إيقاع الحياة في تجربة طارق القلعي الشعرية 

img
Share Button

إعداد: الناقدة نائلة الشقراوي ،تونس

إن أهم المآخذ التي كانت تؤخذ سلبا على قصيدة النثر هو افتقارها للوزن وبالتالي موسيقى الشعر ، وهو اعتقاد قديم لمن عارض و قارن بين قصيدة النثر و الشعر العمودي والحر ، كنازك الملائكة و الناقد المصري عبد المعطي حجازي الذي أطلق عليها صفة “القصيدة الخرساء” .
من هاجم قصيدة النثر اعتمد على ان المنبع الأساسي للإيقاع هو الوزن والتفعيلة متجاهلا أن الايقاع يمكن أن يكون متأتيا من ذكاء الشاعر في تجميع حروف لها تنغيم محدد ليخلق بها الايقاع الداخلي للمفردة فتأتي شبيهة بموسيقى الروح، والروح في الشعر ليست دائما خاضعة لعلم كعلم العروض وإنما للشعرية نفسها ،ولا أعتقد أن هذا التجاهل يعفيه من التسليم بأن الشعر نفسه خطاب لغوي متجدد ،فبعد أن كان الشعر هو القناة الأساسية التي تمر عبرها باقي العلوم صار النثر الآن هو الأداة والوسيلة الأيسر ،وصار الابداع في التنافس حول التجديد به، حتى ان أغلب الدراسات الآن والمقارنات ،باتت تتم بين التجارب في إطار قصيدة النثر أكثر من الشعر العمودي.والأهم من ذلك أن هناك من التجارب الشعرية التي لا نهتم فيها بالتجنيس الأدبي بل بتفرُّد ما قدم واختلافه عن السائد من حيث القيمة والشكل ،ولهذا فإن أمر الوصول الى انتزاع الاعتراف بقيمة قصيدة النثر وبمشروعيتها لم يكن بالإثبات النظري بقدر ما كان بحصيلة دواوين ونصوص لشعراء لفتوا الانتباه الى ما يقدمون واستحقوا اهتمام القراء وانصراف الكثير منهم عن الشعر الموزون وانشغالهم بمتابعة أعمال الموهوبين والمحترفين لقصيدة النثر مما أعاد الوهج للشعر عامة .وبالتالي الشعراء فقط يثبتون قيمة مايبدعون ،والشعراء فقط يؤسسون لنهج أدبي ما ،ووحدهم قادرون على اثبات تجاربهم ليأتي النقاد بعدهم باحثين عن قواعدَ، منظرين بأساليب علمية لما كان طفرة إبداع عفوي من الشعراء .وما على هؤلاء سوى التجلي حروفا لا البحث عن براهين وحجج بعيدا عن نصوصهم ،و ما على الشاعر الحقيقي سوى الكتابة .فأن تكتب هو فعل واعٍ أحيانا مع بعض الشعراء يحتاج الى قرار ،يأخذ قلمه ويلبس رداء الشجن او الحلم او الفرح ثم يلون بحدقاته قوس قزح ،وأحيانا أخرى هو فعل عفوي متأتٍّ من الموهبة . فماذا يحتاج الفعل ذاته من الشاعر التونسي طارق القلعي ؟
طارق القلعي شاعر نثر تونسي أثبت نظرية الايقاع كقاعدة أساسية مستحَقّة في قصيدة النثر وهو من الشعراء الذين اذا رغبنا ،في تقديم الحجة على توفر الايقاع الداخلي والهارموني الحيوي للحروف بقصيدة النثر دون الحاجة الى تفعيلة أو بحر فقصائد ديوانه ” قد يسعفنا الماء” تبرهن على ذاك ،والجميل في هذا الشاعر انه يكتب الشعر وهو في حالة وعي حالم ، نخال معها أنه لا ينزل الأرض أبدا ولا ينقطع في حالاته الشعرية المختلفة عن التحليق في تلك السماء التاسعة (الثامنة لكل شاعر والتاسعة للحداثيين منهم ) التي خلقها هو بذاته لذاته .إذ يحتاج منه فعل الشعر سوى أن يمشي ، ينظر ،، يتكلم ،ثم يعلو في مداه ليؤسس ويبني ويشيد الشاهقات من النصوص فيرفعنا معه ويدنينا من سماه . هو من فئة الشعراء الذين إن تكلموا تتشكل اللغة عنده ندًى ، نوّار ماء ،عسل نحل ،وقلوب مزهرة رغم تجذرها في تضاريس طين قد من وجع .هو يكتب لغته الخاصة بعيدا عن قواعد سلم الموسيقى ، ومع ذلك فهي تأتي نغما متجانسا مدوزنا تظن للحظة أنه قد كتب على تفعيلة محددة فتعود للقراءة قصد تحديد البحر ،وتتفاجأ أن البحر لا ملامح له سوى روح الشاعر نفسها ،ولتحدد وتضع المسميات في مكانها المناسب فلا بد اولا أن تحدد ملامح تلك الروح التي تنتشر موسيقاها بكل الحروف انتشارا عطريا نكهته مميزة جدا وبالوردي ،أيقنت انه من فئة الشعراء التي تتواجد دائما في اطار متضاد وفي الزمكان الذي لا يحتويهم الا متفردين فهو كطير مفرد لا يتناغم شدوه مع المندسين في ريشهم الدافئ في كسل او الحالمين بأجنحة من زغب
،لكن كيف لريح الشمال الرطبة أن تحافظ على نداها في واقع سيسيولوجي وبسيكولوجي يغلب عليه الجفاف وهل لازالت تلك الرياح الحنون المهداج بقلب كل شاعر قادرة على أن تهز الغيم والسحاب فتحوله مزنا تدخلنا من باب الريان وما نحن بصائمين ؟ و ما السبب الذي يجعلنا نطرب ،ننتشي من قراءة نصوص هذا الشاعر ؟
أسئلة متواترة تحرضنا على البحث في التجربة الشعرية لطارق القلعي لندرك قدر ما أوتي من نبوة في ديوانه “قد يسعفنا الماء” مقارنة من ابناء جيله من رواد الشعر ،والنبوة في الشعر هي نفسها صفة الابداع الذي تجعل تجربة هذا الشاعر تفوق تجربة ذاك فيستحق حينها اهتمام النقاد .
إن المتأمل في نصوص الشاعر طارق القلعي وتجربته عامة يخرج بحصيلة تنطوي على ثلاث مباحث هامة :
* 1الموسيقى الطافحة..
*2 البراءة الناضجة..
*3 الاتحاد بالحياة احساسا ومخزونا ذاكراتيا..
//1الموسيقى والايقاع:
أردنا في مقدمة هذا المقال التأكيد على أهمية الايقاع في قصيدة النثر التي يكتبها الشاعر طارق القلعي ونلاحظ في كل نصوص ديوانه انحيازه لإيقاع طربي متناغم يشبه كثيرا الإيقاع الذي تحدثه التفعيلة في القصائد العمودية والحرة لذلك يجمع المحددات الأساسية الثلاث التي وضعها الناقد والباحث المغربي “الطيب هلو” ويوزعها بتقنياته الفنية المحترفة على بياض القصيدة .
.الإيقاع اللغوي

الإيقاع الصَّوتي.

. الإيقاع الدلالي.
يحرص طارق القلعي على الالتزام بتلك المحددات عبر الاختيار الامثل للحرف ، للمفردة و للتركيب المناسب لأبيات قصائده بحيث لا تخرج مفردة واحدة من نصه عن مستوى الايقاع الذي اراده للقصيدة حسب الحالة الشعرية التي يحياها معتمدا على دراية أكاديمية واسعة برمزية كل حرف مستخدم من حيث طبيعته (المخارج والنطق) ومن حيث الصفات (الهمس والجهر ،التفخيم والرقة ) فينقل الحدث الشعري بأسلوب يكشف الحالة الشعرية للذات الشاعرة حينها .في قصيدة “زخات “حوار شعري نلمح به جليا صدى الحروف في وجدان الكاتب ومن بعده القارئ ،اذ اعتمد على مفردات عدة بها حرف السين وهو حرف هامس رقيق ،ومفردات اخرى تنقل جيدا رومنطيقية الموقف.

زخّات…
.كانت تسأله:
هل تسمع زخـّــــــــــــــات المطر؟
هل تسمع دقات القلب
يهتز لها الصدر
في هذا السحر؟
هل تسمع مثلي
هزيم الرعد
في الأفق؟
فيقول:
إنــــــــــــي أراك
وأرى شيئا بين الزخات
طيفك يا سيدتي
يروي الأرض
يسقي الحلم
يهدي سنبلة القمح
لونا وقواما
يهدي زهرة عشب
طيبا ويماما
أنت يا سيدتي
زخات المطر
كما يعمد في قصائده الى التكرار و المراوحة بين حرفين او ثلاث كقافية ينهي بها الأبيات دون تواتر أو ترتيب محكم فيضمن الإتساق والتناغم في الايقاع ،متجنبا السقوط في فخ القافية الواحدة المذمومة أسلوبيا في كتابة قصيدة النثر . فيكرر الهمزة بقصيدة (انت النساء) ليشعرنا ذاك التكرار بالدهشة التي بقلبه وينقلها لقلب القارئ في شبه شهقة و انقطاع أنفاس تحدث خاصة مع تسكين الحرف .

أنت النّساء…

لماذا؟..
لماذا ..لست ككل النساء..
تعدّين الثواني
في انتظار مجيئي
إذا جاء المساء؟؟؟
لماذا لست كبعض النساء
تُعدّين قبل خروجي
صباحا
قهوة بنّ
يضوع منها الأريج
وعبق صباك..
وعطر شبابي
بهمس الهواء؟؟؟

ونلحظ الاسلوب نفسه في قصيدة (عيناك) من حيث تكرار الحرف ودقة اختياره لكنه يغير في حركة الحرف بما يتلاءم دائما مع الانفعال الداخلي للصورة الشعرية .
عيناك.
لاتبكي …
عيناك بالكحل مطوّقة
والكحل يغطي ما بالقلب قد علق .
لا تبكي .
.خداك .بالنور قد اغتسلا
والنور وضّاء
ومنك شهاب ضوء
قد انطلق ..
لا تبكي..
يداي بعيدتان ..
فكيف أمسح الدمع؟
والقلب
في الدمع قد غرق

//*2 البراءة الناضجة :إن الموسيقى في قصائد طارق القلعي هي نفسها إيقاع حياته الحالمة الخالية من التركيب والعقد ،كحياة أي طفل بريء لا يرى في الكون غير جمال قلبه المنعكس على الوجود.طفل يرى في الحب عالمه العفوي الخالي من البحث عن سبب للحب ،او عن هدف للحب غير الحب نفسه ،حب بكامل الجسد والروح ،حب لم توضع له مسبقا علامات سير ولا توقف .

…لنفترض…..
لنفترض أنّــــــــــــــي أحبّك ..
فهل لديك أو لديهم أيّ اعتراض؟؟
نعم …
نحن افترضنا ..
وها أنّي أحبك …
وحبّـــــي لا يعني
أن أراك كلّ مساء ..
وأن ألتقيك
خلف الحدائق…
وبين الدروب ..
وتحت ظلال الشجر

لكن الشاعر طارق القلعي على براءة حرفه هو واع بماهية وجوده الإنساني كذات بشرية تجنح للخير تؤمن بالنور، بالشمس وبالصدق كسيمات طبيعية للنفس .لذلك هو مصرّ على أن يشدو شدو الغريدِ الفريد الذي يأتي فرحه كما حزنه مختلفا ،مرسوما بحروف ما بعد الحرف التاسع والعشرين ،حروف أوجدها عقل ووجدان يضيق بانكسارات الخطوط المحددة لواقع يغلب سواده على بياضه ،فالبياض عنده كشاعر يخلقه حرفه في إطار فعل رافض للسائد الذي يكاد يكتم الأصوات في أو يحيلها الى نواح .هو يدرك أن الحب حولوه كرها والنور ظلاما والحرية أسوارا لكنه مصر على التحليق بأجنحته الخاصة التي لا تقبل الانكسار .مثله مثل أنبياء الشعر الذين بطاقاتهم الخلاقة يؤسسون كونهم الخاص،ذاك الكون المختزل في كل الوقت بالمرأة ،بالحب ،بالحياة كرمز لخلود لا يمحيه غياب ولا ذاكرة منسية .
_
أنا لا أبحث عن امرأة تسعدني
(السعادة أنا أخلقها)
أبحث عن واحدة تفهمني
تعشقني أحيانا
تكرهني حين أبالغ في الحب
أبحث عن امرأة تصنع لي كرسيا من لا شيء
تركب غيمتها
تأتي إلي
وتعدّ لي قهوة
وتقول :
اكتب نصّا يذهلنا..
أبحث عن امرأة
تصنع خبزا /تعجنه
تسكب فيه عوض الماء بعضا من روح الشوق
لأكون الجوع إليها دوما..
أبحث عن تلك المرأة تعشق كل تفاهاتي
تشكرني حين أخطئ
وتشد ذراعي حين يعثر قلبي
تكتفني بضفيرتها
تغريني بغياب الصوت ..
أين أنت؟ ؟؟
ألقاك خلف الحرف التاسع والعشرين
ترسمين أسماء من عبروا…
//*3 الاتحاد بالحياة احساسا ومخزونا ذاكراتيا:
هذه العتبة الثالثة هي بمثابة المجال الحيوي الكلي لكامل التجربة الشعرية لطارق القلعي وهي الجوهر الأساسي لخطابه الشعري ودلالاته .فالشاعر يرتبط بالحياة في شبه إدراك حسي وعقلي ،ادراك حسي تفرضه عليه نفسه الشاعرة التي تقترن بكل رهيف رقيق يؤثر على الوجدان كالحب ،كوجه الأنثى ،كزهرة أو كأي نبات عطري .

وأعشق من النبت ثلاثا:
ورق النعناع إذا اخضرّ وأينع ..
وشكل الخزامى إذا أزهر..
و……و وجه حبيبتي إذا أشرق
كل ما يحرض ويضج بالحياة يدفع طارق القلعي أن يكتب ويحول الحروف إلى مغناة يترنح لها طربا قلبه الشاعر حين يتلوها بعد الكتابة ،وتجبره أن يرقص على إيقاع ما كتب لأن الكلمات التي المكتوبة حبا في الشعر ،في الحياة ألبسته رداء السعادة والسمو ،الشاعر نفسه قالها يوما “أنا أكتب لأسعد تلك الروح بي ليكون لطارق كونا اسمه أنا “وليس للأنا عند الشاعر ارتباط بعقدة الأنا التي يبحث فيها علم النفس التحليلي وانما هي دلالة اتخذها الشاعر ليشير أن الأنا هي الروح الموعودة للسعادة ،وان السعادة كما قال هو خالقها داخله وحوله .
أما الإدراك العقلي للحياة فمرتبط بمخزون الذاكرة بما تحتويه من أطر سيسيولوجية مفروضة ،فالذاكرة والواقع الحالم للشاعر لا ينفصلان عن الحاضر المأزوم الذي يعيش ضمنه خاصة فيما بعد الثورة فيبحث عن الخلاص والبديل ويعرّي الواقع السياسي في بعض نصوصه معتمدا في غالب الأحيان الرمزية الخفيفة التي تبعده عن المباشرة في الطرح أو الالتزام الكلي بالقضايا الوطنية ،لأنه في أغلب الوقت يرى الحياة بقلب امتلأت ثقوبه بندى الغمام البعيد .وهاهو بقصيدة “يا صورتها “من نفس الديوان يغازل الثورة بلسان عاشق لا بلسان الثائر ،لنعرف معها أن هكذا شاعر لا يستطيع أن يكون إلا روحا عاشقة وان ريح الشمال التي أتت به قد نذرته للحلم لا للكوابيس ،للحياة لا للموت .
_
*يا صورتها …
من أعماق دواخلنا درجت خطوتك
من صحراء تاه سالكها
من تلّ الشيح
من جبل الريح
من وجع البحر
من كل حدب جاء صوتك ما اختنقا
يا صورتها …
ياثورتنا هل نرتقب دهرا؟
ليكون الظلم قد احترقا .
بالأمس…كنت حلما
في عيني طفل…
أنت الآن عهد…
والحلم ما سرقا
سنظل خلف الخوف نصرعه
ونظل للموت رصدا
كوني نصرا
بحرا بالخير قد غدقا
يا صورتها…اكتملي
سنظل مثلي وشم
بجبين الدهر قد التصقا
_
تكتمل الصورة المكونة عن الشاعر ،بعنوان ديوانه “قد يسعفنا الماء “كان يمكن أن يكون تحديد ابعاد العنوان عتبة اولى في البحث ،لكن اردت تقديم كل الدلالات على أن طارق القلعي شاعر ينتصر للحياة ،واختياره للماء كدلالة توحي برمزية متعمدة ،فالماء طهور،نقاء صفاء الماء حياة كاملة (وجعلنا من الماء كل شيء حيا). وبذلك يكون المدى الحيوي للفعل الشعري عند طارق القلعي كأمواج ندية دافئة كل الوقت صاخبة في عمقها داعية للسكينة .

Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً