إنتفاضة أبناء آيروس (مراسلة)-نور حطيط وهاشم شلولة

img
إنتفاضة أبناء آيروس (مراسلة)
بقلم/ نور حطيط وهاشم شلولة. 
إليك يا غريب/
في أزقّة الله، الجسدُ أزرقٌ، لا شيء يدعو للحياة سوى وردةٍ معلّقة فوق فوّهة فمٍ لامرأةٍ غريبة. تمرُّ سيارةٌ صفراء، تهمسُ بأضواءها لحائطٍ.. إنّه يلعقُ لسانها ويعضّ شفتيها، الدمُ يسيل، تصرخُ السيارة، تُبدّد أضواءها، تسحق المشهد بسرعتها، لم يوجِدا مُطلقًا أو ربما كانا يومًا، وصارا حنينَ الغاباتِ لصداها الدائم..
هذه الأشجار تُسقِطُ أوراقها على مهلٍ، والرصيف يمارس الاستمناء، يهتزّ كلما عرّت أقدامُ العابرين جسده، تُخجِلهُ امرأةٌ بكعبها العالي إلى حدِّ الوقاحة فيدغدغ رجلها، ترتمي بعنفٍ في أحضانه.. إنّه الأثر: بعضٌ من الحصى والرمال على وجنتيها، وتمتزج الدماء..!
في أَزِقّةِ الله، إشاراتُ سيرٍ تَضحكُ على المارّة، أيّها السفهاء.. كم هذا محزن! ” لا لا، ذكية وشرموطة أنا”.. سأوقفك قليلًا؛ أتأمّل تسريحةَ شعرك وذقنك.. أستمعُ معك لهذه الموسيقى. سنُهذي قليلًا، أخلعُ بابَ سيارتك، أضع رجليّ فوق رقبتك، رأسك في فرجي، أشهقُ، أبصقُ كلَّ أحلامي المؤجّلة، نشرب البيرة على قارعة الطريق مسندًا رأسك عليّ، ثمّ أدفعك إلى المقلب الآخر من الشارع.
المقاهي تمعنُ النظرَ في حشودها، تختارُ أحدهم لتجلسه على فخذيها العاريتين مقابل البحر، تضعُ على رأسها زهرةَ البنفسج، عيناها نوافذٌ خشبيّة يُغلِقها النادل كلما شعرَ الزبون بالبرد، تلعنه، تميلُ بقنديلها نحوه، يلتحمُ الضوء بدخانه، وأنفاسه.. يذوبُ بعيدًا في هذه المدينة بين هذه الحشود.. في هذا المقهى، لا أحد يراه سواه.
( حين يرتجل الغياب، فيغني الإجابة لامرأةٍ صاخبة. )
إليكِ يا زنبقتي المُتعَبة/
في حقيقة الأمر؛ لم أكن شيئًا واحدًا واضحًا. لستُ ابنًا لله ولا الحقيقة. لستُ نبيًّا ولا أمي زاهدة. لستُ بائع خمر في سوق قديم. أنا فقط عاشق صغير، فلِمَ كل هذا الحنين؟ سنسير معًا في شوارع الله ونهزم الوقت والرؤيا…
لن تسرق هذه الألوان مشاهدنا المُرهَقة لنصنع من الشهوة دربًا يوصلنا لبعضنا. سأقبِّل عنقكِ بشراهة حتى الإغماء / هنا تركنا أسئلة الوجود. عنفي سيرتّل إحدى الأناجيل على جسدكِ ويمحو تواريخ البؤس. ضعي يدكِ على فرجكِ والعني الأمل.. العنيه إلى أن يصير قصيدة. سأدفعُ بنفسي فيكِ وأعرف أسرار التكوين..
لوحةٌ لمراهقٍ أعمى يضرب مؤخرة عجوز شائبة بعنفٍ وادع، تحملقُ فينا ونقول لها: لا؛ ليست حكايتنا تلك التي تُطِلُّ علينا من شرفات الحزن. زجاجات الڤودكا العفنة حولنا و”إلياذة هوميروس” يقرأها على مسامعنا سكّير في شوارع اسطنبول.. نظل نشرب حتى نسكر ونضيع في أجسادنا.. نضيع، نضيع إلى أن نعود إلى الميلاد. هاتي جسدكِ لأخطّ عليه كناياتي والآيات.. هاتي أيامي لنكفر معًا غريبة في بلاد لا تعرفها الفصول.. هاتي الجنون ورأسي المُتعَب.. أعيديني إلى شبقي ورؤياي الحالمة يا بعيدة.. يا أم أحلامي الصغيرة وآلامي واغتراب اليائسين…
سننام معًا وسيذوب في عطركِ عرقي لنُعيد للشهوة أمجاد التحامنا الأولى معًا معًا حتى الغروب وسيشهد على ذلك نهرٌ ما بعيد بعيد. لماذا يبتعد الغياب هكذا؟. ستتساقطُ على وجهكِ قطرات الشِّعر المنسيّ في أعضاء جسدي الذي ظَلَّ يُبكي جسدك آمادًا وليالٍ طويلة. هل نحن غرباء الآن؟. هلّ كل هذا التعري سيغفر لاغترابنا؟.
لا تأتِ الآن إليّ، ربما نلتقي في مكانٍ آخرٍ من هذا العالم، ونمارسنا كما نحن بكُلِّ عُرِّينا وسخافاتنا وسخرياتنا الملحمية، ليعلو صوتَ حنيننا، ولا نلتقي، ولا نفترق…
( الجنون، عبّادةُ شمسٍ تُحدِّقُ في الضوء. سأكتب عاريةً من كلِّ خوفٍ للضوء ولك.. )
إليك يا بن مجازي/
“سوف تلهو بنا الحياة وتسخر” أقولها فوق ركبتيك الفضيتين، والقمر قديم كأحلامنا. أحملُ بيدي زجاجة البيرة، أُلوِّح للاضواء الذائبة في البحر ثم نصرخ: لنسكر بصحة هذه العبثية، ثم أغمس فمي بفمك، وكأنه دبس رمان أمي وأبتلع دخان الماريجوانا.
فوق الريح؛ على مقربة من بحر إسطنبول على مقعدٍ خشبيٍّ مهترئ، أهذي ببعض الترهات:
“كم هو ذكيّ هذا الإنسان حين لم يخترع لغة للعاشقين!.”
أنت عاشقي الصغير، وأنا أمك التي تحشو في قمصيك الأزرق “ملح دمها” لنلتحم.. إقترب قليلًا، وبعنفٍ قبّلني قبلة للنهاياتِ.
تمرُّ سيارةٌ صفراء. إننا نختبئ وراء الحائط من شبح وجودنا المُفزِع، نخلع كل حزننا، غربتنا، فراق بلادنا الملعونة، خيباتنا، انكسارنا، نلعق ألسنتنا ونشتم، نصرخ ونتضجَّر بدماءنا/ دماء شفاهنا من كثرة التصدعات التي أحدثتها اللحظة، لحظةُ حين نفخ فينا الله حُبَّ الأكوان جميعها.
ندخلُ إلى مقهى في زاوية الشارع، نطلبُ من النادل أن يجلب لنا فودكا والكثير الكثير من الطعام.. نلتهمها كما تلتهم فرسك في غاباتك اللامحدودة، على فراشك، وسط العتمة. تقرصُ فخذيَّ إشارةً لِنَهِمَّ بالهروب، نركض باحترافيةٍ ونذوب.. نذوب بين الحشود ثم تضاجعني إعلانا للنصر، نصر سرقاتنا الأولى.
( ينزلُ ستار المسرح الوجودي، يصفقُ الجمهور لنُعلن صراخ الهزيمة التي انتصرنا فيها.. )
إليكِ يا أثينا/
سأشتعل دون أن أكبح جماحي، وأخبر وردة ذابلة نسيتها في درج مكتبي القديم بأنه قد حان وقت التفتح والرقص مع قمر كان يُخاتل صمت الشبق.. لن ننطفئ، سنشعل عتمتنا ونرقص ونرقص ونرقص… حتى آخر نفسٍ في هذا الليل الأعصم.
ربما تنتحر حكايتنا لأننا أخبرناها للكناية، لكنَّ أساريرنا الكبرى الممتلئة بالمسافة ونزف أجسادنا الطافحة بلهب الحنين إلى ممارستنا الجنس معًا ستتحول لكُبوةٍ نُبخِّر بها آلام الشهوة إلى المُنتهى ومنال الشجرات التي ستكون شاهدة على قُبلاتنا في إحدى الشواجن البعيدة.
فوق الريح؛ سنخلق لغة سامية للعشاق ونعلن أننا لسنا بشرًا على شرف هذا المشهد الالتباسي بشفافيّةٍ مُطلقة /
أشعلُ سيجارة، تتمددين أمامي عاريةً من كُلِّ شيء، ثدياكِ يتلألآنِ أمامي كمُعَلّقةٍ أثرية في سقف اللوڨر، وظهركِ ثابت كشاهدة قبر مكتوب عليها، مجهول عُثِرَ عليه ميتًا، مُمسكًا بعضوه الذَّكَرِيّ في إحدى شوارع باريس ذات ليلة شتائية من القرن المُنصرِم. أمُشّي أصابعي على كلِّ جسدكِ من أطراف أصابع أقدامكِ مرورًا بفخذيكِ وفرجكِ حتى صدركِ، وهنا أتوقف.. أشتبك معه بكل ما يحمله وجهي من تناقضات واكتئابات.. أرفعُ رأسي بعد دقيقتين من حرب التحامية، وأعود إلى سيجارتي.. أشهقُ شهقةً طويلة وأنفثها على وجهكِ ثم ألعن “ديكارت” وأخبره بسقوط الروح، أكفرُ له ولكِ.. أصرخ في وجهك بعد أن أضع يدي اليمنى بعنفٍ في مؤخرتكِ: المجد ل”فوكو”، كسمك يا أفلاطون. أنت ابن عاهرة ولم تجد امرأة تُشبه تلك التي أنيكها الآن.. يا للذة!. يا لمؤخرات النساء التي تبعثُ فينا انتشاءً انتقائيًّا حدّ النزاقة…
“ماما الحلوة”. ذلك ما تحبين أن أناديكِ به، عدا عن أنني وجدت فيكِ أمومة الكون مجتمعة وعنفي الناعم المُلتبس بصمت يؤكد تلك الأمومة.. لقد أدركتُ بعد أن انتهيت من سيجارتي أن مفهوم الأمومة لدى العالم خاطئ.
بعد أنا مارسنا أنفسنا بكل امتلاء وافراغ _ثُنائية تطرفنا الأخرق_ ماذا سنفعل؟. هل سننتحر؟. لا؛ سنكمل زجاجة الڤودكا التي أمعنت نظرها في أسرارنا الملحمية، التي تدحض فكرة ساديتنا وننتظر مساء اليوم الثاني لنكتب مسرحيةً عنوانها إنجيل المسافة المُشتعل ونرمي بأنفسنا معًا من أعلى بناية في المدينة ونكتب في وصيتنا: لم ننتحر.. كل ما في الأمر وصلنا.
.
.
انتهت المشاهد. تصفيق.
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: