استئناف البناء الوطني من منظور العقد الاجتماعي أيّ دور للإتّحاد العام التّونسي للشّغل؟

img

استئناف البناء الوطني من منظور العقد الاجتماعي

أيّ دور للإتّحاد العام التّونسي للشّغل؟[1]

المولدي قسّومي                                                                                                                                         جامعة تونس

 

مــقــدّمــة

في عنوان هذه المساهمة ما يشير إلى أنّ دور الاتّحاد العام التّونسي للشّغل في مسار البناء الوطني كان معطّلا بشكل من الأشكال رغم أنّه يمثّل العلامة الأساسيّة التي تميّزه عن العديد من المنظّمات العريقة وأدوارها، لأنّه بهذه العلامةّ أثبت أنّ تداخل السّياسي والاقتصادي والاجتماعي لم يعد يقبل بفصل الأدوار والقضايا عن بعضها لأنّها متكاملة وظيفيّا ومتلازمة بنيويّا. ومن خلال هذا الدّور أعطى الإتّحاد معنى ودلالة جديدتين للعمل النّقابي في العالم، فلم يعد مقتصرا على المطلبيّة الاجتماعيّة المتّصلة فقط بمنظومة العمل والإنتاج التي تجمع بين العمّال والمشغّلين مثلما تحصر أغلب المنظّمات النّقابيّة في العالم مهامها بل أصبح منسجما مع الكلّية الاجتماعيّة وما تفترضه من شموليّة في الأدوار، بحيث نجد أنّ الاتّحاد قد أعطى مثالا على تجذّره في قضايا الشّعب والوطن وقضايا الدّولة والمجتمع معا وليس في قضايا العمّال وأرباب العمل فقط.

وفي عنوان المساهمة ما يشير أيضا إلى أنّ المنظّمة النّقابيّة للشّغّالين لم تعد إلى المساهمة في هذا المسار إلاّ بعد الدّور الذي لعبته في مواجهة النّظام الذي همّش كلّ المنظّمات الوطنيّة إن لم يحوّلها إلى هيئات تابعة له وأجنحة تدافع عنه وتنفّذ برامجه. حينئذ فإنّ استرجاع الاتّحاد العام التّونسي للشّغل لهذا الدّور الذي ميّزه تاريخياّ وتمايز به عن غيره من المنظّمات النّقابيّة يعني عودة هذه المنظّمة إلى استئناف الدّور الذي كانت قد تأسّست لأجله أصلا دون الفصل فيه بين العمق الاجتماعي والبعد الوطني. لذلك فإنّنا نحاول معالجة مسألة البناء الوطني في سياق استثنائي فرضه ما يمكن أن نسمّيه وفقا للتّداول اللّفظي “ثورة”.

تهدف هذه المعالجة أيضا إلى مناقشة المساحات السّياسيّة المتاحة للإتّحاد العام التّونسي للشّغل من منظور المقاربة السّوسيولوجيّة المتجاوزة للمعارف الشّائعة والهادفة إلى بناء مفاهيمي ومعرفي أساسه استثمار منجزات المنظّمة النّقابيّة في السّياسة والمجتمع راهنا ولكن أيضا في سياق تطوّر دورها الوطني والاجتماعي كما بيّنته مدوّنة التّاريخ المعاصر والآني. كما تحاول هذه المعالجة أن تتناول الموضوع بالجمع بين التّأصيل النّظري والبناء المعرفي من ناحية أولى والاعتماد على بعض الوقائع التي تمثل المنطلقات الميدانيّة لهذا البناء المعرفي من ناحية ثانية، وذلك من خلال تسليط بعض المطارحات التّحليليّة لقراءة الدّور الذي لعبه الإتّحاد العام التّونسي للشّغل في المسار الانتقالي وعلاقته بمختلف عناصر الصّراع الاجتماعي والسّياسي في تونس التي طبعت هذا الطّور الجديد من استكماله لمُنجزه التّاريخي التي اضطلع به منذ الفترة الاستعماريّة حتّى المرحلة الرّاهنة.

  • من أجل تعريف وظيفي – أداتي للعقد الاجتماعي

تحاول هذه المساهمة تفكيك العناصر التّكوينيّة للعقد الاجتماعي وتحديد مقوّمات التّساند الوظيفي بينها وشروط تكاملها المنهجي، بحيث نحدّد مجال التّقاطع بين السّياسة التّعاقديّة التي تجمع الأطراف المتعاقدة وفاعليّة هذا العقد في تعزيز دور الاتّحاد العام التّونسي للشّغل في المسار الانتقالي الذي لا زالت تونس تعيش بعض أطواره، كما نبيّن شروط التّكامل بينها باعتبارها (العناصر الثلاثة مجتمعة: الميثاق الاجتماعي والمنظّمة النّقابيّة والمسار الانتقالي) تمثّل كلّية واحدة متكاملة بنيويّا من حيث أنّها عناصر تكوينيّة للسّياق العام الذي يميّز الواقع الاجتماعي والسيّاسي والاقتصادي، وهي أيضا متلازمة من حيث أنّ كلّ عنصر منها يعتبر فضاء وظيفيّا للعناصر الأخرى وإطارا مرجعيّا لها[2].

لذلك فإنّنا سنحاول تناول دور الاتّحاد في البناء الوطني من منظور العقد الاجتماعي في إطار الجمع بين جملة من المتغيّرات من أهمّها: واقع العمل النّقابي في سياق المرحلة الانتقاليّة التي تعيشها تونس، ومكانة الاتّحاد العام التّونسي للشّغل صلب الواقع النّقابي الذي بدأت سماته التّعدّديّة تتشكّل، ودور الاتّحاد ومكانته في بناء المجتمع الدّيمقراطي من خلال مساهمته في تركيز بعض شروط الانتقال الدّيمقراطي، وعلاقة الاتّحاد العام التّونسي للشّغل بالقوى الفاعلة الأخرى التّي تتّسم في بعض جوانبها بالعلاقات النّزاعيّة. كلّ ذلك في إطار العلاقة التي تجمع هذه المنظّمة النقابيّة بالدّور الوطني القديم المتجدّد بدءا بالمساهمة في بناء مؤسّسات الدّولة وصولا إلى الحفاظ على الوحدة الوطنيّة دون إغفال المساهمة في الدّفاع عن تطلّعات المجتمع التّونسي نحو الحريّة والدّيمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة. هذه التّطلّعات التي وإن عبّرت عنها جلّ الفئات الاجتماعيّة منذ انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 فإنّها تمثّل العنوان الرّئيس الذي يوجّه أداء الاتّحاد لعام التّونسي للشّغل منذ تأسيسه. ومبرّرنا في التّطرّق إلى هذه المتغيّرات هو التّجذر التّام للمنظّمة النّقابيّة في الفضاء الذي يجمع بين الدّولة والمجتمع على مستوى المفهوم وعلى مستوى الواقع الإجرائي، إذ لا يكتمل المجتمع بكلّ محدّداته وفي شتّى حقوله (الحقل السّياسي والاقتصادي والثّقافي) إلاّ في كنف الدّولة، لذلك فإنّ ديمقراطيّة المجتمع هي ضمنيّا ديمقراطيّة الدّولة. ومن ثمّة فإنّ كلّ دور للاتّحاد العام التّونسي للشّغل يتأصّل في نطاق تحويل المسؤوليّة من الفضاء الخاص إلى الفضاء العمومي في نطاق السّياسة التّعاقديّة المضبوطة بإطار مرجعي (العقد الاجتماعي) يضمن لكلّ طرف من الأطراف المتعاقدة مصلحته الخاصّة في نطاق تحقيق المصلحة العامّة، ودون أن يكون ذلك على حسابها بل في إطار تكامل المصالح القطاعيّة لكلّ طرف داخل الفضاء العمومي، باعتباره الفضاء الذي تتقاطع فيه مصالح الشّركاء الاجتماعيّين. لذلك فإنّ بعض جوانب مساهمتنا تتعلّق بتحليل السّياق العام (السّياق الاجتماعي والاقتصادي والسّياسي) الذي يحفّ بصياغة العقد الاجتماعي، إضافة إلى السّياق النّقابي (الذي يعتبر سياقا فرعيّا مقارنة بالسّياق العام) ليكون أكثر انسجاما مع شروط تحديد مفهوم وظيفي لهذا الميثاق وأكثر أهليّة لضمان اشتغاله. ومن خلال ذلك نعتبر أنّ الميثاق عبارة عن الأرضيّة التّعاقديّة والإطار المرجعي الذي يحمي النّسيج الاجتماعي من التّمزق، لأنّ كلّ نّسيج اجتماعي يمكن أن يكون عرضة إلى التّفكّك في حالة غياب عقد اجتماعي[3]       

لنعطي الأولويّة للمفهوم الدّلالي للعقد ونتابع مسار تطوّره الطّويل وتطوّر مضامينه قبل أن نحاول تعريفه انطلاقا من التّفسير الوظيفي والبنيوي. فهو لم يكن يعني في بداية ظهور المصطلح سنة 1680 سوى اتّفاق يتمّ بين طرفين أو أكثر أمام عدل إشهاد ويقع بمقتضاه الالتزام بتنفيذ ما وقع الاتّفاق عليه بنفس القدر من المسؤوليّة[4]. أمّا في سنة 1690 فقد تطوّر تعريف الاصطلاح ليصبح عبارة عن “اتّفاق طرفين أو أكثر يلتزمون بمحض إرادتهم بفعل شيء ما أو يتواعدون على فعله. فالمبيعات والتّبادلات والهبات والعمليّات المتنوّعة كلّها أنواع من العقود وهي تكتمل بالوسيلة الكتابيّة التي تدلّ على الاتّفاق والتّراضي بين أطراف العقد ومن ثمّة الالتزام فيما بينهم وتجاه بعضهم.

في المعجم الأكاديمي الذي ظهر لأوّل مرّة سنة 1694 وهو الأقل تقنية بشكل بارز ومقصود نجده يعرّف العقد على أنّه “ميثاق واتّفاقيّة ومعاهدة بين شخصين أو عدّة أشخاص يحملون التزام المتعاقدين الواحد تجاه الآخر، وهو عبارة عن الفعل العام أو الوسيلة التي يحرّر فيها كتابيّا الاتفاقيّة بين المتعاقدين”[5]. ولقد اعتمدت الأكاديميّة الفرنسيّة هذا التّعريف حتّى نهاية القرن الثّامن عشر. وفي 1835 ظهرت عبارتا الاتّفاقيّة والميثاق في كوكبة العبارات المعرّفة للعقد. وكان ينبغي أن ننتظر حتّى سنة 1932 حتّى يمّ استعمال الاتّفاقيّة لوحدها (في الطّبعة الثّامنة من معجم الأكاديميّة) كما هو الحال في الطّبعة التّاسعة لسنة 1992 تطابقا مع الاستعمال الشّائع الآن.

لقد كان مفهوم العقد أصلا خيار المعاجم القانونيّة للقرن الثّامن عشر. نذكر  Claude Joseph De Ferrière صاحب صياغة المعاهدات التي تمّ تشكيلها معجميّا فيما بعد والتي تستوحي منها موسوعة باريس وموسوعة إيفردون Yverdon  تعريفهما. وهو يرى أنّ “العقد هو اتّفاق يجمع بين عدّة أشخاص وعن طريقه يلتزم طرف من الأطراف المتعاقدة أو كلّ طرف من الأطراف المتعاقدة بتوفير شيء ما أو بإنجازه”[6].  ولكن يمكن أن نشير هنا إلى أنّه إذا كانت كلّ العقود اتّفاقيّات فليست كلّ الاتّفاقيّات عقود، بل يمكن أن تكون الاتّفاقيّات مجرّد مواثيق بسيطة، أمّا العقود فهي غير ذلك تماما بقطع النّظر عن أنواعها المختلفة منذ القانون الرّوماني وحتّى في القانون الفرنسي: عقود من طرف واحد وعقود ثنائيّة الأطراف ومتعدّدة الأطراف وعقود مسمّاة وعقود غير مسمّاة…”[7]. وهكذا نجد العلاقة المتلازمة بين المفردين تتّسم بشكل من النّزوع نحو تأبيدها منذ بداية القرن العشرين حينما بدأت منشورات دالّوز Dalloz تتعمّد كتابة “عقد – اتّفاق” ويتمّ تقديمها بمثابة عبارة مركّبة، وهذا يفيد بأنّ “العقد هو القبول المتبادل والإرادي بمضمون الاتّفاق من قبل الأطراف المتعاقدة”.

وبالإضافة إلى استعمال عبارة الاتّفاقيّة كمعرّف وحيد للعقد هناك من طرح خيارا إضافيّا وهو ما يعزّز بنية العقد ويمتّن محتواه، وهو الخيار الذي يستدعي استعمال اصطلاح المعاهدة بمتغيّراتها وعناصرها المتنوّعة وكذلك بقدمها في التّاريخ وفي الاستعمال (يعود استعمالها إلى القرن الثّاني عشر). وهكذا نجد أنّ هذه العناصر التّكوينيّة للعقد والمفاهيم المتكاملة معه تعزّز بنيته ودلالته وتضفي عليه حالة من التّجانس والتّناغم مع المضامين التي تعكسها كلّ من المعاهدة والاتّفاقيّة إضافة إلى شموليّة لكلّ منهما[8].

لم يحدث أن تخلّت المعاجم عن خط التّمييز بين مفاهيم مثل المعاهدة والاتّفاقيّة والميثاق والعقد إلاّ في القرن العشرين، ولم يحدث أن أخذ مفهوم العقد بعدا شموليّا حياديّا إلاّ في السّنوات الأخيرة، وهو ما أكسبه قيمة استعماليّة عموميّة تجعله يجمع بين دلالات المعاهدة ومعنى الاتّفاقيّة ووظيفة الميثاق، وهذا ما تؤكّده عديد القواسم المشتركة التي تمّ التّوصّل إليها مؤخّرا. أمّا فيما يتعلّق بمفهوم الميثاق، فقد بقي أقلّ استعمالا من المعاهدة والاتّفاقيّة ولكن أكثر استعمالا من العقد الذي كان فاعلا في تعريفه. فالميثاق كان مستعملا حتّى القرن الثّامن عشر بالمعنى الذي يعطيه قيمة الاتّفاقيّة ولم يخرج إلى الاستعمال بصفته حاملا لدلالة مستقلّة إلاّ مع نهاية القرن، ولكن قبل ذلك لم يكن بالإمكان استعماله إلاّ في مجال الحديث عن الأعمال. وقد سجّلته الأكاديميّة منذ 1694 على أنّه مفردا من مفردات فقه القضاء. ويمكن أن يضمن بعض دلالات المعاهدة والاتّفاقيّة والعهد والوعد ليتمّ بعد ذلك استعماله في التداول العام وفي النّصوص الدّينيّة ليكون أحد أهمّ المرادفات المفضّلة لمعنى الارتباط بالإله. وهكذا فإنّ الميثاق يعني الالتزام قبل كلّ شيء، وقد استعمله جون جاك روسّو كما هو الشّأن لبعض الفلاسفة قبل أن يتمّ التّوصّل إلى استعمال مفهوم العقد الاجتماعي وإحلاله محلّه[9].

تساءل الاقتصاديّون بدورهم منذ وقت طويل عن الطّريقة التي يمكن للفاعلين أن ينسّقوا بها أنشطتهم، ومن ضمن المسالك التي تهمّ البحث في هذه المسألة كان اعتماد العقد بما هو “اتّفاق يلتزم عن طريقه الفاعلون تجاه بعضهم البعض بالتّخلّي عن شيء ما أو التّمسّك به أو الارتباط به أو التّعهّد بفعل شيء ما أو عدم فعله”[10]. ورغم أنّه غالبا ما يتمّ التّركيز على تحليل العلاقات الثّنائيّة، فإنّ التّحاليل الاقتصاديّة للعقود تهتمّ خصوصا بالمواثيق الاجتماعيّة، أي العقود التي تكون بين صنفين من الفاعلين الاقتصاديّين (العمّال والمشغّلون، المتصرّفون والمساهمون، الزّبائن والمنتجون)، وهكذا يتّضح أنّ المواثيق الاجتماعيّة هي ركيزة السّياسات التّعاقديّة التي تجمع بين الأطراف الاجتماعيّة.

إنّ السّياسة التعاقديّة تشتغل وفق نظام اجتماعي – سياسي ثلاثي الأطراف  لصياغة نظام العمل والأجر والإنتاج وبالتالي لصياغة العلاقة بين العمل ورأس المال. هذا المنوال الثلاثي التمثيلي يجمع الدّولة ونقابة الأعراف ونقابة العمّال. والاعتراف المتبادل بين هذه الأطراف الثلاثة هو اعتراف بالمصالح الجزئية لكل منها. فمشاركة الأطراف الثلاثة في صياغة خريطة السّياسة العامّة يعني أنّ نقابتي العمال والأعراف قد أصبحتا من أهمّ الفاعلين في ضبط التّوجّهات السّياسيّة العامّة. وتتمّ صياغة العقد الاجتماعي على أسس وفاقيّة إراديّة، لذلك فهو يملك قوّة القانون بل هو روح القوانين المنظّمة للحياة المهنيّة والعلاقات الشّغليّة والتّنظيم الاجتماعي والسّياسة الاقتصاديّة وكلّ المحاور التي يمكن أن تكون موضوع تداول ضمن فعاليّات الميثاق، باعتبار أنّ كلّ ما ينبثق عن المفاوضات من اتّفاقيّات يمكن تقنينها على أساس مضامين العقد.

يمكن أن نفهم المسألة أيضا بالرّجوع إلى طبيعة العلاقة التي تجمع بين العمل النّقابي الذي يدافع عن قوّة العمل وفق المحدّدات والضّوابط الاجتماعيّة وبين إدارة منظومة العمل والإنتاج وتسييرها بضوابط ومحدّدات اقتصاديّة صرف. فبقدر ما يؤدّي تعميق مفهوم العمل النقابي إلى المسألة الاجتماعيّة فإنّ تعميق مفهوم السّيطرة على العمل يؤدّي إلى الارتباط بالمسألة الاقتصاديّة. يمكن أن تلتقي النّقابة العمّاليّة دونما فقدان خصوصّيتها بتلك الاهتمامات السّابقة لأنّ العمل النقابي يجد جذوره بالضرورة في الاهتمامات ذات البعد الاجتماعي، أمّا المعنى الآخر فهو من صلب اهتمام نقابات أرباب العمل. فكلّ منهما مرتبط بمنظومة تقليدية من آليّات التّعامل مع الطّرف الآخر وكذلك بمنظومة من المستجدات والتغيّرات التي قد تفرض تجديدا في التّعاطي معها وفي آليّات التعامل مع الطرف الآخر وأحيانا يتقابلان أسلوبيا في أهم مراحل المواجهة. من هنا تعود بنا بدايات ظهور السّياسات التّعاقديّة إلى أسباب التّعامل المباشر بين النقابات (صيغة الجمع تعني نقابات العمّال ونقابات الأعراف). فإذا كانت التنظيمات النقابية قد ظهرت في سياق صعود النّظام الرّأسمالي وهيمنة أرباب العمل على فعاليّات النّشاط الاقتصادي وبروز التناقض الواضح بين قوّة العمل ورأس المال فمن البديهي أن تفرض هذه العلاقة أكثر من إمكانيّة في إدارة الصّراع داخل منظومة الإنتاج وتنظيم العمل وداخل حقل التّنازع بين أولويّة البعد الاجتماعي وأولويّة البعد الاقتصادي. وهذه الإمكانيّات يمكن أن تتراوح بين الاستجابة لشروط العلاقات النّزاعيّة المتمثّلة في الصّراع الاجتماعي وبين الاستجابة لشروط منوال الحوار الاجتماعي كخيار بيداغوجي بديل عن خيار الصّراع الطّبقي. وباعتبار أن التنظيمات النقابية للشّغّالين هي جهاز الدّفاع عن المصالح المادية والمعنويّة للطبقة العاملة فإنّ نفس المنطلق يوجّه فعل نقابات أرباب العمل بشكل تناظري على مبادئ وأهداف مقابلة.

خلال القرن العشرين انتهت نتائج العلاقات النّزاعيّة ومختلف التّجارب التي طبعت العلاقات الشّغليّة إلى إدراك ضرورة إدخال الدّيمقراطيّة في تنظيم العلاقة بين أرباب العمل والشّغّالين. وهذا ما يعني أنّ السّؤال حولها قديم قدم العلاقات الاجتماعيّة في سياقها الرّأسمالي، فقد طرح السّؤال حول الدّيمقراطيّة داخل فضاء العمل منذ القرن 19 وقد فسح المجال للعديد من المحاولات في أوروبا وخارجها وكانت موجّهة من طرف العديد من المنظّمات المدافعة عن الحركة العمّاليّة، ولكن في بعض الأحيان أيضا كانت موجّهة من طرف الأعراف أيضا. وقد ظهرت التّجارب الأولى في تنظيم العلاقات بين العمّال وأرباب العمل خلال الإمبراطوريّة الفرنسيّة الثّانية (مع لويس نابليون بونابارت) وهي مستلهمة من الاشتراكيّين الفرنسيّين شارل فورييه وجوزيف برودون. وفي تلك الفترة حينما بدأت تنشأ أولى التّعاونيّات العمّاليّة فإنّ أرباب العمل الصّغار كانوا يشركون أجراءهم في اتّخاذ قرارات التّصرّف والإدارة وفي توزيع الأرباح[11].

في سياق البحث عن الأسس المعرفيّة والأصول التّكوينيّة للسّياسة التّعاقديّة أيضا ومن ثمّ لوظيفة الميثاق الاجتماعي اتّجهت المساهمة الفكريّة نحو إيجاد نمط من الموازنة بين الليبراليّة والاشتراكيّة في نطاق ما يسمّى بالطّريق الثّالث، إنّها الأطروحة التي تعود إلى كـينز ويمثّل فـرانـسوا بـيرّو أهمّ المساهمين في تطويرها خلال الفترة المتراوحة بين 1930 و 1950[12]. فهذه الأطروحة التّوفيقيّة في مضامينها والنّفعيّة في أهدافها تذهب إلى أنّ إطارا اجتماعيّا منظّما للسّوق وحده يمكن أن يعطي خيارا اقتصاديّا مفيدا للّيبراليّة والاشتراكيّة معا، وبالتّالي فإنّ معالجة الواقع في غاية البساطة إذا تمّ وفق تبريرات لا تقصي أيّا من الاجتماعي أو الاقتصادي لفائدة الآخر[13]. ومن ثمّ لا يمكن تبرير التّوازن الاقتصادي بحركيّة الإنتاج والتّسويق فقط لأنّ هذه الأهداف لا تتحقّق تلقائيّا أمام سيرورة من الانقلابات والتّحوّلات الهيكليّة بل ترتبط بحتميّة استبدال التّوازنات التي تفرضها المجموعات في نطاق مصالحها الخاصّة بتوازنات تفرضها إدارة ومراقبة وإشراف ممثّلين عن المصلحة العامّة. حينئذ ولأجل الوصول إلى هذه الغاية فإنّه لا وجود إلاّ لوسيلة واحدة حقيقيّة لتحقيق ذلك. تتمثّل هذه الوسيلة في جماعة العمل التي تجمع في توازن عددي بين ممثّلين عن رأس المال وممثّلين عن العمل[14]. هذه المعادلة هي التي أسّس من خلالها بــيــرّو متن السّياسة التّعاقديّة التي تجمع بين المنظّمات المهنيّة الممثّلة لأرباب العمل والنّقابات العمّاليّة في نطاق منوال الحوار الاجتماعي. إلاّ أنّ هذا المنوال يظلّ غير كاف لتبديد الصّراع وإلغاء التّقابل النّزاعي واختزال التّعارض إذا لم يدرج طرفا ثالثا محايدا وممثّلا للدّولة [15].

يتأكّد من جديد أنّ الشّروط الوظيفيّة التي حتّمت اعتماد الصّيغ التّعاقديّة في تصريف شؤون العمّال وشؤون أرباب العمل ومصالحهم معا في فضاء مشترك هو الدّور الوسائطي المتّسم بالمرونة في التعامل مع منظّمات الأعراف ونقابات الشّغيلة رغم تأكيد ذلك على ضرورة انحصار دور النّقابات في “براديغم” التّفاوض كبديل عن الصّراع الذي تتّسم به العلاقات النّزاعيّة ورغم ارتباطه تبعيّا بالتّصوّرات الإصلاحيّة في الدّولة التي لا تحسم عادة لفائدة الشّرائح الأوفر والأكثر عددا بقدر ما تؤول نتائجها لفائدة المؤسّسات المشيّدة من طرف النّظام أو الشّرائح الحليفة له على قاعدة المصالح المشتركة[16].

إنّ التّطلّع الفكري لبـيـرّو هو ولادة دولة لا تعتمد على أيّ من الكلّيّات المطلقة (البورجوازيّة الخالصة أو العمّاليّة المحض) سواء كانت هذه الكلّيّة المجرّدة هي الشّعب أو الطّبقة، ولكن تعتمد جماعات حسّيّة واقعيّة تنحدر من صلب الحياة والعائلة والمهنة والأمّة، وهي جميعها سابقة على الاكتمال النّهائي لشكل الدّولة[17]. وهي على اختلاف أشكالها وأنماط تنظيمها وعلى اختلاف أدوات عملها التي يمكن أن تختلف بين التفاوض أو الضّغط (لأنّها قد تكون جماعة مصلحة أو جماعة ضغط)، فإنّها في ” كلّ نسق اقتصادي تتولّى التنسيق بين وحدات الإنتاج وقواها والجمع بينها في الآن نفسه، فالنّشاط الرّأسمالي مجبور على تجاوز النّزاعات الطّبقيّة بقطع النّظر عن أهدافه، وهو مضطرّ إلى تنظيم التّنسيق السّلمي بين العمل ورأس المال. من خلال هذا الهدف الأخير فإنّ النّقابات والمنظّمات المهنيّة على حدّ سواء تنال خصوصيّتها وتجد دعائم وجودها”[18]. ويمكن أخيرا الإقرار بأنّ هذا البعد التّعاقدي هو أحد الأسس الواقعيّة  والاجتماعيّة للمجتمع المدني، لأنّ الجوهر المؤسّساتي “للمجتمع المدني هو الأطر التي تجمع البنيات المكوّنة للفضاء العمومي بمقوّمات التّكوين الاجتماعي للمعيش اليومي. وبناء عليه فهو يقوم بمعالجة ما يدور في الفضاء الخاص داخل الفضاء السّياسي العمومي، لأنّه بذلك يمكن أن يحلّ المشاكل الطّارئة على المصالح الخاصّة في نطاق الفضاء العمومي”[19]. لكن مسألة الفضاء العمومي في حدّ ذاتها محلّ اختلاف بين المجتمعات، ففي البلدان المتقدّمة يكوّن الفضاء العمومي  بنية وسطيّة ويدرج ضمن الأطر التي تتوسّط وظيفيّا بين النّسق السّياسي ونسق الفعل الخاص، أمّا في البلدان المتخلّفة (بالمعنى السّياسي والاقتصادي) فهو دائرة التّحكّم السّياسي والفضاء الذي يعبّر عن السّيادة المطلقة لجهاز الدّولة، وهو أمر كفيل بأن ينحرف بدور العقد الاجتماعي ويلحقه وظيفيّا بتوجّهات السّلطة دون أن تبعده بنيويّا عن الفضاء العمومي. وهو ما أثبتته تجربة ميثاق الرّقي في تونس على سبيل المثال (سنتطرّق إليها في العنصر التّالي).

حينئذ نفهم من الميثاق الاجتماعي أنّه يلزم الأطراف المتعاقدة بترجمة كلّ ما هو خاص في نطاق العام حيث يتمّ تجاوز المصالح الخاصّة لفائدة المصلحة العامّة وتجاوز الخاصّيات القطاعيّة من أجل فرض الخاصّيات الكلّيّة[20]، وفي نطاق هذه العلاقة التّعاقديّة توجد مبادئ الحوار الاجتماعي  ويتم تفعيل دوره دون تجاوز مبدأ التّرابط بين الفضاء الخاصّ والفضاء العمومي رغم أنّهما ليسا متطابقين [21]. كما نفهم من الميثاق الاجتماعي أنّ التّمييز بين الخاصّ والعام أمر مهيّأ اجتماعيّا ولكن مع مداومة الاشتغال عليه وتدعيمه داخل المجال السّياسي، لأنّ الجمع بين المجالين تعزيز لمنظومة الوساطة وتأكيد لفاعليّة الدّور التّعديلي الذي تؤدّيه الأطرف الاجتماعيّة كتعبير عن مقاومة المجتمع للدّولة المطلقة أو مقاومة قطاع منه لهيمنة قطاع آخر بالإحالة على ما تقتضيه السّياسة التّعاقديّة من جمع بين الشّركاء الاجتماعيّين وفق مقاربة تشاركيّه يمثّل الميثاق الاجتماعي إطارها المرجعي وشروط العقد ضمانتها، وبالإحالة كذلك على ضرورة المرور من العقد الاجتماعي المرتبط بالمنظومة الانتاجيّة والأنساق الفرعيّة للمجتمع إلى العقد الاجتماعي المنسحب على الكليّة الاجتماعيّة وفاعليّته على مستوى المنظومة الشّاملة.

  • خلاصة تقييميّة للتّجربة التّعاقديّة السّابقة: لماذا فشل ميثاق الرّقي؟

في مرحلة الليبرالية التي تم اتّباعها منذ بداية السّبعينات من القرن المنصرم تحوّلت تونس إلى قطب لجلب رأس المال من أجل تنمية القيمة الزائدة والأرباح، ولم يكن هذا ليتحقّق إلاّ بزيادة استغلال العمّال والكادحين عموما وبإعلان القطيعة مع الاشتراكية التسلطيّة لفترة السّتينات[22]. ولكن هذه السّياسة الاقتصادية الليبراليّة ستكون لها نفس نتائج مسار تخلّي أي دولة عن الإدارة الاقتصادية الليبراليّة لصالح أقليّة من أصحاب الأعمال وهذا ما من شانه أن يؤجج الشعور بالانكسار لدى الأغلبيّة من الشعب وخاصّة البرجوازية الصّغيرة التي سيقصيها النسق شيئا فشيئا من مكاسب المجتمع الاستهلاكي. لذلك بدأت الدّعاية الرّسمية تروّج لمقولة الشراكة الاجتماعية التي تعني إذابة التناقضات وإخماد الصّراع الاجتماعي واستئصاله من الوعي العمّالي واستبداله بعقد سلمي بين قوّة العمل ورأس المال، وهو ما سميّ في مرحلة لاحقة بالميثاق الاجتماعي. فما هي الدّواعي الأساسيّة لهذه الشراكة التي تؤسّس لمرحلة تعاون العمل ورأس المال؟

إنّ البرجوازية المحلية كانت تسعى إلى تقديم سياسة السّلم الاجتماعيّة القائمة في تونس كملصقات دعائية لجلب اهتمام المموّلين الأجانب وتأهيل قوّة العمل الرخيصة لاستقبال رؤوس أموالهم. “وباختصار فإنّ الأمر لا يعني أكثر من الاعتراف بسلطة الرأسمال على الإنتاج والمجتمع إذ أنّ الشراكة الاجتماعيّة أو التعاون الطبقي ليس سوى أحد أشكال إخضاع الكادحين لهذه السّلطة”[23]. ولأجل هذه السياسة الاجتماعية الجديدة تمّ إعداد مجموعة من القواعد تهدف إلى التطبيع بين أطراف النزاع داخل المؤسّسة والتعريف بمبادئ المشروع “الوطني” المتماسك، وتلك السياسة معلّلة من طرف واحد معني بالصّراعات الجماعيّة[24]. وهكذا “فبدلا من براديغم الصّراع الطبقي يفرض براد يغم الميثاق الاجتماعي والسلم الاجتماعيّة حيث أنّ أولئك الذين كانوا يتواجهون بالأمس مباشرة، يجتمعون اليوم على الاعتراف المتبادل بمثابة جماعة مصلحة داخل المؤسّسة أو داخل المجتمع. هذا التغيّر في الآفاق يتوافق مع صعود الهياكل التمثيلية للأعراف عبر الخطاب السّياسي الذي يطوّر فكرة التضامن المهني الجماعي بشكل مناقض لفكرة التضامن الطبقي للنقابات العمّاليّة”[25].

إن التحويرات التي أدخلتها العقود المشتركة على العلاقات بين الأعراف والعمّال كانت ترمي إلى تجنب النضالات العمّاليّة الحادّة التي ليس من السّهل إحباطها، وقد تمكّنت قيادة اتحاد الشغل من تحقيق بعض المكاسب للعمّال والأجراء منها: الزيادة في الأجور عام 1973  والرّفع في الأجر الأدنى القانوني عام 1974 ثمّ الرّفع في مقدار المنحة العائليّة سنة 1975 إضافة إلى ما حققته العقود المشتركة التي شملت أغلب مؤسسات القطاع الخاص من زيادة في الأجور. هذه الإنجازات بدت لعدد كبير من العمّال والموظفين إيجابيّة وذلك بعد أن بقيت الأجور مجمّدة سنين متتالية (1961-1970). ومع بداية الأزمة الاقتصادية التي دخلت فيها البلاد سنة 1975 والارتفاع الفاحش في الأسعار اتسعت نضالات الجماهير الكادحة وتعدّدت الإضرابات وتطوّر الوضع داخل الاتحاد العام التونسي للشغل وتغيرت فيه موازين القوى بصفة جذرية فتزايدت معارضة العمّال لما سمّي بميثاق الرّقي الاجتماعي الذي وقعته القيادة النقابيّة في جانفي 1977 مع الحكومة ونقابة الأعراف والذي يقضي، مقابل زيادة محدودة في الأجور، بتجميدها طوال فترة المخطط الخامس[26]. وقد ظهرت الرهانات الحكومية حول تاطير الفعل النقابي منذ الاتفاقية الإطارية لسنة 1973 التي كانت عبارة عن مقدّمة لنشوء نسق جديد من العلاقات بين الأطراف الاجتماعيّة. إنّ الدّولة لم تكن في هذا السياق محايدة بل كانت طرفا مفعّلا لعملية إخماد الصّراع الطبقي وتأبيد الوفاق الاجتماعي المبني على الشرعية والمردوديّة كما يصوّرهما التوجّه الليبرالي للدّولة.

علاوة على ما يوفّره التعاقد الاجتماعي للأعراف من مكاسب اقتصادية كتنظيم سوق العمل وتأهيل قوّة العمل الصالحة لاستقبال رؤوس الأموال الأجنبيّة، فهو نموذج جديد لعلاقة التبعيّة بين تونس وبين السّوق الرأسماليّة. إنّه مرحلة متطوّرة من التقسيم العالمي للعمل عكس الاستحواذ المباشر للرأسمالية العالمية على الأسواق التونسيّة، استحواذ على سوق البضائع والسّوق المالية وعلى السوق الفنية وكذلك على سوق قوّة العمل.

إن الميثاق الاجتماعي الذي تم توقيعه يوم 19 جانفي 1977 من طرف مختلف الشركاء الاجتماعيين: حكومة وحزب الدستور ونقابات مهنية وعمّاليّة، لم يأت لإخماد مظاهر الأزمة وإن كان ذلك من ضمن أهدافه[27] ولم يتمكّن من إلغاء الأسباب التي أدّت إلى يوم 26 جانفي 1978 المعروف بيوم الخميس الأسود. وفي المقام الأوّل يمكن أن نعتبر أنّ الإضرابات العمّالية هي الظاهرة التي ميّزت الفترة التي أحاطت بالميثاق الاجتماعي قبلا وبعدا[28]. وقد انتهت هذه السلسلة من الإضرابات بيوم 26 جانفي 1978 الذي كان تعبيرا داميا عن الصراع الطبقي الذي أجّجه استفحال الفروق الطبقية بين أقليّة من مالكي وسائل الإنتاج وأغلبيّة مسحوقة تعيش حالة البؤس والحرمان. وهنا يبدو أنّ تعبير الصّراع الطبقي أكثر مشروعيّة في الاستعمال لأنّ الوعي الطبقي الذي يؤجّجه يفترض أن يكون”الصراع بين قوّة العمل ورأس المال هو صراع اجتماعي بالشكل الذي يجعل كل فاعل قادر على تبني المجتمع الكلّي ويدافع عن المصالح العامّة عوض الدفاع عن الحقوق الفرديّة ولكنه مرتبط بوضعيّة مأزومة تتعلّق بالنسق الكلّي دون أن تكون تعبيرا عن ضغط حادّ بين الأنساق الاجتماعية الفرعيّة التي تعبّر عن عدم التوافق بين العمل ورأس المال. لأنّ هذه الوضعيّة تنخرط في صلب الوعي العمّالي في حين أن الوعي الطبقي ينخرط في حركة المرور من مرحلة الوعي العمّالي إلى مرحلة الوعي بالتناقضات داخل المجتمع”[29] .

ورغم هذا الإقرار بالتمايز الطبقي فإن البرجوازيّة من مصلحتها فرض سياسة تقشف على الشغيلة وكبت مطالبها وذلك على الأقل لمدّة خمس سنوات، مدّة المخطط الخامس. هذا هو هدف الميثاق الاجتماعي وفق رؤيّة عمّاليّة ومن منطلق نظرة الطبقة العاملة للواقع الذي بدأ يتحكم في تفاصيله الأعراف بمساعدة الحكومة. في حين يلعب العمّال دور الطرف الرافض لهذا النمط من الإشراف وهذا ما يحدّد نمط المجتمع التونسي في تلك الفترة.”فالمجتمع الذي يكون فيه النزاع بين الطبقة المسيّرة والطبقة الرّافضة نشيط جدّا أكثر من مجتمع يكون فيه النزاع بين طبقة مسيطرة وطبقة مسيطر عليها وذلك الذي تكون فيه الدّولة أقلّ استقلالية مقارنة بالطبقة المسيّرة”[30].

إن التعاقد الذي ظهر منذ البداية في صيغة الاتفاقية الإطارية الجماعية[31] سنة 1973 قد مكن العمّال من تنظيم علاقتهم بمهنهم وتنظيم العلاقة بينهم وبين أعرافهم، واستطاعت الطبقة العاملة من خلال ذلك أن تحقّق بعض المكاسب. لقد أصبح ذلك التعاقد محلّ مراجعة من طرف نقابة الأعراف، فهي كما ظهرت في 1976 غير مستعدّة لإعطاء تنازلات وتطلب من الطبقة العاملة أن تلتزم بالسلم الاجتماعيّة أي أن تدفع ثمن الأزمة الاقتصادية المستفحلة، فقد أخذ الأعراف يماطلون في تطبيق القوانين الأساسيّة ولا يتركون فجوة في العقود المشتركة إلاّ ويستغلونها للتنصّل من التزاماتهم.

ويتلخص الميثاق الاجتماعي[32] في زيادة الأجور لذوي الدّخل الأدنى بنسبة 33 بالمائة مع تحسين مرتبات موظفي ومستخدمي الدّولة استجابة لغلاء المعيشة. بالمقابل وردت في الميثاق وعود صريحة بتكثيف استغلال العمّال بالإلحاح على تحسين الإنتاج والإنتاجيّة وجعله معيارا لرفع الأجور: “يعاد النظر في أجور القطاع الخاص سنويا وابتداء من أفريل 1978 على ضوء تطوّر تكلفة العيش وتحسين الإنتاج والإنتاجيّة”. فهذه الصيغة التي وردت في الفصل 12 من الميثاق جاءت تحت معايير غامضة وغير قابلة للقياس بدقة وفي وقت الانكماش الاقتصادي، الأمر الذي جعل الأعراف يتهرّبون من ربط الأجور بالأسعار التي ترتفع حسب مشيئتهم لا حسب مشيئة العمّال. ويعترف الميثاق بالارتفاع الكبير في تكلفة العيش وضرورة حماية المقدرة الشرائية للشغالين الأجراء وتحسين مستوى عيش مجموع السّكان. لكنه يحرص على أن يؤكدّ أنّ هذا سيتم بصورة تدريجيّة، ذلك أن النظام اكتسب تقاليد التدرّج في كلّ شيء يتعلق بالتعامل مع الطبقة العاملة ولكنه لم يعتمد سياسة التدرّج في تعامله مع البرجوازية التي سخّر لها كلّ إمكانياته السياسية والاقتصادية وكذلك التشريعية منذ بداية السبعينات.  

إذا كان من الضروري أن نعتبر الإضراب العام ليوم 26 جانفي 1978 تعبيرا عن حدود الشراكة الاجتماعيّة وعن ضعف السياسة التعاقدية فإنّه أمر غير كاف طالما أنّ المسألة مرتبطة بالسّياق العام الذي تتخلّله جملة من الهنات البائنة التي يمكن أن تجهض أي إمكانيّة للسياسة التعاقدية والوفاق الطبقي. واهم الهنات تتمثل في:

  • عدم استقلالية المنظمات والأطراف الاجتماعيّة في قراراتها وأهدافها إلى الحدّ الذي ألحقت فيه بالحزب الدّستوري وأصبحت في عديد المناسبات خلايا تابعة له. ولا أدّل على ذلك من أنّ القواعد النقابيّة رفضت قرارات قيادتها في الاتحاد العام التونسي للشغل حينما انصاعت إلى برنامج الهادي نويرة الذي يخدم مصلحة البرجوازية. وكل من القواعد النقابية وقيادتها تعبّر عن ذلك الانقسام. ففي حين أثبتت القيادة امتثالها للحكومة عبّرت القواعد عن رفضها لهذا الامتثال.

– فئويّة الدّولة وعدم قدرتها على الالتزام بالحياد الفعلي وعجزها عن أن تلعب دور الحكم بين الأطراف الاجتماعيّة وأن تتحاشى التحوّل إلى مدافع أو معبّر عن مصلحة طبقة اجتماعية على حساب طبقة أخرى تحت غطاء توفير الأمن السياسي والاجتماعي.

– عجز الدّولة عن تطوير النظام السّياسي واحترام الحريات الفردية والعامّة وإقرار التعدّدية حتى تتمكن القوى الاجتماعية الصّاعدة من التعبير عن هويتها السّياسيّة. غير أنّ السلطة توظف بعض أوجه الدّيمقراطيّة أحيانا لفك العزلة عن النظام وإنقاذه من الخطر والانهيار كلما تعرّضت للاهتزاز.

إن المركزية السّياسيّة هي التي سطرت سياسة الحوار والمفاوضات الاجتماعية. ولم تكن  هذه الأخيرة خيارا اجتماعيّا أنتجه مسار تطوّر العلاقات بين العمّال والأعراف. وقد برزت أوّل محاور تدخل المركزية السّياسيّة في تقنين هذه العلاقة منذ الاتفاقية الإطارية. كما أنّ المؤتمر التاسع للحزب الاشتراكي الدّستوري (سبتمبر 1974) الذي اقترح بورقيبة رئيسا مدى الحياة هو الذي سطّر ميثاق الرّقي من أجل مشروع اجتماعي جديد بقيادة مدير الحزب ورئيس الحكومة الهادي نويرة، الذي أعطى تعبيرا نظريا لأهداف ومنوال السّياسة الاقتصادية والاجتماعية خلال المخطّط الخامس بالاعتماد على سياسة الوفاق الاجتماعي وبذلك فإن الحوار بين الأطراف الاجتماعيّة وجد في الحزب سندا وضمانا رغم أنّ هذا الحوار قد ظهر في البداية مرتبكا نظرا لتغاير المصالح إضافة إلى كون التوجّهات والبرامج والبنيات لا تتطوّر بنفس الوتيرة بالنسبة إلى كل الأطراف وإضافة كذلك إلى كون الأنماط القديمة من المراقبة التي يمارسها الحزب كانت تبدو أقوى من التحوّلات الاجتماعيّة وفي بعض الأحيان تحجبها تماما كما تحجب معها أدوار الهياكل والمنظمات والأطراف الاجتماعيّة. هكذا كانت السّياسة التعاقدية برنامجا حزبيا.

بقطع النظر عن نجاح أو فشل سياسة التعاقد الاجتماعي فإن براديغم سوسيو-سياسي جديد بدأ يرتسم وفق التأسيس على منوال ثلاثي الأطراف لصياغة نظام العمل والأجر والإنتاج، وبالتالي لصياغة العلاقة بين العمل ورأس المال. هذا المنوال الثلاثي التمثيلي يجمع الدّولة ونقابة الأعراف ونقابة العمّال. والاعتراف المتبادل لهذه الأطراف الثلاثة هو اعتراف بالمصالح الجزئية لكل منها. إنّ مشاركة الأطراف الثلاثة في صياغة خريطة السياسة العموميّة – مهما كانت طبيعة المشاركة – غير متكافئة. يعني أنّ نقابتي العمال والأعراف قد اندمجتا معا في بنية القرار السّياسي[33] التّسلّطي الذي كان يحتكره حزب السّلطة.

التجربة السّابقة راكمت على فراغ وكانت مرتبطة بتصوّر الحكومة فقط وكان هدفها من ميثاق الرّقي هو تنفيذ برنامج المخطّط الخامس الذي يهدف فقط إلى فرض السّياسة الاقتصاديّة اللّيبراليّة والامتثال لشروط الانفتاح. لذلك كان من الصّعب بناء مفهوم سليم للعلاقات الاجتماعيّة بمجرّد تبني سياسة الوفاق الاجتماعي لأنّ سياسة الوفاق هذه لم تكن ممكنة طالما أنّها تستوجب الاعتراف بسلطة راس المال على الإنتاج والمجتمع. إذ أنّ الشراكة الاجتماعيّة لم تكن سوى أحد أشكال إخضاع العمّال لهذه السلطة التي يملكها الأعراف. وبالتالي فإنّ الوفاق الاجتماعي لا يمكن أن يحقق السلم الاجتماعيّة إلاّ إذا حقق توازنا فعليا ودقيقا بين مصالح مختلف الأطراف الاجتماعيّة.  

  • العقد الاجتماعي كإطار مرجعي لاستئناف البناء الوطني

إنّ الثّورة التي أسقطت نظام الاستبداد أوجدت مناخا جديدا ومجالا واسعا للمساهمة في البناء الوطني وأتاحت ذلك إلى كلّ الهيئات والمنظّمات المستقلّة. باعتبار أنّ المجتمع المدني الذي يتحرّك داخل مجتمع متحرّر من هيمنة الدّولة يفتح إمكانيّات غير متوقّعة من التّعدّديّة يعترف من خلالها بكلّ التّطلّعات ويجد فيها كلّ فرد أو جماعة تجلّيات المشاركة المحدّدة لنمط المؤسّسة السّياسيّة التي أدرجها روسّو ضمن الإرادة العامّة. لكنّ هذا يبقى تصوّر نظريّ دون التّأكّد من وجود آليّات تفعيله في الواقع خاصّة في إطار الأنظمة الاستبداديّة، “فلا يوجد بلد يكون فيه المجتمع المدني ملزما بأن يحول دون استبداد السّلطة أكثر من ضرورة أن يكون المجتمع ديمقراطيّا… حيث تشكّل المؤسّسات الاجتماعيّة حالة مدنيّة تتصدّى لتعسّف السّلطة… في البلدان التي لا توجد فيها مثل هذه الهياكل لا يمكن أن نجد أيّ عائق لأيّ نوع من التّسلّط، ويمكن لشعب كبير أن يُقمع بقبضة إنسان واحد ودون عقاب… ولكن لا يمكن أن نخفي أنّ الحرّيّة اللاّمحدودة للهيئات المستقلّة في المستوى السّياسي ليست آخر الحرّيّات التي يستطيع الشّعب أن  يتحمّلها، فإنّها إذا لم تسقطه في الفوضى فإنّها تقترب منها في كلّ لحظة. هذه الحرّيّة الخطيرة تحتّم على البلدان التي توجد فيها هيئاتت حرّة إيجاد حدّ أدنى من الضّمانات”[34]. هكذا يبدو أنّ الجوهر المؤسّساتي “للمجتمع المدني يتكوّن من جمعيّات غير حكوميّة قائمة على أساس طوعيّ يجمع البنيات التي تصل الفضاء العمومي بالضّرورات الاجتماعيّة. وبناء على ذلك يقوم بترجمة ما يدور في الفضاء الخاص داخل الفضاء السّياسي العام، لأنّ المجتمع المدني مكوّن من نسيج جمعيّاتي يتبنّى الخطاب الذي يمكن أن يحلّ المشاكل الطّارئة على المصلحة العامّة في نطاق الفضاء العمومي”[35].

من المهم الإشارة إلى أنّ الاتّحاد العام التّونسي للشّغل لم يكن المستفيد الأكبر من هذا المناخ الجديد والفضاء المتاح من الحريّة إلاّ لكونه الفاعل الأساسي في تحقيق كلّ ذلك[36]. وقد تضافرت العديد من المعطيات في تأكيد هذه المسلّمة.فالاتّحاد العام التّونسي للشّغل هو المنظّمة الوطنيّة الأكثر انسجاما مع الطّابع الجوفي (نقصد بذلك الطّابع العميق بالمعنى المجالي والاجتماعي) للثورة التّونسيّة، باعتباره التّنظيم الوحيد في تونس الذي يتّسم بالشّموليّة القطاعيّة (القدرة التّنظيميّة) والامتداد الجغرافي والاجتماعي والاستمراريّة في الارتباط بقضايا المجتمع على تعدّدها واختلافها. وهو التّنظيم الوحيد الذي يملك القدرة على الاستجابة إلى الشّروط الدّيناميكيّة والتّفاعل مع الطّابع الاجتماعي والعمق الشّعبي والأساس المدني والأفق الإنسي للثّورة التّونسيّة.

كما أنّه من الضّروري أن ننبّه إلى أنّ السّمات العامّة للمجتمع التّونسي هي الإطار المرجعي الأكثر استدعاء للسّياسة التّعاقديّة وروح العقد الاجتماعي[37]. فالمعروف أنّ هذا المجتمع يتّسم بقوّة اندماجه مقارنة بالمجتمعات الأخرى في محيطه الجغرافي والحضاري، ويتميّز بعدم وجود هيمنة مطلقة لأيّ من الكلّيّات الاجتماعيّة على حساب أيّ من الكلّيّات الأخرى. فكلّ تشكيلاته تعتبر من بين العناصر التّكوينيّة للبناء الاجتماعي، وهي العناصر ذاتها التي تساهم في صياغة النّموذج المجتمعي. لذلك فإنّ الاتّحاد العام التّونسي للشّغل عندما فرض الخروج بالصّراع من فضاء المجلس التّأسيسي إلى الفضاء العام والإطار الاجتماعي الأشمل والمنفتح على كلّ القوى الاجتماعيّة والسّياسيّة فإنّه وطّن الصّراع في إطار مجتمعي شامل ومدني حرّ، وهو إطار ضامن للرّوح التّعاقديّة على معنى مبادئ الحقوق السّياسيّة والمدنيّة الأقرب إلى عقيدة جون جاك روسّو منها إلى روح الشّرائع “المعطوبة” داخل المجلس التّأسيسي الوفيّة إلى فكر مونتسكيو ورؤيته حول الدّيموقراطيّة التّمثيليّة ومؤسّساتها السّياسيّة. ولذلك فإنّه فرض روح العقد الاجتماعي على فضاء الصّراع السّياسي وواقعه.

لقد تمّ توقيع العقد الاجتماعي في تونس يوم 14 جانفي 2013 من طرف الشّركاء الاجتماعيّين الثّلاثة، وهم تحديدا الحكومة والاتّحاد العام التّونسي للشّغل والاتّحاد التّونسي للصّناعة والتّجارة والصّناعات التّقليديّة. وقد تضمّن نصّ العقد توطئة تأطيريّة وبُني مضمونه على خمسة محاور[38] تراوح بين ما هو قطاعي وماهو شامل مثل المسائل التي تتعلّق بالسّياسة العامّة في الدّولة والخيارات السّياسيّة في أبعادها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، بالإضافة إلى مأسسة الحوار الاجتماعي كخيار لضمان استمراريّة السّياسة التّعاقديّة وديمومتها. ويمكن القول عموما أنّه قد تضافرت ثلاث سياقات في الإلحاح على ضرورة بناء عقد اجتماعي، تتمثّل في سياق عام وسياق تشريعي وسياق نقابي:

السّياق العام: يمكن تفصيله إلى ثلاث مستويات هي بمثابة السّياقات الفرعيّة:  واقع سّياسي وأبرز ما فيه سقوط نظام استبدادي تميّز بهيمنة الحزب الواحد وبحث عن بديل ديمقراطي لم يجد مرتكزات تحقّقه إلى حدّ الآن، وواقع اقتصادي يتميّز بهيمنة اقتصاد السّوق وتصاعد النّشاط الرّأسمالي دون اكتمال نمط انتاج رأسمالي حسب شروطه التّاريخيّة، ونسق اجتماعي يتّسم بتفاقم البطالة وتقهقر القدرة الشّرائيّة وتفكّك البناء الاجتماعي نتيجة منوال تنمية في مرحلة جمود لأنّه لم يقطع مع المنوال القديم ولم يطرح البديل.

إنّ السّياقات الفرعيّة الثّلاث المكوّنة للسّياق العام كانت في تلازم نسقي مع ذلك المحيط المتّسم ببطالة الشّباب من ذوي التّحصيل العلمي الجامعي والصّعوبة البالغة في الاندماج الاجتماعي نتيجة انسداد أفاق التّشغيل، يضاف إليه الشّرخ الجهوي بين مدن السّاحل والمناطق الدّاخليّة للبلاد، والفساد الإداري والسّياسي والجشع، كلّها كانت عبارة عن أنماط حكم مستقلّة، زيادة على تحرير الاقتصاد دون احترام حقوق الفئات الضّعيفة، وهيمنة القطاع الخاص على الرّوافع الاقتصاديّة، وتحويل الدّور التّعديلي للدّولة كلّيا لفائدة قطاع ضيّق من التّونسيّين، ودعم أرباب العمل والمستثمرين على حساب الفئات الشّعبيّة.

وقد أجمعت كلّ المقاربات على وجود أزمة التّعديل التي تميّزت ببداية التّفكك البنيوي للنّظام السّائد وعدم فاعليّته المتنامية وعدم قدرته على إيجاد نسق بديل بشكل متزامن خاصّة عندما نستنتج محدوديّة نسق التّضامن أو ضعفه إزاء شروط عمليّة الاندماج وتأمين شروط تساوي الحظوظ. وفي موضوعنا قيد التّناول فإنّ اللاّمساواة والإقصاء والتّهميش هي النّتيجة المباشرة لأزمة التّعديل. وهي بلا شكّ من محدّدات صياغة العقد الاجتماعي وأسبابه.

لقد وجد منوال التّنمية في تونس بين حالتين : الحالة الأولى تميّزت بتحقيق النّمو دون التّنمية أو ما يعبّر عنه بتنمية التّخلّف، إذ لا تتحقّق التّنمية بمجرّد حصول تطوّر اقتصادي واجتماعي لأنّ ذلك ارتبط باحتكار الثروة الوطنيّة وثمار التّنمية من طرف أقليّة محظوظة وتفقير الرّيف وتكديح الطّبقات الوسطى وبؤس الأحياء الشّعبيّة في المدن الكبرى وانتشار الجهل والأميّة… والحالة الثّانية هي حالة التّنمية بدون نموّ من خلال وجود منوال تنمية تابع ومرتبط بما تفرضه المؤسّسات الماليّة العالميّة التي تحبس بلدان الجنوب في فخّ التّبعيّة والتّخلّف في حين أنّ تنمية حقيقيّة تفترض أنّ يحتفظ كلّ بقدرته على التّحكّم في الشروط الماديّة لإعادة إنتاج مجتمعه. ومفهوم التّنمية يقتضي الوقوف على مبادئ أساسيّة أهمّها المساواة والحرّيّة المترافقتين مع العدالة الاجتماعيّة والمردوديّة الاقتصاديّة وهي أساسيّات التّنمية التي تضمن حرّيات فردية منبثقة أصلا عن الحرّيات العامّة ومطابقة لها يمكن أن تعبّر عمّا يسمّيه أيضا بالمجتمع السّوي الذي يشتغل حسب قواعد أساسيّة تحدّد وظائف المؤسّسات الاجتماعيّة لتكون مطابقة لمتطلّبات التّنمية بمكوّناتها السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.

السّياق التّشريعي: عنوانه الأساسي صياغة منظومة قانونيّة جديدة لإعادة بناء مؤسّسات الدّولة الدّيموقراطيّة، وقد اكتمل طوره الأوّل مع صياغة دستور للبلاد بعد أن كان موضوع صراع بين مكوّنات المجتمع السّياسي وأعوانه داخل المجلس التّأسيسي (المُنتخب في 23 أكتوير 2011) وبين مكوّنات المجتمع المدني التي فرضت تصوّراتها في دائرة الصّراع ولكن من خارج المجلس التّأسيسي وقد تمكّنت من إعادة تركيب موازين القوى في الفضاء العام. أمّا الطّور الثّاني لهذا السّياق التّشريعي فهو المرتبط بمهمّة مجلس نوّاب الشّعب (المُنتخب في 26 أكتوبر 2014) المتمثّلة في صياغة القوانين الأساسيّة التي تقوم بتنزيل أحكام الدّستور في أرض الواقع وتحوّلها إلى آليات نافذة لتسيير شؤون الدّولة والمجتمع.

في خضمّ ذلك نجد أنّ الاتّحاد العام التّونسي للشّغل من أهمّ المنظّمات التي تعهّدت بإيجاد ضمانات دستوريّة للحقوق الاجتماعيّة وبالخصوص ضمان حقوق العمّال التي تعتبر من أهمّ الحقوق الاجتماعيّة. فقد بات معلوما أنّ انتهاك حقوق العمّال يعبّر عن انتهاك أغلب أجيال منظومة حقوق الإنسان[39]، لأنّ انتهاك حقوق العمّال يحيلنا على انتهاك الحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة والمدنيّة والسّياسيّة. ومعلوم أيضا أنّ هذا الانتهاك هو نتاج النّظام شأنه شأن الاستبداد الذي حوّله النّظام بدوره إلى سمة مميّزة للنّسق العام الذي يجمع بين الثّقافي والاقتصادي والاجتماعي والمدني والسّياسي. وانتهاك حقوق العمّال كما هو معروف فإنّه يتسبّب دائما في اختلال الواقع الاجتماعي ويعطّل مسار النّمو الاقتصادي ويؤدّي عموما إلى الإخلال بالنّظام السّياسي ويؤثّر باستمرار في الواقع الثّقافي وعادة ما يؤثّر سلبا في الحياة المدنيّة[40]. وعلينا أن نذكّر بأمر مهمّ، مفاده أنّ الدّيمقراطيّة هي متعدّدة ولكنّها ليست جميعها ضامنة لمنظومة حقوق الإنسان، فيمكن أن نكتفي بتأمين التّداول السّلمي على الحكم عن طريق انتخابات حرّة ونزيهة فنكون منسجمين مع شروط الدّيمقراطيّة السّياسيّة ولكن قد تؤول إلى إخضاع كلّ الحقوق الاجتماعيّة إلى ما يمكن أن يسمح به قانون العرض والطّلب في سوق التّداول السّياسي للقيم الانسانيّة. لذلك فإنّ الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة هي العنوان الرّئيسي الذي تسعى النّقابات إلى تحقيقه، ولذلك أيضا نتناول دور النّقابات في بناء مجتمع ديمقراطي.

يمكن معالجة العلاقة التي تجمع بين النّقابات والدّيمقراطيّة انطلاقا من الوقوف على وحدة الفضاء الذي يؤلّف بين مؤسّسات المجتمع المدني ومنظومة حقوق الإنسان بدءا بشروط التّساند الوظيفي والتّكامل البنيوي بينهما وصولا إلى ضرورة التّفعيل المتبادل. ويمكن أن نبني هذا التّمشي على فرضيّتين أساسيّتين: تعتبر الفرضيّة الأولى أنّ النّقابات عبارة عن الفضاء الذي تشتغل فيه منظومة حقوق الإنسان وتتجدّد بقدر ما يمثّل أحد أهمّ الأطر الجماعيّة التي تسعى إلى تفعيلها وتجسيدها وتطويرها. أمّا الفرضيّة الثانية فتعتبر أنّ منظومة حقوق الإنسان هي الأرضيّة الميدانيّة لاختبار فاعليّة مكوّنات المجتمع المدني بما في ذلك النّقابات العمّاليّة خاصّة في ما هو موكول إليها في مختلف المراحل التّاريخيّة وبشكل أكثر أهمّية المرحلة الانتقالية التي تعيشها تونس دولة ومجتمعا ومؤسّسات. هذه المرحلة التي تحيل على كلّ أبعاد الحالة الانتقاليّة وإمكانيّاتها بما في ذلك إعادة تشكّل العلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع السّياسي وإعادة صياغة علاقة الدّولة بالمجتمع أصلا وإعادة تأهيل الإطار الضّامن لتفعيل مقوّمات الدّيمقراطيّة ومنظومة حقوق الإنسان. لأنّ حقوق الإنسان ولئن كانت متّصلة بالذّات البشريّة، والمجتمع المدني ولئن كان من نتائج علاقة التّماس التي تربط الدّولة بالمجتمع فإنّ تأصيلهما هو من نتائج الحداثة الفكريّة والفلسفيّة، وتجسيدهما القانوني هو من نتاج الحداثة السّياسيّة ومن دعائم الدّولة الدّيمقراطيّة الحديثة. فكلاهما يعبّر عن كليهما في مستوى الواقع والمآل.

السّياق النّقابي: وهو لا يقلّ أهميّة عن بقيّة السّياقات الفرعيّة الأخرى المكوّنة للسّياق العام باعتباره (السّياق النّقابي) يعبّر عن ديناميكيّة المجال الذي يحتضن نشاط أهمّ الفاعلين الاجتماعيّين المعنيّين بمسار الانتقال نحو الدّيمقراطيّة والمعنيّين كذلك بتجديد المنظومة القانونيّة التي تنظّم علاقاتهم بالأطراف الفاعلة (الحكومة وأرباب العمل) الأخرى خاصّة وأنّ الخريطة التّمثيليّة للعمّال بصدد إعادة التّشكّل وفق منطق التّعدّدية النّقابيّة.

رغم ما يضطلع به الاتّحاد العام التّونسي للشّغل من المهام المشار إليها، ورغم أنّه يكوّن النّواة الصّلبة لمؤسّسات المجتمع المدني بما يجعلها جميعا تدور في فلكه من أجل إخراج موازين القوى من فضاء العمل السّياسي الصّرف إلى فضاء العمل المدني وإثبات جدواه في تقرير مصير البلاد وتحديد ملامح المرحلة السّياسيّة القادمة، إلاّ أنّ كلّ المؤشّرات تؤكّد أنّه سيواجه العديد من المصاعب التي قد تكون لها آثارا سلبيّة عليه كمنظّمة نقابيّة. فمن المهمّ الإشارة إلى أنّ الاتّحاد العام التّونسي للشّغل، رغم فاعليّته الآنيّة على المستوى السّياسي (نظرا لمساهمته في ضمان آليّات الحوار الوطني بين الفرقاء السّياسيّين) والاجتماعي (باعتبار دوره في إرساء السّلم الاجتماعي) وكذلك الاقتصادي (باعتباره يساهم في إعداد المناخ الملائم لتجاوز الأزمة الاقتصاديّة)، فإنّه أصبح العنوان الأوّل للتّجاذبات السّياسيّة بين ثلاث تيّارات:

  • تيّار يرفض فاعليّة المنظّمة النّقابيّة ولا يعترف بتواجدها خارج نطاق مساندتها للمجتمع السّياسي أو الامتثال المطلق له تعلّلا بالشّرعيّة ومقاربته لكيفيّة استعمالها في مواجهة النّزعة الاستقلاليّة للمجتمع المدني. ويعود هذا الموقف الذي يعبّر عن وجهة نظر الإسلاميّين إلى سبعينات القرن المنصرم، حيث لم يكن أصحابه في صف المساندين للاتّحاد العام التّونسي للشّغل خلال صراعه مع نظام بورقيبة وحين أعلن الإضراب العام للمرّة الأولى منذ الاستقلال. غير أنّ تعاملهم اليوم مع مكوّنات المجتمع المدني بل ومراهنتهم على مئات الجمعيّات من مكوّناته لا يعدو أن يكون إلاّ برنامجا ظرفيّا يتنزّل في استراتيجيّة التّعبئة والاستقطاب وكذلك يعبّر عن مناورة سياسيّة يستعملون فيها تلك الجمعيّات والهيئات التي تبدو في الظّاهر مستقلّة من أجل التّغلغل في أوصال المجتمع وتدجين هيئاته المستقلّة.
  • تيّار يتعامل مع الاتّحاد العام التّونسي للشّغل تعاملا زبائنيّا وفق شروط التوظيف المتبادل وهذا ما عبّرت عنه وأثبتته في نطاق الممارسة بعض الأحزاب اليمينيّة اللّيبراليّة أو حتّى الوسطيّة اللّيبراليّة التي مارست الحكم سابقا أو شاركت في ممارسته سواء بصفتها أحزابا أو من خلال قياداتها. وعادة ما تتعارض أطروحات هذه الأحزاب السّياسيّة مع الأرضيّة الفكريّة للنّقابات العمّاليّة خاصّة فيما يتعلّق بالمسألة الاجتماعيّة التي يعتبر الاتّحاد العام التّونسي للشّغل أبرز المنشغلين بها. لذلك فإنّ تقاربهم معه خلال المرحلة الانتقاليّة فرضته حتميّة توسيع التّحالفات والضّرورة السّياسيّة للاستفادة من أدواره خاصّة وأنّ المساحة السّياسيّة المتاحة إليه منذ سقوط النّظام القديم أصبحت أكثر اتّساعا من المساحات التي تتحرّك داخلها الأحزاب السّياسيّة.
  • تيّار تكوّن تاريخيا في الاتحاد العام التّونسي للشّغل وغيره من الهيئات المستقلّة التي قاومت النّظام القديم ولم يكن بالإمكان أن يحافظ على استمراريّته طيلة حكم النّظام القديم لو لم يكن محتميا داخل الأدوار النّقابيّة التي كان يقوم بها صلب الاتّحاد العام التّونسي للشّغل بالأساس. غير أنّ هذه الأطراف تبقى منفعلة بالتّراث الذي جمعها بهذه المنظّمات ومن خلاله تظلّ منفعلة بمدى قدرة هذه المنظّمة على الفعل دون أن تتحوّل إلى طرف فاعل بالقدر الكافي بعيدا عنها وبما يمكّنها من ضمان الاستقلاليّة الكافية من ناحية ومن فرض استقلاليّة هذه الأحزاب عنها من ناحية أخرى. غير أنّ الحدود الفاصلة بين الاتّحاد العام التّونسي للشّغل وتلك الأحزاب لا زالت بعد في حاجة إلى إعادة رسمها على المستوى الهيكلي كما على المستوى الوظيفي.

أمّا الخاصيّة العامّة والمشتركة التي تجمع بين مكوّنات هذه التّيّارات الثّلاث فإنّها تتمثّل في إعطائها الأولويّة لأطرها السّياسيّة على حساب المنظّمة النّقابيّة وهذا يمكن أن ينسحب أيضا على الأطراف السّياسيّة المحسوبة على الاتّحاد والمعروفة بارتباطها التّاريخي به بما فيها الأطراف التي تشكّلت داخل أطره وهياكله. وعلى هذا الأساس فإنّ الاتّحاد العام التّونسي للشّغل لايمكن أن يمثّل بالنّسبة إليها جميعا سوى حقلا مهمّا للاستثمار السّياسي وتعزيز رصيدها من  الفعل والمشاركة، وقد تجلّى ذلك فعلا عند التحاق كلّ القوى السّياسيّة بتظاهرة غرّة ماي 2012 وكذلك بمبادرة الاتّحاد حول الحوار الوطني.

يضاف إلى كلّ ذلك أنّ الفترة الانتقاليّة أفرزت تعدّديّة نقابيّة هجينة تشتغل في أغلب محاورها على منافسة الاتّحاد العام التّونسي للشّغل وتستهدف استقطاب قواعده والسّطو على إرثه النّضالي والاستثمار في بعض القطاعات التي بدأ يفقد فيها جدواه واستهداف القطاعات الفاعلة صلبه بالتّفكيك أو برمجة فعل نقابي مواز ليربك فاعليّتها، ممّا يوحي بأنّ هذه التّعدّديّة مبرمجة وخاضعة إلى توظيف سياسي[41] يهدف إلى تفكيك الاتّحاد العام التّونسي للشّغل وإضعافه[42] وليس لتعزيز دوره كقوّة تعديليّة وسلطة اجتماعيّة مضادّة لكلّ أشكال انحراف السّلطة السّياسيّة.

فأيّ دور للاتّحاد العام التّونسي للشّغل في بناء المجتمع الدّيمقراطي من خلال مساهمته في صياغة العقد الاجتماعي وفي سياق استئنافه لدوره في البناء الوطني؟  

إنّ العناصر التّكوينيّة لهذا المسار تستدعي التّطرّق إلى إشكاليّة المواءمة بين المواطنة والثقافة الديمقراطية. وعلى هذا الأساس ينبغي ن نميّز بين نمطين من الدّيمقراطيّة لأنّ إحداهما قد لا تنسجم مع شروط المواطنة:

  • الديمقراطية الأداة – الوسيلة، وقد تنتهي الى إعادة انتاج التسلط، فهي ديمقراطيّة العملية السياسية – الانتخابية المتّصلة أساسا بمهمة الأحزاب، وقد تكون في شكلها المشار إليه من خلال الأمثلة المذكورة عمليّة وظيفيّة صرف رغم دوريّتها وترسّخها في التّقاليد السّياسيّة. أمّا في شكلها الآخر عبّرت عنه التّجربة التّونسيّة خاصّة بعد انتخابات المجلس التّأسيسي فهو الذي ينحصر في عمليّة انتخابيّة يتمّ بمقتضاها اختلاس الشّرعيّة المطلقة من قبل الحزب السّياسي المتفوّق بالاستناد إلى الوكالة النّيابيّة المنبثقة عن سيادة الشّعب بقطع النّظر عن مدى مشروعيّة ممارسته للسّلطة (والمشروعيّة هنا تتعلّق بمدى مطابقة الأداء السّياسي للشّروط التي نال بمقتضاها الأكثريّة في عمليّة التّصويت ومدى إيفائه بتعهّداته تجاه ناخبيه) ويرفض إعادتها إلى مصدرها الأصلي[43]. هنا يتجلّى انحصار الدّيمقراطيّة في الأداء، حين تنحصر في عمليّة انتخابيّة قد تكون أنجزت في إطار يفتقد فيه المجتمع إلى مقوّمات المواطنة وتفتقد فيه الأحزاب إلى الأهليّة السّياسيّة التي تمكّنها من استيعاب شروط الدّيمقراطيّة. كما يظهر انحصارها في الإطار، حين يكون إطارها الأوحد هو الحصول على الأكثريّة الانتخابيّة في مناسبة واحدة وبعد ذلك ينقضي دورها لأنّها مجرّد أداة تُستعمل من أجل الوصول إلى الحكم.
  • الديمقراطية الغاية، أي بوصفها نظاما اجتماعيا أو كما يراها ألكسيس توكفيل الديمقراطية كحالة اجتماعية أو ما يمكن أن نسمّيه بالاستفادة من عبارة نوربارت إلياص “مجتمعيّة” الدّيمقراطيّة Socialité de la démocratie)) حيث تكون نظاما اجتماعيّا يستوفي كلّ شروط وضمانات المواطنة بدءا بالاستجابة لمنظومة حقوق الإنسان في بعدها الكوني وصولا إلى شروط التّكافؤ الفئوي والمناطقي. في هذا المستوى تكون الدّيمقراطيّة واقعا مستداما وتكون فضاء وظيفيّا لمكوّنات المجتمع المدني لكي لا تقلّ في دورها وأدائها عن تحديد ضوابط العمل الدّيمقراطي بالنّسبة إلى مكوّنات المجتمع السّياسي.

لقد دافع الاتّحاد العام التّونسي للشّغل عن الدّيمقراطيّة من هذا المنظور المجتمعي الذي أبدعه توكفيل حينما تكفّل بلعب الدّور التّعديلي لانحرافات الأحزاب السّياسيّة التي كانت في سدّة الحكم (التّرويكا) وفي المعارضة على حدّ سواء في علاقة بالمسألة الدّيمقراطيّة والوحدة الوطنيّة والسّلم الاجتماعيّة. فقد مثّل الاتّحاد العام التّونسي للشّغل النّواة الصّلبة التي تلتقي حولها بقيّة مكوّنات المجتمع المدني لهذا الغرض باعتباره منظّمة ذات قدرة تعبويّة مهمّة إذ يضمّ بين منظوريه أغلب الشّرائح والفئات الاجتماعيّة المكوّنة للمجتمع التّونسي ويعبّر عنهم، إضافة إلى رصيده النّضالي ودوره التّاريخي في بناء أركان الدّولة والقيام بوظيفة تعديليّة مهمّة في عديد المحطّات التي شهدت حالة من الجيشان الاجتماعي والسّياسي.

لقد برز الدّور التّعديلي والوطني معا للاتّحاد العام التّونسي للشّغل منذ إعلان مبادرته حول الحوار الوطني خلال شهر جوان 2012. وقد طرح هذه المبادرة في سياق اتّسم بحدّة التّجاذبات بين الأحزاب التي كانت تشكّل المشهد السّياسي بما فيها أحزاب الثّلاثي الحاكم وأحزاب المعارضة وكذلك الأحزاب الممثّلة في المجلس التّأسيسي والأحزاب غير المتواجدة صلبه. يضاف إلى ذلك الضّعف الذي تميّزت به مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة التي لم تعد تلعب الدّور الأساسي في ضمان الوحدة الوطنيّة وإدارة الصّراع الاجتماعي والسّياسي في إطار الالتزام بشروط الوحدة الوطنيّة والاندماج الاجتماعي خلال الفترة الانتقاليّة. الأمر الذي فرض على الاتّحاد العام التّونسي للشّغل أن يعمل على تفعيل مقتضيات البناء الوطني صيانة وتعهّدا واستئنافا لما تمّ إنجازه تاريخيّا وكادت تعصف به الصّراعات والتّجاذبات السّياسيّة التي هيّأ لها دعاة التّدافع الاجتماعي الأرضيّة الملائمة. حينئذ يمكن اعتبار أنّ الرّباعي الرّاعي للحوار الوطني[44] الذي تكوّن من أهمّ المنظّمات الوطنيّة والمستقلّة هو الفاعل الأساسي في استئناف البناء الوطني وفق رؤية تجمع بين الاستجابة لشروط التّغيير في نسق ثوري ومقوّمات إعادة صياغة العقد الاجتماعي حسب مقتضيات المرحلة السّياسيّة الجديدة[45]. وبالتّالي يمكن اعتبار أنّ فاعليّة الاتّحاد العام التّونسي للشّغل برزت أكثر من ذي قبل في الوقت الذي تراجع فيه الدّور التّعديلي الذي كان يقوم به أعلى هرم السّلطة السّياسيّة. ولكنّ هذا الدّور سينتهي بمجرّد استقرار المؤسّسات السّياسيّة للدّولة وبمجرّد انقضاء الحيّز الزّمني المفترض للمسار الانتقالي.

لقد أثبت الاتّحاد العام التّونسي للشّغل أنّ المنظّمة النّقابيّة تربط بنفس الدّرجة بين الحركة السّياسيّة والحركة الاجتماعيّة كما تنتمي إليهما بنفس الدّرجة رغم اختلافهما الجذري على مستوى وظائفهما المؤسّساتيّة واختلاف مقاربتهما للسّلطة. ولكن على المستوى الميداني الذي يخصّ حالة تونس فإنّ القانون أخرج هذه الهيئات من دائرة الانتماء المضاعف على أساس الفلسفة التي سطّرت ذلك القانون والذي يعتبر أنّ الحركة السّياسيّة تخضع لمتطلّبات التّنظيم السّياسي والعمل على الوصول إلى السّلطة السّياسيّة وامتلاكها. وفي الواقع فإنّ المنظّمة النّقابيّة حتّى في هذه الحالة لا تضع تلك المسألة ضمن أهدافها إلاّ من خلال ترابط مصالح أغلب الفئات الاجتماعيّة التي تعبّر بكلّ واقعيّة عن تطلّع المجتمع برمّته. حينئذ يمكن أن يكون للاتّحاد دور سياسيّ مباشر أو غير مباشر باعتباره العنصر الفعّال في المجتمع المدني الذي هو الميدان الحقيقي لبلورة التّغيير السّياسي[46]. أمّا في مستوى وضعه العادي فإنّ الاتّحاد يكتفي بالوساطة من أجل ضمان الوفاق بين المجتمع والدّولة أو لعب الدّور التّعديلي على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وكذلك السّياسي. وهذا يعني أنّه في الوقت نفسه عون وساطة وكذلك عضو في حركة التغيير الاجتماعي. فهو منخرط في النّسق المؤسّساتي الموجود وفي نفس الآونة يمارس دوره في صلب حركة التّغيير الاجتماعي مع الحفاظ على خصوصيّته باعتباره ليس حزبا سياسيّا. لذلك فإنّه لا يمكن إلاّ أن يتماهى مع كلّية الجسم الاجتماعي ولا يمكن أن تنحصر حدود فعله في التّفاعل مع بعض القضايا السّياسيّة الخالصة[47].

خــاتــمــة

فرضت “الثّورة التّونسيّة” على الاتّحاد العام التّونسي للشّغل طورا جديدا من الأداء ومنحته مساحة مهمّة من المشاركة يمكن أن نعتبرها إطارا لاستئناف البناء وفقا لرهانات الوحدة الوطنيّة والاندماج الاجتماعي، باعتبارها رهانات متجدّدة في مواجهة منزلقات الانقسام الاجتماعي وتفكّك الوحدة الوطنيّة التي كان من الممكن أن تمثّل مآلات هذا المسار الذي اتّسم بحالة من الفراغ الدّستوري وغياب الأسس التّشريعيّة الضّامنة لاستمراريّة الدّولة ووحدة المجتمع. هذا بالإضافة إلى حالة الفيض السّياسي التي طغت على مسار يُـفترض أنّه اجتماعي المنطلقات وشعبيّ العمق ومدني الأسس وإنسانوي الأفق، دون ضمان آليّات السّلم الدّائم مع ضمان شروط التّغيير الاجتماعي والسّياسي من منظور النّاموس الثّوري. ولعلّ هذه العناصر التّكوينيّة لسياق انتقالي طارئ على تاريخانيّة المجتمع التّونسي هي التي استدعت حضورا مفصليّا للإتّحاد العام التّونسي للشّغل في الفضاء السّياسي باعتباره الفاعل الاجتماعي (والفاعل هو أحيانا فرد وأحيانا جماعة منظّمة) الأكثر قدرة على الفعل والضّغط والتّأثير في الشّأن العام بالاستناد إلى قدرته التّنظيميّة التي تمكّنه من القيام بدور تعديلي وممارسة السّلطة الاجتماعيّة المضادّة تجاه انحرافات السّياسة وفي ظلّ الفراغ القانوني الذي كان يحيط بآداء الفاعلين السّياسيّين، وهو فراغ فرض صياغة جديدة لمفهوم العقد الاجتماعي وأهدافه، لكي تكون إطارا مرجعيّا لإدارة التّنوّع والاختلاف.

إنّ مجتمعيّة الخيار التّعاقدي الذي فرض روح العقد الاجتماعي في الحوار الوطني المتجاوز للخيارات السّياسيّة الخالصة التي أرادت أن تفرضها الأحزاب السّياسيّة، تؤكّد أنّ الاتّحاد العام التّونسي للشّغل هو الأقرب إلى روح المجتمع التّونسي، والأكثر قدرة على التّعبير عن منواله وبنائه، وهو الأكثر انسجاما مع الطّابع الجوفي للثورة التّونسيّة، باعتباره التّنظيم الاجتماعي الوحيد في تونس الذي يتّسم بالشّموليّة القطاعيّة وكذلك على مستوى الجغرافيا المجاليّة والاجتماعيّة، كما يتميّز بالاستمراريّة في الارتباط الوظيفي والبنيوي بالقضايا الجوفيّة للمجتمع وبرهانات البناء الوطني. وهو التّنظيم الوحيد الذي يملك القدرة (على مستوى بنياته التّكوينيّة) على الاستجابة إلى الشّروط الدّيناميكيّة والتّفاعل مع الطّابع المدني والعمق الاجتماعي والأساس المدني والأفق الإنسانوي للثّورة التّونسيّة.

ومن خلال هذه المقوّمات والقدرات التي تميّز الاتّحاد العام التّونسي للشّغل فقد تمكّن من فرض دوره في استئناف البناء الوطني على قاعدة الاستجابة للشّعار المركزي للثّورة الذي كان يجمع بين ثلاثة أبعاد أساسيّة (شغل – حريّة – كرامة وطنيّة) وكان يترجم ثنائيّة البحث عن الاعتراف من ناحية أولى والبحث عن المزيد من دولة الرّعاية من ناحية ثانية بالإضافة إلى مطلب السّيادة الوطنيّة التي تعني ألاّ يكون قرار التّونسيّين ومصيرهم بأيدي غيرهم. فالحوار الوطني الذي قاده الاتّحاد العام التّونسي للشّغل هو الذي ألغى كلّ الاحتمالات الأخرى غير الوطنيّة أو الخيارات التّبعيّة المتخارجة التي آلت إليها بعض التّجارب التي تعتبر امتدادا لـ”ثورة التّونسيّين” بفعل عدوى الثّورة والانتفاض. ومن بين هذه الاحتمالات أنّ الحوار الوطني حال دون أن يؤول أمر التّونسيّين إلى ما آل إليه أمر غيرهم من الذين ذهبوا إلى جنيف والعواصم الغربيّة الأخرى للبحث عن حلول للنّزاعات التي تحوّلت إلى صراعات دمويّة. لعلّ من أسباب ذلك أنّ عدوى الثّورة لم تحمل معها إلى الشّعوب المجاورة عدوى الحوار على قاعدة الشّروط التّعاقديّة، ولا عدوى استئناف البناء الوطني بروح العقد الاجتماعي.



بيبليوغرافيا

 

– محمد الصّالح الهرماسي، تونس…الحركة العمّاليّة في نظم التّبعيّة والحزب الواحد،  دار الفارابي، بيروت 1990.

 

  • Alain Touraine, La conscience ouvrière. Seuil, Paris 1966.
  • Alain Touraine, La voix et le regard, Seuil, Paris 1980.
  • Alain Touraine, « Contribution à la sociologie du mouvement ouvrier : le syndicalisme de contrôle », in Cahiers internationaux de sociologie, vol XXVIII, 1960.
  • Alexis De Tocqueville, De la démocratie en Amérique, Paris, Gallimard, coll. Falio histoire, Paris 1986 (réédition).
  • André Corten, «  La société civile en question : pentecôtisme et démocratie », in Revue Tiers Monde, N°181, janvier – mars, 2005.
  • Antonin Cohen, « Du corporatisme au keynésianisme: continuités pratiques et ruptures symboliques dans le sillage de François Perroux », in Revue Française de Science politique, vol 56, N°4, aout 2006.
  • Bernard Quemada, « Accord, contrat, pacte », in Revue des sciences morales et politiques, n°4 (1995).
  • Didier Lapeyronnie, «Mouvements sociaux et action politique, existe – t –il une théorie de la mobilisation des ressources?», in Revue française de sociologie XXIX, 1988.
  • Didier Saout et Marguerite Rollinde, Emeutes et mouvements sociaux ; perspective comparée. Editions Karthala, Paris 1999.
  • Eric Brousseau, « Les théories des contrats », in Revue d’économie politique, n°1 janvier- février 1993.
  • François Perroux, Capitalisme et communauté de travail, Sirey S. D. Paris 1938.
  • François Perroux, Communauté, PUF, Paris 1942.
  • Hannah Arendt, La condition de l’homme moderne, Calmann – levy, Paris 1983.
  • Jean- Robert Armaghate, « Contrat social et régicide », in Revue des sciences morales et politiques, n°1 (1995).
  • Jürgen Habermas, Droit et démocratie entre faits et normes, Paris, Gallimard – Coll. NRF- Essais, Paris 1997.
  • Myriam Catusse, « De la lutte des classes au dialogue social » ; in Les Cahiers de l’orient, n° 55, troisième trimestre 1999.
  • Michel Camau, Pouvoir et institutions au Maghreb, CERES, Tunis 1978
  • Pierre Sané, « La pauvreté, nouvelle frontière de la lutte pour les droits de l’homme », in Revue internationale des sciences sociales, N° 180, juin 2004, p. 304.
  • Nicolas Valticos, « Contrat- Convention- Traité- Loi ? Les conventions internationales du travail », in Revue des sciences morales et politiques, n°4 (1995).
  • Raymond Polin, « Essai sur une philosophie du contrat social », in Revue des sciences morales et politiques, n°1 (1995).
  • Xavier De La Vega, « La démocratie aux portes de l’entreprise », in Revue Sciences Humaines, n°187, novembre 2007.

[1] – منشور ضمن كتاب جماعي من منشورات عن المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، يحمل عنوان: الاتّحاد العام التّونسي للشغل في مسار البناء الوطني (1946- 2014)، تونس 2018، ص ص. 105- 145.

 

[2] – كلّ ذلك يقتضي اختبار هذه المعطيات النّظريّة على المنظّمة النّقابيّة للشّغالين في تونس (الاتّحاد العام التّونسي للشّغل) وذلك من خلال التطرّق إلى مساهمتها الطّويلة في التّعاطي مع المسألة الوطنيّة عبر دورها التّفاوضي صلب الحوار الاجتماعي ومشاركتها في الفضاء العمومي بالرّجوع إلى التّجارب السّابقة للاتّحاد العام التّونسي للشغل وتقييمها انطلاقا من بناء منوال تفسيريّ يجمع بين وظائف العقد الاجتماعي ومضامينه وأهدافه من ناحية وبين شروط اكتماله كوثيقة تعاقديّة (إذ يفترض بناؤه على أساس المشترك بين الأطراف المتعاقدة، لا على أساس عناصر التّمايز بينها) ومجالات تفعيله.

 

[3] – Jean- Robert Armaghate , « Contrat social et régicide », in Revue des sciences morales et politiques, n°1 (1995), p.69.

[4] – Bernard Quemada, « Accord, contrat,  pacte », in Revue  des sciences morales et politiques, n°4 (1995), p. 477.

[5]Ibid, p. 479.

[6] – Nicolas Valticos, « Contrat- Convention- Traité- Loi ? Les conventions internationales du travail », in Revue des sciences morales et politiques, n°4 (1995), p. 404.

[7] – Bernard Quemada, « Accord, contrat, pacte », op. cit. p. 479.

[8]Ibid, p. 480.

[9] – Raymond Polin, « Essai sur une philosophie du contrat social », in Revue des sciences morales et politiques, n°1 (1995), p.53.

[10] – Eric Brousseau, « Les théories des contrats », in Revue d’économie politique, n°1 janvier- février 1993, p.04.

[11] – Xavier De La Vega, « La démocratie aux portes de l’entreprise », in Revue Sciences Humaines,  n°187, novembre 2007, p.31.

[12] – Antonin Cohen, « Du corporatisme au keynésianisme : continuités pratiques et ruptures symboliques dans le sillage de François Perroux », in Revue Française de Science politique, vol 56, N°4, aout 2006, p. 555.

[13]Ibid. p. 561.

[14] – François Perroux, Capitalisme et communauté de travail, Sirey S. D. Paris 1938, p. 39-40.

[15]Ibid. p. 160.

[16]Ibid, p. 172.

[17] –  François Perroux, Communauté, PUF, Paris, p. 132.

[18] – Antonin Cohen, op. cit. p. 576.

[19] – Jurgen Habermas, Droit et démocratie entre faits et normes, Gallimard – Coll. NRF- Essais , Paris 1997, p. 394-395 .

[20] – André Corten, «  La société civile en question : pentecôtisme et démocratie », in Revue Tiers Monde, N°181, janvier – mars , 2005 ,p . 168 .

[21] – Hannah Arendt, La condition de l’homme moderne, Calmann – levy, 1983, p. 89.

[22] – بعد سقوط تجربة بناء رأسمالية الدّولة في صائفة 9691 كانت العناصر البرجوازية التي تمكنت من السيطرة على السلطة في حاجة إلى تطبيع العلاقة مع الاتحاد العام التونسي للشغل. فحتى يكون النظام قادرا على تركيز سياسته الاقتصادية الجديدة المبنية على مواصلة تطوّر الرأسماليّة المحليّة وإدماجها أكثر بالسّوق الرأسماليّة العالميّة وفتح السوق التونسيّة للرأسمال الأجنبي، تبقى المهمّة الأساسيّة والملحّة هي تحقيق السلم الاجتماعيّة وإزالة الاحتقان وتوفير أهم شروط الاستقرار السّياسي والاجتماعي ومحاولة إدماج الطبقة العاملة واحتوائها من طرف النظام حتى يتمكن جهاز الدّولة من تكسير التحرّكات العمّاليّة أو على الأقل احتواء النضالات عن طريق أطر وهياكل قانونية وشرعيّة. وهكذا عرفت السّياسة الرّسميّة تحوّلا جديدا في علاقتها مع الاتحاد العام التونسي للشغل فعيّن الحبيب عاشور بقرار من الدّيوان السّياسي للحزب الحاكم أمينا عاما للمنظمة النقابيّة وبدأت سياسة الوفاق الاجتماعي مع بداية التطبيع بين المنظمة والحزب وظهرت أوّل نتائجها مع سنة 7391 حيث تمّ إمضاء العقود المشتركة بين نقابة الشغّالين ونقابة الأعراف تحت إشراف رئيس الحكومة آنذاك الهادي نويرة، وهي أوّل خطوة تمهيدية نحو إرساء سياسة تعاقديّة اكتملت بميثاق الرّقي سنة 1977.

[23]  ، – محمد الصّالح الهرماسي، تونس…الحركة العمّاليّة في نظام التّبعيّة والحزب الواحد،  دار الفارابي، بيروت 1990، ص. 120.

[24] – إذا كانت العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحزب الاشتراكي الدستوري قد عرفت في بعض الفترات انسجاما ملحوظا وصل إلى حدّ تقديم خدمات من طرف الاتحاد للحزب الحاكم فإنّ أكثر فترات تلك العلاقة قد شهدت غلبة الطابع الخلافي والتناحري عليها. وحتى فترات الانسجام لم تكن تعني في أحسن الأحوال أكثر من تأجيل التناقضات بين الخصمين لوقت قصير ما دام الأمر يتعلّق بطرفين تتناقض أهدافهما السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة بشكل جذري. فمنذ السبعينات ساهم النمو الاقتصادي في تمايز المصالح وإبراز تعميق الاختلاف وبالتالي تطوير الشكل المستقل سياسيّا وإيديولوجيا للطوائف الممثلة للمصالح، ولا يحدّ من ديمومة هذا التناقض ما يحدث في بعض الأحيان من تقارب في الأهداف المرحلية. إننا نواجه هنا تناقضا جوهريّا بالضرورة بين طرف حزبي حكومي تقع على عاتقه مهمّة حماية مصالح الطبقات الموسرة وبين طرف آخر يمثل الطبقات الكادحة وتقع على عاتقه مهمّة حمايتها من استغلال رأس المال ومن الإجراءات الحكوميّة التي تتخذ عادة لمعالجة تدهور الأوضاع الاقتصاديّة في البلاد.

[25] – Myriam Catusse, « De la lutte des classes au dialogue social », in Les Cahiers de l’orient, n° 55, troisième trimestre 1999,  p. 20.

[26] – حتى نضع سياسة التعاقد الاجتماعي في إطارها يكفي أن نعود إلى خطاب الهادي نويرة: “أمّا المنظمات القوميّة فدورها مزدوج. إذ هي تضطلع في نفس الوقت بدور الممثل لمصالح منخرطيها المشروعة. وهي الإطار الذي تمارس ضمنه هذه المصالح بالإضافة إلى كونها الطّرف المخاطب في صياغة وإقرار سياستنا التعاقدية. ومن أجل ذلك فإنّ هذا الدّور يقتضي أن تتوفر في المسّيرين لهاته المنظمات صفة التمثيل الحقيقي. إن المنظمات القومية بصفتها الطرف الاجتماعي المقابل عن حق تستطيع بتوليها انتقاء المطالبات وتبويبها حسب الأولويّات أن تمدّ أصحاب الحل والعقد في المجال السياسي بالمعلومات المستفيضة المفصّلة وأن تتكفل بعد ذلك بان ترشح لمنخرطيها المعطيات الحقيقية للمشاكل وان تظفر بمصادقتهم على التطبيق الدّقيق للتدابير المتوقف عليها. إنّ عملنا يتجه دوما إلى إرساء وتدعيم السياسة التعاقديّة التي شرعنا في سلوكها منذ ما يزيد عن الخمسة أعوام وهي التي تمخّضت عن إبرام العقد الإطاري المشترك سنة 1973 الذي فتح عهدا جديدا في العلاقات الاجتماعية المهنيّة. كما أنّها أقرّت مبدأ التفاوض والتشاور على أساس التناصف باعتبار ذلك مسلكا لتحسين العلاقات بصورة مطّردة”. مأخوذ من:

Michel Camau, Pouvoir et institutions au Maghreb, CERES, Tunis 1978, P. 57

[27] – Didier Saout et Marguerite Rollinde, Emeutes et mouvements sociaux ; perspective comparée, Editions Karthala, Paris 1999, p. 112.

[28] – بلغت الإضرابات العمّالية سنة 1976 درجة عالية لم تشهدها السّنوات السابقة حيث بلغ عددها 372 إضرابا قطاعيّا وقد بلغت عدد أيّام تلك الاضرابات 80.601 يوما وهو ما يقابل 3.5 بالمائة من مجموع أيام العمل لسنة 1976. وفي قطاعات الصناعة والتجارة والقطاع العمومي بلغت نسبة أيام الإضراب 5 بالمائة من مجموع أيام العمل السنوية. كما سجلت سنة 1977، وهي السنة التي بدأت بإمضاء الميثاق الاجتماعي أكبر عدد من الإضرابات في تاريخ النقابة العماليّة حيث بلغت 452 إضرابا قطاعيا تسببت في إهدار1.207.482 ساعة عمل غير أن المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل وقف ضدّ أهم الإضرابات وهو يعلم أنّ الأجور لم ترتفع منذ شهر جوان 1975 حينما وقعت الزيادة في الأجر الأدنى المضمون ﺒ 12 بالمائة. كما تصلّب موقف الأعراف والحكومة مصرّين على رفض مطالب العمّال. ولم يتحصّل العمّال الذي اضربوا إلاّ على القليل النادر من مطالبهم وفي أقصى الحالات لم يرضخ الأعراف والحكومة إلاّ لتطبيق بعض بنود القوانين الأساسيّة والإيفاء بالتزاماتهم السابقة وكان مجمل حصيلة إضرابات سنة 1976 على وجه التقريب ما يلي: – قانون أساسي لشركة نقل البضائع – ترسيم 400 عامل تابعين لوزارة الفلاحة. – صدور قانون أساسي لعمّال قطاع النقل – صدور العقود المشتركة في السياحة وقطاعات المخابز والتجارة والملاحة.- الاتفاق على تطبيق القانون الأساسي الصادر سنة 1974 والخاص بعمال دواوين الأراضي الدّولية.- صدور اتفاقية مشتركة لأعوان البنوك والمؤسّسات المالية.

[29] – Alain Touraine, La conscience ouvrière, Seuil, Paris 1966, p. 119.

[30] – Alain Touraine, La voix et le regard, Seuil, Paris 1980 p. 146.

[31]  – تعود أصول العقود المشتركة إلى ثلاثينات القرن العشرين، فقد برز مفهوم العقود المشتركة لأوّل مرّة في تونس سنة 1936 اثر ارتقاء الجبهة الشعبيّة إلى الحكم في فرنسا[31]. فقد سمح الأمر المؤرّخ في 4 أوت 1936 للاطراف الاجتماعيّة بإبرام عقود في قطاعي الصّناعة والتجارة. على أنّ النص قد ظلّ بصورة عمليّة حبرا على ورق، إذ لم تبرم سوى اتفاقيتين كان لهما مدى محدود جدّا. بل لم يلبث أن صدر في 5 نوفمبر 1949 أمر تضمنته أوّل مجلّة شغل في تونس(الفصول 44 إلى 51) تحجرّ إبرام عقود مشتركة ما لم تصدر اتفاقيات إطاريّة. وقد أفرغ هذا التشريع العقود المشتركة من كلّ محتوى، إذ لا ينصّ على تدابير تتعلّق بالأجور والتعويضات الاجتماعيّة. وبالتالي فإنّ الاتفاقية الإطارية الممضاة يوم 20 مارس 1973 جاءت لإزالة تلك العقبة التي كان يمثّلها الفصل 51 من مجلة الشغل . ومنذ البداية فإنّ العقد الإطاري المشترك قد أدخل على القانون العام للشغل الجاري به العمل تحسينات جوهرية منها :

-ارتفاع عدد أيام العطل الخالصة الأجر من 4 أيام إلى 7 أيام.

-مدّة الاختبار المتعين على الأجير قضاؤها عند انتدابه أصبحت محدودة بطريقة أكثر ضمانا لاطمئنانه ومزيد تأمينه.

-تخويل عطل خاصّة خالصة الأجر لأسباب عائلية أو لأداء واجب قانوني أو مباشرة مهمّة نقابية.

– إمكانية الحصول على أجازات خالصة الأجر.

-خضوع العقوبات التأديبيّة لنظر مجلس التأديب.

– إقرار مبادئ الحصول على منحة إنتاج ووضع نظام للحيطة الاجتماعية مكمّل للضمانات القانونية وإنشاء نظام لجراية التقاعد.

– وأخيرا التزام الأطراف الاجتماعية في هذا العقد بالتفاوض لضبط الأجور والامتيازات الإضافية وتصنيف العمّال من الناحية المهنيّة.

[32] – ورد الميثاق في توطئة وثلاثة عشر فصلا أهم ما جاء فيه أن “الحكومة والديوان السياسي والمكاتب التنفيذية للاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والاتحاد القومي الفلاحي المجتمعين في قصر الحكومة بالقصبة يوم 19 جانفي 1977 برئاسة السيد الهادي نويرة الوزير الأوّل والأمين العام للحزب… إدراكا منهم لضرورة توفير سلم اجتماعية دائمة باعتبارها شرطا ضروريّا لمواصلة بذل مجهود الإنماء الاقتصادي والرّقي الاجتماعي وتحقيق أهداف المخطط الخامس. وإقرارا بوجوب توفير الطمأنينة للشغالين الأجراء على طاقتهم الشرائية والمؤجرين على ازدهار مؤسّساتهم وعلى نتائج ما يرصدونه من استثمارات. ورغبة منهم في ضمان ظروف ملائمة للانطلاق في تنفيذ المخطط الخامس ولتعبئة كلّ الطاقات من أجل تحقيق أهدافه. اتفقوا على التدابير التالية:

1- يتعاقد الأطراف الاجتماعيون على ميثاق اجتماعي طوال فترة لمخطط الخامس ويلتزمون أثناء هذه المدّة بصيانة السلم الاجتماعيّة وبالزيادة في الإنتاج وبتحسين المقدرة الشرائية وظروف العيش والعمل للشغالين الأجراء.

2- من أجل صيانة المقدرة الشرائية للشغالين الأجراء، تراجع الأجور في كلّ مرّة ترتفع فيها الأسعار بنسبة 5 بالمائة في هذا المستوى طيلة ستة أشهر متتالية”.

 

[33] – أمّا إذا أردنا تفسير المسألة من منطلق علاقتها بالتوجّهات السّياسيّة في تلك المرحلة فيظهر أنّ الهادي نويرة جعل من قضية العدالة الاجتماعية قضيّة مؤجّلة إلى ما بعد تحقيق التنمية الاقتصادية وكأنه هنا يعيد خطأ سابقه الذي أجّل المشروع (العدالة الاجتماعيّة) إلى ما بعد تحقيق التراكم الرأسمالي وتطوير البنية الاقتصاديّة. وأسلوب التأجيل هذا كان سببا كافيا لانهيار مشروع احمد بن صالح وتعميق الأزمة في ظل حكومة الهادي نويرة. رغم أنّ الأخير نظرا لكفاءته وتمرّسه بمعطيات واقع الاقتصاد التونسي كان واعيا بضرورة استنباط شكل جديد للتعامل بين الدّولة والقوى الاجتماعيّة بهدف السيطرة على متغيرات الواقع الاقتصادي والاجتماعي، من ذلك سياسة التعاقد وتطوير القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية وأخيرا ميثاق الرقي الاجتماعي. إلاّ أنّ هذه الأشكال من تنظيم الحياة الاجتماعية لا ترتقي لمتطلبات الوضع ولا تملأ الفراغ السّياسي ولا تلبي تطلعات القوى الاجتماعية الجديدة التي لا تكافح فحسب من أجل العدالة الاجتماعيّة وإنّما من أجل تطوير الحياة السّياسيّة لارتباط هذه بتلك كما أثبتت التجربة.

[34] – Alexis De Tocqueville, De la démocratie en Amérique, Paris, Gallimard, coll. Falio histoire, vol. I, Paris 1986 (réédition). pp.291-292.

[35] – Jürgen Habermas,  Droit et démocratie entre faits et normes, Paris, Gallimard – Coll. NRF- Essais, 1997, pp. 394-395.

[36] – لقد أثبتت هياكل الاتّحاد العام التّونسي للشّغل عدم فصل المنظّمة بين الدّور الوطني والاجتماعي من خلال إحدى أهمّ المنجزات التي حقّقها في سياق الانتفاضة الشّعبيّة التي اندلعت يوم 17 ديسمبر 2010 من خلال مساهمة النّقابيّين الفعّالة في نقل الاحتجاجات من الأرياف إلى المدينة، ومن الهامش إلى المركز. فمعلوم أنّه لا يمكن لأيّة ثورة أن تحقّق مُنجزها في الهامش بل من الضّروري أن تقتحم المركز أو على الأقل تجتاح المدن الكبرى حتّى تحقّق منجزها. وقد ساهم المجتمع المدني في ذلك من خلال نشطائه النّقابيّين وفي مجال الدّفاع عن حقوق الانسان وصلب الحركة النّسائيّة والنّسويّة معا، وفي مجال شبكات التّواصل الاجتماعي أيضا. وهنا يبرز مجدّدا دور الاتّحاد العام التّونسي للشّغل في نقل الحركة الاحتجاجيّة من الرّيف إلى المدينة وفي توسيع دائرتها، وذلك باعتبار انتشار هياكله ومؤسّساته الفرعيّة على كامل البلاد وشموليّته لكلّ القطاعات المهنيّة. لذلك فقد ساهم مساهمة فعّالة في تحويل الاحتجاجات الاجتماعيّة إلى انتفاضة تجاوزت حدود المطلبيّة الاجتماعيّة إلى الأهداف السّياسيّة. وقد أثبت النّقابيّون أنّ مساهمتهم في إسقاط نظام الاستبداد يندرج ضمن استعادة منظّمتهم لدورها الذي يتجاوز المسألة المطلبيّة من أجل استئناف مساهمتها في البناء الوطني.

[37] – إنّ في قيادة اتّحاد الشّغل للحوار الاجتماعي تأكيد على مجتمعيّة الخيار التّعاقدي المتجاوز للخيارات السّياسيّة الخالصة التي أرادت أن تفرضها الأحزاب السّياسيّة. هذا ما يؤكّده الاتّحاد باعتباره الأقرب إلى روح المجتمع التّونسي وصورته والأكثر قدرة على التّعبير عن منواله وبنائه، وهو ما مكّنه من التّعبير عن مجتمعيّة المنظور التّعاقدي من خلال فرض روح العقد الاجتماعي في الحوار الوطني وذلك من خلال قبوله بالطّرف المقابل (نقابة الأعراف) كشريك أساسي في هذا المسار وكذلك من خلال فرضه لنفس مبدأ القبول المتبادل بين كلّ القوى السّياسيّة.

[38] – يتكوّن نصّ العقد الاجتماعي من المحاور التّالية: (1) محور النّمو الاقتصادي والتّنمية الجهويّة، (2) محور سياسات التّشغيل والتّكوين المهني، (3) محور العلاقات المهنيّة والعمل اللاّئق، (4) محور الحماية الاجتماعيّة، (5) مأسسة الحوار الاجتماعي الثّلاثي. بالإضافة إلى ضبط آلية متابعة تنفيذ العقد الاجتماعي وتاريخ دخوله حيّز التّنفيذ، كما يتضمّن أحكاما ختاميّة.

[39] – تتكوّن منظومة حقوق الإنسان من خمسة أصناف/ خمس عائلات من الحقوق يعبّر عنها عادة بأجيال حقوق الإنسان، وهي الحقوق المدنيّة والحقوق السّياسيّة والحقوق الثّقافيّة والحقوق الاقتصاديّة والحقوق الاجتماعيّة.

[40]– Pierre Sané, « La pauvreté, nouvelle frontière de la lutte pour les droits de l’homme », in Revue internationale des sciences sociales, N° 180, juin 2004, p. 304.

[41] – يبقى أنّ الجانب الحاد الخلفي لهذا التوظيف هو محاولة التدجين التي تعرّض لها الاتحاد العام التونسي للشغل منذ مؤتمره العام الأخير(مؤتمر طبرقة، ديسمبر 2011)، وقد كان ذلك رهان الحكّام الجدد المحمّلين بسياسة اقتصاديّة قائمة على خيارات ليبراليّة أساسها اقتصاد السّوق ولا مكان فيها للبند الاجتماعي، وما الدّولة بالنّسبة إليها سوى مشرّعا ولا تعتبر أنّ القطاع العام ما زال صالحا لإدارة اقتصاد البلاد لأنّه لا يصلح في تصوّر المحمّلين بها إلاّ ما تأتيه المبادرة الفرديّة والقطاع الخاص. وقد راهن هؤلاء على تدجين المنظّمة النّقابيّة العمّاليّة حينما أدركوا أنّها مازالت تمثّل عقبة كأداء أمام هذه التّوجّهات وأدركوا أنّه من العسير تطبيق سياستهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة ما لم يزيلوا هذا الحاجز لأنّه آخر العوائق أمامهم. ولمّا فشلت محاولة التّدجين أو التّوظيف التجأت السّلطة السّياسيّة، بمكوّناتها الثّلاث وحلفائها خارج السّلطة ولكن داخل المجلس التّأسيسي وكذلك أجنحتها من أحزاب ذات مرجعيّة دينيّة وجمعيّات ومنظّمات نقابيّة (من المؤكّد ميدانيّا أنّها تأسّست لغرض محاصرة الاتّحاد وإضعافه وإن لزم الأمر حلّه)، إلى ضربه بالمعنى الشّائع والوظيفي للكلمة، وذلك بتجنيد التّنظيمات الموازية المعروفة بروابط حماية الثّورة وصفحات التّواصل لاجتماعي لتشويه قياداته ومحاصرته وضرب مبادراته وتقليص مجال تحرّكه. وباعتبار أنّ هذه التّجاذبات السّياسيّة المشار إليها سابقا وكذلك التّعدّديّة النّقابيّة الهجينة يمكن أن تلقي بنتائجها السّلبيّة على المنظّمة النّقابيّة فإنّ المهام الموكولة إلى الاتّحاد العام التّونسي للشّغل أصبحت مزدوجة ومضاعفة في سياق هذا المسار. فهو محمول على الاضطلاع ببعض المهام التي تجمع بين ضمان دوره الوطني ودعم استمراره في خوض معركة الوحدة الوطنيّة وبين دوره في تطوير أدائه بصفته منظّمة نقابيّة ومعالجة واقعه المؤسّساتي وتطوير خصائصه التّنظيميّة،  الأمر الذي يدعوه إلى المساهمة الفعّالة في بناء العقد الاجتماعي وتحديد مضامينه  بما يضمن دوره المستقبلي على مستوى المسألة الوطنيّة والمسألة الاجتماعيّة.

[42] – واقع الحال يؤكّد أنّ كلّ هذه المحاولات فشلت بفعل جملة من العوامل التي لم يكن من اليسير تخطّيها، نجد من بينها تاريخية المنظمة وما اكتسبته من شرعية وقوة صمود في مواجهة السلطة السّياسيّة خلال كلّ المصادمات التي جمعتهما منذ الاستقلال. كما أنّ الإنتشار الجغرافي لهياكلها ومنظوريها يعتبر عاملا يمكّنها من الدّفاع عن دورها في كلّ أرجاء البلاد. هذا بالإضافة إلى عامل الشمولية القطاعية التي تجعل منها منظّمة نقابيّة جامعة لجلّ القطاعات المهنيّة التي تكوّن النّسيج المهني والمنظومة الإنتاجيّة والبنية الاقتصاديّة في البلاد. يضاف إلى كلّ ذلك العلوية القانونية للمنظّمة مقارنة مع قانون الجمعيات، إذ أنّها تأسّست بالاستناد إلى أمر علي سابق على قانون الجمعيّات وله صفة القانون الأصلي مقارنة به، كما أنّه من منظور فلسفة القانون هو أيضا أكثر علويّة منه إلى الحدّ الذي يمكن تنزيله منزلة الأحكام الدّستوريّة لأنّه صادر عن صاحب السّلطة التّاسيسيّة الأصليّة آنذاك وهو الباي. لذلك لا يمكن اعتبار هذه المنظّمة مجرّد جمعيّة، ولذلك أيضا ليس من اليسير استهدافها بالحلّ أو بتجميد النّشاط.

[43] – يمكن أن نشير هنا إلى المحاولة الانقلابيّة السّلسة والوئيدة التي بدأ في تنفيذها حزب حركة النّهضة من داخل المجلس الوطني التّأسيسي على المدّة الزّمنيّة التي تمّ تحديدها للمجلس والمقدّرة بسنة واحدة يتمّ خلالها سنّ دستور للجمهوريّة التّونسيّة وذلك بمقتضى القانون الذي نظّم الانتخابات. وقد ظهرت بوادر الانقلاب عندما رفضت كتلة حركة النّهضة التي تمثّل الأغلبيّة تسقيف المدّة الزّمنيّة في النّظام الدّاخلي للمجلس والقانون المنظّم للسّلطات العموميّة المعروف آنذاك بالدّستور الصّغير ممّا فتح البلاد على احتمالات شتّى من أهمّها أنّ حركة النّهضة لم تكن مستعدّة لمغادرة الحكم ولم تكن ترغب في إعادة التّجربة الانتخابيّة أصلا لأنّها اكتفت بالتّجربة الأولى التي حوّلتها منذ البداية من انتخابات تأسيسيّة إلى انتخابات برلمانيّة حازت بواسطتها السّلطة ووصلت عبرها إلى سدّة الحكم.

[44] – إلى جانب الاتّحاد العام التّونسي للشّغل يشرف على إدارة الحوار الوطني كلّ من الإتّحاد التّونسي للصّناعة والتّجارة والصّناعت التّقليديّة والرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنيّة للمحامين (عمادة المحامين).

[45] – إنّ هذا الدّور الذي لعبه الاتّحاد العام التّونسي للشّغل وشركاؤه في رعاية “الحوار الوطني” وإدارته للصّراع الاجتماعي والسّياسي لا يمكن أن يجد له مجالا إذا ما انتهت المرحلة السّياسيّة القادمة إلى إعادة إرساء مجتمع سياسي صلب ومتماسك وقادر على استرجاع دوره الطّبيعي. ومن باب الاحتمال أن تكون الجولة القادمة هي جولة يمينيّة ليبراليّة محافظة (بالمعنى الاقتصادي السّياسي) وهو الأقرب إلى الممكن في ظلّ التّوجّهات الحاليّة على الصّعيد العالمي فإنّ نقابة الشّغيلة سوف تعود إلى دائرة فعلها التّقليدي وسوف يعيد اتّحاد الشّغل ترتيب أولويّاته بحيث يكون من بين محاوره الأساسيّة الدّفاع عن حصنه النّقابي في مواجهة القوى السّياسيّة اللّيبراليّة التي لا تطرب كثيرا لتطلّعات النّقابيّين والعودة إلى الاشتغال على الأولويّات التّقليديّة للعمل النّقابي، وأهمّها البند الاجتماعي.

[46] –  Didier Lapeyronnie, «Mouvements sociaux et action politique, existe – t –il une théorie de la mobilisation des ressources?», in Revue française de sociologie XXIX, 1988.  p. 595.

[47] – Alain Touraine, « Contribution à la sociologie du mouvement ouvrier : le syndicalisme de contrôle », in Cahiers internationaux de sociologie, vol XXVIII, 1960, p. 62.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: