الألوان التي لم تكتمل بعد، كوروني الأثر!

img

بهاء قمودي 

الألوان التي لم تكتمل بعد، كوروني الأثر!

حجر.. صحي.. شد دارك.. ألكول.. جفال.. صابون أخضر.. ڨداش وصلنا تو؟.. زوز موتى.. ثلاثة ؟.. نصاف.. عبد اللطيف.. سميد.. توزيع.. موتى بالشر.. فارينة.. احتكار… كورونا.. فيروس.. نوم الليل ما يعوضو شي.. حاول ارڨد يعيش ولدي.. bavette.. فما حالة جديدة.. الدولة عاجزة.. البلاد مشت زيزي.. مشت غبرة.. مشينا حنة.. مانحبش نموت.. و اللي جاي من ايطاليا مريض؟..
مرحبا، باختصار شديد.. هذا المعجم الجديد اقتحمني صدفة.. و أصبح حديثي نابعا منه..


يستفزني ما أشعر به.. الأيام التي مرت و أنا في منزل الوالدة و الوالد .. تقدر بسنوات في الحقيقة..
لا أملك هاتفا.. لأن صديقا لي هشمه بمؤخرته.. مات الهاتف.. و لم يحضر الجاني مراسم التأبين.. فعاهدت نفسي أن أخاف في المستقبل من مؤخرات أصدقائي و أن أضع كل ما يخصني بعيدا عنها..
عندما عدت إلى منزلي كنت ملزما بالحجر الصحي.. فاستعرت من أحد الأفراد الذين يتقاسمون معي السجن.. شبه هاتف يتحمل تنزيل الماسنجر، الواتساب و الانستڨرام، الفايسبوك و كتب ال pdf، اليوتيوب.. و بعض الأسرار الأخرى… بعناء شديد..
” هذاكا حد الجهيد”.. وجدت نفسي أشفق عليه.. و أعطيه بعض الراحة.. ليجدد طاقته و يتعافى من نقرات أصابعي التي لا تنتهي و المراوحة الغريبة بين مساحات التواصل الاجتماعي.. الموسيقى.. و بعض الأسرار الأخرى..

في زمن قريب.. كنت أشعر بالحسرة على المحكوم عليهم بالسجن.. و كنت أخشى القضبان التي تحد من حريتهم.. و أعيش كوابيسا بمجرد التخمين في مدى قدرتهم على الانتظار المرير..
كيف للمرء أن يتنقل في مساحة ضيقة ستة أشهر.. أو عام..؟
كان كل هذا.. يفزعني!
هاتفي أخذ بعض الراحة.. اذن أنا بلا هاتف لبعض الدقائق..
نظرت عاليا.. سقف غرفتي يزعجني، لونه أبيض.. و بياضه يذكرني ب “النهاية “..
كل النهايات في مخيلتي.. تنتهي ببياض ما..
منذ الصغر.. نلامس ألوانا كثيرة.. و نمر بجميعها.. ثم نختار لونا مميزا لنا ننهي به سلسلة فسيفسائية.. تمثلنا.. حتى يأتي اليوم الأبيض.. الذي يجمع كل الألوان بمحطاتها الجميلة و السيئة.. ثم يُرفع القلم.. و تنتهي القصة.. و إلى الموت يا قوم الله.. كفن أبيض.. ماض أبيض.. مستقبل أبيض.. بلا مخططات و لا مشاريع..
أكره البياض.. و أخاف هذا الوباء الذي يميت كل من يعترضه.. لذلك صرت سجين الحياة.. سجين معركة وجود.. سجين الخوف من الكورونا..
لست جبانا.. لكن أخاف الموت.. و لوحتي الفسيفسائية لم تكتمل بعد.. و اخشى أن أقابل الله بعمل تعيس.. غير مكتمل.. و يعاقبني عقابا شديدا..
سأكون أذكى من آدم.. و لن أترك هذا الشيطان الميكروسكوبي يستفزني.. حتى يغضب الله مني..
و ما أدراني ماذا سيكون العقاب ؟ .. على الأرجح لن أتكبد عناء النزول إلى هذا الكون و أهتم بإنجاب بشرية أخرى.. ساذجة.. مفسدة في الأرض.. تهتم بالمشاهير.. و التقاط الصور في الحمام.. و كره بعضهم البعض.. و اراقة الدماء..
العنف.. العنف.. العنف..
هل سيعاقبني الله لاني لم أكمل لوحتي.. ؟
المساجين.. يعلمون متى تنتهي “الربطية”.. انتظارهم اذن مفهوم.. و له ايقاع واضح.. يتمثل في “رشم” عدد الايام التي مرت.. كل صباح على حائط ملوث، بالأوساخ و ” بقع النفة نافذة المفعول” بعد أن عزفت لثلة من أسنان صفراء لسجين ما..
على كل حال.. الحائط له لون آخر غير الأبيض.. مكتوب عليه بالفحم ” ندحيك للي ما ينام الليل يا نبيل ولد فجرة ” ..
أما نحن.. فلا ايقاع لانتظارنا.. سوى ايقاع الهلع و الخوف من البياض.. من نهاية الألوان التي نأمل أن نبقيها.. على لوحاتنا.. و نضيف لها ألوانا أخرى من الصين.. و من ثقافة البربر.. و أهازيج الأغريق.. و لطميات الفرس… و عربدة اليونانين.. و اجرام المكسيك.. و مافيا كولومبيا.. و بطش الطغاة اينما كانوا.. و يأس الطبقات الدنيا.. و كل الألوان التي نريدها أن تُنحت في ذاكرتنا…
قبل سنوات كثيرة.. في سنة بلا حجر صحي.. ألوانها متعددة.. كنت تلميذا في المدرسة.. في القسم أدرس آخر حصة للتربية التكنولوجية.. قبل عيد الاضحى..
العيد الذي ذبحنا فيه خروفا ضخما.. بقرنيه و نحن نغني.. ” الكبش يدور.. الكبش يدور.. و ڨرونو نطّاااحة”..
قبل أن يرن الجرس.. طالبنا المعلم بمهمة منزلية ” بما أنكم ستشبعون لحما حد التخمة.. انتم مطالبون بصنع زربية ملونة و تأتون بها إلى القسم بعد العيد..”.. و توعد و هو يحرك شاربه الغليض كل من ينسى أمر المهمة..
ألوان.. زربية.. ألوان…
نسيت أمر الزربية.. و تجاهلت ألوانها.. و انغمست في أكل اللحم لمدة تجاوزت ال 62 ساعة..
“ليلة صلى الله…”
_ أمي.. عندي واجب.. لغدوة…
_ ديما تكركر.. برا اخدمو.. ثلاثة أيام و انت توكل في اللحم.. بالسيف مخك يتسد و ذاكرتك تضعف
_لا.. راهو زربية..
_ زايد.. تحمل مسؤوليتك.. و سيدك باش نڨلو حاسبني بجلدو غدوة..

بكيت كثيرا… لانني متقاعس.. كسول.. و مهمل.
ثم ذهبت إلى بيت المونة.. و اخذت “ڨرن العلوش”.. نظفته بالصابون الاخضر و الجافال و قررت أنه سيكون هو ” زربيتي”…
أغلقت باب الغرفة باحكام.. دهنت القرن باللون الأخضر.. تركته على الطاولة.. و نمت.
“يعمل ربي غدوة الصباح تو نشوف كيفاش.. مش مشكل. ”

صباحا.. وضعت القرن داخل محفظتي و ذهبت الى القسم.. الجميع أخرج ألوانه.. و أنا قررت أن أكون أخر من يعرض لوحته الفنية..
تركتها في المحفظة.. و اكتفيت بالتصفيق على زملائي الذين يطوفون حول المعلم.. ماسكين بايديهم زربياتهم..
جاء دوري.. و بكل ثقة أخرجت القرن من جعبتي.. و قدمته إلى المعلم.. ” هذي زربيتي سيدي..”
لم أفهم ما الذي حصل حينها.. الذي أذكره هو أنه لم يعاقبني..
أتمنى اذن.. أن يعاملني الله مثل معلمي..
و انما الأعمال بالنيات يا رب العباد .. هكذا تعلمنا ..
أتمنى أن يتفهم موقفي.. و يراعي سذاجتي.. و يحيي ذكائي..
اذا حصل و هُزمت من قبل الفيروس.. سأواجه الله بلوحة غير مكتملة.. و سنرى ما الذي سيحصل..!
ربما لن يُسعد بجمال اللوحة.. لكن سأحاول الارتجال.. سأتحدث عن الكتب القيمة التي قرأتها.. بدءا ب ” جيفارا الثائر، العاشق و المترد” مرورا ب ” كريستال لجيلبار نقاش” وصولا إلى رواية ” البعث” لعميد الأدب الروسي” تولستوي ” ..الذي مجد كثيرا نبيك محمد .
سأحدثه عن بشاشتي و ايثاري اللامتناهي..
و كيف قضيت آخر أيامي و انا ارقص على ايقاعات روحانية خالية من الشعوذة و الاستهلاك البوهيمي..
و ماذا لو حدثته عن محاولات الصلاة.. التي قمت بها..
و كم مرة.. تجاوزت باب المجسد..؟
و كم عدد الأشهر التي صمتهم… ؟
سأحدثه عن رغبتي في زيارة ذلك المكان المقدس.. و عن رفضي لأن أكون ساذجا يعطي ماله لشياطين البيت.. من المشايخ و أصحاب الفتاوى و الملوك.. ليبتاعوا به ذخائر و صواريخ..
هل بمالي يموت أطفال اليمن يا ربي؟..
” مناڨص منها هالحجة.. ”
لولا هذا الوباء.. لأتممت ألواني.. و طفت على منزلي.. و أكملت باقي المناسك صاعدا إلى سلسلة جبال عرباط.. لأضع كل نقودي صدقة جارية لبناء مستشفى .. ينقض من مازال حيا.. من أوبئة كثيرة..
سأروي له ولعي بالايقاع.. و خفة يدي على آلة الكاخون.. و ان رغب في تقتوقة حية.. سأختار له أغنية nacy in palestina..
عذرا.. أنا لا أملك “باتيندة” القضية.. و لا أتاجر بألم كوني.. خاصة في يوم كهذا.. حالك البياض.
“اتقي مولاك يا سي بهاء و استغفر ربي.. ”
سأروي له روايتي التي لم تكتب بعد … و بعض المقاطع من الفلكلور الذي اكتسبته من جدتي ..
“هطاية و يهطوا ..يمشو لفريقيا و يحطوا ”
سأحدثه عن قصة أغنية ” بتي سهرانة ” علها تنال اعجابه ..لأنال غفرانه ..
أخيرا ..
انتهت دقائق الراحة التي قدمتها للهاتف.. فلنعد اذن إلى الإفتراضي.. و نغادر السقف الأبيض.. القرن.. معلمي.. المساجين.. الايقاعات..
و الألوان التي لم تكتمل بعد..


في هذه الفترة بالذات .. تذكرت كثيرا رواية ” اليوم الأخير ” لميخائيل نعيمة ..
الصورة المرافقة تحتوي على أشلاء مني ..التقطها العزيز أمين قمودي .

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: