الأدب والثورة الأدب العراقي المعاصر أنموذجا د.نصرة أحميد جدوع

img

الأدب والثورة

الأدب العراقي المعاصر أنموذجا

د.نصرة أحميد جدوع

 

 

 

 

 

 

الأدب والثورة والتغيير-الرؤية والمفهوم

لم يكون مفهوم الأدب الثوري جديدا وهو الذي يعبر في جوهره عن مفهوم الثورة في الأدب والالتزام المرتبط بها , وطالما تحدثت عنه الأدبيات الثورية الحديثة على وجه التحديد,وارتبط اسمه بالمقاومة في مرحلة تاريخية, لاسيما في القضايا الكبيرة التي تنتج أدبا معبرا عن فكرها, وتعتبر الكلمة سلاحا يوازي البندقية إن لم تكن اخطر,وعلى ذلك فالأدب الثوري هو الأدب الملتزم بقضية سامية والرافض للواقع بالكلمة التي تحشد الجموع وتوحد الصفوف ,وهو يقترب من مفهوم الالتزام الذي يمثل مشاركة الشاعر أو الأديب للناس في همومهم الاجتماعية والسياسية ومواقفهم والوقوف بحزم لفعل ما يتطلبه ذلك مهما تطلب الأمر,كما يقوم على ماهية الموقف الذي يلتزم به الكاتب والفنان الذي يقتضي صراحة ووضوحا وإخلاصا (1) وتعرفه المعاجم الأدبية تعريفات متنوعة منها ما هو تقني بحت ومنها ما هو فكري يضع الأدب في مكانه الطبيعي في الحياة ,ومعناه على ذلك يكون (حزم الأمر على الوقوف بجانب قضية سياسية أو اجتماعية أو فنية ,والانتقال من التأييد الداخلي إلى التعبير خارجيا عن هذا الموقف بكل ما ينتجه الأديب أو الفنان من آثار وتكون هذه الآثار محصلا لمعاناة صاحبها ولإحساسه العميق بواجب الكفاح ولمشاركته الفعلية في تحقيق الغاية من الالتزام)(2)

وفي كتابه الأدب الملتزم قدم جان بول سارتر رؤية معمقه لمفهوم الالتزام في الأدب بتأكيده أن الأثر المكتوب هو واقعه اجتماعية لابد أن يكون الكاتب مقتنعا به وان يشعر بالمسؤولية قبل أن يمسك القلم لا بل انه مسؤول عن كل شيء الحروب الخاسرة والرابحة وعن التمرد والقمع والطغيان وغيرها (3)

وظاهر كلامه انه يجعل الأدب منطلقا لكل حركة في المجتمع ويحمل الأديب مسؤولية كبيرة لإحداث تغيير في مجتمعه,كما إن للأدب عنده غاية سامية وهي الثورة التي تؤدي إلى التغيير,ويشير باحث آخر إلى هذه الصلة بقوله:(إن الأدب وان كان صاحبه يعبر عن ذاتيته فلابد أن يكون في عين الوقت غيريا مترابطا بما حوله ينبض وجدانه بهمومهم ويخفق قلبه بآمالهم) (4)ومقياس الالتزام في الأدب هو الذي يزن الأديب بمقدار تكيفه للمجتمع وموقفه من قضايا أمته واحتماله لما ينبغي أن ينهض به من تبعات ومسؤوليات,ولاشك في أن من الصعب تجريد الأدب من وظيفته الجمالية وحبسه في غائية مادية تجعل منه رسالة اجتماعية سياسية إنسانية وحسب بعيدا عن الوظيفة الجمالية التي تميزه عن سائر فنون القول والكلام,إلا أن هناك حدودا يعرفها الأدباء تجعل من الأدب عالما تتداخل فيه الغايات والجماليات ليستطيع إيصال رسالته الفنية ولموضوعية على الأقل.

وأما التغيير فهو التحول بمعناه العام والانتقال من حال لأخرى, والتغيير الذي ننشد توضيحه هنا هو الذي يمثل طبيعة العالم وقانون القوانين (5) والتغيير ملازم للثورة في الفكر الإنساني وكثيرا ما مثلت الثورات الكبرى في حياة الشعوب أدوات للتغيير عبر عنها الأدب الذي تنتجه الثورة بوصفها موضوعا للأدب وسببا للتغيير,ومن الباحثين من يرى أن مفهوم التغيير المصاحب للثورة يتعدى هيكل الميدان السياسي والتغيير الجذري لميدان الظروف الاجتماعية, وان التغيير الحقيقي في تاريخ البشرية بدأ باكتشاف أمريكا واستيطان قارة جديدة  وهو ما مثل أساس التغيير المنشود,من هنا فان المؤرخين قد توصلوا إلى حقيقة مفادها أن الثورة لم تحدث في أمريكا بل بدأت باكتشافها(6)وهذا التغيير المقصود بالكلام هنا ليس إلا نوعا من أنواع التغيير في الكون لان التغيير هو سنة الأشياء طالما إن مفهوم الثبات المضاد يكاد أن يختفي لان الزمن المحرك للأشياء قائم على التغيير والتحول ,وهو أمر يفقهه الفلاسفة والعلماء والمفكرون أكثر من غيرهم,ولان التغيير حتمية التطور كان التعبير عنه والدعوة إليه مرتبطين بالثورة على الواقع ,تلك التي تنتج أدبا وتولد من أدب, وبصورة أدق تولد على الورق وفي الكلمات قبل أن تظهر إلى ارض الواقع,لتتضح صلة الأدب بالثورة والتغيير, فهو صانعها وصانع التغيير والمعبر عنه.

وما تحتاجه الأمة لإحداث التغيير المطلوب كثير يتطلب فكرا منظما وبصيرة نافذة توازن الأصالة والمعاصرة لكي لا تغلب الأولى فننعزل عن العالم ولا تنتصر الثانية فننقطع عن الجذور,وهنا يبرز دور المثقف الذي نحتاج إليه لتوجيه التغيير المنشود لإخراج الأمة من الفوضى والانهيار والتسيب والتشتت والقهر السياسي والفقر والحرمان ,فهذه العوامل مجتمعة تمثل العوائق الحقيقية للتقدم وهي المستهدفة بعملية التغيير لانتشال الإنسان العربي من محنته ,وبالتأكيد فان للتحديات الحضارية الخارجية أهمية خاصة بالنسبة للأمة التي تبحث عن إثبات الذات في عالم متسارع مليء بالتحديات ,وبالنسبة للثقافة العربية فقد تراوحت طريقة حفاظها على الذات بين أسلوبين سلبي غالب وايجابي نادر والأخير تمثل في عصورها الزاهرة يوم ارتبطت قوتها الحضارية وقدرتها على التأثير بمكانتها السياسية, في حين يتمثل الأسلوب السلبي بما يشخصه احد الباحثين بقوله:(ولكن الملاحظ أن الثقافة العربية في دفاعها عن ذاتها تلجأ إلى عملية النكوص والارتداد إلى الماضوية البحتة والرفض المرضي لكل وافد أو ما يعتقد انه وافد لا يتلائم مع النموذج المحدد إيديولوجيا وبشكل دوغمائي مغلق ,والحقيقة أن الثقافة العربية في تعاملها مع الآخر تقع في نوع من (الشيزوفرينيا) والازدواجية القلقة من حيث أنها تعرف في داخلها أن هذا الآخر متفوق عليها ولكنها وفق آليات الدفاع ترفض هذا التفوق وتحاول أن تبرر ضعفها المرحلي بكافة التبريرات الأيديولوجية (7)أن العالم كله يدرك الحاجة للتغيير أيا كان نوعه ومفهومه وهو شأن اجتماعي يرتبط بالمجموع.

وليس الأدب ببعيد عن هذا الأمر طالما انه يمثل احد أهم أدوات المثقف في التغيير,ويبرز دور الأدب الملتزم على وجه التحديد انطلاقا من كونه أدبا حياتيا يعج بقضايا الإنسان كالأرض والحرية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الطائفية والحقوق البشرية وغيرها(8) وليس موضوع الثورة إلا مزيجا من هذه الأفكار التي تمنحه سمة (الثورية), وبالنسبة لموضوع الثورة في الشعر العراقي المعاصر فانه أمر لايصعب تحديد ملامحه ,إذ قلما خلت قصيدة منه مباشرة أو رمزا ,ذلك لان الشعر العراقي المعاصر حاله كحال أي نتاج أدبي يولد من رحم الأحداث وحركة التغيير الدائمة في المجتمع,وعلى ذلك يصح أن نسميه أدبا ثوريا حتى وان لم تكن الثورة مضمونه الأساسي وصفته, طالما أن ماهية الثورة تتسع لتشمل كل ما هو خارج عن دائرة التقبل السلبي لظروف ما, ويكفي أن هذا الفهم لموضوع الثورة قد ساهم في ولادة تيارات جديدة مثلت انعطافة فنية حقيقية نقلت الأدب من جموده إلى حالة جديدة توافرت لها عوامل الولادة والظهور,لاسيما بعد التغيرات الكبيرة التي أصابت التصور الإنساني لقضايا النضال والحرية والتغيير.

 

 

الثورة موضوعا في الشعر العراقي المعاصر

كانت الثورة ولازالت موضوع الشعراء الأثير ,لا بل أنها تتصدر قائمة الموضوعات التي تتناولها القصائد الحديثة على وجه الخصوص,ولاشك في أن تاريخا حافلا كالتاريخ العراقي الحديث والمعاصر على وجه الخصوص كان دائم الحضور في الذاكرة الشعرية للشاعر العراقي,والعقد الثاني من القرن الماضي قد حفل بالكثير من الأحداث والثورات التي غيرت خارطة البلد السياسية وخارطة العالم العربي عموما,وانعكس صداها واضحا في مجمل النتاج الشعري ’وتميز بنزوع واضح نحو الاندماج بالمجتمع وقضاياه السياسية تحديدا ومعايشة الهم الوطني الذي حمله الشعراء في ضمائرهم وحولوا قصائدهم إلى أسلحة حقيقية تعري وقاحة الطغاة والمحتلين وتدفع الشعوب وحراكها الوطني إلى محطات الفعل الثوري, ولقد ورث الأدب العراقي المعاصر ومن قبله الأدب الحديث هموم المجتمع العراقي وانعكست الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية على مضامينه بشكل كبير بسبب حالة الفوضى السياسية والتبعية والاحتلال الأجنبي ,إلا أن المنجز الفني الذي تحقق للشعر على يد مجموعة من الشعراء لاسيما شعراء مدرسة الشعر الحر قد أسهم في إحداث نقلة كبيرة خلصت الشعر من التبعية الفنية التي نألفها  عند شعراء الاتجاه الكلاسيكي ومنهم الكاظمي والزهاوي والرصافي والشبيبي , فقد كان الشاعر قبل ذلك يعيش حالة من الانفصام عن الواقع على الرغم من تعلقه بمجريات الأحداث السياسية ,وخير ما يلخص هذا الأمر ما يراه احد الباحثين من تعلق واضح بالشكل والألفاظ والسير على خطى القدماء ,لاسيما الشعراء العباسيون الذين سار الشاعر الكلاسيكي على خطاهم فكانت موضوعات القصيدة التقليدية من مديح ورثاء وغزل هي النمط السائد, بل أن النظم فيها كان يعد معيارا للشاعرية والتمكن,مع سعي هؤلاء إلى إثبات أصالة أشعارهم ونفي تأثرهم بمن سبقهم ومن عاصرهم من الشعراء الغربيين على نحو مايقوله الشبيبي من انه لم يتأثر بشاعر عربي أو غربي وليته فعل وعندها كان سيخلص شعره من آثار التقليد والصنعة المقيتة التي لم تعد تتجاوب مع روح العصر وحركته(9),واول شعراء التيار المعاصر الجواهري شاعر العراق الكبير الذي يمثل برأينا حلقة الوصل بين التيار الكلاسيكي والتيار الحديث المتمثل بحركة الشعر الحر, فقد واكب بشعره الثورات والانتفاضات ضد المحتلين الانكليز وأعوانهم من الحكام , ولم يترك قضية في تاريخ العراق السياسي الذي عاصره إلا وعالجها محرضا ومعاتبا يصب جام غضبه من بركان شعره المتفجر في وجه الطغيان,ومن قصائده القصيدة التي خلد فيها ثورة العشرين 1920 أول الثورات الكبرى ضد الانكليز وأعظمها ,ومزج فيها التحريض  بالتساؤل المرير عن أسباب الخضوع والتردد فيقول:(10)

إلام التواني في الحياة وقد قضى         على المتواني الموت هذا التنازع

الم تر أن الدهر صنفـان أهله           اخو بطنة مما يعد وجــائع

إذا أنت لم تأكل أُكلت ودلة            عليك بان تنسى وغيرك شائع

تحدث أوضاع العراق بنهضة           ترددها أسواقه والشوارع

وصرخة أغيار لإنهاض شعبهم         وأناسه تستك منها المسـامع

وهو يستلهم نضال الشعب العربي في مختلف أقطاره ليؤكد وحدة المصير والهم عند جميع أطيافه وأديانه ,لا بل تمتد الثورة لتشمل كل ارض تقع تحت هيمنة التاج البريطاني لتصل إلى الهند فيقول:(11)

وقد خبروني أن في الشرق وحدة       كنائسه تدعو فتبكي الجوامع

وقد خبروني أن للعرب نهضــة       بشائر قد لاحت لها وطلائع

وقد خبروني أن مصــر بعزمها        تناضل عن حق لها وتدافع

وقد خبروني أن في الهند جـذوة        تهاب إذا لم يمنع الشر مانع

والدعوة الأشد انفعالا والابلغ معنى تلك التي وجهها إلى الجزائر في قوله:(12)

جزائر كيلي بصــاعي حقود          عم في ضـراوته مقذع

على موجع بالظلم بالاوجــع         متشبع بالحقد بالأبشـع

خذي الوحش من ظفره وانزعي        ومن نابه حردا واقلـعي

وشقي مرارته وامضــــغي        وسؤر قرارته, فاجـرعي

دعيه يذق ما أذاق الشــعوب       من الهول والفزع الافضع

وتبدو الدعوة الواضحة الصريحة للثورة في مجمل أشعاره السياسية مع انه ينتهج أسلوبا تقليديا يحضر فيه الأسلوب والمفردة القديمان كما هو واضح في قوله في القصيدة نفسها:(13)

دعي الخيل من جثث ترتمي       وسرح القنا من دم ترتعي

أطيحي فديت بخير الرؤس        حصيـد المدرع والمدفع

فلم تشتعل كدم الثائرين          مصابيح في حالك أسفع

وتمتزج الجزالة بالمتانة في مجمل نصوص الجواهري إلا أن لأشعاره وقعا مختلفا في النفوس لأنه لائم بين جمالية العربية وقوتها المختزنة في الموروث الشعري وبين حاضر لا يحتمل التزويق والتجمل والنظر إلى الوراء,فكانت النتيجة نصوصا حية تنبض بإيقاع الثورة .

ولابد من الإشارة إلى أن التعبير عن الهموم الوطنية كان مكبلا بأغلال القصيدة ففشل الشاعر في التعبير الصادق عنها وفقد تقريبا صلته بالجمهور,حتى في الأحداث الكبيرة وقد يكون بعضهم قد ترك بصمة وطنية إلا أنهم فشلوا في استغلالها لخلق بصمة فنية حقيقية .

وقد كان ظهور حركة الشعر الحر نقلة نوعية للفن والثورة ومغزاهما الحقيقي, يرى د.محمد النويهي في معرض حديثه عن حركة الشعر الحر التي يعدها جزءا من الثورة بمفهومها الشامل أن الثورة بالمعنى الصحيح تدخل إلى جميع مكونات كياننا العربي وتضرب في جور حياتنا الإنسانية وتشمل مجمل نشاطنا البشري ومنها المادي والروحي والأخلاقي والعلمي والأدبي وغيرها (14) ومن هذا المنطلق فانه قد نظر إلى الشعر الجديد وهو الشعر الحر من هذا المنظار الشمولي ويعده جزءا طبيعيا من حركة التغيير في المجتمعات وانه لم يكن وليد الصدفة أو الحاجة الآنية بل انه يرى أن الشكل الجديد استجابة لمضمون جديد وينقل عن احد النقاد قوله أن الدعوة للتجديد في مجتمع يتطور تطورا سريعا حاسما كمجتمعنا لا يمكن أن يقف في سبيلها احد(15)

ونازك الملائكة نفسها في مقدمة كتابها (قضايا الشعر المعاصر) تؤكد أن الأفراد الذين يبدأون حركات التجديد بالأمة ويخلقون الأنماط الجديدة إنما يفعلون ذلك تلبية لحاجات روحية تبهظ كيانهم وتناديهما إلى سد الفراغ الذي يناديهم(16) وان الشعر الحر بالأساس هو حصيلة لحاجات اجتماعية تنزع إلى التغيير الحقيقي كما انه ثورة على جمود الشكل القديم والقطيعة الفنية بين الأدب والمجتمع,وتعدد اربعة دوافع تفترضها أسبابا لنشوء الشعر الحر وهي النزوع إلى الواقع والحنين إلى الاستقلال والنفور من النموذج وإيثار المضمون(17) وأنها ظلال للنزوع والدعوة إلى الثورة على الجمود الأدبي والفني الذي يعجز عن مسايرة خطى حركة المجتمع الدؤوبة نحو التغيير والثورة لاسيما وان العقد الأربعيني من القرن العشرين شهد بداية الحراك السياسي الذي غير وجه الخارطة السياسية العربية والعالمية فكانت انجازات الشعر الحر جزءا من دوافع التغيير الحقيقي الذي نزعت إليه كل الثورات اللاحقة في كل مكان في مغرب الوطن العربي ومشرقه.

ولقد ظل الشعراء العراقيون واعين لوحدة نضال العرب في مختلف أقطارهم انطلاقا من وحدة الهوية ,فلا يكاد القارئ يشعر بغير العروبة انتماءا للشاعر العراقي وهو يهلل لتلك الثورة ويهتف لأخرى ,من هنا فقد كان للحركات الثورية في المجتمع العربي حضور واضح في شعر السياب ,فقد خصص أربع قصائد من ديوان (أنشودة المطر) للثورة العربية في المغرب العربي الكبير, تلك الثورة التي اندلعت آخر مراحلها سنة 1952 وانتهت سنة 1963 باستقلال الجزائر ورحيل المحتلين عن بنزرت, حيث يقول في إحدى هذه القصائد وهي (يوم الطغاة الأخير):(18)

على الملتقى..وانطوى الوعد

وظل الغد

غد الثائرين القريب

يدا بيد من غمار اللهيب

سنرقى إلى القمة العالية…….

…..وإذ يستضيق المدى بالحريق

فيندك سجن ويجلى طريق..

ويذكى بأطيافه الدافئة..

محياك باللهفة الهانئة؟

حتى يقول مازجا مغزى المطر الذي يقصده بخطابه إلى المرأة التي جرد منها ومن الغزل وسيلة لمعالجة موضوع الثورة:(19)

نعم أمس حين التفت إليك

تراءين كالهجس في مقلتيك

وإذ يستضيء المدى بالحريق

فيندك سجن ويجلى طريق

لنا الكوكب الطالع

وصبح الغد الساطع

لقد اخرج السياب بشعره  موضوع الثورة من عباءته القديمة الموشاة بالتهديد والوعيد والتحريض وذم المحتل وما سواها من أفكار إلى أفق قصيدة الشعر الحر الرحيب ونقح النص الشعري من المباشرة والسذاجة في الطرح والتقليدية في الأداء والسطحية في التناول مستفيدا من انجازات المدارس الأدبية الغربية التي اطلع عليها ,ثم ينتقل في نص آخر إلى تصوير صلابة الثائرة عربية(جميلة بو حيرد) من الجزائر التي وقعت أسيرة الأعداء ومن خلال معالجة هذا الموضوع يبذر الأفكار الثورية ويمجد باسها قوتها حتى أنها لتبدو الأسر وليس الأسير كل ذلك بأسلوبه الرائع وكلماته الموحية العذبة فيقول:(20)

يا اختنا المشبوحة الباكية

أطرافك الدامية

يقطرن في قلبي ويبكين فيه

يا من حملت الموت على رافعيه..

من ظلمة الطين التي تحتويه

إلى سموات الدم الوارية

حيث التقى الإنسان والله,والأموات والأحياء في شهقة

…………

يا اختنا المشبوحة الباكية

أطرافك الدامية

يقطرن في قلبي ويبكين فيه..

لم يلق ما تلقين أنت المسيح

أنت التي تفيدين جرح الجريح

أنت التي تعطين..لأقبض الريح

يا اختنا يا أم أطفالنا

يا سقف أعمالنا

يا ذروة تعلو لأبطالنا

ما حز صوت البغي ساعديك

إلا وفي غيبوبة الأنبياء

أحسست أن السوط, أن الدماء

أن الدجى,أن الضحايا, هباء

من اجل طفل ضاحكته السماء..

ومن خلال نافذة جميلة بو حيرد يلج الثورة في عنفوانها موظفا ببراعة الأساطير والرموز ويشحنها بأفكار عصرية ومعان مبتكرة, فيقول:(21)

إنا سنمضي في طريق الفناء

ولترفعي” أوراس” حتى السماء

حتى تروى من مسيل الدماء

أعراق كل الناس ,كل الصخور,

حتى نمس الله

حتى نثور..

وبالنسبة للأساطير فقد كانت له طريقته الخاصة في لتعاطي معها فهي عنده قد تجسدت في تمثيل روح الحياة المعاصرة واختفت الأساطير القديمة ,وتلح الغريزة الشعرية المبدعة عليه لربط الحاضر بالماضي والمستقبل بروح الحاضر,وهذا هو سر الإبداع في الأعمال الخالدة(22) ,ويخرج عن الأسلوب التسجيلي المعتاد في معالجة موضوع الثورة فيطوف مع الثوار ثائرا يستلهم التاريخ ويدعو دعوته الصريحة التي لا تلميح فيها إلى الثورة فيقول:(23)

لم يقرأون لان تونس تستفيق على النضال

ولان ثوار الجزائر ينسجون من الرمال

ومن العواصف والسيول ومن لهاث الجائعين

كفن الطغاة؟وما تزال قذائف المتطوعين

يصفرن في غسق القنال

لم يقرأون و ينظرون إليّ حينا بعد حين

كالشامتين ؟

سيعلمون من الذي هو في ضلال

سيعلمون من الذي هو في الضلال

ولاينا صدأ القيود.. لاينا صدأ القيود

لاينا..

نهض الحقير..

ومثله كانت روعة أشعار نازك الملائكة تختزن الحب ممزوجا بأوجاع الوطن لتكون المحصلة أغنيات للوطن والحب المغتال والفرحة ,وإذا ما قرأنا ديوانها يغير ألوانه البحر نجد قصيدتها (تمتمات في ساحة الإعدام) تطل فيها مأساة الإنسان مزيجا من الذات والوطن,تقول فيها (24)

تحت قرار الإعدام في الساحة اجتمعنا..

اثنين عيناهما بركتا أنجم ودوالِ

وشمس حزن تشرب من جرح برتقالِ

تسأل ماذا نحن أضعنا؟

بالموت, والحب, والعيون الغرقى الأسيرة

نحن ارتفعنا

نحن مع البرق قد نصعنا

ومن حليب الفداء والشمس قد رضعنا

نحن حرثنا,نحن زرعنا

سنابل الموت,واتخذنا الأسى خميرة

لخبزنا,والسهاد في دمعنا جزيرة

وفي مزاد الرياح بعنا

خضرة أعمارنا, اشترينا ركام أحزاننا الصغيرة

ونحن ضُعْنا

ذات ظهيرة

وردة موتٍ, في عطرها نحن قد رتعنا

ونحن كنا براعم النار فاندلعنا..

كنت الفدائيُ أنت, الفدائية القانتة

إنا,وكنا مبتسمين

يجمعنا الحب والموت والألم, نحن كنا

منتصرين..

حتى تقول مستشرفة الجرح الفلسطيني:(25)

نمرح في جبهة المشنقة

طفلين يشتعلان خصبا في جدب زوبعة مُحرقه

ونرتقي سلم المشنقة

وفوق ذروتها تنحني ياحبيبي

تزرع في شفتي موقفاً,فكرةً,وشعلهْ

والموت قبلهْ

تمنحنا ثلجها المدمَى تلُ أبيبِ..

لقد نقل شعراء مدرسة الشعر الحر موضوع الثورة إلى أفق جديد ووظفوا الأساطير والرموز للتعبير عن الأفكار الثورية وحركة المجتمعات بصورة جديدة عبرت عن روح المرحلة ورح التجديد الحقيقي في الشعر العراقي,وهو نفسه النزوع إلى الثورة مقنعا بالحب مختبئا خلف أقنعة الأسطورة يطل في أشعار عبد الوهاب البياتي ,يقول في قصيدة (الهجرة إلى الذات) من ديوان بستان عائشة:(26)

وحين عبرت الخط الأحمر للدنيا..

لمعت في عتمة نفسي شارات ضياء

وحوار مابين الأحياء الموتى

والموتى الأحياء

سكنت روحي في الكلمات

نهرا قدسه رمز كوني

صار الوجه الآخر للدنيا

صار الإشراق

ظهر الوجه الخالد للحب

انتصر الإبداع

قامت مدن بشروط الفن يكافح فيها

الشعراء من اجل خلاص الإنسان..

فهو يؤمن أن الشعر رسالة يحملها الشعراء تسعى لخلاص الإنسان يتوحدون معها لتشرق أرواحهم مع اشراقة الخلاص المنشود,وهو الأمر نفسه يكرره في قصيدة (سلاما أثينا) التي يقول فيها:(27)

الشمس في معسكر اعتقال

تحرسها الكلاب والتلال

لعل ألف ليلة مرت

ولا تزال

“بنلوب” في انتظارها

تغزل ثوب النار

أو “اوليس” في جزيرة المحال

يرسف في الأغلال

لعل في “الاولمب”لا تزال

آلهة الإغريق تستجدي

عقيم البرق في الجبال

طعامها النبيذ والخبز

وآلام الملايين من الرجال

قلت سلاما!

وبكى قلبي..

وكان الفجر في الأطلال..

يضيء وجه العالم الجديد

وجه شاعر يحطم الأغلال..

أن تأمل مغزى هذه الكلمات يفضي إلى استكناه الطرقة الجميلة التي يوظف فيها الشاعر الأساطير لتصب في الهدف الخاص الذي يرمي إليه,وهو يؤكد فكرة العبودية التي ستزول لا محالة بفضل النضال والصبر والثبات,كما أن مغزى البيتين الأخيرين يؤكد مكانة الشاعر في استنهاض الهمم وبذر الثورة في النفوس وقيادة الجموع لتحقيق الغاية الكبرى المتمثلة بالخلاص.

لقد كانت قيمة الشعر الحر تفوق في مغزاها الحقيقي مسالة التحرر من الشكل القديم وقيوده التي طوقت أعناق الشعراء إلى ما هو ابعد من ذلك ,إذ أنها مثلت عودة القصيدة العربية إلى ذاتيتها الحقيقية وأعادت طرح الهموم الإنسانية برؤية تتماشى وروح العصر,أنها حقا التعبير عن روح الثورة في الأدب والمجتمع لان موضوعها الإنسان بصورته الشاملة والتي يتحول الشاعر فيها إلى مرآة للآخر في كل مكان وتتحول القصيدة فيها إلى مسرحا للذات ترتع فيها أنى شاءت,تعبر عن همومها وخلجاتها متحررة من اسر القيود الفنية القديمة.

وأما الشاعر احمد مطر فقد شكلت الثورة ركنا هاما من أركان شعره ,كيف لا وهو المنفي عن الوطن الثائر على كل شيء ,والشاعر الذي تكتسي الموضوعات عنده بأثواب السخرية والمفارقة المريرة, يقول في قصيدة (ثورة الطين) موظفا الرمز الموحي المتمثل بدلالة الطين:(28)

وضعوني في إناء

ثم قالوا لي: تأقلمْ

وأنا لست بماءْ

أنا من طين السماء

وإذا ضاق إنائي بنموي

يتحطم!

خيروني

 بين موت وبقاءْ

بين أن ارقص فوق الحبل

أو ارقص تحت الحبل

فاخترت البقاءْ

قلت:اعدمْ

يخنقوا بالحبل صوت الببغاء

وأمدوني بصوت ابدي يتكلم

ومن خلال المعنى الداخلي للنص تتكشف ثورة الطين التي يعنون فيها الشاعر قصيدته فما بين خيار الموت المتمثل بضياع الحرية والبقاء الموازي للوجود يؤثر البقاء المتجسد في موت مشرف,ذلك أن كلام الأحياء الموتى الذي يشبه كلام الببغاء الذي لافائدة فيه لا قيمة له إذا ما قورن بالعبرة المختزنة في مفهوم الشهادة التي تظل تتكلم بكلام فصيح.

ومن منطلق أن الشاعر ثائر وان الشعر ينبغي أن يكون رسالة تتجسد الدعوة إلى الثورة التي يقودها الشعر الملتزم والكلمة الملتزمة الثائرة في قصيدته (التكفير والثورة):(29)

كفرت بالأقلام والدفاتر

كفرت بالفصحى التي

تحبل وهي عاقر

كفرت بالشعر الذي

لا يوقف الظلم ولا يحرك الضمائر

لعنت كل كلمة

لم تنطلق من بعدها مسيرة 

ولم يخط الشعب في آثارها مصيره

لعنت كل شاعر

فوق الجمل الندية الوثيرة

وشعبه ينام في المقابر

لعنت كل شاعر

يستلهم الدمعة خمرا

والأسى صبابة

والموت قشعريرة

…………..

………..

لعنت كل شاعر

لايقتني قنبلة

كي يكتب القصيدة الأخيرة!

وتتجلى الدعوة الصريحة للثورة بوضوح أكثر حين يستخدم أسلوبه الساخر المتهكم وهو يخاطب الشعب الخامل الخانع الذي يرضى بمصيره فيقول:(30)

أيها الشعب

لماذا خلق الله يديك؟

الكي تعمل؟

لا شغل لديك

الكي تأكل؟

لا قوت لديك

الكي تكتب؟

ممنوع وصول الحرف

حتى لو مشى منك اليك..

……………………………

………………

حاش لله

لقد سواهما كي تحمل الحكام

من أعلى الكراسي..لأدنى قدميك

ولكي تأكل من أكتافهم

ما أكلوا من كتفيك

ولكي تكتب بالسوط على أجسادهم

ملحمة اكبر مما كتبوا في اصغريك

هل عرفت الآن ما معناهما؟

انهض إذن

انهض وكشر عنهما

انهض

ودع كلك يغدو قبضتيك!

نهض النوم من النوم

على ضوضاء صمتي

أيها الشعب..وصوتي

لم يحرك شعرة في أذنيك!

أنا لا علة بي الاك

لا لعنة لي الاك

انهض

لعنة الله عليك!

وتتضح سورة الغضب من حال الخنوع والخضوع في الأبيات الأخيرة التي يغادر فيها الشاعر حدود الصبر غاضبا لما يراه من حال لا تسر,وهكذا كان مطر في كل أشعاره ثائرا مجلجلا صوته لا حدود لديه يحافظ عليها حتى اكتنز شعره بالشتائم والهجاء اللاذع,غايته أن يبعث الشعوب النائمة من سباتها الطويل.

وحميد سعيد الشاعر العراقي المعاصر قد وشح هو الآخر قصائده بالدعوة المكتومة التي توزعت هنا وهناك ممزوجة بشعره الحربي لاسيما في حرب السنوات الثمان التي خلفت تراثا أدبيا ثرا طبع عقد الثمانينات في الشعر العراقي بطابع سياسي –عسكري صرف,يقول في قصيدة (محمد البقال) التي يتناول فيها بواقعية خفيفة قضية الحرب والأبناء الذين يساقون إليها تحت ضغط المهاترات السياسية وضغطها:(31)

هم يقتلون الشعر

إن صبا القصيدة يستفز الموت

يخرج من وسواسهم الينا..

يأتون مقبرة..ونصمد

راية

وطنا

ويضحك..

أنت تعرف يا محمد

أن ضحكتنا التي ما فارقتنا..

قد يبدأ العصيان منها..

وسيكتب التاريخ عنها..

ولا يخرج عن الإطار الرحب الذي حلق فيه شعراء التيار الحر حين يجعل قضية وطنه هي قضية الثورة العربية في كل شبر من ارض العروبة فيقول:(32)

أسرى بي غضب الوجدان العربي إلى مدن النار

حملتني ريح الثورة

باقة أزهار شوكية

لفظتني

عدت غريبا..

لم أتعود افياء المدن الكبرى

أو غرف المسؤولين

عرتني افياء المدن الكبرى

سلبتني أثوابي

لافتة الجرح القادم من عام الثورة..

في بابي

اشهد يا زمن الزعم غرور الأعراب..

لن تتسلق أشواك الصحراء حرير السرر الوردية..

ويقول محفزا مستفزا مشاعر الرفض في ذاته التي تمثل مرآة صادقة للآخرين:(33)

امتقع يا وجه أيامي

كفى إنا تحملنا من الآلام

ما فيه الكفاية

مُزقتْ راياتنا..جفت ينابيع لنا..

نحن صنعناها وقدمنا العيونا..

وسقيناها من الأعماق..

فجرنا الينابيع السخية..

سرقوا الشمس التي عشنا بها..

في جرح هابيل..

فالرايات التي مزقت والينابيع التي جفت والشمس التي سرقت رموز للبقاء التي يضطرب الشاعر داعيا للعصيان من اجل استعادتها,انه نداء خفي للثورة واستعادة الحياة التي تدوسها جنازير الدبابات وتشتتها مدافع الحرب ويغيب صوتها تحت هدير الرصاص,أنها ثورة الشاعر المكبوت الذي يغص بها وهو يرى موقفه مشتتا بين الدفاع عن الوطن ضد عدو شرس وبين النظر إلى الوطن المأسور بحكم الطغاة الذين يغامرون بمصيره في أتون حروب لا نهاية لها.

وتتجلى الثورة في أشكالها المتنوعة تارة على المحتل وتارة على العدو وتارة على النفوس المسكونة بالموت في أشعار عبد الرزاق عبد الواحد,الشاعر الذي عاصر تقلب أزمان الوجع وتنقل بين عقود الزمن ,يقول في قصيدة (النذير) التي يوظف فيها رمزية قصة الطوفان في قصة نبي الله نوح(عليه السلام) توظيفا يرمز إلى الثورة –الطوفان التي ينشدها واثقا من حقيقتها:(34)

كلما احترقت عشبة

رجفت كل أوردة الأرض

أن مسامة حب ستغلق في لحظة بابها

أن قطرة ماء تدور على نفسها الآن مهملة..

وتعود لتقبع في مخزن الموت..

يا عصر كل الحرائق

والأنهر التائهات

هيء الفلك

واضمن لنوحْ

من يصدقه

أن طوفانك الغد آت..

أن طوفانك الغد آت..

ويقول من قصيدة جميلة أخرى يصور فيها عظمة الشعب وصبره :(35)

هو الشعب أدموا..منذ خمسين صبره            وقد تعبوا والشعب هيهـات يتعب

لقد حزً حتى لم يعد فيه مبـــضع             وقد شجً حتى لم يعد فيـه مضرب

فأرغى خضيـب النحر ينفث غيضه             وتعلم مـــا يأتيه شعب مخضًب

هو الشعبُ..فانظر حين تدعوه باسمه             وتُسرجُ أفراس الردى كيف يركب

ومن خلال تمعن الأبيات السابقة تتضح الثقة الكبيرة والاعتداد العالي بقوة الشعب على الثورة والنهوض على عكس ما نراه في قصائد شعراء آخرين استخدموا طريقة السخرية والاهانة من الذل والخنوع الذي تظهره الشعوب على نحو ما رأينا عند احمد مطر,ومع ميل عبد الرزاق إلى أسلوب مفخًم ألفناه في القصائد العربية القديمة استطاع أن يعبر عن روح الثورة والتوثب بأسلوب أخاذ اعتدناه من شاعر كبير مثله.

وأما محنة العراق المبتلى بالاحتلال الذي زرع الموت فقد تلقاها الشعراء المعاصرون بالوجع والرغبة الصادقة بالخلاص وهاهي ثورة جديدة تولد بملامح جديدة لتطهير وجه العراق من دنس الغزاة تحت أي مسمى جاءوا ولأجل أية أهداف كانت حروبهم,يقول الشاعر عارف الساعدي:(36)

فلا تزعلوا أيها الأصدقاء

وأنا سوف انطركم كل يوم

وازرع عينا على دربكم اثر عين

لنصنع منا بلادا بلا رافدين

بلا نفط لا أولياء ولا أضرحة

ونحرق تاريخ كل البلاد

فتاريخها مولغ بالدماء مع الأسئلة

إذا سوف نبني بلادا

ونغفوا ولو لحظة في يديها

ونكتب اشعارنا من جديد إليها..

وهذه دعوة صريحة إلى نبذ التذمر من حال لا تدوم والسعي للثورة على واقع ارتضته الأيادي الخبيثة والأرواح الشريرة قدرا للعراق ,الثورة على الخوف واليأس والاستسلام ,ثورة تعيد كتابة تاريخ الثورات وتضيف إلى أسفار سير الثائرين سفرا مكتوبا بحبر الإصرار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الملامح الفنية لصورة الثورة في الشعر العراقي المعاصر

لاشك في أن قيمة الشعر تنطلق من طريقة تعاطيه مع موضوعات الحياة,لاسيما الموضوعات المصيرية في حياة الإنسان,ومن الطبيعي أن موضوع الثورة موضوع حيوي يتسع كما قلنا سابقا إلى أبعاد ومديات أعمق من مجرد كونه نشاطا له أهدافه المتنوعة,وقد تلازمت صورة الثورة وملامحها كما رأينا مع ثورة الشعر العراقي المعاصر بشكل واضح والفضل يرجع إلى الأدب (والشعر على وجه الخصوص) في تحريك المجتمع العراقي وحشد طاقاته لتحقيق أهدافه المشروعة,وهكذا وجدنا الشعر العراقي المعاصر قد حقق الانتقالة الفنية والموضوعية ونجح لذلك في التعبير عن روح الثورة التي كانت تجتاح الأرض العربية وتحديدا في عقد الخمسينات الذي يعد بحق عقد الثورة العربية ,وقد نجح الشعراء في تحويل موضوع الثورة إلى صورة فنية موحية تتجاوب مع أصدائها في قلوبهم ,صورة خرقت التركيب المألوف القائم على التصوير المجرد وهي لا تروي ما يدور في رأس الشاعر وحسب بل تعبر عن كل ما يشعر به من تداخل بين الفكر والعاطفة وليس هناك حدود لاستخدامها(37)كما أنها هدف الشعر الحديث وهي التي تجعله فنا حقيقيا,  واغلب الباحثين  يرون أن صورة الثورة بصرية في جوهرها لاعتمادها على الرسم بالكلمات للواقع والقائم على ترجمة الحسي إلى مادي ,في حين تتجه الدراسات الحديثة إلى اعتبار اللغة المجازية هي اللغة الشعرية ورفضت مبدأ المحاكاة الأفلاطوني الذي سارت عليه الرؤية النقدية القديمة عند الغربيين والعرب على حد سواء (38)

ولو تتبعنا ملامح صورة الثورة في الأدب العراقي المعاصر من خلال نماذجه السابقة وجدناها تخرج عن الأطر التقليدية إلى فضاء أرحب, فرياح الثورة التي تحمل الشاعر حميد سعيد باقة أزهار شوكية تشعره بالعجز لأنه وصل إلى مرحلة حانت فيها ساعتها وهو يعيش منقطعا عن مداها المتمثل بالشعب الثائر (39)وصورة غرف المسؤولين والترف كانت تعبيرا غير مباشر عن حاجة ملحة في النفس إلى التغيير والثورة,في حين تعالج نازك الملائكة والسياب موضوع الثورة بصورة أوضح انطلاقا من الداخل إلى الخارج الأرحب,لتصح عندهما معادلة (الذات/الثورة) باتجاهين,وكان لنضال الثوار العرب مكان أثير في شعرهما وهو ما كشفته قصائدهما في ثورات المغرب العربي, وهو الحال نفسه مع الثورات العراقية لاسيما قصيدة نازك التي غنت فيها لثورة 1958 في العراق: (40)

جمهوريتنا فرحتنا يا حرقة أشواق وحنين

نحن عطشى لك أعواما

جعنا وسهرنا غذيناها أحلاما

والآن ملكناها دفقة ضوء ويقين

ومعها الكثير من القصائد التي تأتي ضمن الاتجاه الواقعي في شعرها لاسيما مجموعتها (للصلاة والثورة) 1979 والتي قالت في مقدمتها (أن الصلاة هي المعادل الموضوعي للثورة)(41)كما أن صورة الثورة الجزائرية في شعرها كانت مزيجا من الذاتية والواقعية وتنطلق في بنائها من الداخل إلى الخارج فتندمج بحالة يصعب الفصل بينها,وما يحسب لشعراء التيار الحر في هذا الصدد أنهم دمجوا السمة البصرية للصورة بالخيال بطريقة بعيدة عن التقليد ,فهم قد نقلوا مفهوم المحاكاة القديم إلى أفق اللغة المجازية التي تستثمر إمكانيات اللغة نفسها, تقول فيها)42)

ونحن منحنا لوصف جراحك كل شفة

وجرحنا الوصف,خدش أسماعنا المرهفة

وأنت حملت القيود الثقيلة

وحين تحرقت عطشى الشفاه إلى كأس ماء

حشدنا اللحون وقلنا سنسبكها بالغناء

ونشدو لها في الليالي الطويلة

وهو الأمر ذاته الذي نجده عند السياب في قصائده التي عالجت موضوع الثورة إلا انه ينسج من الخارج أكثر ويترك للداخل مساحة ضيقة على نحو ما نجد في قوله:(43)

لم يقرأون لان تونس تستفيق على النضال

ولان ثوار الجزائر ينسجون من الرمال

ومن العواصف والسيول ومن لهاث الجائعين

كفن الطغاة؟وما تزال قذائف المتطوعين

يصفرن في غسق القنال

لم يقرأون و ينظرون إليّ حينا بعد حين

كالشامتين ؟

سيعلمون من الذي هو في ضلال

والأسطورة تمثل احد أدوات بناء الصورة الشعرية عند شعراء التيار الحر وكما ظهرت عند السياب ونازك فقد وظفها البياتي في مجمل أشعاره وقلما خلت قصيدة منها فبنلوب واوليس واولمب رموز الأساطير اليونانية التي ارتبطت برمزية عميقة عنده مع فكرة الثورة على العبودية والطغيان والثورة المنتظرة,يقول:(44)

ولا تزال

“بنلوب” في انتظارها

تغزل ثوب النار

أو “اوليس” في جزيرة المحال

يرسف في الأغلال

لعل في “الاولمب”لا تزال

آلهة الإغريق تستجدي

عقيم البرق في الجبال

طعامها النبيذ والخبز

وآلام الملايين من الرجال

قلت سلاما!

وتتضح طريقة كل شاعر في تعامله مع الأسطورة وتوظيفه لها بما يعكس أسلوبه ودرجة تأثره بها,وعموما فان شعره التيار الحر الرواد قد وصفوا بأنهم شعراء إحساس في حين وصف شعر من جاء بعدهم كحميد سعيد وغيره بأنهم شعراء وعي وهو تقسيم اعتمد من خلال الأداء بالصورة كما يرى احد الباحثين يتمثل في ما يسميه أداء (داخل داخل) عند شعراء الإحساس و(داخل خارج) عند شعراء الوعي(45).

وقد انعكست طريقتهم في التصوير على موضوع الموسيقى في الشعر التي تتجاوب مع تفاصيل الصورة تجاوبا خلاقا ,والمعروف أنهم قد أحدثوا نقلة ممتازة في هذا الجانب يتجاوز قضية التحرر من الشكل القديم للقصيدة إلى تحقيق تناغم نفسي بين المضامين الجديدة والأسس الفنية للبناء الشعري,وهي التي تعكس قضية التأثر بالتيارات الشعرية المعاصرة التي امتزجت بقضايا الإنسان العربي وهمومه,ويرى احد الباحثين المحدثين بان ما دفع شعرهم إلى مركز الريادة هو استخدام إيقاع أفكار آلي يقوم على التوازي والترديد لتحقيق الانسجام المطلوب في غياب القافية الملزمة ,وكذلك استخدام التدفق والمعجم الشعري البسيط واستخدام الأشياء والطبيعة بحرية إلى جانب رموز الحياة اليومية والحوار الداخلي. (46)

وحين نصل إلى عبد الرزاق عبد الواحد نجد أن الشعر قد تحول تحت وطأة آثار استهلاك النموذج الحر عند الشعراء إلى مزيج من سلاسة النموذج الحر وجزالة الشكل القديم وأصبح أكثر التصاقا بالواقع بسبب التحولات السياسية الكبيرة وانعكاساتها الفنية على واقع القصيدة العراقية ,يقول: (47)

                     أوقد فليس سواك يس            رج والظلام له اعتكار

                     أوقد,فلن يرجى بغير              يديك للكسر انجبـار

                     ستمزق الآذان صرخة            ثائريك فـــلا قرار

                     ستريهمو قرب المـ                زار غدا وان شط المزار

وخلاصة القول أن الخصائص التي ميزت القصيدة المعاصرة في العراق قد صادفت آفاقا رحبة تتمثل بالثراء الموضوعي والتنوع الذي خلق أرضية صلبة سار عليها شعراؤه واكسب الأدب العراقي المعاصر خصوصيته الفنية التي يستمدها من خصوصية المجتمع العراقي والشخصية العراقية التي تعتز بعمقها الحضاري وعروبتها والتي عجزت كل قوى الاستعمار والظلام عن سلخها عنها ,وانعكست تلك الملامح في مجمل النتاج الشعري والفني مما يمكننا أن نقول بأنها قصيدة حية ومتطورة تواكب حركة التاريخ والأحداث وتنتمي إلى مناخ فكري رفيع جعلت من العراق ساحة للثورات الفكرية والأدبية التي تتبعها متجاوبة مع أصدائها في شتى أصقاع الوطن العربي في شرقه وغربه.

 

الهوامش

  • الالتزام في الشعر العربي/14.
  • المعجم الأدبي/31.
  • الأدب الملتزم/45 ,وينظر الالتزام في الشعر الإسلامي الفلسطيني المعاصر/13.
  • الثقافة العربية أمام تحديات التغيير/12.
  • في الثورة/33.
  • الثقافة العربية أمام تحديات التغيير/37.
  • الالتزام في الشعر الإسلامي الفلسطيني/24.
  • تطور الشعر العربي الحديث في العراق/193
  • الديوان-طبعة عام 1935/48.
  • نفسه/50
  • الديوان – طبعة عام 1961/118
  • نفسه/120.
  • ينظر قضية الشعر الجديد/462.
  • نفسه/484.
  • قضايا الشعر المعاصر/41.
  • نفسه/42-47
  • ديوان بدر شاكر السياب –الأعمال الكاملة1/261
  • نفسه 1/262
  • نفسه 1/264-265
  • نفسه 1/269
  • ينظر الأسطورة والشعر/301
  • ديوان بدر شاكر السياب- الأعمال الكاملة 1/243
  • يغير ألوانه البحر/177.
  • نفسه/181
  • بستان عائشة/114
  • عبد الوهاب البياتي-كتاب المختارات/39
  • الأعمال الشعرية الكاملة-احمد مطر/17
  • نفسه/74
  • نفسه/343
  • إيقاع بابلي/150
  • ديوان حميد سعيد 1/156
  • نفسه 1/134
  • عبد الرزاق عبد الواحد-الأعمال الشعرية2/221
  • نفسه 2/233
  • قصائد من الشعر العربي المعاصر في العراق/62
  • التجربة الخلاقة0س.م.بورا/15
  • ينظر الصورة والبناء الشعري/31
  • ديوان حميد سعيد1/156

40-    شجرة القمر /44

41-  الأدب العربي الحديث دراسة في شعره ونثره/278

42- شجرة القمر/110

43- ديوان بدر شاكر السياب –الأعمال الكاملة1/243

44- عبد الوهاب البياتي-المختارات/39.

45- ينظر، ويكون التجاوز/70.

46- حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي الحديث/140.

47- عبد الرزاق عبد الواحد-الأعمال الشعرية 2/203.

 

 

 

 

المصادر

1- الأدب العربي الحديث دراسة في شعره ونثره-د.سالم الحمداني ود.فائق مصطفى احمد- دار الكتب للطباعة والنشر-الموصل -1987.

2- الأدب الملتزم-جان بول سارتر-ترجمة :جورج طرابيشي-دار الآداب-ط2- بيروت-1967.

3- الأسطورة والشعر- عبد الرزاق صالح- دار الينابيع- ط1- سوريا-2009.

4- الأعمال الشعرية الكاملة-احمد مطر- ط2- لندن- 2001.

5- الالتزام في الشعر الإسلامي الفلسطيني المعاصر-جواد إسماعيل عبد الله الهشيم-رسالة ماجستير –كلية الآداب-الجامعة الإسلامية-غزة-2011.

6- الالتزام في الشعر العربي- احمد أبو حاقة-دار العلم للملايين-بيروت-1979.

7- إيقاع بابلي(قراءة في شعر حميد سعيد)-عزيز السيد جاسم- دار الشروق-ط1- القاهرة- 1990.

8- بستان عائشة-عبد الوهاب البياتي-دار الشروق- ط1- القاهرة- 1989.

9- التجربة الخلاقة- س.م.بورا- ترجمة:سلافة حجاوي-منشورات وزارة الإعلام-بغداد-1977.

10- تطور الشعر العربي الحديث في العراق,اتجاهات الرؤيا وجمالات النسيج- د.علي عباس علوان- منشورات وزارة الإعلام-بغداد-1975.

11- الثقافة العربية أمام تحديات التغيير-تركي الحمد – دار الساقي- ط1-بيروت- 1993.

12- حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي الحديث- س.موريه- ترجمة: سعد مصلوح-القاهرة-1969 .

13-  ديوان بدر شاكر السياب – الأعمال الشعرية الكاملة -دار الحياة-القاهرة-2011

14- ديوان الجواهري- مطبعة الغري-النجف- 1935.

15- ديوان الجواهري-محمد مهدي الجواهري-ط5-بغداد-1961.

16- ديوان حميد سعيد- مطبعة الأديب البغدادية- ط1- بغداد- 1984.

17- شجرة القمر – نازك الملائكة- دار العلم للملايين –ط1-  بيروت –  1968.

18- الصورة والبناء الشعري-د.محمد حسن عبد الله- دار المعارف-مصر.

19- عبد الرزاق عبد الواحد,الأعمال الشعرية الكاملة- دار الشؤون الثقافية-بغداد-200.

20- عبد الوهاب البياتي-كتاب المختارات-محمد مظلوم- دار الكنوز الأدبية-ط1- بيروت-1998.

21- في الثورة-حنة ارندت- ترجمة:عطا عبد الوهاب- المنظمة العربية للترجمة-ط1-بيروت-2008.

22- قصائد من الشعر العربي المعاصر في العراق- عبد العزيز محمد جمعة- مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري- الكويت- 2011.

23-  قضايا الشعر المعاصر- نازك الملائكة – مكتبة النهضة-ط3- بغداد- 1967.

24-  قضية الشعر الجديد –د.محمد النويهي-دار الفكر-ط2- القاهرة- 1971.

25- المعجم الأدبي- جبور عبد النور- دار العلم للملايين- ط2- بيروت- 1984.

26- ويكون التجاوز، دراسة نقدية معاصرة في الشعر العراقي الحديث، محمد الجزائري، منشورات وزارة الإعلام، الجمهورية العراقية، سلسلة الكتب الحديثة، 1974.

27- يغير ألوانه البحر- نازك الملائكة- الهيئة العامة لقصور الثقافة- القاهرة-1998.

 

 

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: