الإيجاز والإطناب في كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري

img

الإيجاز والإطناب في كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري

من المفهوم إلى الإجراء

ومن مبحث البلاغة إلى مبحث التداول

عبد المجيد يوسف

مدخل

توفي أبو هلال العسكري سنة 395 للهجرة أي في فترة بدأ فيها اكتمال مبحث الجماليات العربيّة واستقرار مؤسّسات اللغة والفكر بواسطة علماء مؤسّسين من أدباء موسوعيين مثل أبي عثمان الجاحظ (توفي 255 للهجرة) ونقّاد مثل أبي مسلم بن قتيبة الدينوري ( توفي 276 للهجرة)  ومن بلاغيّين مثل عبد القاهر الجرجاني (توفي 471 للهجرة) ونُحاة مثل علي بن يعيش (توفي سنة 643 للهجرة)وقد انتهت إليه خلاصة الدّرس النّحويّ الذي بُني على امتداد خمسة قرون.

وكتاب الصّناعتين »  الكتابة والشعر «  لأبي هلال العسكري جمع ما وصل إليه الدّرس النّقديّ العربيّ القائم على البلاغة أساسا، السّائر على نموذج ترسندانتالي (القرآن والشعر)  فكان كلّ قول  أدبيّ أيّا كان جنسه إنّما يقاس بمقدار ما يتّصف به من البلاغة قياسا بالنّموذج.

ولهذا السّبب صار علم البلاغة من العلوم الشّريفة التي تأتي في الشّرف ثانية بعد علم التّوحيد حسب ما ذكره المؤلّف في خطبة الكتاب وذلك لغاية برغماتيّة دينيّة فقال: “وقد علمنا أنّ الإنسان إذا أغفل علم البلاغة وأخلّ بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن (انتهى النقل عنه).

وكتاب الصّناعتين هو كتاب في النّقد الأدبيّ القائم على هذا العلم كما أسلفنا، تجاوز كونه مجرّد وسيلة لفهم النّصّ القرآنيّ ليكون شاملا للبلاغة في تطبيقاتها العمليّة وهذا ما يشهد به وفرة الشّواهد من القرآن ومن غيره.

والكتاب في عشرة أبواب، كلّ باب احتوى على عدد من الفصول. وجاء ذكر الإيجاز والإطناب في الباب الخامس وقد استقلّ كلّ منهما بفصل.

خصيصتان من البلاغة تقفان على طرفيْ نقيض ويقوم بين أنصارهما جدل قويّ… وكلتاهما رافد من روافد القول الفصيح النّاجع في الشّعر وفي النّثر، في المنطوق وفي المكتوب. ورغم أنّ أبا هلال العسكري لم يقدّمهما متجاورتين بل أفرد لكلّ منهما فصلا في كتابه فإنّ الحجاج قائم بين المذهبين يخطّل كلّ منهما الآخر ويسعى في دحض حجته ضمن منطق حجاجيّ متأصّل يستعمل ترسانة من الوسائل الاستدلالية. والقضية: أيّ الطّريقتين أهدى سبيلا لإنجاز القول البليغ وهل أنّ إحداهما تنفي الأخرى أم أنّ للإيجاز مجالا وللإطناب مجالا غيره؟

ونشير بداية إلى أنّنا لا نجد في هذا المؤلف على أهمّيته تنميطات Typologies  مصنِّفة للأشكال فاصلة بينها مجلية خصائصها، وما سوف نجده منها في هذا المقال إنّما هو صنيعتنا ونتيجة قراءتنا.

في المفهوم والنمذجة

ينطلق العسكري في تعريف الإيجاز والإطناب من أقوال أهل الصّناعة فهو يعرّفه في مرحلة الإنتاج، وسوف تليها مرحلة أخرى هي كيفية التقبل للظاهرتين.

ويمكن للقارئ من خلال المصادرات المعرّفة للإيجاز أن يجد في الأقوال التي أوردها المؤلف ضربين من الإيجاز يبدو أنّه واضح الوعي بالاختلاف بينهما. الصّنف الأوّل هو الذي يكتفي فيه القائل بالتكافؤ بين الملفوظ والحقيقة في شكل معادلة (عدد الألفاظ = عدد المعاني) فيقول: “الإيجاز قصور البلاغة على الحقيقة ” (والبلاغة هنا المقصود منها الخطاب المبلّغ المؤدّي) وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: الإيجاز، قيل: وما الإيجاز؟ فقال: حذف الفضول. وهذه الخصيصة لا تتمّ إلا بنوعيّة من الألفاظ وحيدة الدّلالات Monosémiques بحيث لا مجال لتأويلها بعيدا عن هذه الدّلالة المباشرة. ويسمّي أبو هلال العسكري هذا الصّنف بالمساواة ويجعل هذه الكلمة “مصطلحا” عن صنف مخصوص لأنّه ينبري بعد ذلك في تفسيره فيقول “هو أن تكون المعاني بقدر الألفاظ والألفاظ بقدر المعاني لا يزيد بعضها على بعض” (انتهى النّقل عن العسكري)

ثم يضرب لذلك مثلا: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. فمن منظور علم التّواصل الحديث تكون الرّسالة في هذا النّمط من الإيجاز مكافئة لمحمولها من الدّلالات في نسق تواصلي منسجم بين عملتيْ التّشفير والتّفكيك.

والصّنف الثّاني من الإيجاز لم يَفْصله المؤلف عن الأوّل رغم اختلافه البيّن عنه ووضوح وعيه بهذا الاختلاف وهو قلة اللفظ  مقارنة بما يؤدّي من المعنى وذلك في شكل مراجحة (عدد الفاظ <  عدد المعاني) فيقول في هذا الصّدد: “ومن ألفاظ هذه الفصول ما كانت معانيه أكثر من ألفاظه” والقلة هذه راجعة إلى تعدّد المعاني للفظ الواحد  Polysémique

وأورد في ذلك قولا لجعفر بن يحيى البرمكي لموظفي ديوانه: “إن قدرتم أن تجعلوا كُتبكم توقيعات فافعلوا” وأوضح منه قولٌ رواه عن علي بن أبي طالب: ما رأيت بليغا قطّ إلا وله في القول إيجاز وفي المعاني إطالة. ومن جهة التواصل فإن ّ هذا الضّرب من الإيجاز يتطلّب خبرات تواصليّة أعلى إذ أنّ جهاز التّقبّل مطالب بتصحيح الأخطاء (والإيجاز خطأ تواصليّ متمثلّ في أنّ عدد عناصر الملفوظ غير مُكافئ للمعنى المحمول) (سيأتي بيانه في الفصل اللاحق من هذا المقال) فيضطرّ جهاز التقبّل إلى التّصحيح الآليّ وإلى إتمام النّقص قبل عملية التّفكيك. أمّا من جهة البلاغة فهو في درجة أعلى من الصّنف الأوّل لأنّه كلّما قلّ اللّفظ تحرّرت عملية التّأويل وتفاقمت المعاني، وعَبَرَ القولُ من حيّز الدّلالة  significationإلى حيّز التّدلال signifiance ، وهذا تفسير قول علي بن أبي طالب.

  • الإيجاز من المفهوم إلى الإجراء

لم يكتف أبو هلال العسكري بالمنجز النّظريّ في خصوص هذه الظاهرة البلاغيّة ولكنّه تجاوزها إلى ما يصنع المتكلّم بالملفوظ من تعديل وتشذيب بغاية اختزال الكلام دون الإخلال بالمعنى منطلقا من مصادرة مبيّنة للحدّ وهي: “الإيجاز هو القصر والحذف” فحدّد لذلك إجراءين يجريهما المتكلّم ليكون كلامه وجيزا. ويعرّف القصر على أنّه تقليل الألفاظ وتكثير المعاني وهو الصّنف الثّاني الذي بيّنّاه. فالإيجاز عموما يقوم على مخالفة القواعد النّحويّة Agrammaticalité  في مستوى شديد التّجريد هو مستوى المحلاّت الإعرابيّة وكذلك في مستويات أقلّ تجريدا كالمتمّمات من المفاعيل والحروف المحدّدة للأسلوب كحروف النّفي وما شابهها… وفي ذات الوقت فإنّ الكلام يجد من المخارج من هذه المخالفة ما يرضي المتلقّي ذا الميزان النّحويّ الصّارم وذلك بالنّفاذ به إلى البنية العميقة للغة وإلى جهد هذا المتلقّي نفسه في إتمام المحذوف وإنجاز التّفكيك بحيث يكون له دور مهمّ في بناء الخطاب وتحقيق التّواصل وإقامة التأويل.

  • وإجراء القصر على ثلاثة أضرُبٍ:
  • لغويّ: وهو اختزال الملفوظ والملاءمة بين الأصوات بحيث لا يكون تنافرٌ في مكوّنات السّلسلة التّلفّظيّة، وقد عبّر عنه في مقارنة بين قول العرب: “القتل أنفَى للقتل” ب “ولكم في القصاص حياة”(البقرة 179) فقال: “هذا أقلّ حروفا من ذاك “. وفي قوله أيضا في التّعليق على القول القرآنيّ: “شدّة التّلاؤم المدرَك بالحسّ (أيْ بالسمع) لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل (أيْ أنسب ) من الخروج من اللام إلى الهمزة.(انتهى قوله) وهكذا فإنّ الظواهر التّعامليّة (الفونولوجيا) كانت عملا جراحيّا أجراه المؤلف على الخطاب في أدقّ مكوّناته.
  • أسلوبيّ: وهو اجتناب العيوب الأسلوبيّة كالكُلفة والتّكرار، فقد وجد في قولهم “القتل أنفى للقتل” كلفة بتكرير لفظ، هذا فضلا عن التّنافر الصّوتيّ الذي بيّنّاه إضافة إلى الإخلال بشرط الاختصار.
  • معجميّ: وهو وجوب الأخذ بجوامع الكلم، فعلى المتكلّم الذي يروم الإيجاز البليغ أن يتخيّر من المعجم الكلمات الجامعة Mots génériques التي وصفها بأنّها قادرة على استيعاب جميع الأشياء واستقصاء المعاني الكثيرة البعيدة وتوليدها.  وبلغة حديثة، على المتكلّم أن يتخيّر لخطابه الوجيز الكلماتِ ذات الحوافّ المنتشرة على حقول دلاليّة متعدّدة. ويضرب المؤلف لذلك أمثلة من القرآن منها: “أولئك لهمُ الأمن”(الأنعام82) فقال في توضيح الاستقصاء الدّلاليّ للعبارة:” دخل تحت الأمن جميعُ المحبوبات لأنّه نفى به أن يخافوا شيئا أصلا من الفقر والموت وزوال النّعمة والجَوْر وغير ذلك من أصناف المكاره”.
  • إجراء الحذف Ellipse

 وهو على أشكال عديدة أوردها المؤلف متناثرة متداخلة ولم يقم لها تنميطا فصنّفناها أربعة وهي:

  • حذف بعض الوظائف من الجملة بما في ذلك الوظائف القائم عليها الإسناد وسمّاه المؤلف “إيقاع الفعل على شيئين” وهو يقصد على مفعولين… فيُحدِث ذلك اختلالا في التّركيب (وهو أمر محال نظرا للطبيعة الإعرابيّة للغة العربيّة وانحرافٌ في نظر المتلقي المنتبه ولدى الدّارس اللغويّ) فينبغي تلافي ذلك بتوسيع العمل الإعرابيّ لفعل الجملة الأصليّة ليطال العنصرَ المضافَ عن طريق الزّرع Greffe حتّى وإن لم تكن بينه وبين العنصر المزروع Greffon اتّساق دلاليّ وذلك لغاية القيام بالوظيفة النّحويّة واستقامة الكلام تركيبيّا، فيُرضِخُ الاستعمالُ اللفظَ المزروع  للوضع الجديد وينحرف به عن معانيه الوضعيّة، أمّا العنصر المحذوف فإنّ معناه يُحصّل عن طريق استقراء ما زُرع من الجملة المحذوفة. وتفصيل ذلك هذا المثل الذي اختاره المؤلف من الشّعر في بيت غير منسوب:
إذا ما الغانيات بَرَزْنَ يوما***وزجّجن الحواجبَ والعيونا

فالعنصر المزروع هو “العيونا” وهو في باطن الكلام مفعول لفعل محذوف “كحّلن” لكنّه في ظاهره مفعول لفعل “زجّجن “. والفعل المحذوف حصّلناه عن طريق استقراء المفعول المزروع كما ذكرنا. فقال المؤلف: “لأنّ العيون لا تزجّج” (انتهى قوله).

ومن الوظائف التي يمكن أن تحذف الفاعلُ ذاته وهو جزء أساسيّ من النّواة الإسناديّة دون الفعل ويُطلب كذلك إمّا باستقراء ما أثبت من الجملة وإمّا باستقراء السّياق، وأمثلة ذلك في القرآن كثير، منها:

“حتى توارت بالحجاب” (الشمس) (ص 32) ومنها: “كلّ من عليها فان” (الأرض) (الرّحمن 26)  كلّ هذا يدفعنا إلى التّفكير في ظاهرة الحذف (في المجال البلاغي) وفي ظاهرة الإضمار (في المجال النحويّ) شّديدة الحضور في مؤلفات اللغوين العرب وكذلك وفي ظاهرة عملِ الأسماء عملَ الأفعال  (في المجال التركيبيّ) وذلك في إطار المركّبات شبه الإسنادية حيث يكون الاسم في الظّاهر ذا وظيفة وفي الباطن ذا وظيفة أخرى لعمل الاسم فيه كقولك “إنّا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين”(القصص7)…  فكان المضاف إليه في الظاهر مفعولا لاسم الفاعل في الباطن… ومنه صنف آخر يُحذف فيه الفعل وفاعله أو نائب الفاعل ولا يُترك إلا المفعول وباستقرائه يتمّم المتلقي ما نقص من التركيب: ” فأمّا الذين اسودّت وجوههم أكفرتم” (آل عمران 106) وتأويله : “فيقال لهم”… كلّ هذا يسوّغ لنا الافتراض أنّ اللغوين العرب كان ينتابهم شعور قويّ بوجود ببُنيتين للغة ظاهرة وباطنة وبأنّ فاعلية الكلام التّواصليّة والتّأثيريّة منوطة بإدراك هذه البنى العميقة.

  • حذف الجواب من التّراكيب التّلازميّة

التّراكيب التّلازمية بُنية شديدة التّماسك نواتها حرف أو اسم يُحدث حوله حقلا قويّا من الجاذبيّة، يَجري حوله في مداريْن عنصران متلازمان: فعلُ الشّرط أو فعل الظّرف وجوابُهما. وإتمام المعنى وتحقيق غاية الخطاب من التّواصل رهينُ هذا التّلازم بينهما. لكنّ المتكلّم – في إطار بلاغة الإيجاز – قد يعمد إلى نسف هذه البُنية معوّلا على خبرة المتلقّي ومشاركته في تداول الخطاب في إتمام النّقص وإقامة المعنى. يقول المؤلّف في إشارة إلى هذه الخبرة: “لعلم المخاطَب به”. والحقيقة أنّ المخاطب ليس عليما بما يمكن أن يلفظ المتلفّظ ولكنّه قادر في إطار تفكيك الخطاب على استقراء الملفوظ ليستنبط منه المحذوف ممّا يلائم المعنى العامّ، واضعا في اعتباره العناصر الموضوعية للخطاب من زمان ومكان وقائل ومقام القول. ويستشهد المؤلف بأمثلة من القرآن ومن الشّعر منها الآية: “ولولا فضل الله عليكم ورحمتُه وأنّ الله رؤوف رحيم”(النور 20) فمقام الوعيد يقتضي أن يكون الجواب “لعذّبكم” يُستخلص من عناصر الملفوظ مثل: فضل ورحمة ورؤوف ورحيم. فتكون معاني هذه العناصر مانعة لفعل التّعذيب ومعلقة لجواب الشّرط المحذوف ودالّة عليه في آن بواسطة الحقل المعجميّ المناقض لها.

  • حذف الازدواج من التّراكيب الثّنائيّة كالتّراكيب الإضافيّة حيث يحذف المضاف فيقوم المضاف إليه مقامه. وهو حين ننظر إليه من جهة البلاغة مجاز مرسل، أمّا من جهة التّركيب Syntaxe فعميق، إذ يتحوّل عنصر من الجملة من محلّ الإضافة إلى محلّ المفعولية. وضرب المؤلف لذلك أمثلة مثل ” واسأل القرية” أي أهل القرية أو “وأشرِبوا في قلوبهم العجل” أي حبّ العجل، ومن الشّعر قول المتنخّل الهذلي “يمشي بيننا حانوت خمر” يقصد صاحب الحانوت. ولم يورد المؤلف أمثلة أخرى من هذا الصّنف من الحذف في غير التّركيب الإضافيّ.
  • حذف التّوازي من التّراكيب ذات البُنية التّناظريّة وهو لا يقلّ أهميّة في نسف البنى الثّنائيّة عن الحذف من التّراكيب التّلازمية أو التّراكيب الإسناديّة… فقد توجد في العربيّة أدوات مثل “أمّا ” و “ما إن” … وأساليب مثل القسَم والاستفهام تقضي هذه البنية التّناظريّة فيأتي المتكلم -في إطار بلاغة الإيجاز- فيُسقط الجزءَ المناظر الثاني ويُبقي على الأوّل. ويضرب المؤلف لهذا الإجراء أمثلة من القرآن منها: “ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم…(ق 1-2) ثم قال: “معناه …والله أعلم لتبعثنّ “(انتهى قوله) استقرأه من سياق الآية حيث يأتي بعدها: “أإذا متنا وكنّا ترابا…” ومن هذا الصّنف أيضا أن تأتي بما يدلّ على تفصيل المتعدّد ثم لا تُفَصِّلُ بل تكتفي بالواحد، وأمثلته كثيرة  من الشّعر ومن القرآن كما في هذه الآية: “ليسوا سواءً من أهل الكتاب أمة قائمة” (آل عمران 113) قال المؤلف “ولم يذكر سواه” (انتهى النقل عنه) .
  • إجراء الإطناب

يمكننا أن نستخلص من حديث أبي هلال العسكري عن الإطناب أربعة أنماط من التّكرار تتحدّد جميعها بالمقام الذي يقع فيه التلفظ:

  • التّكرار الحرْفيّ في مقام الحجاج: قال: “…حتى استعملوا التّكرار ليتوكّد القولُ للسّامع، وجاء في القرآن وفصيح الشّعر منه كثير” (انتهى قوله) واستشهد بالآية: “كلاّ سوف تعلمون ثم كلاّ سوف تعلمون”(التكاثر 3/4)
  • تكرار العبارة حرفيا redondance  في مقام التّفجّع  ونجده خاصة في الخُطب والمراثي وفي كلام النّائحات والنّدبة، فذكر المؤلف مِصْراعا للمهلهل:

” على أن ليس عدلا من كليب”

“كرّرها في أكثر من عشرين بيتا”( هكذا قال المؤلف، والحقيقة أنّ التّكرار لم يزد عن عشر مرات). وللمهلهل تكرار آخر” أجبني يا كليب خلاك ذمّ”. و “أتغدو يا كليب معي إذا ما” لكّل منهما مرتين في قصيد آخر.

  • يكون التّكرار في مقام عاديّ أو غير محدّد لمفردة مع تغيير صوتم من صواتمهاonomatopée   وذلك اتقاءَ شعور المتلقّي بالنّفور من التّكرار بإحداث بنية إيقاعية، فيكون التّغيير محدودا بواسطة التّنويع الصّوتي دون المساس بالمحمول الدّلالي… ويضرب لذلك مثلا: “عطشان نطشان” و”شيطان ليطان” ويستدعي الأمر من المتلقي مشاركة ذهنيّة أثناء عمليّة التّفكيك متمثلة في الاحتفاظ بالصّورة الصّوتيّة متغيّرة في علاقتها بالدلالة الحاصلة من اللفظة الأولى كأن لم يحدث تغييرٌ قَطّ.
  • في مقام التّرسّل هناك نمط سمّاه المؤلف “المزاوجة بين فصلين” يقول: “وذلك مثل أنْ يكتب: عظمتْ نعمُنا عليه وتظاهر إحسانُنا لديه، فيكون الفصل الأخير داخلا معناه في الفصل الأول” (انتهى قوله) ولا يعدو الأمر أن يكون قولَ المعنى الواحد بطريقتين فيتصرّف المتلفظ بمهارة في الجدول الاستبداليّ للمفردة الأولى فتأتيه الاختيارات المعجميّة طواعية فيكون التّنميق والتّطريز في اللفظ باستعراض ما يملك الكاتب في رصيده من مفردات المعجم.

تقبّل الإيجاز والإطناب

ذكرنا في بداية المقال أنّ أبا هلال العسكري بحث ظاهرتي الإيجاز والإطناب في مستوى الإنتاج وسوف يبحثهما لاحقا في مستوى التقبّل فيلاحق الظاهرتين وقد وقعتا لدى السّامع المتلقّي فيستعرض آراء مختلفة تثبت المسار الحقيقيّ للأدب في أداء الإبلاغ وفي التّأثير أي أنّه يموقع القول البليغ سواء أكان وجيزا أم مطنبا في علاقاته التّواصليّة التي لا يتمّ إلا بها. ففي خصوص الإيجاز يبرّر من أورد أقوالهم من المتلقّين بأسباب أربعة تدعم الإيجاز، ويمكن استقراؤها من هذه الشّواهد وهي:

  • الإدهاش: وهو التّأثير الفوريّ والاستجابات الشّعوريّة النّفسيّة الجماليّة التي يثيرها القول الوجيز فينتج ردّة فعل تثبت المشاركة التّواصليّة، من ذلك ما أورده من قول الرّسول حين سمع قولا من هذا القبيل ” هذه البلاغة”.
  • السّيرورة: والقصد هو الانتشار بين المتلقين وسهولة تداولهم إياه. ويورد المؤلف أمثلة من هذا قول الفرزدق وقد سئل عن تحوّله من المطوّلات إلى المقصّرات فقال: “لأنّي رأيتها في الصّدور أوقع وفي المحافل أجول” فأشار بهذا القول إلى السّبب التّأثيريّ الذي ذكرنا ثم إلى سهولة التّداول.
  • الدّيمومة: يذهب القول مثلا فيدوم ويُتداول بالإيجاز، وما من مثل استطال وتعدّدت كلماته. وهذا تأويل قول الحُطيئة الذي ذكره المؤلف وقد سألته ابنتُه: “ما بال قصارك أكثر من طوالك؟: هن في الآذان أولجُ وبالأفواه أعلقُ” ثم أورد في هذا الصّدد رأيين لاثنين من أئمة اللغة: قال الخليل: “يُختصَر الكتاب ليُحفظ…” وقال أبو عمرو بن العلاء حين سئل عن العرب أكانت تطيل فقال: “كانت تطيل ليُسمع منها وتوجز ليُحفظ عنها”(انتهى قوله) فالحفظ والدّيمومة رهينان بالإيجاز.
  • الإفهام: يرتبط الإفهام في نظر أبي هلال بالإيجاز. وفي مرحلة التّلقّي يكون من لدن المتقبّل نشاط ذهنيّ بموجبه تتحاور البنية النّصّيّة الوجيزة مع السّياق المضمونيّ الشّاسع والقيم الجماليّة العليا، فالقول الوجيز لا يفكّك بمهارات التّلقي العادية لأنّ اللغة فيه ليست معبرا للدّلالات فحسب وإنّما صيغت لذاتها لأنّها حاملة لقيمها المخصوصة … لذلك قال المؤلف: “الإيجاز للخواصّ”.

على أنّنا نجده يتحدّث عن الإفهام حين حديثه عن الإطناب وبين الأمرين اختلاف… فالإفهام في الإطناب قرنَه بالبيان، ليس بالمعنى البلاغيّ من تشبيه ومجاز… ولكن بمعنى التّبيين والتّكشيف وطرد اللبس فقال: ” لمعنًى ما أطيلت الكُتُب السّلطانية في إفهام الرّعايا…”(ولعل هذا هو المعنى الذي أراده الجاحظ بعنوان كتابه “البيان والتّبيين”: فقصد الكلام في مرتبتيه: العليا والعادية)

أمّا في خصوص الإطناب فإنّ حِجاج أصحابه لا يقلّ في قوّة الاستدلال عن حِجاج أصحاب الإيجاز، فهم يربطون الخطاب بالغاية التي رسمها له المتكلم بحيث تكون الغائية سمته المميّزة، ولهذا فإنّ الخطاب المسهب شديد الارتباط بالمقام الذي لُفظ فيه وبالمقاصد المرصودة له. لذلك نجد في هذا الفصل تركيزا على مقامات الإطناب أكثر من الاحتفال بوسائل الإسهاب وآلياته عكس ما كان عليه الإيجاز لأنّ الإيجاز جراحة في اللغة واستئصالٌ لغاية تكثيف الدّلالة بما حُذف من عناصر الخطاب أما الإطناب فيقاس بفاعليته التّداولية.

المجالات التّداولية للإطناب

يؤكّد أبو هلال العسكري على وظيفية الإيجاز والإطناب على حدّ سواء وهذا ما يبرز الوظيفة البرغماتية للظاهرتين المدروستين وللبلاغة عموما إذا فهمناها في معناها العام على أنّها الملاءمة بين المقام والمقال. لذلك فقد حدّد مجلات الإطناب بأربعة:

  • الكتب السّلطانية إذا تعلقت بالأمور السّارّة كالفتح والنّصر على العدوّ فإنّ الإطناب هو المطلوب: يقول: “ولا شكّ في أنّ الكتب الصّادرة عن السّلاطين في الأمور الجسيمة والفتوح الجليلة…سبيلها أن تكون مشبعة…وإنّما حسُن في موضعه ومع الغرض الذي كان لكاتبه فيه…” (انتهى النقل) ويستشهد في هذا المجال بكتاب المهلب بن أبي صفرة في بعض فتوحاته إلى الحجّاج بن يوسف. وقد يُوجِز الملوك في كتبهم إذا تعلق الأمر بالعذل والتّوبيخ، ويُورد المؤلف أمثلة على ذلك منها ما كتب جعفر البرمكي إلى عامل شُكِيَ… وقال المؤلف معلقا على هذه الرّسائل الوجيزة “هذا كلام في غاية الجودة والوجازة ولكن لا يصلح من مثل صاحبه” (انتهى النقل عن المؤلف) والقصد أنّ الإطناب ( في مراسلات الملوك) مرتبط بمقام، والإيجاز مرتبط بآخر ولا يصلح أن يكون هذا مكان ذاك.
  • الوفود: خُطَبُ الوفود نمط من النّثر القديم قائم على الحجاج والمفاخرة ومقامات أخرى… ويقتضي الحجاج مقدّمات وبسطا للقضايا ثم جدالا فيها بالاستدلال وتنويع الحجج بما يقتضي الإطالة بالتّكرار وتنويع الأمثلة والأقوال البليغة بغاية الإقناع ودحض  حجج الخصم. فقال المؤلف: “وجدنا النّاس إذا خطبوا في الصّلح بين العشائر أطالوا”(انتهى قوله) ولم تكن خطب الوفود في الصّلح فحسبُ بل كانت في الوصايا وفي  التّحريض على القتال وفي تحمّل الدِّيات، وفي المنافرات و في الوفادة على الملوك…. وكلّ هذه المجالات “لا تعمل فيها الكناية عمل التّكشيف” (والقصد بالكناية إيجاز القول وتورية المقاصد) كما أورد المؤلف عن أبي يعقوب الحزيمي إذ سئل عن تطويل قيس ابن خارجة في تعليقه عن صنيعه في الصّلح في حرب داحس والغبراء.
  • مديح الملوك: قال المؤلف ” إذا أنشدوا الشّعر بين السّماطين في مديح الملوك أطنبوا” (انتهى النقل عنه) بيد أنّ الإنشاد المطوّل بين أيدي الملوك لا يكون في المديح فحسب بل قد يكون في المنافرات أيضا ولنا المثل الأوفى في منافرة عمرو بن كلثوم للحارث بن حِلّزَة اليشكري بين يدي الملك عمرو بن هند.
  • الخطاب الوعظي: الموعظة هي أيضا مجال للإطناب وخاصة إذا صيغت في خطاب حجاج باستعمال أساليب إقناع مختلفة، منها ما هو أسلوبيّ كالاستفهام والتّكرار ومنها ما هو معنويّ كالوعيد. وقد أورد المؤلف من ذلك مثلا من القرآن : “أفأمن أهل القرى أن يأتيَهم بأسُنا بياتا وهم نائمون. أوَأمن أهل القرى أن يأتيَهم بأسُنا ضحى وهم يلعبون” (الأعراف 97/98)

الخاتمة

منتهى الحجاج بين أصحاب الإيجاز وأصحاب الإطناب

بما أن المسألتين، قد قامت بينهما المناظرة في مقام حجاجيّ فقد أدرج المؤلف في بداية الفصل المتعلق بالإطناب موقفه من المسألة بشكل يبدو نازعا إلى التّوسط والاعتدال فقـال: ” والقول القصد أنّ الإيجاز والإطناب يُحتاج إليهما في جميع الكلام… ولكل ّواحد منهما موضع، فالحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه” (انتهى النقل عنه).

والواضح من هذا أنّه لا يغلّب نمطا على نمط ولا ينحاز إلى هذا دون ذاك من جهة البلاغة ولكنّه يولي المقام المكانة الفيصل تبعا لبراغمتية صارمة، ممّا يبوّئ المتلقّي دورا مركزيّا في اختيار المتكلّم من النّمطين ما يلائم مقام التّلفّظ. ولفظ “المقام” لم يكن قطّ غائبا عن تنظيرات النّقاد  والبلاغيّين العرب فقد تحدّثوا عن ملائمة المَقول للمقام في القولة المشهورة “لكلّ مقام مقال” ويدخل في كلّ هذا الأطرُ الموضوعيّة للتّلفّظ من زمان ومكان ومنزلة المتكلّم مقارنة بمنزلة المتلقّي ومناسبة القول ومقصد الخطاب… وكلّ هذا في علاقة بالمرجعيات الثّقافية السّائدة.

وينبغي أن نوضّح أمرا في تحليل أبي هلال العسكري متعلقا بمصطلح “البيان” في مبحث الإطناب فالقصد منه الإبانة عن القصد دون تعتيم فهو عكس التشفير والإلماع والإشارة والتضمين وغايته تواصلية بالأساس وليست تأثيرية .

عبد المجيد يوسف  

 

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: