الأوبئــة آلـــم الطبيعة الصامتة

img

 

          محمد عنبري

 

ربما تسير الأمور في القرن الذي نعيشه الآن أكثر تعقيدا يوما بعد يوم، بسبب قصور الإنسان وعدم قدرته على مجابهة ومواكبة التطور الحاصل في تشكل بنية الفيروسات التي تظهر بين الفينة والأخرى، ولأن عالم الأوبئة يسير أكثر سرعة وتخفيا من ذي قبل، فإن الإنسان المعاصر يستحيل أن يوقف هذا الزحف الهائل الذي يظهر كل مرة على بساط جديد، ولأن الأمراض نتيجة الأوبئة في زماننا هذا تنتشر بسرعة الضوء، فإن عدد الناس الذين يخرون صرعى يوميا في تزايد مستمر بسبب هذا النوع أو ذاك من الأمراض قد يصيبهم ويتعدى ذواتهم إلى الأخرين فينتشر إنتشارا النار في الهشيم، ومع الوقت يصعب حصر تمدده الجغرافي، ولأن الأوبئة تخضع للعولمة كما تخضع الأصناف الأخرى. ولأن لكل فعل فاعل، ولأن الإنسان عنصر فاعل في بيئته، فإن الأوبئة الأخطر فتكا تبقى من صنيعة الانسان.

لقد حجز فيروس كورونا كغيره من الأمراض مكانته العالمية والتاريخية ليُنَصِّبَ نفسه وباءا عالميا فتاكا، متخذا مكانته المرموقة في مصاف الأمراض الأخرى التي تفتك بالبشر كـ : (الطاعون والملاريا وانفلوزا الطيور والخنازير والسرطان والايدز والإيبولا…)، ومن المحتمل أن العالم سيَنْجَى ويتخلص من هذا الوباء بكثير من المشروطية والحظ، لكنها ليست النهاية لأن هناك أوبئة أخرى تنتظر دورها في الأفق، لا نعلم شكلها ولا حجمها ولا الكيفية التي بها ستنبثق إلى هذا الوجود، لكن الأكيد أنها ستخلف مآسي ستستوطن ذاكرة الناس لعقود وعقود كما فعلت سابقاتها، لا مناص أن كل ما وجد من أوبئة فتاكة والتي من المحتمل وجودها مستقبلا، عناصر تنتمي للطبيعة، وربما تلك المستقبلية تحتاج إلى فرصتها وحظها مع القليل من الحماقات الانسانية  لكي تنبثق هي الأخرى إلى هذا الوجود، هي موجودة بالفعل، لكنها في سبات وكمون عمقين، ولكن نعلم يقينا أن هناك أسباب مباشرة تعجل بظهور أصناف من الأوبئة وتلزمها الخروج بل تجبرها بالإكراه على الانبثاق، إنه الجهل والطغيان الإنساني المفرط الذي يقوم به إتجاه البيئة، إن هذا النوع من الأوبئة في انبتاقها وخروجها من الطبيعة نحو العنصر الأهم هو الإنسان، وبالتالي تصبح بعض الأمراض أكثر غرابة وغموضا مع الوقت.

من المؤكد أن للفيروسات الخطيرة درجات متفاوتة من الفتك على الضحايا، يستشعر خطورتها المصابين فقط، وعلى غرار الألم المبرح الذي يصيب الضحية وسط هول المشهد وأنينه الذي يملئ المكان، فإن هناك ألم لا نحسه ولا نستشعره نحن البشر، إنه ألم الطبيعة الصامتةـ إنه ألم لا يتم البوح به بالصوت والأنين بل بالمَشَاهد والصُور فقط ، إنه ألم بعد فقدان الأمل في علاج جرح غائر لن يتماثل للشفاء أبدا، ما دامت الخطوات الانسانية سائرة في تسارع نحو المزيد من الإضرار الغير موقوت والمحسوب العواقب والمجهول الأفق.

 

لقد بينت الحقيقة أن الفتك الذي يقوم به الإنسان إتجاه بيئته بصور ووسائل متعددة، أخطر وأصعب من التأثير الوبائي الذي يصدر عن البيئة نفسها إتجاه الإنسان، كما أن الإنسان يقوم بعملية خطيرة جدا تجانب الطبيعة نفسها وهي قدرته على محاكاة الطبيعة في أعقد الأمور وأفظعها مشاهدة، وذلك بإنتاج فيروسات صناعية وتطويرها وتهجينها والاحتفاظ بها لغايات مقصودة متخفيا بذلك وراء يافطة العلم.

من الأمور العادية جدا أن تظهر الأوبئة بحكم عجلة التاريخ ومدى تأثير الإنسان المفرط إتجاه البيئة، كما أنها تغيب بحكم عوامل مختلفة، وتظهر أمراض أخرى جديدة مشكلة بلا إنقطاع وكأنها تتقاسم الأدوار تباعا في هذا الظهور والتجلي، وما من شك أن كل تجلي من تجليات هاته الأمراض محكوم بالتغول الإنساني الهمجي والتدخل والتغيير والتعديل إتجاه عناصر البيئة، وكنتيجة لذلك سيخلف ذلك تغيرا جذريا في البيئة والإنسان على السواء. ربما في السنوات المقبلة سيصبح الأمر عاديا جدا فتبصم كل عشرية قاعدتها في الفتك بالناس كقاعدة وحصدا للمزيد من الأرواح، فيخلف بذلك وراءه مأساة  تنضاف إلى نظيراتها من المآسي الأخرى التي تسببت فيها الحماقات الانسانية عبر مر التاريخ …ولأن  الأمر جلل ولأنه يخص علاقة بين عنصرين هامين الأول هو الانسان والثاني هو الطبيعة وبحكم العلاقة بينهما يمكن أن تنشأ الكثير من الأمور الإيجابية كما يمكن أن تنشأ العديد من الأمور السلبية، ولأن الإيجابي يخلق نوع من التوازن والانسجام بين الإنسان والطبيعة الأول يرى فيها معشوقته والثانية لا تبخل عليه من عطائها، لكن هذا الوضع لا يدوم طويلا فسرعان ما يتم الاعلان عن الحرب فيحاول الإنسان  إخضاع وتهجين الطبيعة من خلال ما فيها من عناصر تشكل فضاءه الحيوي عن طريق التجارب التي لا تخضع لأي وازع أخلاقي، وبالتالي يخلق هذا الوضع سمة ألا توازن، وكنتيجة لهذا الإضرار تظهر بين الفينة والأخرى مجموعة من الأوبئة والأمراض التي تذكر الإنسان الفاعل في الطبيعة بقصوره وهمجيته وضعفه،  وتضع حدا تكبح به رعونته وتجبره و تسلطه فيحصي ضحايا وقد يستفيق ندما على ما قام به من إفراط بعد فوات الأوان، لقد حان الوقت لوقف هذا المد الذي يشكل صنيعة الإنسان ودماره، فالإنسان هو السبب في كل مايقع، مامن داء مركب هجين لن نجد متهما غير الإنسان، فالوضع الحالي في تطور ملحوظ نحو مزيد من التأزم والسقوط في الهاوية إنها النهاية الحقيقية التي تتمثل في الموت لا لسبب سوى  أن الإنسان صنع مرضا فمات به، إنها النهاية التي تعتبر نتيجة حتمية لتلك العلاقة الاخضاعية والاستنطاقية التي سلكها الإنسان إتجاه نفسه واتجاه الطبيعة بكل مكوناتها المادية والروحية، لم يحسن التعامل مع ذاته ومحيطه، ولأن الفرص قليلة فمازال بمقدور الإنسان أن يرتب حساباته نحو تعاقد جديد بينه وبين الطبيعة، فالطبيعة فكرة و الفكرة أوسع من كلماتها و دلالتها.

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: