الآنِـسـة (ج) رحـمـة بـريــكـي

img

الآنِـسـة (ج) رحـمـة بـريــكـي

سحب المدير الآنسة(ج) من ذراعها خارج الفصل ثمّ همس إليها وهو يشير إليّ “لا تعانقي الأطفال أرجوكِ .. لا نُريد أن نخلق جوّا من التوتّر داخل المدرسة كي لا يشعر بقيّة التلاميذ بالغيرة.. علينا أن نخلق بينهم نوعا من التكافؤ.. على الأقلّ في هذه المرحلة .”

تومئ إليه الآنسة(ج) بالإيجاب ثمّ تشيح عنه بوجهها وتدخل.. ولكنّها كانت تعرف حقّ المعرفة أنّ لا شيء مُتكافئ بيني وبين بقيّة الأطفال .. فأنا طفل يبدو دائما أنّه لا يزيد عن الخمسة أعوام ، أظلّ أترنّح بينهم بقامتي القصيرة ونظّاراتي الغليظة دون أن ألقى ترحيبا من أحد منهم، أنا أيضا لست طفلا مثلهم .. كنت أتساءل على الدّوام لم لا يمكن لأحد منهم أن يحمل طاولة أو يدفع خزانة لوحده بينما أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك، حين أضحك أو أغنّي يخرج صوتي متحشرجا غليظا .. إنّه أبشع صوت سمعته حتّى الآن .. هكذا همس أحد الأطفال. وأنا أعتقد ذلك مثله أيضا.
الآنسة(ج) تعانقني رغم كلّ شيء فهي تعرف حقّ المعرفة أن لا شيء متكافئ بيني وبين بقيّة الأطفال. فأنا طفل لا يركُنُ أبدا لا يهدأ،أتسلّق الجدران  و أقفز فوق الطّاولات وأدوس كرّاسات الأصدقاء، أُبعثر أدواتهم و أسحب من تحتهم مقاعدهم، أدخل تحت الطّاولات وأجوب القاعة ركضا، تلاحقني هي لتحاصرني من شتّى الجّهات لكنّي كنت أُفلت منها وأتّجه إلى الخارج لأملأ ردهات المدرسة ضجيجا. وكانت تلحقني غاضبة حتّى إذا أمسكت بي من الخلف تجذبني من ياقة القميص وتسحبني إليها بقوّة حتّى يؤلمني عنقي، تصرخ في وجهي وقد احتقنت دماء وجهها ثمّ تدفع بي إليها.. وتضغط بشدّة. وأنا طفل مشدودةٌ عضلاته نافرةٌ على الدّوام لذلك كنت أقف كالحجر إزاء عِـناقها.. كنت أفتح عينيّ في ظلمة صدرها وأظلّ أقرض شعرها بأسناني وأنا أصدر أصواتيَ الغريبة التّي يكرهها الأصدقاء، لم تكن تتركني حتّى ترتخي أعصابي، وكنت أرفع عينيّ خجلا في وجهها الغاضب وأتقدّمها إلى الفصل بخطوات تحاول أن تكون هادئة.
هـي تعرف حقّ المعرفة أنّي طفل مُفرط الحركة وقد أخبرتُها مرارا أنّ بإمكانها أن تربط أطرافي إلى الكرسيّ مثلما كانت تفعل الأمّ(*) بي وبالأطفال الكُثـر الآخرين عندما كانت تريد أن تنال قسطا من الرّاحة ، وكانت تقول مرارا إنها ستضطرّ لفعل ذلك لكنّها لا تفعل.
ذات صباح بينما كانت تغلّف كرّاس أحد الأصدقاء رفعَت رأسها إليّ، كنت قد اعتليت طاولة وفتحت النّافذة، جلست على حافّتها الضيّقة ودلّيت قدميّ إلى الخارج، كان رذاذ المطر يُرقّط بلوّر نظّاراتي فبدا لي مشهد الأفق المفتوح شهيّا.. الأسفل بعيد جدّا ومُغـرٍ في آن..  لذلك كنت أرقص بكلتا يديّ وقدميّ في الهواء وأغسل وجهي برذاذ المطر.
بلغني صوتها مرتعشا .. إن كنتَ تريد الجلوس هنالك فآجلس.. ولكن لا ترقص أرجوك..

وأنا طفل لا يعرف الخوف،ولا يعرف متى عليه أن يتوقّف.. إذ لا شيء عادل بيني وبين بقيّة الأطفال الآخرين..
اقتربَت مني بهدوء، نظرتُ إليها مواصلا رقصتي المرعبة على حافّة نافذة في الطّابق الثّالث، أرسلَت يدها إليّ وجذبتني بقسوة من ياقة قميصي حتى آلمني عنقي، وقعت بي إلى الأسفل ثمّ ثَقُلت بجسدها على جسدي المشدودة عضلاته على الدّوام وعلا نحيبها مكتوما متحشرجا قرب أذني ليُحدث طنينا غريبا داخل دماغي. كنت أُسرّح مقلتيّ في ظلمة شعرها وأُخرج لساني بين حين وآخر لألْـعَـق دموعها المالحة التّي تسقط من أعلى.
فـي اليوم الموالي لم تكن الآنسة(ج) تستقبلنا في باب الفصل.. اقتربت منّي المعلّمة البديلة وأسرّت إليّ أنّها مرضت بسببي أنا. وأنا كنت أعتقد ذلك مثلها أيضا.
ذلك اليوم، أجرت المعلّمة البديلة تجربة عن التنفّس.. لكنّها لم تُـفرِد لي مكانا في الصفّ الأمامي، لذلك بقيت زمنا أتطاول بعنقي من وراء الأصدقاء ثمّ سرعان ماالتهيت بالقفز فوق الطاولات وبعثرة الكراسي.. حتى نهاية الدّرس.
عندما عادت الآنسة (ج) إلى الفصل لم تكن بخير فعلا، لاحظت على ظهـر كفّها آثار الحقن وكانت تحشر رأسها داخل الخزانة طيلة اليوم لتبتلع على مضض كثيرا من الحبوب.  الآنسة (ج) تكره الأدوية كثيرا،وأنا أعرف ذلك حقّ المعرفة.
يقف المدير في الرّدهة قبالة الباب ويناديها .. علينا أن ننقل هذا الطفل إلى فصل الأطفال ذوي الإحتياجات الخاصّة حتّى نضمن سير الدّرس والإنسجام داخل القاعة..ولابدّ أنّك خبِرتِ مؤخّرا من خلال ما عايشتِه أنّ في وجوده هنا خطرٌ عليه و..
تقاطعه الآنسة (ج) ثمّ تظمّ أصابع يُمناها وترفعها في وجهه متوسّلة.. هذا الطّفل ذو احتياجات فائقة الخصوصيّة لا يمكن أن يجدها في مكان آخر.. سيخرج إلى الشّارع عاجلا أم آجلا فلْيَعْتَـدْ من الآن .. أرجوك
أقف في الرّكن وأرقبها مقبلة بعد أن انصرف المدير .. فأمشي نحوها بهدوء وأعانقها بملء إرادتي، للمرّة الأولى.
في إحدى الصّباحات، لم تُجهّزني أمّي للذّهاب إلى المدرسة كالعادة، تأخّر الوقت ولم أسمع خطواتها تقترب من غرفتي. خرجت من تلقاء نفسي ووقفت في أعلى الدّرج لأطلّ إلى الأسفل .. كان هنالك أناس كثيرون ، خمسة أو ستّة أشخاص جدد.. في أيديهم لفافات أوراق كثيرة يتبادلون أطراف الحديث مع أبي وكانت أمّي تمسك صليبها المتدلّي من عنقها وتدور بعينيها تلاحق ما يخرج من شفاههم لا تكفّ تطلب من أبي أن يُترجم لها ما يقولون.. وما إذا كان هنالك شيء يمكنهم فعله من أجلي..
تهزّ سيّدة بكتفيها أسفا .. لقد انتهت المدّة المسندة إليكم كعائلة مُستقبِلة لهذا الطّفل، لقد استنفذتم امكانيّة تجديد العقد لهذا عليه أن يعود إلى الميتم الآن في انتظار مباشرة إجراءات جديدة قد تسمح لكم باستعادته ..
تضغط أمّي صليبها مجدّدا في حين يضغط أبي ذراع السيّدة وهو يوقّع الأوراق.
خرجتُ ذلك اليوم من ذلك البيت متأخّرا قليلا ولكنّي لم أذهب إلى المدرسة .. ورغم ذلك كان بامكاني أن أرى الآنسة (ج) من كلّ مكان أتواجد فيه.. بامكاني أن أرى خطواتها الهادئة تجوب الفصل وتتطلّع بين حين وآخر ناحية الباب..
ستقف عند الرّاحة في مكانها المفضّل أمام النّافذة قرب الدّرج لتراقب السيّارات في الخارج وستبكي في صمت ثمّ تزفر زفرات حارّة على الزّجاج لتخطّ على بخارها قلبا مشطورا..

أمّـا أنا فسأعـتاد غرفة جديدة  وأمّا جديدة ربّما لاتستنجد هذه المرّة بصليب حينما يحلّ خَطبٌ بـي. سأقلب الكراسي وأقفز فوق الطاولات وأبعثر الأدوات داخل فصل جديد، وستلاحقني معلّمة جديدة في ردهات المدرسة الجديدة، ستركض خلفي غاضبة حتّى إذا أمسكت بي من الخلف جذبتني من ياقة القميص وسحبتني إليها بقوّة حتّى يؤلمني عنقي، ستصرخ في وجهي وقد احتقنت دماء وجهها، ستضغط بشدّة ثمّ تدفع بي .. إلى الرّكن وراء الباب.

فأنا طِفلٌ مُفرَطُ الحركة.

رحـمـة بـريــكـي

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: