اختطاف في العائلة- جون فانتي

img

اختطاف في العائلة- جون فانتي

جون فانتي: من كبار الروائيين والقصاصين الأمريكيين من أصل إيطالي رغم انه ظل مغمورا لسنوات طويلة. وقد صرح الكاتب الأمريكي شارلز بوكوفسكي في أحد الحوارات التي أجراها بأنه الكاتب المفضل لديه ومن أشهر رواياته: اسأل الغبار
اختطاف في العائلة
قصة لجون فانتي من مجموعته القصصية بعنوان “نبيذ الصبا”. (ترجمت للفرنسية فقط)
ترجمة: فايزة بودبوس


كان ثمّة حقيبة كبيرة وقديمة في غرفة أمّي وكانت أقدم حقيبة رأيتها في حياتي، واحدة من تلك الحقائب ذات الغطاء
الدائريّ مثل بطن رجل بدين. يوجد في قعر هذه الحقيبة تحت شراشف الزفاف التي لم تستخدم أبدا لأنّها صنعت من أجل
الزفاف والفضيّات التي لم تستخدم أبدا لأنّها هديّة زفاف وكلّ أنواع الأربطة الباهظة الثمن والأزرار وشهادات الميلاد،
صندوق في داخله صور العائلة. خبّأت أمّي مفتاح الحقيبة كي لا تسمح لأي أحد بفتحها غير أنّي عثرت عليه ذات يوم.
وجدته مخبّأ تحت زاوية السجّاد.
في الربيع من ذلك العام كنت أعود في الظهيرة من المدرسة لأجد أمّي تعمل في المطبخ. كان ساعداها مرتخيتان وباهتان
مثل صلصال جافّ من شدّة التعب ويغطّي رأسها شعر خفيف وجاف. كانتا عيناها غائرتان، واسعتان وحزينتان داخل
محجريهما. عندها كنت أفكّر في تلك الصورة. آه من تلك الصورة في الحقيبة. عندما تنشغل أمّي، كنت اتسلّل إلى غرفتها
وأحكم إغلاق الباب وأفتح الحقيبة. هناك صور كثيرة في قعر الصندوق وكنت أحبّ جميعها لكن كان هناك صورة واحدة
تتوق أصابعي للمسها وترنو عيناي إليها عندما أجد أمّي في تلك الحال. كانت صورة التقطت لها قبل زواجها من أبي
بأسبوع.
يا لها من صورة ᵎ
تظهر أمّي في الصورة جالسة على ذراع كرسيّ مخمليّ تلبس فستانا أبيضا يتهدّل إلى الأسفل حتّى يلامس أصابع قدميها
وأكمامه منتفخة وناعمة. كانت أكماما أنيقة جدّا. لم يكن للفستان ياقة فكانت أمّي تزيّن رقبتها بسلسال ذهبيّ رقيق يتدلّى
منه حجر كريم وكانت قبّعتها أكبر قبّعة رأيتها في حياتي، قبّعة تصل حتّي كتفيها لتطوّقهما مثل مظلّة بيضاء اللون، حافّتها
منخفضة قليلا تغطّي معظم شعرها عدا كعكة داكنة مستقرّة في مؤخرة الرأس. لك نّني كنت أستطيع رؤية عيناها
الخضراوان الحزينتان. لقد كانتا كبيرتان إلى درجة أنّ حتى تلك القبعة لم يكن بإمكانها أن تحجبهما.
كنت أطيل النظر إلى تلك الصورة الغريبة وأقبّلها وأذرف الدموع فوقها في سعادة لأنّ ذلك كان حقيقيّا ذات يوم. أذك رأنى
ذات ظهيرة أخذت تلك الصورة إلى الأسفل إلى حافّة الجدول ووضعتها فوق صخرة وصلّيت لها بينما كانت أمّي في
المطبخ سجينة وراء القدور والمقالي: امرأة لم تعد تضاهي جمال المرأة التي في الصورة.
وهكذا كنت أحملها معي، طفلا عائدا إلى البيت من المدرسة.
أحيانا أخرى كنت أقوم بأشياء مغايرة فأقف أمام مرآة خزانة الملابس وأحمل الصورة في مستوي أذني قبالة المرآة
الدائريّة. فتتمكّن بي مشاعر خجل وكنت اختلج غبطة. كم هي مدهشة هذه المرأة المهيبة، هذه الملكة ᵎ . أتذكّر أنّني كنت
أقف هناك واجما عاجزا عن التعبير.
لم تكن أمّي التي في المطبخ الآن، أمّي. لم أكن لأعتبرها كذلك. هذه هي أمّي، السيّدة التي تعتمر قبّعة كبيرة. لماذا لم أكن
أذكر أيّ شيء عنها؟ لماذا كان عليّ أنّ أكون صغيرا جدّا عندما ولدت ؟ لماذا لم أولد في سنّ الرابعة عشرة؟ لم أكن أذكر
أيّ شيءٍ. متي تغيّرت أمّي؟ وما سبب ذلك التحوّل؟ متي كبرت هكذا؟ فكّرت أنّني لو كنت قد رأيت أمّي بهذا البهاء الذي
هي عليه في الصورة لكنت طلبت منها فورا أن تتزوّجني. لم ترفض أمّي لي طلبا قطُّ وكنت أدرك أنّها لن ترفض بأن
أكون زوجا لها. كنت مسهبا في الإصرار على تلك الفكرة حتّي أنّي توصّلت إلى طريقة للتخلّص من أبي: بإمكان أمّي أن
تطلّقه وإذا رفضت الكنيسة منحهما الطلاق يمكننا الانتظا ر والزواج حالما يموت أبي. بحثت عن كتاب التعاليم الدينيّة
والصلوات خاصّتي من أجل إيجاد قانون يمنع الأمّهات من الزواج من أبنائهنّ وشعرت بالامتنان عندما لم أجد شيئا عن
هذا الأمر.
ذات مساء دسست الصورة في خصري وأخذتها لأبي. كان جالسا يقرأ الصحيفة في الشرفة الأماميةّ للبيت.
-“أنظر” قلت له ” احزر من هذه؟”
نظر إليها عبر غيمة من دخان السيجارة. فأزعجتني لامبالاته. لقد فحصها كما لو أنّها حشرة أو أيّ شيء آخر: قطعة من
المرطبات العفنة أو أيّ شيء. مسح الصورة بعينيه من أعلي إلى أسفل ثلاثة مرّات ثم فعل الأمر نفسه بالعرض. قلبها
ليتفحّص ظهرها. الإطار أثار اهتمامه أكثر من صاحب الصورة وقد كنت آمل أن تقفز عيناه من محجريهما ويصرخ من
شدّة الإثارة.
-” إنّها أمّي، ألم تتعرّف عليها’”
نظر إليّ ضجرا وقال ملتقطا صحيفته من جديد: “أعدها الى المكان الذي وجدتها فيه.”
-“و لكنّها أمّي”!
-“يا إلهي أعرف من تكون، فأنا الرجل الذي تزوّجها.” “!
-“ولكن أنظر”
“إبتعد من هنا”.
” لكن، أنظر يا أبي”!
-“اذهب بعيدا. أنا أقرأ.”
أردت ضربه. كنت خجلا وحزينا. فقد حدث شيء ما في تلك اللحظة جرّد الصورة من سحرها. فأصبحت صورة أخرى-
مجرّد صورة. قلّما نظرت إليها بعد ذلك فلم أفتح حقيبة أمّي أبدا منذ ذاك المساء ولم أنقّب عن الكنوز في أعماقها.
قبل أن تتزوّج كانت أمّي تدعي ماريا سكاربي. كانت ابنة جيوسيبي سكاربي وستيلا سكاربي، مزارعان من نابولي. كان
جيوسيبي سكاربي إسكافيّا، جاء صحبة زوجته إلى دنفر من إيطاليا. ولدت أمّي، ماريا سكاربي هناك، في دنفر. كانت
الطفلة الرابعة وارتادت مع إخوتها مدرسة الأخوات ثم ذهبت إلى مدرسة ثانويّة حكوميّة لمدّة ثلاث سنوات لكنّها لم تكن
كمدرسة الأخوات ولم تحبّها أمّي. تزوّج شقيقاها وشقيقاتها الأربع بعد أن أنهوا المدرسة الثانويّة.
لكنّ ماريا سكا ربي لن تتزوّج. وقالت لأهلها بأن الزواج لا يثير اهتمامها. ما كانت تريده هو أن تصبح راهبة. كان هذا
بمثابة الصدمة بالنسبة إلى العائلة بأسرها وفكّر أشقّائها بأنّ هذا الطموح ليس إلاّ جنونا. ماذا عن الأطفال؟ ماذا عن بيت
وزوج طيّب ورجل جيّد كبول كارناتي؟
كانت المرأة، التي ستصبح أمّي بعد ذلك، تردّ على كل تلك الأسئلة بتكبّر ولا مبالاة متشبّثة بطموحاتها في الرهبنة. كانت
متمرّدة فقد جلب لها إخوتها كلّ أنواع الخاطبين المتاحين من أجل إقناعها أن تتخلّي عن جنونها. غير أنّ ماريا سكاربي
كانت لا مبالية ولئيمة، فقد كانت ترفض حتّي التحدث إليهم. عندما ت سمع أصواتا في الطابق السفليّ تقفل على نفسها باب
الغرفة وتبقي هناك إلى أن يبتعدوا.
لدى بول كارناتي مخبزة. جمع أموالا كثيرة وكان يملك العديد من الأفكار الجيّدة ويحبّ أمّي بجنون. ذات يوم جاء إلى
منزل عائلة السكاربي يركب عربة جديدة تماما بإطارات مطّاطيّة يجرّها حصان يافع ورائع. كان لدي بول كارناتي أموالا
كثيرة إلى درجة أنّه كان مستعدّا للتفريط في عربته وحصانه لأجل أمي مقابل لا شيء. لكنّ أمي لم يكن يعنيها كلّ ذلك فلم
تكن حتّي تنزل إلى الأسفل من أجله، فيبتعد بول كارناتي مزمجرا ومتوعّدا بأن لا يعود أبدا. كان يثأر لحزنه بتكليف
الخبز لعائلة سكاربي بضعف ثمنه حتى أجبروا على عدم اقتناء الخبز منه وفوق كلّ ذلك تزوّج مغتاظا من امرأة أخرى.
يسمّي الإيطاليّون هذا زواج ثأر.
حدّثتني أمّي عن لقائها الأوّل بأبي. كان ذلك عام 1910 ، في أغسطس من ذاك العام، يوم الاحتفال بالقديس روكو معلّم
القدّيسين العظيم بالنسبة لجميع الإيطاليّين. في ذلك اليوم المهيب اصطفّ الإيطاليون على جانب ي طريق الجانب الشماليّ
وكان يمرّ أسفل وسط الطريق الموكب البهيج صحبة ثلاثة فرق موسيقيّة دفعة واحدة وأتباع القدّيس روكو في أزياء
حمراء وقبّعات يطلّ منها ريش أبيض. فرسان كولمبوس كانوا هناك رفقة فرقتهم الموسيقيّة وأبناء إيطاليا الصغيرة أيضا.
في الواقع كلّ من كان يهمّ حضورهم هناك حضروا بما في ذلك الأمريكيين الذين لم يكن يخصّهم المجيء ولكنّهم أتوا من
أجل أن يلقوا نظرة ويضحكوا فقد كانوا يعتقدون أنّ أيّام الاحتفال في الجانب الشماليّ ممتعة.
تحرّك الموكب أسفل شارع أوزادج في إتّجاه بلمونت وش رق بلمونت نحو كنيسة القدّيس ستيفان وكانت أمّي تقف في
الزاوية بين شارعي أوزادج وبلمونت، أمام متجر لازال منتصبا هناك تشاهد مرور الموكب.
كانت تقف هناك وحدها محاطة بمجموعة من الشبّان الإيطالييّن الذين سارعوا إلى مغادرة طاولات البلياردو في ستار
هول، وعصيّ البلياردو في قبضتهم وقبّعاتهم منزلقة إلى مؤخّرة رؤوسهم. كانوا يعرفون أمّي، أولائك الشبّان كانوا
يعرفونها ويعرفون كلّ شيء عنها. كلّ من يقطن الجانب الشماليّ يعرف ماريا سكاربي التي ترغب في أن تصبح راهبة
بدل أن تكون زوجة. كانت تقف مولية ظهرها إليهم، في ازدراء فقد كانوا قطّاع طرق، أوّل سلالة العصابات التي ستجلب
لاحقا العار لسمعة الإيطاليّين الجيّدة في دنفر.
كانوا يدّعون الاهتمام بالموكب لكنّهم ليسوا كذلك. إنّهم مخادعون، فقد كانت أمّي هي من تثير اهتمامهم. تلك كانت تجربة
غير م سبوقة وغريبة بالنسبة لقطّاع الطرق. ما الذي يمكن لرجل أن يقوله لفتاة على وشك أن تصبح راهبة؟ لم يتفوّ هوا
بأيّ كلمة. وقفوا هناك فقط يصفّقون لمرور الموكب.
كان هناك هرج ومرج في الخلف فقد كان أحدهم يدفع الجموع واكزا هذا وذاك بمرفقيه مدمدما بأنّه شخص مهمّ. لم يكن
رجلا ضخما لذلك فقد كان يدمدم مرّتين أكثر ممّا يستوجبه الأمر. كان يشقّ طريقة إلى الأمام حتّي توقّف فجأة، وأنظر من
رأي؟ من هذه التي تقف أمامه؟ هذه الفتاة تحت القبّعة الضخمة؟ كان غيدو توسكانا ثملا بفعل تأثير النبيذ الأبيض، غير
أنّ ذلك يجعله يري الجمال بشكل أكثر وضوحا. بعد أن نفث الدخان من لفافته، توقّف. لم يعره الآخرون انتباههم. فمن
بحقّ الجحيم يخال نفسه؟ لم يسبق أن رأوه أبدا رغم انّهم كانوا موقنين أنّه إيطاليّ مثلهم.
أحسّت أمّي باقترابه، فقد كانت حافّة قبّعتها تلامس كتفه. تقدّمت إلى الأمام ولكنّها لم تبتعد كثيرا، وكان المزراب علي بعد
إنش واحد من أصابع قدميها.
– “طاب يومك ” قال غيدو توسكانا
– “أنا لا أعرفك”
– “أوه أوه أوه أدعي غيدو توسكانا. ما اسمك؟”
استدار وغمز الشبّان، فتجمّدت وجوههم. هرعت أمّي تلاحق الوجوه عبر الشارع بعينيها باحثة عن أحد إخوتها. إنّه
سكّير، وهي الفتاة التي تودّ أن تصبح راهبة، أوه يا إلهي، تضرّعت إلي الله، ساعدني أرجوك. لكن يبدو أ نّه حتّي الله كان
مستمتعا بذلك أو ربّما كان منشغلا جدّا بمشاهدة الموكب علي شرف القدّيس روكو، فقد سمح لغيدو توسكانا بتجاوز
حدوده. نافخا خدّيه بدخان السيجار انحنى أبي المستقبلّي إلى الأمام ونفث الدخان تحت حافّة القبّعة في وجه أمّي المستقبليّة.
كانت سحابة الدّخان البيضاء لاذعة فتسبّبت لأمّي في اختناق فأخذت تسعل داخل منديل صغي ر وضعته على فمها. ضحك
توسكانا ضحكة مجلجلة، ملتفتا إلى الشبّان في بحث عن إعجابهم لكنّهم تظاهروا بأنّهم لم يروا شيئا. آه، فكّر غيدو
توسكانا، هكذا إذا أيّها الإيطاليّون؟
نفذ صبر أمّي فدفعته جانبا، ممسكة بقبّعتها بقوّة، واندفعت وسط جموع الإيطاليين تحثّ الخطي في اتجاه أعلي الطريق.
كان منزل السكاربي على مسافة ثلاثة بنايات من هناك. في نهاية المبني انعطفت مع الزاوية ملقية نظرة من فوق كتفها.
كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة. إنّه يلاحقها. كان قد نزع قبّعته وأخذ، مترنّحا بين الحشود، يلوّح لها وهو يومئ لها بالعودة.
عندها ركضت لتعب ر تلك البنايتين المتبقّيتين وركض هو أيضا.
-“ماما” صرخت ماريا سكاربي. “ماما، ماما”
صعدت درجات سلّم الشرفة الستّة بقفزة واحدة. فتحت الأمّ سكاربي الضخمة والعريضة عرض ثلاثة أمّهات، الباب
الأماميّ فأسرعت ماريا إلى الداخل و ص فق الباب وطقطق المزلاج. وصل توسكانا ينفث الدخان أسفل الشارع. كان السلام
والهدوء يخيّمان على المكان عندما بلغ المنزل.
كانت الستائر مسدلة ولم يكن هناك دخان منبعث من المدخنة. فبدا المكان فارغا لكنّه ظلّ يحوم حول المنزل. لن يذهب إليّ
أيّ مكان. مثل حارس، كان يتجوّل صعودا وهبوطا أمام منزل السكاربي. أطلّ رأس ماريا سكاربي من خلف ستار في
الطابق العلوّ ي فرأت غيدو توسكانا يسير جيئة وذهابا، جيئة وذهابا.
فتحت الأمّ سكاربي من دون خشية الباب الأماميّ ووقفت خلف الحاجز الزجاجيّ وصرخت مجلجلة على الطريقة
الإيطاليّة: “ماذا تريد أيّها السكّير المتشرّد؟ ابتعد من هنا، هيا انصرف”
-” أريد التحدّث إلى الآنسة الشابّة” قال غيدو توسكانا
-“ابتعد عن هذا البيت أيّها الخنزير السكّير”
-” أنا لست ثملا. أريد التحدّث إلى الآنسة الشابّة”
-“هيّا اذهب في طريقك قبل أن أستدعي الشرطة، أيّها الخنزير السكّير”
حاول أن يبتسم حتّى يطرد عن ملامحه الخوف من الشرطة.
“كلمة واحدة مع السيّدة الشابّة ثمّ أرحل.”
-” بوليس” أخذت ماما سكاربي تصرخ “بوليس”
تراجع غيدو توسكانا فزعا، أغمض عينيه فبدت على ملامحه تكشيرة. رفع راحتيه إلى وجهه كما لو أنّ صرخات ماما
سكاربي كانت قواري ر تقذفها في اتّجاه رأسه.
“بوليس! بوليس” !
صدرت حركة من خلف النافذة في الطابق العلويّ وأزيحت الستائر فرافقها صرير وحركات خفيفة. رفعت ستارة النافذة
وأطلّ رأس ماريا سكاربي.
-نادت: “ماما، أرجوك كفّي عن الصراخ، سيعتقد الناس أنّنا مجانين”
بدا لغيدو توسكانا أنّ صوتها، صوت فتاة صغيرة لكن بحنجرة انريكو كاروسو
-“لا تصرخي يا أمّي، لنري ما الذي يريده.”
فقالت الأمّ الضخمة، “نعم، ماذا تريد أيّها الخنزير السكّير؟”
وقف تحت النافذة و نظر إلي الاعلى ثمّ تحدّث بالإيطاليّة.
“ما اسمك؟” وتلي السؤال تنهيدة
“أدعى ماريا سكاربي”
“هل تتزوّجينني؟”
كانت الأم سكاربي تشعر بالاشمئزا ز الشديد فصرخت:
“ارحل من هذا الفناء، عد إلى الخنازير السكّيرين، أيها الخنزير السكيّر”
لم يكن يستمع إليها فانفرجت شفتاه عن أغنية. ولم يكن لشيء أن يوقفه. الناس العائدون من مشاهدة الموكب كانوا ينظرون
فاغري الأفواه.
صفقت الأم سكاربي الباب ودخلت. أمّي التي لم تكن سوى مجرّد فتاة ساذجة، مجرّد فتاة بقلب رقيق ترغب في أن تصبح
راهبة وأن تصلّي إلي الله من أجل عالم بلا آثام، كانت تقف قرب النافذة مذهولة بما يحدث.
لازالت ترمق الأشياء بذهول ولازالت تتعجّب وكان هذا يزعجني عندما كنت صغيرا وأعود من المدرسة.
قالت: “لم أعرف ما الذي عليّ فعله فقد شعرت بالشفقة حياله، وسط كلّ أولئك الناس.”
“ماذا كان يغنّي؟”
“تلك الأغنية السخيفة التي يغنّيها عندما يحلق ذقنه.”
كنت أعرف تلك الأغنية. والجميع في البنايات المجاورة كانوا يعرفونها أيضا. ففي كلّ مرّة يقف أمام المرآة تغطّي وجهه
تلك الرغوة كنت أتخيّله تحت النافذة في ذنفر عاما واحدا قبل ولادتي وهو يغنّي. كانت الأغنية بعنوان ).مينا، هذا أنا…(
“آه أيتها الفتاة، لكم آذيتني، آه وا أسفاه
قلبي ينزف بشدّة …أجل بشدّة
ينزّ الدم من حياتي ببطء
ولا أستطيع إيقاف النزيف
مينا ها أنا ᵎ اسمحي لي ᵎ
وأعطني قبلة، قبلة واحدة. يجب عليك أن تفعلي ᵎ
قبلة صغيرة ليست بخطيئة.
تعقّلي ولا تتدلّلي
ماذا تعني قبلة واحدة بالنسبة إليك؟
أنظري إلى الحالة التي حوّلتني إليها
اشفقي عليّ قليلا، فلتفعلي ᵎ ”
-“ما الذي حدث إثر ذلك يا ماما؟”
كانت تمسح أرضيّة المطبخ، فانحنت من أجل مطاردة فتات الفحم العالق وراء سيقان الموقد المقعّرة. كنت أستطيع سماع
طقطقة مفاصلها عندما تنحني.
-“عاد أخي جو إلى البيت، و رأي والدك”
-“ماذا قال الخال جو؟”
-“لا أدري. لا أتذكّر”
“بلي تتذكّرين. ماذا قال؟”
-“ضحك.”
-“ألم يغضب؟”
“كلاّ، أبدا”
“أراهن أنّه كان خائفا من أبي، أليس كذلك؟”
“كلا ، أبدا”
-“على أيّة حال، أعتقد أنّه كان خائفا حتّي الموت”
-” مثلما تريد إذن”
-“ماذا فعل الخال جو إذا لم يكن غاضبا؟”
-“دعي والدك إلى الداخل”
-“ألم يتشاجرا أو ما شابه ا؟ ألم يتملّق أبي له أو ما شابه؟”
-“لا لا أبدا”
-“هل دخل أبي البيت؟”
-“أجل”
-“وأنت ماذا فعلت؟
-“لا أذكر”
-“بلي تذكرين”
” نسيت، لقد حدث ذلك منذ زمن بعيد.”
“كلاّ، غير صحيح أنت فقط لا تريدين أن تخبريني”
رفعت جذعها ملتقطة أنفاسها بصعوبة ثمّ قالت:
-“بقيت في غرفتي لبعض الوقت ثمّ جاء خالك جو إلى الأعلى وطلب منّي النزول. وفعلت ما طلبه منّي”
-“ثمّ ماذا حدث؟”
“لا شيء”
-“بلي، لقد حدث أمر ما، ما الذّي حدث؟”
-“لم يحدث شيء. ” قالت في وهن ثمّ أضافت: “خالك أخبرني من يكون والدك و تصافحنا. وهذا كلّ شيء.”
-“هل هذا كلّ شيء؟”
-“كلّ شيء.”
-“ألم يحدث شيء آخر؟”
“قام والدك بمغازلتي، وبعد عدّة أشهر تزوّجنا. هذا كلّ ما في الأمر.”
لكنّ الأمر لم يعجبني هكذا وكرهته. لم أكن لأحبّه ولم أستطع تصديقه. لم أكن لأصدّقه.
“لا يا سيّدي! لم يكن الأمر كذلك.”
“ولكنّ هذا ما حدث فعلا. لم عساي أن أكذب عليك. لا شيء هناك لأخبّأه”
“ألم يفعل لك شيئا؟ ألم يختطفك مثلا؟
“لا أذكر أن أمرا كهذا قد حدث.”
“ولكنّك اختطفت”.
جلست أمي ممسكة بالمكنسة بكلتا يديها بين ركبتيها ومريحة رأسها على يديها. كانت متعبة جدّا ورغم ذلك تلاشى التعب
من وجهها وابتسمت ابتسامة غامضة، كانت تلك ابتسامة السيّدة الشبح التي في الصورة.
وقالت: “أجل، لقد اختطفني. تسلّل ذات ليلة بينما كنت نائمة وأخذني بعيدا”
“نعم” قلت “نعم”
“أخذني إلى كوخ منعزل وسط الجبال! ”
“بالتأكيد! وكان يحمل مسدّسا. أليس كذلك؟”
“أجل، مسدّس كبير بمقبض فضّي. ”
“وكان يمتطي حصانا أسود”
“أوه! لن أنسى ذاك الحصان ما حييت، كان جميلا.”
“وكنت خائفة حدّ الموت، أليس كذلك؟”
“كنت مرتعبة”
“وصرخت طلبا للنجدة، أليس كذلك؟
“صرخت عديد المرّات”
“لكنّه ابتعد كثيرا، أليس كذلك؟”
“أجل، كثيرا”
“وأخذك إلى الكوخ المنعزل.”
“أجل، أخذني إلى هناك”
“كنت خائفة، لكنّ الأم ر أعجبك، أليس كذلك؟”
“لقد أحببته.”
“وأبقي عليك كسجينة، أليس كذلك؟”
“نعم، لكنّه كان طيّبا معي”
“هل كنت ترتدين ذاك الثوب الأبيض؟ ذاك الثوب الذي في الصورة؟”
طبعا كنت ألبسه. لماذا؟”
“أردت فقط أن أعرف” قلت لها “وكم من الوقت بقي محتجزا لك؟”
“ثلاث أيام وليالي”
“وفي اليوم الثالث طلب يدك، اليس كذلك؟”
أغلقت عينيها متذكّرة
“لن أنسي ذلك أبدا، لقد ركع على ركبتيه وتوسّل إليّ أن أتزوّجه”
“ولكنّك لم توافقي فورا. أليس كذلك؟”
“لا ليس فورا. كان يجب أن أرفض في البداية. مرّ وقت طويل قبل أن أوافق”
“ولكنّك أخيرا وافقت، هاه؟”
“أجل” قالت “أخيرا”
كان ذلك كثير عليّ، يفوق طاقة احتمالي. فارتميت بين أحضانها وطوّقتها بذراعيّ وقبّلتها وعلى شفتيّ ، كان ثمّة مذاق
الدموع اللاذع …

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: