إيناس مانسي في تقديم كتابها هيتيروجان

img
أنتلجنسيا – اصدارات
قبل أن أكتب هذا، تساءلت طويلًا: هل يمكن أن أعلن عن هذا الكتاب كما لو كنت أفعل هذا كلّ يوم، والحال أَنِّي أفعله للمرّة الأولی!؟
هل يمكن أن أقول للنّاس هذا الكتاب لي، كالإعلان عن أيّ مِلكيَّة عرَضِيّة للأشياء!؟ لأنّ ما هو جوهريّ في الأشياء لا يمكن امتلاكه أبدا.
هذا الكتاب ليس لي، لكنّي أحتويه ويحتويني، يُخبْرُ عنّي كأمّ تُحدِّث الطبيب عن مُصَابِ طِفلها، فيكتفي الطّفل بالإذعان مُصادِقا علی كلامها.
ليس هذا الكتاب مولودي الأوّل، بل هو الذّي استولدني من قلبِ نبوءة ضلّت طريقها إلی السماء لتستقرّ في الأرض، فتنثُرَ مُعجِزاتها علی رُعاةِ الكتابة ومن يُنجِبُونَ نُصوصَهم من تماسّ مجازيّ مع الوجود، فيُصلَبُون حِينا ويُؤلّهُونَ حِينا آخر…
لا يُمكنني التحدّث عن الكتابة كأيّ فعل إنسانيّ عابر
وهي، في الحقيقة، استنطاق لجُمود العالم وإعادة خلق مُرتبكة تجعل من كلّ الموجودات كائنات حيّة تفعل بيننا وتنفعل متجاوزة ماهيتها اللاّعاقلة، فتتلبّسنا طوْعا وكرهًا، لأنّ من يكتُبون هم أجِنّة مُجهَضة لِتزاوج أزليّ بين قيمة ومادّة.
وهل يمكن أن أعلن عن هذا الكتاب كما أعلن عن أيّ حدث يوميّ، دون التنمّر علی هذا “اليومي” الذي يُحاصرنا، ومن غير أن أخوض معركتي الأولی معه بهذه النّصوص التّی كَتبت فيها وشايتي الأولی عن هذا «اليومي» الذي ينصهر فينا ليكوّن منّا هذا “الهوموجان” أو خليطه المتجانس، فنتمرّد نحن لأنّنا انشطارات ولأنّنا شظايا بكمالنا ونقصاننا،
لأنّنا عناصر يصعب أن تتداخل وتتماهی كأيّ عنصر آخر قابل للتحلّل والانحلال مع أيّ وجود أو ماهية تشكّله.
نحن هذا «الهيتيروجان» أو الخليط غير المتجانس من الحيوات، من الأحداث، من الوقائع، من الرّكام، من الأجزاء، من الأناوات، من الإسقاطات والترهات، التي تدافع عن تمايزها و تفردّها في هذا القِدر الكبير المُسمّی “اليوميّ”، الذي يحاول طهونا ليتحصّل علی طبخته المُشبَعَة باحتراقنا وتشوّه معالمنا.
نحن هذا «الهيتيروجان» بكلّ عناصره المختلفة، المُدافِعة عن استقلالها ووِحدتها في آنٍ.
هذا الكتاب هو أيضا “هيتيروجان” لمجموعة نصوص غير متجانسة في مواضيعها لكنّها تنصهر جميعا في مِحبرة قُدَّت من “سطور الأيّام” و هي السلسلة التّي يندرج ضمنها الكتاب.
لا يمكن أن أعلن عن هذا الكتاب أيضا كأنّه زهرة بريّة لا يُعرَف لها أصلٌ بينما هو صنيعة حلم وهواجس وأشخاص، أنا المعتدّة بفردانيتي أو كنتُ ، أدرك الآن أكثر من أيّ وقت مضی حاجتي إلى الآخر، حاجتي إلی المجموعة، تلك المفرد عالي التركيز.
إنّنا عندما نتحدّث عن الخَلقِ، نتحدّث عن الفكرة ثمّ الإيمان بها، أمّا عندما نتحدّث عن الإبداع فإننا نتحدّث عن الإيمان ثمّ الفكرة . لذلك أعتبر أنّني محظوظة بكلّ الدّعم الذّي حظيتُ به من الدكتور عادل خضر الذّي قطع الحبل السرّي الأول لهذا الكتاب و حدّد جنسه، واقترح كتاباتي للنشر، و كلّ الشكر للدكتورة ألفة يوسف التّي اطلّعت علی الكتاب و دفعت به إلی «الدار التونسية للكتاب» وإلی الناشر السيّد محمد المرزوقي الذي جسّد هذا الحلم وهذه الفكرة القابلة للّمس أخيرًا في المعرض الدولي للكتاب.
حاولت قدرَ المستطاع أن أكون عمليّة في كتابة هذا النصّ، و لكن لا يمكنني إلاّ الإسراف في العاطفة_ عن قصد وعن غير قصد _ لا يمكنني التنكّر _ ولو من باب التحفّظ و سريّة الأمور_ للحضور المكثّف لبعض الأشخاص في حياتي،
لا يمكن أن أتجاهل الحضور الطريف والظريف لصديقي المصري محمد حسنين الذي ساعدني لوقت طويل في كلّ ما يتعلق بالتكنولوجيا والرقن و ترتيب النصوص وحفظها و مراجعتها، محمد الشخص الخدوم الذي لا يملّ ولا يكلّ فينقذني وينقدني بحياد منقطع النظير. دمتَ صديقي .
وأوّلا وليس أخيرا، أشكر رضا الحسني، هكذا دون صفة ولا ذكر سبب حتّى لا يضيق الأفق بحدود النّعوت ويُحمَل الشكر على سبب بعينه دون غيره من الأسباب.
 
إيناس مانسي .
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: