجي الجامعات من العاطلات والعاطلين عن العمل وتحسين ظروف العيش والمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي التونسي ودعم الفئات المهمشة وتعزيز التماسك الاجتماعي ومكافحة مختلف اشكال الاقصاء والتمييز وعدم تكافؤ الفرص  ودعم اهداف التنمية المحلية المستدامة.

 

 

 

 


 

[1]– أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، مركز دراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للترجمة، ص 136.

[2]– فريدة حموم، محمد الصديق بن يحي، تأثير العولمة في بلورة قيم التنمية الانسانية المستدامة، مجلة الفكر، العدد السابع، ص253.

 [3]  فيفيان بضعان، الاقتصاد الاجتماعي التضامني أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، العدد الرابع من سلسلة السياسات العامة، أوراق موجزة، الاسكوا، 2014، ص01.

[4]  جون اهرنبرغ، المجتمع المدني التاريخ النقدي للفكرة، ترجمة علي حاكم صالح، حسن ناظم، بيروت، المنظمة العربية للترجمة،2008، ص 327

[5]  شادية فتحي إبراهيم، محددات الإصلاح في الدول العربية، كراسات التنمية، بحث مقدم لمؤتمر قضية الديمقراطية في الوطن العربي (3-4-5 2004  ) جامعة القاهرة، مركز دراسات وبحوث الدول النامية، 2005 ، ص6.

 مرجع سابق، ص 378[6]

[7]  الحبيب الجنحاني، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي، الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، تونس، 2005، ص 23-24.

[8]  محمد فايز فرحات، أبعاد التحول الديمقراطي في تونس، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، مصر، 2005 ص197-198.

[9] لطفي بن عيسى: الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ومنوال التنمية البديل الاعتراف والتأسيس، جريدة المغرب، أكتوبر2017عبر الموقع  الالكتروني:http://ar.lemaghreb.tn

 

[10]-الموقع الالكتروني: https://www.turess.com/echaab/3269

[11]  فتح الله ولعلو، الاقتصاد السياسي، مدخل الدراسات الاقتصادية، دار النشر المغربية، سنة 1974، ص88.

[12] عبد الرحمان ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، بيروت، مكتبة لبنان ساحة رياض الصلح، 1992، الباب الأول من الكتاب الأول في العمران البشري، ص18

 [13]  Emile Durkheim, De la Division du travail social, PVF, p2

[14]  زكرياء الإبراهيمي، دوركايم والتأسيس السوسيولوجي للحداثة، مؤسسة الدراسات والبحوث مؤمنون بلا حدود، 2016، ص12.

[15]– محمد بوغلام، مرجع سابق، ص49.

-[16] عبد الرحمن صوفي عثمان، محمود محمود عرفان، دور المجتمع المدني في دعم خدمات الرعاية الاجتماعية في المجتمع العماني (الضرورات والمستلزمات) ، مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية جامعة السلطان قابوس، ص76-77.

[17]  الاقتصاد التضامني والاجتماعي: الآفاق والحدود، مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية، 2019 عن موقع الأنترنت: http://www.csds-center.com/

 وثيقة إدارية تابعة لمكتبة وزارة التكوين المهني والتشغيل[18]

-[19]القانون عدد 154 المؤرخ في 7 نوفمبر 1959 المتعلق بالجمعيات.

-[20] الفصل 2 من المرسوم عدد88 لسنة 2011 مؤرخ في 24 سبتمبر المتعلق بتنظيم الجمعيات.

-[21] رضا خماخم، الجمعيات في تونس، شركة اوريكس، نوفمبر 1999، ص 14.

-[22] الفصل 2 من القانون عدد 4 لسنة 1967 المؤرخ في 19جانفي 1967 المتعلق بالقانون الأساسي العام للتعاضد.

-[23] الفصل الأول من مجلة التعاونيات الصادرة في نوفمبر 2014

-[24] الفصل الثاني من الأمر العلي المؤرخ في 18 فيفري 1954 المتعلق بالجمعيات التعاونية.

[25]– الموقع الالكتروني:http://www.cga.gov.tn

[26]– الموقع الالكتروني:http://www.un.org/ar/events/coopsyear/about.shtml

-[27]الفصل الأول من القانون عدد 43 لسنة1999 مؤرخ في 10 ماي 1999، المتعلق بمجامع التنمية في قطاع الفلاحة والصيد البحري.

[28]– نفس المرجع.

[29]-الموقع الالكتروني: http://www.agriculture.tn/?p=6046

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: