الأدوية الذاتية: العلاج بالضحك

img

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

الأدوية الذاتية.. العلاج بالضحك

 

يصرف البشر الكثير من الأموال في سعيهم للحصول على قسط من السعادة، يبحثون عنها إما عن طريق صرف الآلاف في التسوق لحيازة السلع الثمينة من سيارات وساعات وعطور وأحذية وملابس، أو عبر السفر إلى جزر متناثرة أواسط المحيطات للاستمتاع بالأجواء الساحرة، أو التنقل بين أفخم الفنادق والمطاعم والأندية والحفلات. حيث يبلغ حجم تجارة العطور حالياً لوحدها في منطقة الشرق الأوسط ما قيمته 6.2 مليار دولار سنوياً، ومن المتوقع أن يصل إلى 8.5 مليار دولار في العام 2021.

ويبلغ حجم إنفاق الشعب المصري لوحده على المخدرات لتحسين “المزاج” 140 مليار جنيه سنوياً، بحسب الدراسة التي أجراها الدكتور عادل عامر، الخبير بالمعهد العربى الأوروبى للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية في العام 2018.

لكن الإنسان يهمل الآليات والأساليب التي خلقت معه بهدف تحقيق التوازن الداخلي، وضبط الإيقاع العقلي والنفسي. إن جسم الإنسان يحتوي على ما يشبه مصنع دواء صغير، ينتج أفضل الفيتامينات والأدوية اللازمة، وفي توقيت مناسب، إذا الإنسان كان قادراً على حث وتحفيز هذه الآليات كي تقوم بدورها المكلفة به. ومن أهم هذه الوسائل والأدوية هو الضحك.

عديدة هي الدراسات التي صدرت على التوالي خلال الأعوام الماضية، التي تؤكد على أهمية الضحك في معالجة الاكتئاب وتحسين المزاج والتخفيف من الأعراض الناجمة عن المعاناة، وكذلك أثر الضحك على تعزيز الصحة العقلية والنفسية للبشر، والأهم هو قدرة الضحك على تدعيم وتقوية جهاز المناعة لدى الإنسان. وأهميته في شفاء ما قد تعجز عنه بعض الأدوية.

الضحك أيضاً هو من أهم وسائل التواصل الإنساني الاجتماعي منذ الخليقة، وهو أحد أعمق أشكال التعبير الواضح والمباشر عن مشاعر الفرح. الضحك هو أحد أهم الأسرار التي تكمن خلف سعادة البشر، ويمنحهم المقدرة على اجتياز الصعاب.

إن بضع دقائق من الضحك يومياً بصورة مستمرة تقي الإنسان من الأمراض النفسية، وتعزز بنيته الجسدية والعقلية والنفسية، وتحول بينه وبين الكثير من الضغوط والمشاق والأمراض.

الضحكة الأولى

غالباً يضحك البشر بطريقة العدوى بسبب وجود شخص يضحك، فنشاركه الضحك دون أن ندرك لماذا نضحك. ويضحك الإنسان حين يتبادل بعض العبارات مع الأخرين ويكون مبتهجاً. وقد نضحك حين نكون متوترين وفي مواقف مخجلة نضحك لكي نداري خجلنا وندافع عن عجزنا وحيرتنا.

بحسب دراسات نشرها علماء “جامعة بورتسموث” البريطانية University of Portsmouth الذين عكفوا على دراسة خصائص الضحك بين الإنسان وبقية الرئيسيات، فإن الضحكة الأولى خرجت قبل ما بين ستة وعشرة ملايين سنة، حين ضحك الجد الأول المشترك بين الإنسان والقرود وأشباه القرود.

في حين كان الضحك رد فعل اجتماعي قبل مليونين سنة، ولم يكن مرتبط بالتفكير الواعي للإنسان، لكن كان له أثر هام جداً باعتباره وسيلة تواصل اجتماعي، مما أسهم في تماسك وانسجام الأفراد فيما بينهم، وعمل على إزالة الحدود والتقارب. أيضاً الضحك كان أداة سيطرة يمتلكها قواد المجموعات البشرية كي يمارسوا سلطتهم في الداخل، وضد من هو خارجها.

العلماء البريطانيون أجروا تجارب على ثلاثة أطفال، وثلاثة صغار لكل من قرود “الشمبانزي والغوريلا والأورانجغو والبونيو والسيامانج” حيث قاموا بدغدغة الجميع ثم مقارنة الأصوات الصادرة عنهم. النتيجة أن جميع الصغار استطاعوا الضحك على الأقل لمدة ثلاث ثوان. لكن اتضح أن ضحك أطفال البشر أكثر حيوية وانتظاماً وأعلى صوتاً وأعلى زفيراً.

ومن المعلوم أنه كي يستطيع الإنسان الكلام لا بد من أن يتحكم بعملية التنفس شهيقاً وزفيراً، وهي الخاصية التي لعبت دوراً في نشوء اللغة. لذلك يعتقد العلماء أن نشوء الضحك وتطوره قد يكون أدى إلى نشوء النطق وبالتالي اللغة المنطوقة، بحسب ما تذكره البروفيسورة البريطانية “مارينا روز” Marina Ross.

نظريات الضحك

أفضل الأدوية، وأحياناً يكون الدواء الوحيد. هكذا يصف البروفيسور الدنماركي “مورتن غرونبيك” Morten Grønbæk كبير الباحثين في المعهد الوطني للصحة العامة في الدنمارك Statens Institut for Folkesundhed، في دراسة بعنوان “الصحة النفسية تتطلب تركيزاً جديداً” ونشرت في العام 2016.

 وفي دراسة أخرى صدرت عن مركز التعاون الصحي في جامعة آرهوس في الدنمارك عام 2017 بعنوان “بعنوان “الرهانات التي تعزز العمر” CENTER FOR SUNDHEDSSAMARBEJDE VED AARHUS UNIVERSITET، ثبت أن الضحك يمكن أن يكون مخدراً للألم.

وهذا ما توصلت إليه نتائج دراسة جديدة صدرت من جامعة أكسفورد على ثلاث مجموعات من البشر، الأولى كان عليها أن تشاهد برنامج مسرحي فكاهي، والثانية تنظر إلى لعبة غولف مملة، والثالثة تنظر إلى برنامج تلفزيوني عن الطبيعة.

أظهرت نتائج التجربة أن أفراد المجموعة الأولى كانت قوة تحملهم للألم الذي تعرضوا له بعد الضحك تزيد بنسبة ثلاثين مرة عن أفراد بقية المجموعات. والاستنتاج المهم هنا أن الضحك القوي مسكن للآلام. الضحك إلى درجة القهقهة يجعل الدماغ يفرز هرمونات تعمل على تخفيف الألم، بل وتعالجه وتمنح الشعور بالصحة. حيث يستطيع الضحك مقاومة التوتر والضغوط النفسية من خلال زيادة نسبة هرمون إيندورفين Endorfin. كما يؤدي إلى إنتاج هرمون النمو في الدم HGH الذي يتسبب في انخفاض مستويات هرمونات التوتر في الجسم مثل الكورتيزول والأدرينالين. وتصبح مناعة الجسم أقوى.

بعض العلماء ربط بين الضحك وتطور الإنسان الحالي، مثل عالم بيولوجيا التطور البريطاني “روبين دونبار” RobinDunbar الذي اعتبر أن هرمون الإيندورفينير الذي ينتج عن الضحك، هو الذي ساهم في عملية تطور الإنسان القديم، حيث إن الضحك يحفز مشاعر الانتماء إلى الجماعة، والرغبة في العمل المشترك، والابتعاد عن الأنانية.

إن صحت هذه الفرضية فإنها ستوضح كيف تمكنت الجماعات البشرية القديمة المتوحدة قبل مليوني عام من البقاء والنمو والتطور والتحول إلى مجموعات اجتماعية أكبر، في حين أن “النياندرتال” انقرض لأنه عاش في مجموعات أصغر. إنسان النياندرتال هو نوع آخر من البشر عاش في أوروبا قبل 30 ألف سنة. وكان يعيش جنباً إلى جنب مع الإنسان الحالي قبل أن ينقرض، لكن جيناته بقيت في أجساد البشر كما يقول العلماء. والنياندرتال كان قد تزاوج سابقاً قبل عشرات ألاف السنين مع إنسان أفريقيا أصل البشر، وحمل بعض من جيناته. إذن الضحك أنقذ الإنسان من الاندثار كما يرى بعض العلماء.

باحثون آخرون توصلوا إلى أن الضحك له أهمية اجتماعية مهمة، كما يرى خبير الأعصاب البيولوجية البروفيسور الأمريكي “روبرت بروفين” Robert Provine الذي يقول إن 80 في المئة من الضحك لا يرتبط بالفكاهة، وإنما باللعب الاجتماعي. وكان روبرت يدرس الخلايا العصبية لمدة ثماني ساعات في اليوم في مختبر بدون نوافذ عندما قام بملاحظة شديدة من شأنها أن تغير حياته، وشكل العلوم الاجتماعية، حين قال: لقد سئمت من ذلك، وقرر دراسة الضحك بدلا من ذلك، وأسهم في خلق علم الفكاهة الحديث.

الفوائد العظيمة للضحك

تقوم كثير من المشافي في الدول الأوروبية والولايات المتحدة باستخدام مهرجين لتسلية وإضحاك الأطفال المرضى والكبار والترويح عنهم، وجعل الضحك جزءًا من العلاج. من جانب آخر فقد تم إثبات أن الضحك عبارة عن عملية رياضة لمعظم أعضاء جسم الإنسان ولعضلات الوجه والرئتين والمعدة والبطن والحجاب الحاجز. لذلك تم إنشاء أندية للضحك في كثير من الدول المتقدمة.

إن للضحك فوائد صحية ونفسية وعقلية واجتماعية عظيمة. كونوا كرماء على أنفسكم وغيركم وجودوا بالضحك كي تنعموا بالمغانم. الفوائد كما ذكرها العلماء والأطباء هي:

 يعزز مناعة الجسم ويقي من الأمراض، يحسن تدفق الدورة الدموية، يزيد من قوة عضلة القلب، يجعل الإنسان ينعم بحياة سعيدة، له مفعول مدهش للمحافظة على الحالة العقلية، يمنح الإنسان طاقة هائلة من الأمل والتفاؤل، يقوم بطرد الطاقة السلبية من داخل الإنسان ومن حوله، يعالج حالات الاكتئاب والضغوط الناجمة عن العمل أو الحياة، يخفض من هرمون التوتر الضار، يساعد الجسم على التخلص من السموم، يتسبب في إفراز هرمون إندورفين في الدماغ الذي يعمل كمسكن للألم، يساعد في زيادة الأكسجين الذي يصل إلى الرئتين، يعتبر قوة رادعة لزيادة الوزن، يقوي القدرة على الإخصاب من خلال أثره في خفض هرمون الكورتيزول في الدم، يساعد على هضم الطعام عبر اهتزاز عضلات المعدة، يعزز إنتاجية العمل.

معركة البشرية مع فيروس كورونا

 

اليوم في معركة البشرية ضد فيروس كورونا للانتصار عليه، تسعى الحكومات إلى تقليل الخسائر للحدود الدنيا. ورغم أن إحصائيات موقع “غلوبال فير بور” الأميركي Global Firepower تشير أن حجم الإنفاق العالمي العسكري في العام 2019 قد بلغ 1700 مليار دولار، إلا أن كل ما يمتلكه العالم من أسلحة، صرف للحصول عليها المبالغ الهائلة، فهي أصبحت عديمة الجدوى، أمام عدو غير تقليدي.

 في ضوء الإغراق المعلوماتي من كل صوب وحدب، علينا أن نعود للسلوكيات الموروثة، وللأسلحة الفطرية التي تمتلكها أجسادنا، ونعمل على تحفيزها وحثها لتسترجع مقدرتها على القيام بمهامها. يجب أن ندرب أنفسنا لامتلاك القدرة على تطوير هذه السلوكيات والأسلحة. إن أدمغتنا اشبه بماكينة تعمل باستمرار للمحافظة على الصحة، ومحاولة صد مسببات الأذية.

حين يتم تهديد أجسادنا من خطر قادم مثل فيروس كورونا، فإن الضحك والقهقهة تعمل على إطلاق الآليات الدفاعية. وحين تصطدم توقعاتنا بالواقع البغيض، وحين يبدو لنا أننا أخطأنا، نحتاج تماماً إلى الفكاهة والضحك للتقليل من أثر الفشل. فالضحك يكون حافزاً على توسيع المدارك والآفاق لتحليل الحقائق بصورة أفضل لمعرفتها، وهذا في الأصل ما كانت البشرية تسعى إليه لولا أن أدمغتنا تمنحنا الضحك كمثبط للألم، ومحفزاً للاستمرار.

دعونا ننشر عدوى الضحك إلى حدود القهقهة بدلاً من نشر المعلومات الخاطئة والأكاذيب، وبث الذعر والرعب غير المبرر. فإن كان الضحك محفزاً تسبب بوجود الإنسان القديم في مجموعات اجتماعية كبيرة قبل ملايين السنين، حيث كان هذا التجمع العامل الحاسم في الانتصار للبقاء على قيد الحياة والاستمرار، وهذا لم يفعله إنسان النياندرتال المنقرض. فإننا قادرون بواسطة الضحك تعزيز أدوات مقاومة الخطر والتغلب عليه والاستمرار.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: