اشراق الغديري :لا تكنّ أنانيّات.. أخفِتن صوتَ ألامِكنّ

img

اشراق الغديري :لا تكنّ أنانيّات.. أخفِتن صوتَ ألامِكنّ

 

النّساء هنّ الأكثر قدرةً على تحمّل الألم“. يبدو أنّ هذا الإستنتاج الذي تناقلته عدد من المواقع و الصحف عن دراسات طبيّة و نفسية ضمن الأخبار الأكثر تداولا في صفوف الرجال ، إذ يكاد يكون المناسبة الوحيدة التي يعترفون فيها بلا تحفّظ أو اعتراضٍ على تفوّق النساء عليهم في شيء ما مع أنّه يحظى أيضا باعترافٍ ملفتٍ في صفوف النساء. غير أنّ منطلق الفريقين في تبنّيه مختلف: فريق أوّل يحبّ أن ينسف مقولات الضعف و الهشاشة التي طبعت جنسه لعصور و يستلذّ للحظة بشعور التفوّق ، و إن كان تفوّقا لصيقا بالألم ، و فريق ثانٍ يذعن لفكرة تخفّف عنه أعباءً كثيرة و تطرد الشعور بالذنب تجاه الأخرى ، أمّا  كانت أو أختا أو زوجة أو حبيبة ، و هي تحمل و تتحمّل أعباءً أكبر و أعظم..لمَ لا ..ليس ذنبه أنّها أقدرُ على التحمّل !

و لئن كان الأمر كذلك في كلّ العالم، فإنّ للنساء العربيات نصيب أكبر منه. النساء العربيات يُفترض أن يكنّ الأكثر قدرة على تحمّل الألم من بين كلّ نساء العالم و إلاَّ فإنّ العاقبة وخيمة. لن تثور ثائرة العائلة، القبيلة ، الشيخ أو الكنيسة فقطـ، بل سيغضب الوطنيّون و “التّقدّميون ” أيضا ، ففيما يتعلّق بقضايا النساء، تحصل المعجزة و يلتقي الأضداد في مربّع واحد ليصرخوا معا :” لا تكنّ أنانيات .. أخفتن صوت ألامكنّ”.

لأنّ قدرَ النساء أن يتألّمن في صمت ،  لأنّهن جُبلن على ذلك ، لأنّهنّ يؤجرنَ على ذلك أم لأنّ الوقتَ غير مناسب ، لأنّ الوطن أحقّ بكلّ صوت ، و “الخبز” أحقّ بكل شعار الخ ..الأمر سيّان ، في الحالتين ، أصواتهنّ مزعجة، مرفوضة، مختنقة ، لا صدى لها ..أصواتهنّ إمّا عورة أو خيانة بحسب هؤلاء.

 

قَاصِراتٌ..إلى أن يرث الله الأرض و ما فوقها:

لا يعني سنّ الرّشد في مجتمعنا العربيّ إلا تغييرا شكليا في وضعيّة المرأة. بطاقة هويّة وطنيّة و حقوق مدنيّة و سياسيّة يتفاوت الإعتراف بها من دولة إلى أخرى. لا الشهادة العلمية ، لا المهنة و لا التجربة تفي للإعتراف للمرأة بأنّها راشدة . النّساء قاصرات إلى أن يرث الله الأرض و ما فوقها ، و وليّ الأمر رجل ، إمّا أب أو أخ أو عمّ أو زوج أو حتى إبن، و في غيابه هي امرأة “حيطها واطي”. الأمر للأسف لا يتعلّق بعوامل ثقافية و اجتماعية فحسب  بل يجد صداه في القانون الذي يترجم الوصاية الشاملة على النساء من خلال تكريسنظام الولاية و “واجب الطاعة” الذي يُخرج مؤسسة الزواج من كونها علاقة شراكة إلى علاقة عمودية شبيهة بالعلاقة الشغلية، حتى لا نقول العبوديّة.

نظام الولاية الذي يشمل التعليم و السفر و العمل و الصحة و اختيار الزوج يقيّد بقوة القانون حقّ النساء في أهمّ الحقوق الإنسانيّة و أكثرها بداهةً ، و في حين أنّ الأصل أنَّ الولاية نظام يتيح نيابة شخص و تمثيله قانونا لأنّ أهليّته القانونية معدومة أو محدودة كأن يكون صغيرا أو مجنونًا فإنّ بعض الأنظمة العربية تطبّقه على النساء البالغات السّالمات عقلا و صحّة. إعلان النساء قاصراتٍ ينكرُ آليا أيّ سلطة لهنّ على أبنائهنَّ و هو ما يجعلُ تعرّضهنّ و أبناءهنّ للمعاملة السيئة و العنف ممارسة شرعيّة ناتجة عن حقّ الولاية.

يعكّرالإعتراف بـ “جرائم الشرف” في أغلب التشاريع العربية وضع النساء أكثر .فـ”الشّرف”، و لئن كان مرتبطا  بالمرأة باعتبار أنّ سلوكها وحده هو الخاضع للتقييم على أساس معيار مشوّه ، هجين و غامض، فإنّه يتبعُ الرّجل باعتباره لا يعاقب (أو تُخفَّفُ عقوبته) إن كان فعله المجّرّم ( تعنيفا ، إحتجازًا ، تعذيبا أو قتلا) قد اُرتكب دفاعا عن “شرفه المغدور” ، المرأة بهذا المعنى ملحق annexe))للرجل ، أمرٌ يتبعه ، يخصّه كما يتبعهُ شرفها.الأمر أشبه بكونه سجنكبير لا ينفذ إليه ضوء و لا هواء، ولادة الأنثى في هذه الربوع مرفقةٌ بحكم بالإعدام مع وقف التنفيذ .لا غرابة إذن أنّنا مجتمع أعرج مادام نصفه قاصرًا.

صَابِراتٌ..حتى تنزاح الغمّة عن الوطن:                                      

إذا كان الوضع أقلَّ بؤسًا ممَّا هو عليه أعلاه فعلى النساء أن يكنّ قنوعات.سجنكنّ أرحب و أجمل و سجّانكنَّ ليس بالشراسة التي يعاني منها سائر النساء في بلادٍ أخرى فلِمَ الإلحاح؟

النّساء اللاتي يعشن في بلدان تحفظُ حقوقهنَّ قانونًا لسن أكثر حظًّا للأسف. قلنا سابقا أنّنا ،كعرب، شركاء في تركة ثقيلة ولو بمنابات متفاوتة و منها ، خاصّة و بلا شكّ، اضطهاد النساء. القانون لم ينجح للأسف في وقاية النساء من تمييز المجتمع و ضيم التقاليد : سيف العادة أقوى من القانون. تستطيع أن تلمس ذلك في الدواخل كما في المدن الكبرى ، لا فرق يذكر. خلال إجازة ليومين في مدينتي ، و أثناء تقديم العشاء للضيوف في مناسبة عائليّة ، نُهِرتُ لأنني تهاونت في اختيار الأواني الأكبر و الأجمل و الأجدّ للرجال. ذلك إخفاق كبير و تهاون غير مبرّر و تمرّد  في مسألة محسومة و غير قابلة للنقاش بالنسبة للبعض: إشعار الجنس الآخر بفوقيّتهو لو بلفتاتٍ بسيطة إن لم يعد بالإمكان فعل الأكثر!ضحكتُ خفيَةً من نفسي و أنَا ألهيها بتعداد القوانين التي تتعارض مع هذا السلوك في ذهني. صباح وصولي للعاصمة ، اضطررتُ لسماع سائق تاكسي و هو يحمّلنا مسؤوليّة البطالة و الإختناق المروري و “قلّة تربية” الأطفال ( و ربّما الإحتباس الحراريّ) لأنّنا نعمل عوضَ أن نلازم بيوتنا حفاظا على المجتمع، و في المساء،  و في كلّ يومٍ نضطرّ للتعامل مع نفس المتخبّطين من فقدان جزء من سلطتهم على العالم.

لماذا يزعج الحديث عن مناهضة العنف ضدّ النساء حتى أولئك الذين لا يمارسونه و يدينونه؟ لماذا يتجاهلون الحديث عن قضايا المرأة ، يتجاوزونها و يضعونها في ذيل اهتماماتهم. لأنّ ضحايا (الفساد و اللاتنمية و “السيستام”) أهمّ؟فليكن و نحن مثلكم ضحايا لكلّ هذا و معارضون لكلّ هذا ، لكنّنا أيضا ضحايا للعنف بشكلٍ أو بآخر و من حقّنا أن نصرخ كلّما شعرنا بالتهديد لأنّنا مضطرّون بشكل خاص لمقاومة تأثيره المدمّر على سلامتنا النفسيّة و الجسديّة. هل يمكن أن ننتظر حتى تنزاح الغمّة عن الوطن؟ لا ، لأنّكم ما كنتم لتنتظروا لو كنتم مكاننا. و لأنّنا لن نستطيع أن نناضل من أجل أوطاننا و نحن مهدّدات و خائفات و ذليلات. و الأهمّ لأنّنا نعيش مرّة واحدة، معدّل الحياة فيها لا يتجاوز الثمانين سنة، و نريد أن نعيش هذه الحياة كما نستحقّ و غالبًا لن تنزاح غمّة الوطن قريبا  لنحظى بفرصة لذلك: نصارع في وطننا الكبير الإستعمار و الإستبداد و الفساد و الفقر منذ أكثر من قرنٍ و اتّضح أن تضحية سابقاتنا بقضاياهن لم يفد الوطن بشيءٍ و لم يسرّع نسقَ تعافي الوطن. لن نؤجّل معاركنا مع العنف الماديّ و المعنويّ إذن.

 

خلي غضبك يشعل نار ع الأبويّة و الإستعمار

هذا الشعار يختزل لوحده الكثير من الكلام. في فلسطين حيث الصراع مع الاحتلال صراع وجود يعلو في قدسيته و مصيريته على أي شيء آخر، هناك وقت أيضا للنضال ضد كل ما يقبض الأنفاس و يضيّق الأفق ، هناك فواصل لقول “لا” في وجه الحيف الإجتماعي و الإقتصادي و الجندري الخ..

فجّرت حادثة وفاة الشابة الفلسطينيّة إسراء الغريّبجرّاء تعنيفها من قبل عدد من أفراد عائلتها غضب الشارع الفلسطيني لتنطلق تحرّكات نِسويّة مندّدة بالعنف المسلّط على النساء الذي ذهبت ضحيّته 35 امرأة خلال سنة واحدة. أحد أبرز الشعارات التي تردّدت كان “حرب التحرير مش شماعة على قمع البنت و إخضاعَه” إذ يحيل على إشكالية رئيسيّة هي طرح أولويّة النضال في المرحلة الراهنة ضدّ الإحتلال الصهيوني كعذر لإزاحة كلّ مطلب شرعيّ آخر يخصّ حياة الفلسطينيين و الفلسطينيّات و الحال أنّ جوهريّة حرب التحرير ليست محلّ خلاف بالنسبة لهاته النسوة اللاتي يواجهن بشكل يوميّ عنف الإحتلال بل الأحرى ألاَّ تُعمّق معانتُهنَّ ممارساتٌ أخرى منهِكةٌ لطاقتهنّ و صبرهنّ و منتهِكة لكرامتهنَّ و حقّهن في الحياة.

النساء ، المقاومات و الفدائيات ،الأسيرات ، أمهات الشهداء و أخواتهن و زوجاتهن و حبيباتهن ، من يقهرن بحجارتهن أو بفنهن أو بقلمهن الاحتلال الغاصب و يشاركن في ملحمة التحرير الكبير ضد أشرس و أعتى حركة عنصرية مدمرة عرفها التاريخ هن كاملاتُ الوعي و الشعور ، راشداتٌ ، شريفاتٌ في ميزان الوطن دون الحاجة لشهادة من العائلة او المجتمع. أعلنت مبادرة “طالعات” عن نفسها من خلال هذه الكلمات” لا وجود لوطنٍ حرّ إلا بنساء حرّة”، قلبت المبادرة إذن الحجّة الزائفة على أصحابها معلنةً الآتي:  إن كنتم صادقينَ حقٌّا في عدائكم للإحتلال و ثباتكم على مواصلة الإشتباك معه حتى تحرير كامل فلسطين التاريخية فعليكم أن تعُوا أنّكم عاجزون عن خوض هذه الحرب الشّاقة و الطويلة وحيدين ، و أنّه من غير الممكن أن تكسبوها و رفيقاتُ طريقكم مكبّلات ، يجررن في أقدامهنَّ أغلالاً ساهمتم في وضعها أو تدافعون عنها أو تمتنعون عن نزعها و تمنعونهن عن ذلك.

ليس على النساء العربيات أن يُخفتن صوت آلامهن لأن الوطن فقير أو مضطهد أو محتلّ بل عليهن أن يزلزلن أعمدة الوصاية الكاذبة و المصطنعة و يضعن حدا للاضطهاد النفسي و الجسدي ، كل ذلك و هن يدفعن الوطن نحو التحرير و العدالة ، و ذلك قدرهن : أن يخضن معارك على واجهات متعددة.

و ذلك حديث أخر ، له صلةربّما بدراسة أخرى ، تدافع عن قدرة  النساء على القيام بأشياء مختلفة في نفس الوقت على عكس الرجال الذين يتشتّت تفكيرهم إذا وجدوا أنفسهم إزاء أكثر من مهمّة !!

أيّها الحريصون على قضايا الوطن ، إطمئنُّوا. سنكون حيث يجب أن نكون، حاضراتٍ على كلّ الجبهاتِ.

 

ملاحظة جوهريّة: هذا النصّ ليس بلاغا معادياً، و لا عنصريا، و لا حاثًا على الكراهيّة.بل هو على العكس من ذلك شهادة على أنّ منهم من منحنا الثّقة لنصرخ و نكتب، و منهنّ من كتمن أصواتنا لنرضى و نسكت:ليس الجنس هو المتّهم بل الممارسة.

 

 

 

 

 

 

تونس 13/09/2019

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: