استراحة الجسد أم ثورته ؟

img

 

نعيمة قربع – تونس –

استراحة الجسد أم ثورته ؟

كثيرة هي الطّرق التي انتهك بها الجسد عبر التّاريخ و في كلّ الأمم تقريبا و إلى اليوم يتواصل هذا الانتهاك الذي يتبدّى في صور عدّة أبشعها و أظهرها للعيان : الضّرب و القتل و الاغتصاب و الإعدام و الاتّجار بالجسد و تجارة الأعضاء البشريّة سلوكات بغيضة متواصلة تطالعنا بشاعتها و وتيرتها التّصاعديّة رغم ترسانة تشريعات تجرّم هذه الانتهاكات و الاعتداءات . و ليس خافيا على ذي عقل أنّ كلّ مظاهر الانتهاك الماديّ و الشّكليّ للجسد تخفي مقدارا مماثلا من الانتهاك النّفسيّ و العقليّ و العاطفيّ و بالتّالي لا مجال لإنصاف الجسد و إرساء دعائم حياة كريمة و حماية و احترام له إلّا بتغيير يبدأ من العمق من الوعي  و العقليّة .

هذا بديهيّ و متّفق عليه غير أنّ الإشكال يبقى إجرائيّا . كيف ؟ إنّ ما نراه من كثافة في الاهتمام الاكلينيكيّ و كثرة النّظريّات في علم النّفس و تطوّر الطّبّ النّفسيّ كلّ ذلك يدور حول محاولة علاج الآثار النّفسيّة و الجروح العاطفيّة و الاختلالات السّلوكيّة التي يتسبّب فيها انتهاك الجسد بمعنى أنّ الجهود تتّجه دائما إلى علاج النّفس لمساعدتها على التّعامل مع ما تعرّض له الجسد من اعتداءات و حثّها على النّسيان و التّجاهل و المواجهة أي أنّ الدّفاع هو في الأخير دفاع عن النّفسيّة أو عن الإنسان دون أيّ اعتبار للجسد الذي يتواصل اعتباره مجرّد أداة يعيش بها الإنسان و ليس ذاتا أو هويّة أو كائنا مستقلّا هو جوهر الإنسان . إنّ الاكتفاء بتجريم الاعتداء على الجسد غير كاف البتّة ناهيك عن رفضه فقط لمنع الأعطاب النّفسيّة حتّى لا تنعكس على السّلوك الإجتماعيّ        و العاطفيّ و تتجلّى أمراضا و هروبا من الجسد بالانتحار مثلا غير كاف لأنّ المطلوب هو منح الجسد ما يستحقّه من احترام و إجلال و إنصافه بتغيير النّظرة إليه و كفّ الإهانات الموجّهة إليه .

و من زاوية أخرى و في محاولة للانتصار له و إنصافه باعتباره كائنا منتهكا معتدى عليه ألا يحقّ لنا أن نستنتج أنّ للجسد وعي وذاكرة بما هو كائن غير منفصل عن العقل ؟ و تبعا لذلك فإنّ الجسد الذي يعاني من الاستغلال و الإنهاك و الإهانات المتراكمة وتغطّيه النّدوب و الجروح لا بدّ و أن يطوّر آليّة دفاع أو حتّى يعدّ سيناريو انتقام و ثورة .. كيف ؟ إنّه ببساطة يمارس تقنية الخذلان والانسحاب بتنويع و ذكاء كبيرين و لعلّ أبسط طرق الخذلان التي يجيدها إضعاف جهاز المناعة أو تعطيله إضافة إلى استقباله الغريب و غير المفسّر بدقّة لصنوف من الأمراض المألوفة و المستجدّة و رغم ذلك يستمرّ التّجاهل و التّعتيم على ثورة الجسد وتستمرّ نسبة كثير من هذه العلل إلى النّفسيّة المنهكة .

إنّه لمن المعقول جدّا أن نفكّر أنّنا إزاء أكبر ثورة للجسد و أطولها و أعنفها ثورة صامتة و صاخبة و صارمة شعاراتها : ممنوع اللّمس و لو بالمصافحة أو حتّى بقبلة الحبّ ممنوع الاقتراب من الجسد و الحفاظ على مسافة المتر بين الجسدين قانون واجب التّطبيق بل أكثر من ذلك فرض الحجر الصّحيّ في أكبر عمليّة عزل و سجن للجسد في كلّ العالم .

هي فرصة لا محالة للنّظر إلى الجسد عن بعد و تأمّل عمليّة التّطهير و العلاج  و الحماية التي يقوم بها لذاته و بذاته بعيدا عن الأيدي و حتّى رافضا مرافقته في رحلة موته و لذلك نراه مغادرا وحيدا في مشهد دراميّ مهيب متخلّصا ممّن رافقوه طويلا إلى الموت ضاربا عرض الحائط بكلّ طقوس التّشييع المهينة التي طالما اعتبرته مجرّد جثّة يجهزّونها للدّود و يعتبرون الإسراع في دفنها إكراما لها .

الجسد إذن يدافع عن نفسه بنفسه و يستردّ اعتباره و احترامه و يملي قوانينه و يصحّح الأخطاء بمبدإ : إمّا موت أو حياة بملء الحياة و الوعي …

نعيمة قربع

 

 

 

 

 

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: