الإعلام و المرأة في فقه الأولويّات

img

 الإعلام و المرأة في فقه الأولويّات

بقلم :جمال قصودة

 

 

 

مدخل:

إنّ مقالنا السابق الموسوم بعنوان الاحتفاظ والتجاوز” في الإعلام النهضاوي: مجلة ميم نموذجاإنما هو رصد وتنزيل: رصد للأداء والممارسة استنادا إلى الملاحظة أداةَ بحث ،وتنزيل للمقولات والأفكار الواردة بمراجع معلومة أوردناها في الهوامش وحاولنا من خلالها -عمليّة  تنزيل تلك الأفكار على واقع الأداء والممارسة في مؤسسة إعلامية بعنيها- فكّ شفرة الأداء الإعلامي الموجه إلى المرأة في علاقة بحركة النهضة ومن قبلها حركة الاتجاه الإسلامي بتونس في سعي جاد لتفكيك البنى السببيّة وبهدف سبر أغوار ذاك الأداء الذي يتداخل فيه الإعلامي والنسوي بالسّياسي، في هذا المقال الجديد نذهب أبعد من ذلك في البحث والتقصّي فنولّي وجوهنا شطر الفكرة وحدها من خلال ما تواتر من تصريحات هنا وهناك لمؤسس الاتجاه الإسلامي بالأمس وشيخ حزب حركة النهضة اليوم راشد الغنوشي، ولكن قبل طرح الإشكالية أو موضوع المقال توجّب أن نورد ملاحظة مهمّة جدا بكون تصريحات الشيخ وقيادات الاتجاه والحزب الواردة في المجلّات التونسية (مجلة المعرفة، المغرب العربي) هي تصريحات فيها الكثير من الالتباس إذا ما قارنّاها بما ورد من تصريحات أخرى في مجلات عربيةّ كانوا فيها أكثر وضوحا، وقد يعود ذاك الأمر لكون القيادات في بداية  حكم بن علي رغم مساندتهم للتغيير الحاصل عاشوا على وقع توجّس وخيفة من قادم الأيام لهذا كان الخطاب مزدوجا ومخاتلا، إذ أكدوا في الإعلام الوطني حينها عن مدنيّة الحزب ودفعوا تهمة الارتباط بإيران أو الإخوان، وأسقطوا عنهم جميع التهم المتعلقة بمحاولة الانقلاب أو إسقاط نظام بورقيبة والأهم من ذلك دفع تهمة تبنّيهم للعنف، وفي مقابل ذلك كلّه وردت تصريحات أخرى في مجلات عربيّة أكثر وضوحا وأقل مخاتلة خاصة في “أوراق الشيخ راشد الغنوشي” الصادرة بمجلة المجلة اللندنية سنة 1988(تلك الورقات حصلت فيها بعض الارتباكات التي توجّبت التصحيح وقد صحّحها راشد الغنوشي في رسالة مرسلة إلى نفس المجلة وهي بين أيدينا) وسنخصّص لها لاحقا مقالات خاصة.

يقول راشد الغنوشي “هناك عجز في المعرفة بالحاضر المعيش وجهل بالآخرين مع أن الآخرين يعرفون عنا كل شيء وقد كشفونا حتى النخاع(!).“([1]) إن الحديث عن كون الآخرين قد كشفوهم حدّ النخاع أنما يفترض أن صاحب القول يعتمد التورية ويخفي ما لا يروم كشفه وهذا لعمري من موجبات البحث والتقصّي ومن دوافع كتابة هذا المقال الذي يبحث في فقه الأولويات وعن حضور الإعلام والمرأة فيه، فما هو فقه الأولويّات، وكيف يحضر الإعلام والمرأة فيه؟

1-في تعريف فقه الأولويات والسياق التاريخي لتبنّيه من قِبَلِ الاتجاه الإسلامي بتونس:

“فقه الأولويات أو فقه الموازنات هو مصطلح إسلامي حديث، يُعرَف بفقه مراتب الأعمال، حيث يفاضل بين الأعمال من حيث أيها أولى بالتقديم على غيرها.”([2]) ويطلق عليه يوسف القرضاوي تسمية “فقه مراتب الأعمال” ويعرّفه في كتابه” في فقه الأولويات” بكونه “تقدير الأمور والأفكار والأعمال، وتقديم بعضها على بعض، وأيّها يجب أن يقدّم، وأيّها يجب أن يؤخّر، وأيها ترتيبها الأوّل، وأيها ترتيبها السبعين.”([3])

إن تبنيّ الاتجاه الإسلامي لهذا الفقه جاء بعد تجربة الصدام الأولى العلنية مع النظام في تونس إثر المؤتمر الصحافي الذي عقده الغنوشي وعبد الفتاح مورو وزاهر المحجوب وبن عيسى الدمني والحبيب المكني في 6 جوان -يونيو 1981 والذي أدى إلى سجن أغلب القيادات بإحكام وصلت إلى عشر سنوات سجنًا وكي نكون دقيقين أكثر، هذا الفقه تمّ اتخاذ قرار تبنيه بداخل السجن حسب تصريحات راشد الغنوشي الذي يقول “هذا وخلال فترة السجن هذه لجأت الحركة إلى مراجعة مسيرتها، وتقويم منطلقاتها وتحالفاتها وأساليب العمل التي اتّبعتها في السابق، وتولّدت من خلال النقاشات التي دارت داخل السجن وخارجه قناعات وتصوّرات جديدة جرت صياغتها في وثيقة تعتبر من أهمّ وثائق حركتنا على الإطلاق، أسميناها “برنامج التقويم” ولقد جاء هذا البرنامج في إطار مشروع الأولوياّت، وهو أهمّ مشروع أنجزناه ويتمثّل في عدّة أبواب ينصب أحدها على إعادة النظر بجميع التجارب الماضية سياسيا وفكريّا وتنظيميا، بهدف إرساء أساس فكريّ لهذه الحركة خصوصا في مجال رؤيتها للإسلام”.([4])

ولكننا لا نستطيع أن نجزم بشكل قطعيّ هنا، هل كانت عملية تبنّي هذا الفقه سابقة لكتب يوسف القرضاوي (“في فقه الأولويات” ومن بعده كتاب “أولويات الحركات الإسلامية”) باعتبار أن الحوار الذي استقينا الحديث منه قد صدر سنة 1988 والكتب أيضا صدرت بنفس الفترة تقريبا ولكن الحديث يؤكد أن المراجعات قد حصلت في السجن وخارجه مما يرجّح إمكانية التأثر بكتب القرضاوي.

2-الإعلام والمرأة في فقه الأولويات الذي تتبناه حركة النهضة:

إن جملة ما سيرد في هذا القسم الجوهري من المقال كان استنادا إلى مداخلة قدّمها راشد الغنوشي في الدوحة بتاريخ 17صفر1431 الموافق لغرّة فيفري-فبراير 2010 حملت عنوان “أولويات الحركة الإسلامية في ضوء فقه الأولويات للشيخ القرضاوي”.

  • الإعلام:

كنّا قد تحدّثنا في مقالنا السابق([5]) عن أهميّة وسيلة “تنشيط الحركة الفكرية والثقافية” الواردة ببيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي بتونس تلك الأهمية التي بوّأتها المرتبة الثانية في سلّم الوسائل المعتمدة لتحقيق أهداف الحزب، بنفس هذه الوسيلة يتنزّل الاهتمام بالإعلام باعتباره سبيل الانتشار فكرةً وثقافة وحزبًا، أمّا في سلّم الأولويات واستنادا إلى تقديم راشد الغنوشي لكتاب يوسف القرضاوي “أولويات الحركات الإسلامية” فإن الإعلام يحافظ على مرتبته الثانية باعتباره مهمّةً مطروحة على الحركات الإسلامية فأولى المهام هي تكوين طليعة إسلامية وثاني المهام هي رأي عام إسلامي مسند وذاك لا يتحقّق بغير الإعلام إذ يقول راشد الغنوشي في الحديث عن مكامن التجديد في كتاب القرضاوي “يتجسد هذا التجديد في ثلاثة أمور: الأول تكوين طليعة إسلامية قادرة على قيادة المجتمع تجمع بين الإيمان العميق والفقه الدقيق والترابط الوثيق. والثاني تكوين رأي عام إسلامي يشد أزرها. والثالث تهيئة مناخ عالمي يتقبل وجود الأمة الإسلامية حين يتفهّم حقيقة الرّسالة الإسلامية ويتحرر من العقد الخبيثة، رأي عام يفسح صدره لظهور القوة الإسلامية بجوار القوى العالمية الأخرى.([6])

وفي الحديث أيضا عن المجالات المطروح على الحركات الإسلامية التدخّل فيها  يكون الفكر أوّل المجالات وثانيها هو الدعوة والتثقيف عبر الإعلام إذ يقول الغنوشي “المجال الثاني: الدّعوة والتّثقيف العام من أجل الامتداد بأشعة الدّعوة إلى كل شرائح المجتمع بعمل دعوي وإعلامي مخطط يقوم عليه متخصصون”(.)[7]

خلاصة القول إن الإعلام باعتباره وسيلة هو في المرتبة الثانية على جميع المستويات ولقد أكد ذلك البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي وثبّتها راشد الغنوشي في تناوله لفقه الأولويات.

  • المرأة:

في نفس المجال الثاني المتعلق بالتثقيف والدعوة يبرز التركيز على شرائح اجتماعية معينة يدعو راشد الغنوشي الحركات الإسلامية إلى “التغلغل” فيها  وفعل التغلغل هذا فعل لا براءة فيه ولكنه تكرّر أكثر من مرّة في معرض الحديث عن الفئات المستهدفة وهي التالية:

– شريحة المثقفين

– الطبقات العاملة 

– التجار ورجال المال والأعمال

– المجال النسائي

ولئن بررّ راشد الغنوشي توجهه نحو التغلغل في شريحة المثقفين والطبقات العاملة بكون الحركات الإسلامية هي حركات شعبيّة توجب أن  تزاحم اليساريين شعبيا وعمّاليا لوجود تقصير في تبني مطالب العمّال وهذا ما يفسّر ربما إصرار حركة النهضة اليوم على وزارة التشغيل بوابةً لهؤلاء (المعطلون الذين سيصيرون عمّالا وموظّفين)، فإن شريحة التجار ورجال المال والأعمال قد أعاد ضرورة التغلغل فيهم لأن “في أيديهم قسم كبير من ثروة الأمة والتحكم في حاجات النّاس”([8])

ولكنّ الأهم من هذا وذاك هو ما تعلّق بالمرأة التي أعدنا في مقالنا السابق سبب الاهتمام بها إلى الهزيمة التي تكبّدها حزب حركة النهضة في الانتخابات الأخيرة 2014 على مستوى الأصوات النسائية في مقابل الاكتساح الذي حققه الباجي قايد السبسي، ما ذهبنا إليه يؤكده قبليّا -في 2010- راشد الغنوشي صاحب الوعي بالقصور الكبير الذي  تعيش على وقعه الحركات الإسلامية فيما يتعلّق بالمرأة لهذا يقول: ومن المجالات التي لا يزال أثر الحركة الإسلامية فيها محدودا المجال النّسائي فرغم مرور ستّين سنة على الحركة الإسلامية فلم تظهر قيادات إسلامية نسائية قادرة على مواجهة التيارات العلمانية الماركسية بكفاية وذلك لأن الرجال يحاولون دائما أن يسيطروا على توجيه النساء ولا يدعون لهن الفرصة الكافية.([9])

 الخاتمة:

نستخلص أن محدودية الفعل الإسلامي في المجال النسائي تاريخيّا هو الذي برّر الاهتمام الكبير بالمرأة وبالإعلام النسويّ وشرّع لافتتاح مواقع إعلامية مختصة في ذات الشأن ونحن إذ نؤكد على هذه الفئة بالتحديد -في مقالنا الأول والثاني- فلأننا نروم أن نقول: إن القُصور مازال موجودا وسيتواصل لو وعت بنات عليسة والكاهنة والسيدة المنوبيّة وعزيزة عثمانة وأخريات بكونهنّ بنات الحداثة التي لا تموت.


الهوامش :

[1] أولويات الحركة الإسلامية في ضوء فقه الأولويات للشيخ القرضاوي، مداخلة راشد الغنوشي في ندوة أصول القرضاوي. الدوحة 17صفر1431، نشرت في السودان الإسلامي يوم 28 – 02 – 2010

[2]  فقه الأولويات، موقع الويكيبيديا، الموسوعة الحرّة

[3] يوسف القرضاوي، في فقه الأولويات، ص 2

[4] راشد الغنوشي، من أوراق الشيخ راشد الغنوشي، الحلقة الرابعة، مجلة “المجلّة” لندن،  19 أوت – أغسطس 1988ـ ص 36

 انظر مقالنا : الاحتفاظ والتجاوز في الإعلام النهضاوي: مجلّة ميم نموذجا، موقع أنتلجنسيا [5]

[6] أولويات الحركة الإسلامية في ضوء فقه الأولويات للشيخ القرضاوي، مداخلة راشد الغنوشي في ندوة أصول القرضاوي. الدوحة17صفر1431 ، نشرت في السودان الإسلامي يوم 28 – 02 – 2010

 

[7]  نفس المرجع.

[8] نفس المرجع

[9]  نفس المرجع

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.