“الاحتفاظ و التجاوز” في الإعلام النهضاوي: مجلة ميم نموذجا

img

“الاحتفاظ و التجاوز” في الإعلام النهضاوي: مجلة ميم نموذجا

بقلم : جمال قصودة 

 

 

 

مدخل:

يرى راشد الغنوشي (مؤسس حركة الاتجاه الإسلامي بتونس وحزب حركة النهضة اليوم) إن التطوّر بالنسبة إليه هو الاحتفاظ والتجاوز وهذا التعريف جاء في دحض نظرية التطور الدروينية وفي الردّ على المناكفات الفكريّة الحاصلة في بداية الثمانينات بين الاتجاه الإسلامي  واليسار التونسيّ ولقد ورد هذا التعريف أوّل المرة في مقال يحمل عنوان “التطوّر= الاحتفاظ + التجاوز” نشر بمجلة المعرفة (التابعة لنفس  التيّار) وصدر لاحقا مع جملة من المقالات الأخرى ضمن سلسلة  إصدارات من باريس موسومة بعنوان “مقالات الفكر راشد الغنوشي”  ويتيح لنا الجزء الأول من هذه الإصدارات الاطلاع على البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي بتونس الصّادر من باريس وبتاريخ فيفري 1984  هذا البيان الذي وضّح المهام ووسائل تحقيقها، تلك الوسائل التي نراها رأي عين مازالت معتمدة في أداء حركة النهضة اليوم لهذا نورد أهمها:

  • “إعادة الحياة إلى المسجد كمركز للتعبّد والتعبئة الجماهيرية الشاملة أسوة بالمسجد في العهد النبوي وامتدادا لما كان يقوم به الجامع الأعظم، جامع الزيتونة، من صيانة للشخصية الإسلامية ودعما لمكانة بلادنا كمركز عالمي للإشعاع الحضاري،
  • تنشيط الحركة الفكرية والثقافية، من ذلك إقامة الندوات، تشجيع حركة التأليف والنشر، تجذير وبلورة المفاهيم والقيم الإسلامية في مجالات الأدب والثقافة عامة وتشجيع البحث العلمي ودعم الإعلام الملتزم حتى يكون بديلا عن إعلام الميوعة والنفاق .”[1]

إن اختيار هذين الوسيلتين دون غيرهما  لم يكن اعتباطيا لأن أهميتهما هي التي بوّأتهما الترتيب الأول ضمن جملة الوسائل الواردة في البيان لهذا اقتصرنا عليهما لنقول إن الوسيلة الأولى مازالت معتمدة في أداء حركة النهضة اليوم رغم الإعلان المخاتل عن الفصل بين السياسي والدعويّ (هذا الفصل الذي أقرّه على الورق المؤتمر الأخير لحركة النهضة).

ولكنّ ما يهمّنا أكثر في هذا المقال هو الوسيلة الثانية المتعلقة بالنشاط الثقافي والإعلامي الذي أولته الحركة والاتجاه من قبلها الأهمية الكبرى من خلال إصداراتها ومؤسساتها وأنشطتها:

  • الأداء الإعلامي لحركة النهضة وحيثيات تأسيس مجلة ميم النسويّة:

قبل الثورة كان النشاط الالكتروني لحركة النهضة الأكثر تنظيما والأكثر إيلاما للنظام من خلال جملة من الصفحات على موقع التواصل الاجتماعي وأهمها “صفحة تونس صوت الإسلام والعروبة” التي كانت تدار من بريطانيا وتونس تلك الصفحة التي أغلقها “عمّار 404” أكثر من مرّة ولكن عودتها كانت تحصل في نفس اليوم وبنفس الحراك وعدد المتابعين مما يؤكد أن عمليّة الإدارة لم تكن محض اجتهاد فرديّ بل لطاقم وغرفة محكمة التنظيم ومما يؤكد أكثر مسألة التنظيم أنها عمّمت على أغلب الأقطار العربيّة في خطوة لاحقة (الجزائر صوت الإسلام والعروبة إلخ)، إثر الثورة أغلب الصفحات الكبيرة من جهة عدد المتابعين تذيّلت للحركة وثمة أخبار غير مؤكدة عن أموال تمّ ضخّها من أجل شراء  الكثير من الصفحات وهذا ما حصل لتصير أغلب الصفحات تحت إدارة الحركة.

أما الكترونيا فقد كانت الخطوة الأولى  مع موقع “الصدى نت” لصاحبه راشد الخيارى بصفحة تجاوز عدد متابعيها 2428 872 وموقع إخباري تحوّل في فترة لاحقة إلى جريدة ورقيّة أما بالنسبة إلى مجلة ميم النسويّة التي تديرها سمية الغنوشي (ابنة رئيس حركة النهضة) فقد تأسست ردّةَ فعل للنجاح الكاسح الذي حقّقه الباجي قائد السبسي (رئيس الجمهورية الحالي) في الانتخابات الرئاسية الأخيرة2014  والذي عانق كرسيّ الرئاسة في قرطاج بفضل أكثر من مليون صوت نسائيّ دفع به نحو سدّة الرئاسة، هذا النجاح  للسبسي قابله إخفاق لحركة النهضة تعلّق بنفس الفئة (المرأة) مما دفعها وبنفس الوسيلة الثانية الواردة في البيان التأسيسي للاتجاه الإسلامي للاهتمام أكثر بهذا الخزّان الانتخابي القادر على تغيير المشهد في سعي نحو إحكام الانتصارات القادمة لتكون بأغلبية مريحة.

  • “الاحتفاظ والتجاوز” في أداء مجلّة ميم:

إن الهدف الرئيسي من وسيلة “تنشيط الحركة الثقافية والفكريّة” وارد بنفس الوسيلة وهو “تجذير وبلورة المفاهيم والقيم الإسلامية في مجالات الأدب والثقافة” من أجل الانغراس أكثر في التربة التونسية والتغلغل فيها ومن أجل مزيد الانتشار فكرة وقيمًا ونماذجَ وهذا لن يتمّ بغير الثقافة والإعلام لهذا كان الاهتمام بهما من قِبَلِ الحركة كبيرا ومتطورا وفق ما تقتضيه المرحلة، ذاك التجذير والبلورة للمفاهيم والقيم تتم في موقع ميم عبر “حسن” اختيار الصور التي غالبا ما تكون للملتحين والمحجبات والعملية مدروسة وواعية وتمثل الخط التحريري للموقع الذي يتنزل في إطار هدف أكبر هو “التجذير” والانغراس في التربة الثقافية للبلد التونسيّ الذي يرومون “أسلمته”.

وإن المتتبع أكثر للموقع يلحظ إن عمليّة الإشهار المدفوع غالبا ما تتعلّق بنصوص لمديرة الموقع (سمية الغنوشي) أو لنصوص متعلّقة بالخط التحريريّ (النهضاوي)، رغم وجود نصوص منسوب الجمال فيها مرتفع  لأنها واردة من لدن كتّاب ليبيراليين ويساريين فماذا يفعل هؤلاء في موقع إسلامي يتدّثر بالنسوية؟

ولأن الموقع تحت إدارة سميّة الغنوشي أردنا في هذه المقاربة أن نحاول تنزيل تلك المقولة التي ابتدعها والدها راشد الغنوشي في تعريف التطوّر إذ يقول: “نرى الإنسان ما يفتأ يطّور وسائل عيشه في المسكن والغذاء والتنقل والتهوئة والدفاع، ويضيف كل يوم كسبا جديدا يتجاوز به مكاسب الماضي حتى لكأن تاريخه سلسلة من الإضافات والتجاوزات  التي تحتفظ وتستوعب ما هو جوهريّ من الماضي دون الوقوف عنده  مما يجعل مسالة التطوّر تحدّد بهذين العمليّتين أو العمليّة المزدوجة، عمليّة الاحتفاظ بما هو جوهريّ من الماضي واتخاذه منطلقا لما يتجاوزه من الحقائق والمكاسب.

 فالتطوّر= الاحتفاظ + التجاوز” [2] 

إن تنزيل هذه المقولة من داخل سياقها “النهضاوي” للحكم على أداء مؤسسة إعلامية من مؤسسات نفس السياق نروم من خلاله البحث عن تجليات التطوّر إن وجدت في أداء الحركة، فما هي مكامن “الاحتفاظ” في موقع ميم ومكامن “التجاوز”؟

ومثلما ذكرنا سابقا الخطّ التحريري للموقع ليس خاف عن الجميع وهو إسلامي محافظ بشكل كبير ومكامن المحافظة على الجوهر (الفكري والقيمي والثقافي) تتجلى من خلال اختيار الصور المرفقة للنصوص وتتجلى أكثر في تبني مواقف حركة النهضة من القضايا الوطنية والدوليّة وآخرها الموقف من زيارة الأمير السعوديّ “محمد بن سلمان” هذا الموقف غير المعلن صراحة من الحركة ولكنها تتبنّاه في إطار الصراع القائم بين الجارين القطري والسعودي باعتبار تخندقها في الصف القطريّ. نضيف إلي ذلك نوعيّة النصوص التي يتمّ اختيارها لتتمتع بالإشهار المدفوع في خطوة نحو ضمان انتشارها لأنها تمثل الخط التحريري وقد تحدثنا عن هذا الأمر، أما مكامن أو تجليّات التجاوز فتكمن في الانفتاح على الفلسفة التنويريّة -خاصة حين نعلم أن أستاذ الفلسفة راشد الغنوشي في نفس الكتاب الذي انطلقنا منه لتقديم هذه المقاربة قد خصّص لها مقالا شافيا يعتبر الفلسفة فيه مصدر نكبة المسلمين- ولذلك فالانفتاح الحاصل في مجلة ميم قد يعدّ تجاوزا كبيرا بالنسبة إلى ابنة شيخ كان يتبنى تلك الأفكار، أيضا في نفس سياق الحديث أو البحث عن تجليات التجاوز نجد تلك النصوص المتجاوزة بطبعها والمتعلقة بالجندرية و”الفيمينست” ولكن كتّابها كانوا من خارج المنظومة الإسلامية بل هم كما ذكرنا سابقا كوكبة من الليبراليين واليساريين وثلّة من الناشطات النسويات.

هل يمكن اعتبار وجود تلك النصوص التنويرية  دليل تجاوز؟

لا أعتقد ذلك بل قد أجزم إن عمليّة الانفتاح تلك مخطّط لها من أجل تطبيع العلاقات مع اليساريين والليبراليين أوّلا ومن أجل تسويق صورة الحزب أو المجلة المنفتحة على المنجز الكوني من الفلسفة والفكر ولكن الحقيقة غير ذلك لأن المتتبع لنفس عملية الإشهار المدفوع الذي يتمّ دوريا في وسعه أن يكتشف أن تلك النصوص وهؤلاء الكتاب الذين تمّ استقطابهم لم يتمتعوا ولا مرّة بالإشهار المدفوع، إذا وجودهم هو للفنتازيا وتلميع صورة المجلّة تماما مثل وجود “سافرة” أو “يهودي” في القائمات الانتخابية لحركة النهضة وهي رسائل مشفّرة للخارج قبل الداخل لنفي تهمة الارتباط بالإخوان المسلمين ولتسويق لمدنيّة الحزب وانفتاحه.

ختاما: هل ثمّة تطوّر حقا؟

إن التطوّر في نظر هؤلاء مرتبط بالمحافظة على الجوهر لا بل قد يعدّ  التجاوز محض مخاتلة أملتها الظروف الدوليّة وقدّ بيّنا سابقا الأمر، لهذا في وسعنا ختاما أن نحيّي من انخرط في تلميع الصورة وخاصة ذاك الذي يدعّي رفقة “شكري بلعيد” ونذكّره أن رفاق “شكري” في حياتهم ما كانوا من البراويز المعلّقة على حيطان الرجعيّة .



الهوامش :

[1] – البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي، مقالات الفكر راشد الغنوشي – الحزء الأول، ص ص 7- 8

[2]   الغنوشي راشد ، مقالات الفكر راشد الغنوشي، ص 19

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.