الأبعاد الفنية و الجمالية في بناء القصّة القصيرة جدّا بقلم هواشرية بختة

img

الأبعاد الفنية و الجمالية في بناء القصّة القصيرة جدّا قراءة في مجموعة (زرقاء اليمامة و التنفس حلما )  للقاص  حسين المناصرة *

هواشرية بختة*

 

الملخّص

يسعى هذا البحث إلى إضاءة الملامح القصصية الخاصّة بمجموعة (زرقاء اليمامة والتنفس حلما) للقاص الفلسطيني حسين المناصرة ، الذي يعدّ علامةً مميزةً في القصّة الفلسطينية القصيرة جدّاإذ استطاع على مدار تجربة ممتدة تكريسَ صوتٍ قصَصي خاص به  في مستواه الفني الجمالي ، فقد تنوّعت تجربته الفنيةُ بين القصّةِ القصيرة والقصّة القصيرة جدّا والتي اعتُبِر رائداً في إنتاجها .

ويطمح البحث عبر دراسة هذه المجموعة القصصية تلمُّس الملامح الفنية والجمالية التي أَوْجَدَت هوية حسين المناصرة الخاصّة والتي ميّزت نتاجه القصصي والتي وضعته في مرتبة رفيعة بين كتّاب القصة الفلسطينية القصيرة جدّا بوجهٍ خاص وكتّاب القصةِ العربية القصيرة جدّا بوجهٍ عام.

Abstract

The present research is designed to shed some light on the narrative features of  narrative  collection (Zarqaa Al yamam wa Atanafos helemen )  of the Palestinian story teller Hussein Elmenasra , an outstanding landmark of the Palestinian extra short story . His long experience represents a unique narrative voice, both on the artistic and content levels . His prolific output is quite varied, ranging from the short story, to the extra short story . This research endeavors, through an applied study of one collection , to delineate the artistic and content features which give Hussein Elmenasra’s work a unique quality, setting him really high among Palestinian extra short story writers in particular, and Arab extra short story writers in general.

توطئة

حين نتصفّح ما أُلِّفَ من دراسات في نقد القصّة القصيرة جدّا بوصفها جنسا أدبيا مُستَحدَثا في الساحة الثقافية الأدبية ، يظهر معنا اختلاف النقّاد بشأن طبيعة خصائص هذا الفن وجمالياته اختلافا ينمّ عن تفاوت اجتهاداتهم في هذا الصدد ، كما حاول بعضهم صياغة تعريف محدَّد للقصّة القصيرة جدّا كشكل متميّز له من الملامح ما يجعله منفردا عن غيره من الأشكال الأدبية .

ولما كان السرد احتياجا إنسانيا يسعى من خلاله الإنسان للتواصل مع الآخرين ، غدت القصّة القصيرة جدّا فنّا إبداعيا جميلا تتم صياغته باحترافية من قِبَلِ مبدعيه بحيث تُضغط القصّة في عدّة كلمات تصل لمعناها دون أن تفقد جمال كلماتها وإيماءاتها الموصلة لذات المعنى .

أولا: القصّة القصيرة جدّا نشاط إبداعي في المشهد الثقافي الأدبي

في سياق أدبي يمتاز باختراق الحدود بين الأنواع والأجناس ظهرت القصّة القصيرة جدّا راسمة لنفسها انطلاقة لافتة للنظر ، حيث عرفت انتشارا واسعا احتلّت على إثره مساحات ليست بالقليلة من صفحات المجلاّت الثقافية والأدبية فصارت أحد  فروع الأدب القصصي إلى جانب الرواية والقصّة والقصّة  القصيرة . الأمر الذي  أغرى  الباحثين والنّقاد وساقهم نحو البحث في أصول هذا الفن  وعراقته وطريقة التعامل معه ، فوقفوا مواقف متباينة منه بوصفه جنسا أدبيا  أطلقوا  عليه  مصطلحات وتسميات راحت تقترب تارة من دلالاته الفنّية وترسم تارة أخرى ملامحه الفنيّة بدلالات تنظيرية ، فأدرك بعضهم أنّه لا يختلف عن بقية أنواع السرد لاسيما أنّه يحتاج إلى المهارة و فنّ إدارة بنائه ، ذلك أنّ تماوج السرد بين مخيلة الكتابة وبين محدودية الفضاء أظهر هذا السرد مضغوطا مُحمّلا بعناصر البناء الفني في النص صغير البنيان (1).

هكذا استخدم النقّاد والدارسون تسميات متعدّدة لتمييز شكل القصّة القصيرة جدّا ، تسميات مثل : القصّة المفاجئة ، السريعة ، الومضة ، الضامرة. وهي تسميات تشير  في المقام الأوّل إلى بناء الشكل وتوحي بأنّه بناء محدود لا يفي بمتطلبات قصّة كاملة ، وتسميات مثل : القصّة البسيطة ،  الدقيقة  الصغرى ، الأصغر ، تشير للطول أكثر من البناء وتستدعي مقارنتها بأطوال أشكال أخرى.

وعلى ذِكر ما هو مُتَعارف عليه من قِبَل الباحثين يظهر أنّ نتالي ساروت NathalieSarraute الكاتبة الفرنسية الذائعة الصيت هي أوّل من كتب القصة القصيرة جداً عام 1932م ، ولكن الحقيقة أنّ ثمة كتّابا آخرين كتبوا هذا الجنس الأدبي قبل ساروت بثلاثة عقود وأكثر  أمثال : أليكس فينونAlex vinonوأدغار ألن بوEdgar Allan Poe ، ولكنهم ما أسمواقصصهم بقصص قصيرة جداً ، وحتىّ ساروت نفسها أسمتها (انفعالات) ولكن فتحي العشري عندما ترجمها في مستهل سبعينيات القرن الماضي أسماها (قصص قصيرة جداً) وبذلك تذهب الريادة إلى ساروت(2) .

وكان لهذا الكتاب تأثيره الواسع سواء من ناحية التسمية المُختارة أو من ناحية طبيعته الجديدة في توجيه الانتباه إلى نوع جديد أو على الأقل أحد أشكال الكتابة الجديدة التي ظهرت حينذاك في الساحة الأدبية.

وفي خضم محاولات التأصيل لهذا الفن عمد النقّاد إلى تجاوز الاختلاف والتباين  الحاصل في أراء الدارسين حول مسألة تحديد الريادة إلى محاولة تحديد المصطلح ، تاركين الباب مفتوحا أمام الاجتهادات المتكرّرة للوقوف على هذا الفن ودواعي ظهوره و انتشاره و ماهيته وضبط دلالته . حيث تظهر تجربة أحمد جاسم الحسين الذي حاول استعراض وترسيخ أهم المصطلحات التي عبّرت عن هذا الشكل الأدبي إثر تحديد ستة عشر مصطلحا تمّ تصنيفها في ثلاث شعب من كتابه المعنون : القصّة القصيرة جدّا على وفق التفريع التالي(3):

أ ـ مصطلحات زمنية : كالقصّة الجديدة ، والقصّة الحديثة ، والحالة القصصية،  والمغامرة القصصية ،  وهي جميعها تنطلق من حكم  وصفي يزول  بالتقادم.

ب ـ مصطلحات الأجناس الفنية : كاللّوحـة القصصية ، والصورة القصصية ،  والنكتة القصصية ، والخبر القصصي ، والشعر القصصي ، والخاطرة القصصية. وهي جميعها تشترك مع فنون أخرى ، كما تؤكّد على الصفة (القصصية) وتعمل على إبرازها أكثر من الموصوف .

ج ـ مصطلحات دلالية : كالقصّة القصيرة جدّا ، والقصّة الومضة ، والقصّة اللقطة ، والقصّة القصيرة للغاية ، والقصّة المكثّفة ، والقصّة الكبسولة ، والقصّة البرقية. وتشترك جميعها في دلالة السرعة وصغر الحجم.

في حين يذهب ياسر قبيلات إلى التوضيح أنّ المسألة ليست مجرّد تسمية كيفما اتفق وإنّما هي مسألة بنية وتقنية وأركان مكوِّنَة :=فلو حاولنا تفكيك هذا الاسم الاصطلاحي (قصة قصيرة جدّا)  لوجدناه يتكوّن من ثلاث كلمات ، تحمل الأولى دلالة نوعية ، وتحمل الأخريتان دلالات كميّة ،  ما يعني أنّهما غير قادرتين على إيجاد علاقات لغوية منطقية بينهما في سياق البحث الاصطلاحي للنوع الأدبي إلا بالارتباط بالكلمة الأولى. إنّ تلاحق الكلمتين الثانية (القصيرة) والثالثة (جدّا) ، يعطي الدلالة الكميّة للكلمة الثانية ، شكل الدلالة النوعية ، فذلك مجرّد شكل ومجرّد انعكاس يبقى مشروطا بالارتباط بالكلمة الأولى (القصّة) والأصل في فهم (قصّة قصيرة جدّا) يتحقّق من تأليف ثلاث كلمات ، تشير الأولى والثانية إلى نوع أدبي راسخ ومتميّز من حيث تقنياته الجمالية هو(القصّة القصيرة).أمّا اللاحقة(جدّا)  فإنّها تشكّل مع التآلف الاصطلاحي للمفردتين الأوليين (القصّة القصيرة)  التآلف الاصطلاحي الجديد الذي يشير إلى نوع أدبي هو(القصّة القصيرة جدّا ) وهذا يثير التباسا يحيل إلى هيمنة القصّةالقصيرة ، فبدلا من الإشارة إلى تسميتها وهويتها كنوع أدبي مستقل نراه يعكس إشارة إلى روابط قرابة وثيقة معالقصّة القصيرة . ويحيلنا هذا الالتباس إلى القول بأنّها نوع من أنواع القصّة القصيرة ، وليسفي هذا منسوء إلاّ أنّه يقودنا إلى تعسّف نقديوتعسّف نظري ، فمثل هذا القول يجعل التعيينات النوعية الجمالية للقصّة القصيرة هي ذاتها التعيينات النوعية والجمالية للقصّة القصيرة جدّا+(4).

وطرق القاص عدنان كنفاني ـ من جهته ـ مُعتَرَك الجدل الحاصل عن فوضى تحديد المصطلح  متسائلا ما إذا كان الإشكال الذي تطرحه القصّة القصيرة جدّا متعلِّقا بالنص ، مضمونه ، حجمه وعدد كلماته ، أم أنّه نابع من التسمية : قصيرة جدّا(5)  ، فانتهى إلى أنّ مصطلح (قصّة قصيرة جدّا) لا يعني أن من طرحوه في الساحة الأدبية إنّما أرادوه لونا مُبتَدَعا  أو جنسا أدبيا جديدا ، رغم كون الإبداع عنصرا جليا في كلمة (جدّا)  والتي أثارت حسب الدارسين جدلا لم يُحسَم فيه القول بعد .

إذن يبقى السؤال مطروحاً: ما القصة القصيرة جداً؟! إنه السؤال المحوري الذي يسعى إلى تحديد مفهوم هذه القصّة وجمالياتها ومدى مشروعية معاييرها في التعبير عن ذاتها باعتبارها نصا سرديا. وفي هذا السياق تحديداً يعرّفها يحيى عبابنة بأنّها : =فن يحمل على القص وإن تنوعت تسمياته ، وهي من التقنيات الحديثة التي رافقت تطوّر كتابة القصّة في الوطن العربي في العقود الأخيرة+(6) . ومن جهته ركّز فاضل ثامر على خطأ النظر إلى هذا اللّون من الكتابة على أنّه لون مستقل أو بديل لأشكال الكتابة القصصية الأخرى ، مؤكّدا خطورة هذا الغرض الذي يقود إلى التضحية بالتجربة القصصية وتركيزها في حدود ضيقة(7) .

هناك تباين حول الاسم ، إذن ، وكذلك حول المعنى وراء التسمية . وفي انتظار اتفاق عام ، يظلّ مصطلح القصّة القصيرة جدّا مستخدَما على نطاق واسع للإشارة إلى شكل قصصي غامض ، لا شيء يبيّن طاقات إمكاناته سوى أنّه قصير جدّا .

وكعادة كلّ جديد ، =لم يكن ظهور هذا الفن عبثا وإنّما وليد عوامل ذاتية تتعلّق بدرجة القصدية والوعي عند القاص التي تدفعه إلى محاولة الابتكار والتجديد+(8) . أضف إلى ذلك جملة من العوامل الموضوعية الأخرى التي أسهمت من جهتها في ظهور هذا الفن الأدبي و الذي مثّل بدوره استجابة لمجموعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المعقّدة والمتشابكة التي  أقلقت الإنسان واستُخدِمَت  للابتعاد عن كلّ ما يتَّخِذ حجما كبيرا  أومُسهِبا في الطول كالقصّة القصيرة والرواية والمقالة والبحث ، فـ =التطوّرات التكنولوجية السريعة والهائلة التي شهدها العالم بشكل عام والوطن العربي بشكل خاص ، وكثرة مشاغل الإنسان قد قرّبت إليه هذا الشكل من الفن الأدبي بحجمه المحدود الذي قد لا يتجاوز الصفحة الواحدة ، ومحدوديةكلماته وأسطره وأسهمت ظروف كثيرة في بروز الاهتمام بفن القصّة القصيرةجدّا ، حتى صار هذا الاهتمام ملفتا للانتباه ومحطّ جدل في كينونته وماهيته وشرعيته وتأثيره+(9).

ويقف عبد السلام الحميد من جهته على جملة الأسباب والعوامل التي أسهمت بدورها في إيجاد هذا الفن الأدبي إذ يقول : =ولأنّ السرد الطويل يحتاج إلى جهد فائق ، ويستلزم خبرة تقنية ووقتا طويلا قد لا يتاحان لكاتب من شباب مبدعٍ مهمومٍ بالوطن وثقافته ، تشتعل روحه في لحظة إبداع لا يستطيع كبتها ، وتُلِحُّ تجربته في الخروج  إلى الوجود ، شكّلت القصة القصيرة جدّا مخرجاً تعبيرياً يماثل القصيدة بلا قيودها ، وبخصائص أكثر مرونة. ولأنّ الأسباب ذاتها تكاثفت مع المتغيرات الثقافية ، خرجت للحياة القصّة القصيرة جدّا  التي تعدُّ وليداً غضاً مقارنة ببقية الأجناس الأدبية ، وهي لم تتشكّل على حساب الأجناس السردية الأخرى بقدر ما تكوّنت نتيجة متغيرات اجتماعية واقتصادية وما ارتبط بالظّروف مثل العولمة وثورة الاتصالات ، وهي في صميم تكوينها قصّة قصيرة ، فليس مهما المساحة السردية وإنّما المضمون+(10).

أمّا نعيم اليافي فيرى من جهته إمكانية إضافة أسباب ودواعي أخرى إلى جملة العوامل السابقة بحيث يمكن حصر هذه الأخيرة فيما تتمتع به القصّة القصيرة جدّا من مرونة قادت إلى خلق بنية جديدة ، فعلى الرّغم من المظاهر الفنيّة للقصّة القصيرة جدّا إلاّ أنّ شكلها يبدو مرنا وقابـلا للتصرّف فيه بكيـفيـات لا تحصى وقابـل للتأثُّر بفنـون أخرى(11) ، الأمر الذي يجعل من انفتاح هذا الفن على الأجناس الأخرىمحاولة واضحة لإيجاد مكان خاص لهذا الأخير ضمن زخم  باقي الأجناس الأدبية وعلى رأسها جنس الرواية .

هذا و يذهب عدد من الباحثين إلى التأكيد  على أنّ القصّة القصيرة جدّا قد ظهرت في العقود الأخيرة من القرن العشرين في العراق والشام ، فثمّة  تجارب متقدّمة  لكتابة هذا  الفن عربيا ، بحيث ازدهر بشكل لافت للنظر في المغرب مع الألفية الثالثة ، ما يعني أنّ =القصّة القصيرة جدّا ليست وليدة اليوم  لكن ما استجدّ فيها هوتقنياتها وكثافتها وغرابتها وومضها السريع . ونجد من الأسماء التي برزت في هذه الكتابة : فهد المصبح ، سعود قبيلات ، بسمه النسور ، فاروق مواسي حسن برطال ، عبدالله المتقي ، فاطمة بوزيان ، منتصر القفاش ، محمود علي السعيد ، جبير المليحان ، ناصر سالم الجاسم ، زكريا تامر ، احمدجاسم ، عبدالسلام الحميد ، عمار الجنيدي وطلعت سقيرق … إلخ ، فقد استمال هذاالفن الكثير من الأدباء لكتابتها+(12).

انطلاقا مما دار أو بالأحرى مما  يدور في الآونة الأخيرة من جدل  حول القصّة القصيرة جدّا ، يمكن القول أنّ ثمّة جديدا يولد مع  ظاهرة  باتت تفرض نفسها على  واقع  الحركة الأدبية ، ظاهرة  لها  من الملامح  والمميّزات ما لم يعد بالإمكان تجاوزه أو الإعراض  عنه ألا وهي القصّة القصيرة جدّا والتي صار  بالمقدور  تعريفها  بالتعرُّف على  ملامحها  وسماتها  و مميّزاتها  بوصفها  جنسا  أدبيا يحمل من مقوّمات الإبداع ما يضفي عليه مشروعية البقاء  والاستمرار مستقبَلا .

ثانيا : مقوّمات الإبداع في القصّة القصيرة جدّا

من نوافل القول في معرض الحديث عن البناء الفني ومقوّماته الجمالية في أيّ عمل إبداعي ، هو تحديد ماهيته دفعا للغموض وإشراكا للمتلقي في المعرفة يقول الناقد المغربي نور الدين صدوق: =هو الكيفية التي عن طريقها تمّت صياغة هذا النتاج ، في معنى آخر ، المكوّنات الفنية للإبداع+(13).

وأوّل ما  يتبادر  إلى أذهاننا وننحن بصددالتعرّف على أهم  خصائص  هذا  الجنس الأدبي وأركانه وعناصره ، ما يتّصل بأهم مقومات تجنيسه وهي سمة القصصية والقصر باعتباره (قصّة قصيرة جدّا) ، أمّا القصصية بصفتها أهم الأركان المؤسّسة للقصّة فلا تتمظهر إلاّ بوجود قصّة مكيّفة لبنية هذا الجنس الجديد ، والقصّة بأبسط تعريفاتها حكاية تتسلسل  أحداثها في تتابع واطّراد لتفضي إلى تطوّر لأحداث منتظمة في زمن ، ويكشف ذلك عن وجود حكاية وشخصيات وحدث متنامٍ وفعل درامي وحوار بحسب مقتضيات شكل القصّة وطولها ؛ فالنصوص التي لا تتوافر فيها الحكاية وتقنيات القص المناسبة لا يمكن لها أن تبقى في محيط القصّة القصيرة جدّا ، ومن ثمّ تسلك في سلك الخاطرة أو النكتة أو غيرها بحسب طبيعتها وخصائصها ، فالقص هو محور هذا الجنس الرئيس(14) .

من هنا ـ وبالنظر إلى الرواية و القصّة القصيرة ـ نجد القصّة القصيرة جدّا متميّزة بخصائص كميّة و نوعية جعلت لهذا الفن توصيفات محدّدة خاصة حملت جمهور النقّاد على تعريف هذا الجنس الأدبي على وفـــق تلك التوصيفات . وعن هذا يقول عمّار الجنيــدي : =ينهض البناء الفني في القصّة القصيرة جدّا على أهمّ معيارين تقوم عليهما ، ويُعلا شأن هذا الجنس الأدبي بهما  وهما معيارا الكم والكيف+(15). بناء على هذا  يحدّد  المعيار الكمي قصر حجم  القصّة ، في  حين  تقوم المقوّمات السردية كالأحداث والشخصيات والبنية الزمانية على معيار الكيفية والقصدية .

وفي هذا يذهب أحمد جاسم الحسين إلى استعراض أبرز التقنيات والعناصر التي تحمل هذا الجنس الأدبي على الخصوصية ، إذ لخّصها في الأركان التالية : القصصية ، الجرأة ، وحدة الفكر والموضوع ، التكثيف ، خصوصية اللغة والاقتصاد، الانزياح ، المفارقة ، الترميز ، الأنسنة ، السخرية ، البداية ، القفلة والتناص(16).

والملاحظ  هناأنّ القصّة القصيرةجدّا و التي تزيد على القصّة القصيرة بصفتها الرئيسة (القصر) تزيد عليهاكذلك بما يتبع القصر ومايتطلّبه من صفات الاختزال والتكثيف والاقتضاب والاقتصاد. فالقصة القصيرة جداً=نص لغوي مختار وموجز ، على أنّ الإيجاز لايعني الاختصار فحسب ، بل يتّجه إلى الصوغ اللغوي لأنّه الوسيلة الأولى للتأثير ، إذ يرتدي الفكر أجنحة من الشعر والبيان المبتكر بلا إفراط ، إذ يلامس الكاتب الهدف لكن لا يفصح عنه بل يترك للقارئ فرصة المشاركة في اكتشافه… فالقصّة القصيرة جدّا لا تميل إلى الشرح والتعليل والتفصيل في رسم البيئةالزمانية والمكانية ، لأنّ ذلك يفقدها توهجها ، كذلك الاختصار من الروابط بين الجمل واستطالة الجملة أوالإكثار من الضمائر والوصف المفصّل+(17) .

من هذا المنطلق تظهر لغة القصّة القصيرة جدّاغير ناقلة للحدث بقدر ماهي لغة بانيةله ولعناصره ومعبّرة أكثر مما تقول ، بحيث تمتلك خصوصية تقترب فيها من الشعر مما يدعو إلى ضرورة معرفة أسرارها البلاغية والعمل على الإفادة من هذه الأنماط في التكثيف الموحي الذي هو أهم عمود من أعمدة القصّة القصيرة جدّا(18). هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لا تمنح  القصّة القصيرة جدّا الأديب مساحة للتراخي اللغوي في التعبير عن الفكرة ، فلكي يبتدع لغة مدهشة ونابضة بالحياة ينبغي عليه  أن يصنع اللّقطة تلو الأخرى حتّى يتجنب الوقوع في النمطية والقوالب الجاهزة لأنّ الاعتناء بكلّ لقطة إنّما يجعلها مميزة عن سابقتها في القدرة التعبيرية(19). وإذاكانت القصّة القصيرة جدّا  بهذه المواصفات، فحتماً لن يكتبها غير متمرّس خبير باللّغة ، قاص بارع في البلاغة، متقن للّغـة المجازية .

بهذا المعنى تقوم القصّة القصيرة جدّا على مبدأ رئيس هو التقزيم(20) ، كما تنهض على تقنيات منها خصوصية اللغة والاقتصار في التعبير ، ومنها أيضا الانزياح بوصفه  سمة لخصوصية اللغة. فالانزياح اللغوي محاولةلتحميل مفردات اللغة دلالات أوسع من دلالاتها المعجمية(21) ، وهو السمة التي يرى فيها الأدباء المحدثون تجديداً لحياة اللغة التي أبلاها جمود صيّغها في حدود الاستعمال المصطلح عليه .

تبعا لذلك لاقت القصّة القصيرة جدّا كغيرها من الأنواع الأدبية ـ  و بما تمتلكه من مؤهّلات بنائية ـ عناية النقّاد و الباحثين الذين تتبّعوها عن كثب في محاولة منهم تقعيدها على نحو يسهم في استمرار وجودها ويحفظ كينونتها ويمنحها جدوى شرعيتها ، كما استطاعت أن تجمع من حولها جمهورا من المبدعين الشباب الذين آثروا اللجوء إليها ليس لأنّها  أقلّ من القصّة القصيرة الأم و إنّما لقيمتها الفنيّة العالية التي تعكس  هموم الإنسان العربي المعاصر وقدرتها الفائقة على  تجسيد أعمق اللحظات الإنسانية في حياته .

ثالثا : قراءة في مجموعة ( زرقاء اليمامة و التنفس حلما )  للقاص حسين المناصرة

تتشكّل المادة القصصيةفي مجموعة القاص الفلسطيني حسين  المناصرة (زرقاء اليمامةوالتنفس حلما) الصادرة عن دار فضاءات في عمان من التفاصيل الصغيرة الدقيقة لمشهد الحياة اليومية ومن التجارب الإنسانية التي غالباً ما يجد أصحابها أنفسهم أمام لحظات مفصلية هي بمثابة بدايات جديدة أو نهايات يُدفَعون دفعاً إلى مواجهتها. بهذا المعنى حاول حسين المناصرة تشكيل مادته القصصية من تجارب هذه الفئة التي تتكشف لهاالحياة فجأة من خلال انعطافة غير متوقعة وسط سعيها الدؤوب وانشغالها بظروف العيش والعمل حيث يصير الوجع الفلسطيني جزءا من المعاناة فتشتدّ المواجهة وتتصارع قوّة  القهر وإرادة الحياة .

واجهت مجموعة حسين المناصرة المتلقي بعنوانها الذي جاء تناصا مع شخصية زرقاء اليمامة كشخصية ميثولوجية أسطورية عربية قديمة . وهي امرأة من جديس من القبائل العربية البائدة من أهل اليمامة ، كانت ترى الشخص على مسيرة ثلاثة أيام ، وهي أبصر خلق الله عن بُعد . والعرب تضرب بها المثل لجودة بصرها وحدّة نظرها . أنذرت قومها من العدو فلم  يصدّقوها إذ استتر العدو بقطع الأشجار وزحف نحوهم و عندما وصل إلى الديار أباد الأهل وفقأ  عيني زرقاء اليمــامة(22).

إنّ اختيار هذه الشخصية إنّما مردّه لرؤية القاص التي هي جزء من نسيج تجربته الشخصية التي تتّصف بالتمرّد والرّفض والتي تحلم بالانتصار لإرادة الشعب . فزرقاء اليمامة تمثّل القوّة البصرية التي فاقت الواقع  في حين يكون الحلم ملاذا وملجأ للتنفّس وبالتالي مخرجا محدّدا لتخطي  مرحلة المعاناة .

وفي هذا نجد القاص حريصا أشدّ الحرص على  بناء مادتهالحكائية من خلال المزاوجة الفنية بين استلهام الذاكرة والواقع من جهة ، وبين استشراف عالم المتخيل من جهة ثانية. هذه المادة الحكائيةتعكس مدى تأثيرها بشكل من الأشكال في المسار القصصي الذي يتبناه القاص في عمله من ناحية الشخوص  والأحداث والرموز والدلالات .

اتّخذت نصوص هذه المجموعة شكل القصّة القصيرة جدّا ، وهو شكل سريع القص عميق المعنى لتكون نصوصا فنّية في كتابتها وعظية هادفة في مضمونها وغاياتها ، إنّها تمثّل بالمطلق مادة للتفكير في قضيّة ظلّت لعهود خلت شاغلا من شواغل الفكر الإنساني ، حيث خاض فيها الخائضون كلّ بأسلوبه  لتتحوّل من مجرّد نصوص للقراءة إلى قراءة فكر يَطرُق الخلاص من تبعات الاستلاب والقمع .

حمَلَت هذه القصص على مدار  واحد و ستين قصّة عناوين مميَّزَة لافته ، منها ما يتألّف من كلمة واحدة (قلب ، لوحة ، بكاء ، الجنوب ، يمامة ، كابوس  الروح ، تعزية ، هروب ، جريمة ، انتحار ، مؤامرة …) ومنها ما يتألّف من  كلمتين (مشهد تلفازي ، هزيمة صغيرة ، التنفّس حلما ، أغنية الرحيل ، نكتة سخيفة ، نهقة حمار ، الورقة الخضراء …) ، مما  يجعل قراءة  القصّة تحقيـقا  لأفق انتظارالقــارئ  ، إذ تحمل هذه العناوين إشعاعاتها الخاصة  بحيث يشكّل كلٌ منهابقعة ضوء  تتبدى  دلالاتُها وإحالاتُها قريبة من القارئ فيما يتّصل بوظائف وأدوارالشخصيات الواردة فيها ، وتعدّ مفتاحاً لقراءة القصّة من خلال ما حملته من  تلميحات  وقرائنَ ودلالات ، إذ غدت قصصا لا تخلو من واقعية ولا تخلو من حقيقة ، اختزلت في مضمونها حياة الناس بشتى تلاوينها كما  توافرت على تماسك حكي تميّز بالفنّية والمحافظة على مقوّمات القصّة القصيرة جدّا .

تعكس هذه القصص مظهرا من مظاهر المفارقة في الوجود التي  يعيشها الإنسان  الفلسطيني في  ظل الاحتلال ، كما تعكس  و الحال تلك صورة مقتضبة للوجود في ظل الذات المُهَمَّشَة التي تطلب الراحة و السكينة وسط عالَمٍ  صاغه المستدمِر في مفاهيم جديدة :

(علي أن أتنفّس !! هكذا قلت لنفسي … ولكن ، كيف أتنفس ؟! سؤال أرّقني حتّى الضياع !! أريد فقط أن أتنفّس…لا شهيق ، ولا زفير !! وأخيرا وجدتها فكرة مستساغة : أن أتنفّس حلما ، تخيُّلا ، فكرة متداعية!!  أيّ حلم أريد ؟ حلم الأمل !! حلم الوسادة الخالية  !! حلم اليقظة !! حلم اللاشعور!! حلم كابوس بطن منتفخ ؟! جلجامش والإسكندر حلما بالخلود !! وأنا أحلم أن أتنفّس بارتياح ما قُدِّرَ لي أن أعيش … وعلي أيضا أن أحلم بلحظة قصيرة خالية من أيّة شائبة في وجه هذا الوطن الكهنوتي من بَرِّهِ و العاهر من جَوِّهِ …)(23).

يُقَدِّم هذا المحكي لحظات من الرؤية و النظر تنبثق عنها صور أحلام مُثقلَةٍ بالدلالات تُجسِّدُها تساؤلات في رحلة البحث عن حلم مطموس الملامح ، مجهول الهوية ، حلم يسكن أعماق الذهن. إنّه الحلم بلحظة خاطفة قصيرة في التنفُّس بارتياح والتعلُّق بالحياة بعيدا عن أيّة شائبة . وفي هذا إشارة إلى أنّ الإنسان الفلسطيني  يعيش قلقا وجوديا بين الماضي و الحاضر أرّقه حتى الضياع ، حبس أنفاسه وخنق أحلامه . إنّه يحمل هاجس القضية التي كانت ولا زالت تطلب واجب التضامن الإنساني.

ظلّ الوطن وخياله راسخا في العقل والوجدان ، إنّه الرسوخ  النابع  من رحم النكبة وما شكّلته رحلة الشتات من هواجس وأحلام سكنت وما زالت تسكن  النفس ما دام الجرح الفلسطيني داميا حادا وعميقا . ففي غربته الباردة تأتي صرخة الكاتب حادة وعميقة بعمق الوجع الوطني ، مُثْقَلَةً بسؤال الذات ، صاخبة على الخوف الذي سكن القلوب : (تشرق الروح في غربتي الباردة … تترعرع في أحشاء أفكاري … تعزف أغنية الصمت الرهيب … ترقص لحظة بكائي الصامت  … تقف هناك … تسخر مني … تلعب بأذيال الحزن …من أنت ؟! تصرخ بي !! آه من سخريتها … صرخاتها : من أنت ؟! أنت ؟! أنت من تكون ؟! هناك تقف !! وهناك أنزوي كئيبا !! من أنت ؟! أنا جسد مرهق … ما زلت نزقة … أتلاشى … من أنا ؟! هل أعرف حزني ؟! فرحي ؟! لغتي ؟!  أشيائي البالية ؟! يا أيّتها الصاخبة المتمرّدة على خوفي … هل تعرفين من أنا ؟!  أنا لا شيء بدونك  !! لا شيء بلا  أفكارك !!  حلمك !!  تشرق الروح من غربتي الباردة … تسخر مني  … تهتف : قم الآن … ارقص للوداع … اكتب مرثية الولادة … الروح تلد من جسدك المتهالك عنقاء جديدة … لن تموت … فالروح لغتك الجديدة)  (24 .

يعود  القاص إلى توظيف الأسطورة  ويستدعيها  باسمها  الصريح(العنقاء)  مما يُفَسِّررفضه الشديد  في تلاشي الحلم الجَمعي(حلم العودة) وتحوُّلِه إلى شظايا . يرفض أن توأد سائر الأحلام فيحاول استحضارها من خلال هذا الطائر الذي  ينبعث  بعد  احتراقه ، فيخرج  من رحم المأساة  بطلا ثائرا ينفض عن  نفسه غبار الموت وسط عالَمٍ لايعرف معنى البطولة ، عالمٌ أجمع على تغييب ضمير الأمّة  فانتزع من شعبها حسّه الوطني و انتماءه القومي .

إنّها دعوة إلى النهوض من جديد صاغها (المناصرة) في مشاهده القصصية صياغة حليمة تنمّ عن نظرته العميقة إلى الأشياء من داخل عالَمِه الشعوري والنفسي ، حيث تحضر أناه الساردة بجميع خصائصها منفتحة على ما هو خارجي وفق ما تنضح به نفسه التوّاقة إلى التنفّس والانطلاق والحلم بغدٍ مشرقٍ ينبض بالحب والحياة .

انعكست صورة الأشياء الخارجية في عالَم القاص لتتحوّل إلى استعارات داخلية صوّرت بكثير من التقزّز والمرارة الفضاء القاتم للشارع المسكون بالضياع والموت والذي كان من المفروض أن يكون فضاءً للحركة يسمح بالاحتكاك بالآخر والتواصل معه : (الشارع مسكون بالضياع و الموت … المارة يمرّون فُرادى … الأخيلة تهيم في الهواء الجامد … عوادم السيارات تخنق ذوي الأنوف الحسّاسة !!  بسطاء ، خراف ، أحذية ، أوانٍ قديمة ، ملابس داكنة ، بقايا مياه نتنة … كيف تمتزج هذه الأشياء كلّها ، فتشكِّل لوحة لعالَم يذوب قرب المقبرة الكبيرة في المدينة التي تترصَّع بالفناء ؟!) (25) .

ففي قصّة ( لوحة )  لم يكن غرض النص  أن يصف الشارع وينقل واقعه وإنّما القصد منه بعث الشعور بالتذمُّر والحسرة على المصير المأساوي الذي آل إليه هذا الفضاء المكاني والذي يُمثِّل في الوقت ذاته شيئا مقدّسا ثمينا ألا  وهو الوطن ، حيث يُصَوِّر القاص بكثير من الإحساس لوحة انبعثت من شعوره الداخلي بانهيار العالَم من حوله وأيوله للزوال .

هكذا جاءت قصص المجموعة مصبوغة باللّذة والألم مما يمنح نصوصها كثافة  شعرية رمزيةتجعل منها بنية نصّية منفتحة على التأويل ، لا تنتظر من القارئ شيئا أكثر من مشاركتها الإحساس  بالألم أو اللّذة .

من جهة أخرى لجأ (المناصرة )إلى توظيف تقنية المتوالية القصصية من خلال استتباع القصّة الواحدة بقصّة جديدة مكمِّلَة لها مثلما هو الحال مع قصّة (همست ليلى) وقصّة ( بصفة أكبر) :

(اقتربت ليلى من جدّتها المريضة … حطّت فمها على أذنها اليمنى … همست : أنت جدّتي … لن أبحث عنك في بطن الذئب !! كبُرَت ليلى !!  لم تعد تهمس… صارت تصرخ في وجوه الجنود المدجّجين بالسلاح ، يقبعون كعناكب الليل على المحسوم بين بيت لحم و الخليل : لن أموت … سألِد طفلتي الجميلة على الرّغم من أنوفكم … سأسميها ليلى الفلسطينية … همست ليلى … قالت ليلى … صرخت ليلى … صمتت ليلى … أنجبت ليلى وطنا بحجم ذاكرة حنظلة )(26). أمّا قصّة (بصفة أكبر)  فتأتي حاضنة للقصّة الأولى : (فجأة في منتصف عام 2005  تدفّق وجه حنظلة الذي لم نره منذ أن وُلِدَ في النكبة الأولى !! كان وجهه القمحيّ الأفتح قليلا من وجه (ناجي العلي) الذي أقسم أن يفضحهم على الحيطان ، إن لم يجد صُحُفا تنشر تعرية (حنظلة) لقُبحِهِم !!)(27) .

ويمكن التمثيــل أيضا بقصّة (شوارعنــا) (28) ،وقصّة ( شوارعـهم )(29) . حيــث جاءت القصّة الأولى استكمــالا للقصّة الثانيــة فلو حاولنا جمع القصتين مع بعضهما و قراءتهما على التوالي لاكتملت معنا قصّة ثالثة بعيدة عن أيّ اختلال  ففي القصّة الأولى يصف القاص شوارع  مدينته التي عمّتها فوضى العفن والفساد وما نابها من دمار محتوم ، في حين تبدو شوارع الصهاينة في القصّة الثانية ـ وهي في الأصل شوارع الفلسطينيين المغتصبة ـ مبهرجة باسم الحضارة والديمقراطية . وفي الأخير يمتلىء القاص إيمانا أنّ كلّ ذلك سيزول مع  أوّل شتاء  حقيقي  يغسل الأشياء المتّسخة المُلَوَّثة بالرذيلة ، فتعود الشوارع  من جديد لأهلها و ذويها .

يحاول القاص عبر لعبة المتوالية القصصية هذه إفراغ شحناته الانفعالية من خلال تطوير بناء القصّة بالشّكل الذي يمنحها ثراء يخلق فيضا جديدا من الإبداع ، فيجمع تجربتين قصصيتين  في حقل قصصي واحد يحمل بنية رؤيوية فنية متكاملة

بقليل من الكلمات استطاع (المناصرة)  أن يبسط الدلالة بعمق من خلال البحث عن زوايا مختلفة للرؤية يعرض على إثرها خطابه المضمّخ بالعذابات والمحن. إنّه يُقَدِّم نصّا مدهشا مكثّفا يغوص في أعماق الحس الإنساني ويدفع القارئ إلى استبصار الحياة و اكتشاف المُضمَر من وعي الفرد الفلسطيني القابع تحت وطأة المستدمر .

في هذا زَخرت مجموعة ( زرقاء اليمامة و التنفس حلما)  بمواضيع سياسية  واجتماعية ، طارحة جملة من  القضايا المهمّة  التي  شغلت فكر  الإنسان العربي  المُثقَل بسؤال الهويّة والمستقبل . يقول القاص في قصّة (اعتراف)(30):

منذ أن قرأت أصغر قصّة قصيرة جدّا كتبت عربيا ، و أنا أفكّر بأن أكتب أصغر قصّة قصيرة جدّا فلسطينية … كانت القصّة القصّة القصيرة جدّا التي قرأتها:

عنوانها : مواطن ، و متنها : حاضر سيّدي !!

لأكتب قصّتي الفلسطينية على النحو التالي :

لعنوان : فلسطيني ، المتن: الاعتراف بالصهيونية خيانة عظمى!! بل لتكن هكذا :

العنوان : فلسطين ، المتن : كلّها وطني !! أعتقد أنّ الأفضل هو :

العنوان : فلسطين ، المتن : لنا!! فلسطين أنا!! ملحوظة : هذه هي الحقيقة الوحيدة … ولا فانتازيا فيها أبدا !! )  .

مع هذا الاعتراف تظهر لنا تجربة القاص إبداعية نابعة عن رؤياوتصوّر  واضحين يغلب عليهما البعد الواقعي. إنّه الحس الواعي الذي لا يحتاج إلى الترميز في أعمق معاني الطرح السياسي رغم وضوح الرسالة وجلائها .

ان إلقاء نظرة متفحصة على نصوص هذه المجموعة يحيلنا إلى القول بوجود روح شعرية تؤطّر العمل فتجعل منه مساحة مضيئة يبسط من خلالها القاص أحلامه وأحزانه ، آماله وآلامه في نفس شعري يعمل على نقل الأثر للمتلقي بأسلوب متّزن وفكر عالي الدلالة . يقول السارد في قصّة (حنونة)(31) :

(أشواك كثيرة تنمو في الساحة العامة المقابلة للمجلس البلدي … وردة حمراء صغيرة سامقة تدافعت من بين الأشواك … أعضاء المجلس البلدي تعجّبوا من مغامرة هذه الوردة التي غدت حكاية … لم يجرؤ أحد منهم على أن يقطفها خوفا على نفسه من الأشواك … هم زرعوا الأشواك … ليدفعوا البسطاء إليها انتقاما … قال الناس : الوردة الحمراء نبتت في المكان الذي وقعت فيه المرأة الحامل … المرأة التي ماتت تبحث عن زوجها بين الأشواك … مات جنينها … ولِدَت الوردة الحمراء … تفاءل الناس ، و ارتعب أعضاء المجلس البلدي !!) .

ما يلفت النظر في هذه القصّة فكرة الثنائية بين الوردة الحمراء والأشواك المحيطة بها ، فالوردة النابتة في هذا المكان وردة ناعمة ورقيقة ، هي تحتفظ بنظارتها وعطرها لدرجة أنّها غدت حكاية شغلت بال الناس فتفاءلوا بها رغم ولادتها بين الأشواك التي تدمي الأصابع. إنّها المفارقة التي تحدث حين يعلو صوت رفض الاندماج  في واقع رث يقيّد الإرادة وينتزع من الأفراد قيمة الكبرياء .

هكذا  اتّخذت مجموعة (المناصرة) لنفسها سمات تعبيرية ووظيفية خاصة تضع القارئ أمام نصوص عميقة بها أكثرُ من منفذ و قراءة  بما تعكسه من صور واقعية وأخرى نفسية غرقت في جملة من الإحداثيات والتفاصيل والجزئيات بحثا عن فجوة للانعتاق من قبضة الواقع المحتوم والانطلاق نحو تحقيق الحلم عن طريق إثبات الذات. وفي هذا تظهر بجلاء قدرة القاص الرهيبة على التأثيث اللغوي والتوظيف المجازي التي مثّلت في مجملها علامة بارزة تحرّكت على وفقها الأحداث والشخوص .

إنّ السمة التعبيرية الأجلى والأوضح  لمجموعة (زرقاء اليمامة والتنفس حلما) تتمثّل في كون تعبيراتها مقتضبة مكثّفة بارعة في اختزال جملة المضامين التي حوتها نصوصها السردية ، بحيث عمد صاحبها إلى دمج جملة من الرؤى والتصوّرات والأفكار في صياغة مكتنزة ذات عمق وقوّة وبراعةتصويريةأحكمت  صوغ الدلالة والتعبير بواسطة سياق مزدوج  تبدى بجلاء في براعة اقتناء العبارة ودقّة إيحاء الإشارة من جهة ، وفي التداخل المقصود بين عالمي الذات والموضوع من جهة أخرى بغية تفريغ شحنات وجدانية اتّسعت ضمن دوائر الفقد  والغربة والحنين والمأساة من جهة ، وبين الحلم والأمل والإيمان بالغد المشرق من جهة أخرى .

 

الهوامش

* حسين عبد الله موسى المناصرة ، ولد في مدينة بني نعيم بمحافظة الخليل بفلسطين عام 1958م ، يكتب في مجالات : النقد الأدبي ، والرواية ، والقصة القصيرة ، والمسرحية ، والمقالة الفكرية. وعضو في اتحادات وجمعيات أدبية وثقافية عربية وعالمية عديدة منها: تجمع الأدباء والكتاب الفلسطينيين ، ورابطة الكتاب الأردنيين. له إسهامات أدبية ونقدية وثقافية كثيرة في الملتقيات والمؤتمرات والفعاليات الأدبية والثقافية ، صدر له: ثقافة المنهج: الخطاب الروائي نموذجاً(1999). المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية الفلسطينية(2002) . وهج السّرد (2010) خندق المصير (2002). وفي القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً : لقاء في الفوج الأخير (1995) .. التنفس حلماً(2009) . وجهي وزرقاء اليمامة وهي قصص قصيرة جدّا ، تقع في مئة وعشر صفحات من القطع المتوسط ، وتضم إحدى وعشرين قصة قصيرة .

1 ـ ينظر: أبو نضال نزيه (القصة القصيرة جدًا في ـ مزيدًا من الوحشة) ، مجلةأفكار ، الأردن ، العدد 212 ، حزيران 2006 م ، ص 20 .

2 ـ  ينظر: امجد نجم الزيدي ( توازن البناء السردي في القصة القصيرة جدا ـ مجموعة: صور ونبضات للقاص فاهم واردالعفريت أنموذجا )  ، مجلة كتابات 2002م للإعلام العراقي ، تاريخ المقال : أيلول2013 م .

3 ـ  ينظر: أحمد جاسم الحسين ، القصة القصير جدا ، ط1 ، دار عكرمة ، دمشق ، سورية 1997م ، ص21 .

4 ـ  ياسر قبيلات ( متاهة القصّة القصيرة جدّا )  ، مجلة الموقف الأدبي ، اتحاد الكتاب العرب ، سورية ، العدد  420 ، نيسان 2006 م ، ص 81 ، 82.

5 ـ  ينظر: عدنان كنفاني ( القصة القصيرة جدّا ـ  إشكالية في النص أم جدلية حو ل مصطلح ) ، منتدى ملتقى  الأدباء  و المبدعين العرب ، الجمعية العلمية السعودية ، جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات . السعودية  2013 م .

6 ـ يحيى عبابنة ( تقنيات القصّة القصيرة جدّا  في مجموعة بسمة النسور ـ  قبل الأوان بكثير ) مجلة أفكار ، الأردن ، العدد 153 ، حزيران 2001 ، ص43.

7 ـ  ينظر: فاضل ثامر ( ملف القصـة القصيرة جدا في العراق ) مجلة الموقف الأدبي ، اتحاد الكتاب العرب سورية ، عدد آب 1974 ، ص 37 ، 38.

8 ـ  المرجع نفسه ، ص 38 .

9 ـ  إبراهيم الحميد (على هامش القصّة القصيرة جدّا ) مجلة الجوبة ، الجوف ، المملكة العربية السعودية ، العدد 27 ، ربيع 2010 م ، ص 05 .

10 ـ  عبدالسلام الحميد ( القصة القصيرة جدانتاج متغيرات اجتماعية واقتصادية يتلاءم وعصر السرعة )  مجلة الجوبة ، العدد 27 ، ص 11 .

11 ـ  ينظر: نعيم اليافي ، التطوّر الفني لشكل القصة القصيرة في الأدب الشامي ( 1870م ـ  1965م )  ، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، سورية 1982م ، ص 205 .

12 ـ إبراهيم الحميد (على هامش القصّة القصيرة جدّا ) ، مجلة الجوبة ، ص 04 .

13 ـ  نور الدين صدوق ، حدود النص الأدبي ، دار الثقافة ، الدار البيضاء ، المغرب  1984 م ، ص149.

14 ـ  ينظر: جودي فارس البطاينة ( القصّة القصيرة جدّا ـ قراءة نقدية ) ، مجلة التربية و العلم ، المملكة الأردنية الهاشمية  المجلد 18 ، العدد 03 ، 2011 م  ، ص 223 ، 224 .

15 ـ  عمار الجنيدي (إضاءات لا بدّ منها في أفق القصّة القصيرة جدّا ) ، مجلة الجوبة ، ص 08 .

16 ـ  ينظر: أحمد جاسم الحسين ، القصة القصير جدّا ، ص34 .

17 ـ  عبد اللطيف الأرناؤوط ( القصّة القصيرة جدّا )  ، مؤسّسة  القدس  للثقافة و التراث ، دمشق ، سورية ، العدد 580 ، فبراير 2012 م .

18 ـ  ينظر: أحمد جاسم الحسين ، ص 42 .

19 ـ  ينظر : المرجع نفسه ، ص 44 .

20 ـ  ينظر: ياسر قبيلات ( متاهة القصّة القصيرة جدّا )  ، مجلة الموقف الأدبي ،العدد  420 ، ص ، 82. 81

21 ـ  ينظر: جميل حمداوي ( القصّة القصيرة جدّا  جنس أدبي جديد )  ، صدر عن مؤسّسة المثقّف العربي ، سيدني ، عدد أغسطس 2012 م .

22 ـ  ينظر: أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني ، مجمع الأمثال ، تح : محمد محي الدين عبد الحميد  ، المجلّد 1 ، ط 3 ، دار الفكر ، بيروت 1972 م ، ص 114 .

23 ـ  حسين المناصرة ، زرقاء اليمامة و التنفس حلما  ، قصص قصيرة جدّا ، ط1 ، دار فضاءات ، عمان 2009 م ، ص  133 .

24 ـ حسين المناصرة ، روح ، ص 131 .

25 ـ حسين المناصرة ، لوحة ، ص 149 .

26 ـ حسين المناصرة ، همست ليلى ، ص 123 .

27 ـ حسين المناصرة ، بصفة أكبر ، ص 124.

28 ـ حسين المناصرة ، شوارعنا ، ص 163 .

29 ـ حسين المناصرة ، شوارعهم ، ص 165.

30 ـ حسين المناصرة ، اعتراف ، ص 162.

31 ـ حسين المناصرة ، حنونة ، ص 156.

 

ببليوغرافيا البحث

1 ـ  إبراهيم الحميد (على هامش القصّة القصيرة جدّا ) مجلة الجوبة ، الجوف ، المملكة العربية السعودية ، العدد 27 ، ربيع 2010 م .

2 ـ  أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني ، مجمع الأمثال ، تح : محمد محي الدين عبد الحميد  ، المجلّد ،1 ط3 ، دار الفكر ، بيروت 1972 م .

3 ـ أبو نضال نزيه ( القصة القصيرة جدًا في ـ مزيدًا من الوحشة) مجلةأفكار ، الأردن ، العدد 212 ، حزيران2006م .

4 ـ أحمد جاسم الحسين ، القصة القصير جدا ، ط1 ، دار عكرمة ، دمشق ، سورية 1997م  .

5 ـ  أمجد نجم الزيدي (توازن البناء السردي في القصة القصيرة جدا ـ مجموعة: صور ونبضات للقاص فاهم واردالعفريت أنموذجا ) ، مجلة كتابات 2002م للإعلام العراقي ، أيلول2013م .

6 ـ  جميل حمداوي ( القصّة القصيرة جدّا  جنس أدبي جديد )  ، صدر عن مؤسّسة المثقّف العربي ، سيدني ، عدد أغسطس 2012 م .

7 ـ  جودي فارس البطاينة ( القصّة القصيرة جدّا ـ قراءة نقدية )  ، مجلة التربية و العلم ، المملكة الأردنية الهاشمية ،  المجلد 18 ، العدد 03 ، 2011م .

8 ـ  حسين المناصرة ، زرقاء اليمامة و التنفس حلما  ، قصص قصيرة ، ط1 ، دار فضاءات ، عمان 2009م .

9 ـ  عبدالسلام الحميد ( القصة القصيرة جدانتاج متغيرات اجتماعية واقتصادية يتلاءم وعصر السرعة )  ، مجلة الجوبة ، العدد 27 ، الجوف ، المملكة العربية السعودية ، العدد 27 ، ربيع 2010 م .

10 ـ عدنان كنفاني (القصة  القصيرة جدّا ـ إشكالية في النص أم جدلية حو ل مصطلح ) ، منتدى ملتقى  الأدباء والمبدعين العرب ، الجمعية العلمية السعودية ، جمعية الترجمة العربية و حوار الثقافات . السعودية  2013 م .

11 ـ عبد اللطيف الأرناؤوط (القصّة القصيرة جدّا ) ، مؤسّسة  القدس للثقافة و التراث ، دمشق ، سورية ، العدد 580 ، فبراير 2012 م .

12 ـ  عمار الجنيدي ( إضاءات لا بدّ منها في أفق القصّة القصيرة جدّا ) ، مجلة الجوبة ، الجوف ، المملكة العربية السعودية ، العدد 27 ، ربيع 2010 م .

13 ـ فاضل ثامر (ملف القصـة القصيرة جدا في العراق) مجلة الموقف الأدبي ، اتحاد الكتاب العرب ، سورية ، عدد آب 1974 .

14 ـ  نعيم اليافي ، التطوّر الفني لشكل القصة القصيرة في الأدب الشامي (1870م ـ 1965م ) ، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، سورية 1982 م .

15 ـ  نور الدينصدوق ، حدود النص الأدبي ، دار الثقافة ، الدار البيضاء ، المغرب 1984 م .

16 ـ  ياسر قبيلات ( متاهة القصّة القصيرة جدّا )، مجلة الموقف الأدبي ، اتحاد الكتاب العرب ، سورية ، العدد 420 ، نيسان 2006 م .

17 ـ  يحيى عبابنة ( تقنيات القصّة القصيرة جدّا  في مجموعة بسمة النسور ـ  قبل الأوان بكثير )  مجلة أفكار ، الأردن ، العدد 153 ، حزيران 2001

*كلية االأداب و اللغات ، جامعة آكلي محند أو لحاج بالبويرة . :

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: