إنتحار رجل عقلانيّ-إيناس مانسي

img

إنتحار رجل عقلانيّ-إيناس مانسي

عزيزتي “ماري” ، أعلم أنّك غاضبة منّي لأنني طيلة عشرة أعوام لم أقم بإيقاظِكِ من النوم و لو مرّة واحدة ، و قد تسبّب هذا في تأخّرِكِ عن العمل مرّاتٍ عدّة ، ربّما اعتَقدتِ طيلة هذه السّنوات أنّني لستُ مهتمّا بكِ ، عليّ الآن و أنّا أخطّط لموتٍ عقلانيّ ، إخبارك بالسّبب الحقيقي ! لأنّني أُوقِن جيّدا أنّ معلومة خاطئة قادرة علی خلق فجوة بين شخص و آخر ، و بين الشخص و نفسه كذلك ، أنا الذّي عشتُ طرَفا من طفولتي معتقدا أنّني قتلتُ أمِّي عندما أيقظتُها ذات صباح ، ظللتُ أهزُّ جسدها مِرارا لتستيقظ ، حتّی سحبُونِي بقوّة من أمامِ سريرها ، و أخذُوا في الصُّراخ و البكاء ، إعتقدتُ حينها أنّنِي ارتكبتُ خطيئة ، ركضت بسرعة إلی السّطحِ ، و ظللت ابكي هناك طول النهار خيفةَ أن أُعاقَب ، إستسلمت أمّي إلی نومٍ عميق ، أدركتُ فيما بعد أنّ هذا ما يُسمُّونه الموت ، كما أعلمُ الآن تماما أنّ الأشخاص لا يموتون عندما نُوقِظهم ، و أنّ الموت ليس ببساطة نوم عميق ، و لكنّني لم أكبُر بما يكفي ، لأمتلِك شجاعة إيقاظِ شخصٍ آخر ، لا يمكن لذلك الطفل أن يتخلّی عن براءته مرّة أخری . أعتقِدُ أنّ لدی فرويد أو أفلاطون تفسير منطقيّ لأفكارِنا الأولی .
لا أقول لك هذا لتغيُري نظرتِك عنّي ، بل من أجل إبنتنا “ساره” ، لا أُريد أن تكبُرَ بأفكار مغلوطة ، حدِّثيها عن الموت ، لا تفعلي كباقي الأرامِل اللّواتي يحِكنَ قصصا عن آباء مُسافرين بعيدا ، و آباء سيعودون السّنة المقبلة ، لا تخلِقي للموتِ إحتمالات . و لا تضعِي هديّة بإسمي تحت وسادتها في رأس السنة ، أريدُ الإحتفاظ بذوقي الخاصّ في اختيار الهدايا ، ستسألُكِ عندما تكبُر عن الأشياء التّي كُنتُ أحبّها ، و ستتخيّل تلقائيّا نوع الهدايا التّي كنتُ سأُهدِيها إيّاها . قُولِي لها أنّني لن أعود ، الموت ليس نوما عميقا ، و ليس سَفرا إلی مكان بعيد كما تعلمين ، حرّريها من كذباتنا المستهلكة .
أمّا أنت يا “ماري” ، لا تُجهدي نفسكِ في الإعتقاد أنّني كنتُ زوجًا رائعا ، لمجرّد أنّني مُتّ ، ظلّي علی رأيكِ فيّ مهما زيّن لكِ الحزنُ صِفاتٍ و طِباعا ليست لي ، الإعتقاد أنّ الأموات رائعون بطبعهم ، إعتقاد وقح و غير صادق ، فلا تُجرّدِيني من أخطائِي ، إذ لا وجود في المقابر لمسابقة الميّت المثالي ! .
لن اقول لكِ أنّنِي أحبّكِ جدّا الآن ، كرجُلٍ إنتهازيّ يُلقي بكلّ عواطفه الباردة و كلّ المالِ الذّي في جيبِه تحت قدمي مومس لن يراها مجدّدا ، قد تُصدقين هذا بعض الوقت ، لكنّكِ في تلك اللّيالي التّي ستقضينها وحيدة ، بينما أنا في عِداد الاموات ، ستتذكّرين أنّني لم أعُد أحبّكِ كالسّابق .
أعلمُ أنّ هذا إعتراف وقحٌ جدّا بالنّسبة لرسالة مُنتحِر ،
قرأتُ هذا الصّباح نماذجَ عن رسائل لمُنتحرين ، كانت رسائل حميمية ، درامية ، و مثيرة للشفقة ، لقد أبكتنِي و شعرتُ بالتّعاطف معهم ، لذلك لن أكتُبَ ذلِك النّوع من الرّسائل التّي تجعلُك تبكين أو تعتقدِين أنّكِ أحد اسباب موتي ، العدم ليس مكانا مناسبا للثأر من نفوس الأحياء .
ماري ، الحياة جميلة ، ثقي بهذا الكلام من رجل سيفارق الحياة بعد قليل ، إنّني أُقاوم شبقها الأخير حتّی الآن ! .
لكنّها لعنة الإكتفاء ، إنّه مرض الملل المُزمن ، كلّ المُتعِ لم تعد قادرة علی شِفائي ، كلّ تلك الرّحلات ، دعواتُكِ لي علی العشاء ، كلّ تلك الرّوايات التّي لم اقرأها بعد ، درجاتُ ساره المتفوّقة في المدرسة ، فساتينكِ المثيرة ، قوارير النّبيذ التّي تُعتّقينها في القبو منذ عشرِ سنوات ، هدية عيد ميلادي الأربعين التّي إشتريتِها لي قبل موعدها ، بمناسبة التخفيضات الموسمية ، و كلّ المؤشرات المرتفعة في العالم لأمل الحياة عند الولادة ، كلّ هذا لم يعد قادرا علی إسعادي .
ثِقي أنّ كلّ ما ذكرتُهُ أسباب مقنعة للعيش ، أخبِري سارة بذلك حتّی لا تعتقد انّي مُتّ من النّقص ، إنّ الإنسان إذا اكتملَتْ حاجاتُه ، ساءَل بقاءَهُ ، أما الّنقص فمبرّر مقنع للمواصلة أحيانا ، ربّما كنتُ أحتاج نقص أشياء كثيرة .
عندما كنتُ طفلا يتيما يفتقدُ أمّه ، أخبَرُوني أنّ جميع البشر سيموتون ! لا أعلم لِمَ يبدو هذا مُطمئنا بالنسبة لهم !
لقد كانوا يُغالطونَني يا “ماري” ، قالوا سنموتُ جميعا لكنهم لم يُخبِروني أنّنا لن نموتَ معًا ، إنّ المُفجعَ في الموت ، هو موتُنا علی فتراتٍ مُتباعدة ، هذا بالضّبط ما يُسمّی الفقد .
أنهی “إنريكو” كتابة الرّسالة ، ثمّ فتح حاسوبه ، كتب رسالة إلكترونيّة لمديره في العمل يعتذرُ فيها عن تغيّبه في الغدِ لأسباب قاهرة ، خارجة عن نِطاقه .
فكّر أنّ عليه وضع خطّة جيّدة للإنتحار ، لا يجب أن يكون موتُه فوضويّا و مُرتَجلا ، ربما عليه غسلُ ثيابه ، لن يترُكَ لزوجته مُهمّة غسل ثياب شخص ميّت ، مع أنّها ستتخلّص منها غالبا ، سيُغلق النّوافذ أيضا ، سيكون موتُه فضيحة إذا دخلَ لصٌّ إلی البيت في الوقت الذّي يكون فيه غير قادر علی منعِه من السّرقة .
نزل إنريكو إلی الطابق السُّفلي لملء حوض الإستحمام بالماء ، من غير اللاّئق أن يموت متعرّقا ، سيكون مُخجلا أن يودّعوا جثّة كريهة الرائحة .
بعد ذلك عاد إلی حاسوبه ، فتح مُحرّك البحث ، ثمّ كتب الجملة التّالية ؛ «طُرُق متنوّعة للإنتحار » .
ظهرت له عدّة صور لمنتحرين ، اغلبهم من المشاهير ،
صور الرسّام “فان غوغ” الكثيرة ، تساءَل إنريكو ؛ لماذا يقطعُ شخص مثلهُ أُذنيه أو أحد أعضائِه ، ثمّ ينتحرُ بعد ذلك بطلقٍ ناريّ في الصدر !؟ ، ليس علی الموت أن يكون بهذه البشاعة ، سأموت بلا قطرة دم واحدة !
لن أحتمل أن تری “ساره” بركة من الدّماء ، ستخافُني ربّما ، و سأكُون كابوسها لعدّة ليالٍ …
و ستضطرُّ ماري لتنظيف ذلك الدّم ، الذّي سيَعلقُ بين أظافرها ، الدم يعلقُ داخل الأظافر كالحِبر ، من الصّعب إزالته ، فكرةُ أنّ دمَ زوجها عالقة بين أظافرها مرعبة جدا !
واصل إنريكو البحث ؛ إنتحار” هيث ليدغر” مجسّد شخصيّة الجوكر ، إنتحار داليدا ، إنتحارالرّوائي “همنغواي” ببندقيته ، إنتحار “هتلر” و عشيقته “إيفا براون”، إنتحار الفيزيائي “بول إرنفست” بسبب لاعقلانية ميكانيكا الكم ، إنتحار الرّوائي الياباني “ميشيما” ، إنتحار الكاتب “ستيفان زفايغ”.. أثار هذا الإسم الأخير إنتباهه ، إنّه يعشق روايات ستيفان زفايغ ، لطالما كانت مُلهمة له ، هل يمكن أن يكون إنتحارهُ مُلهِما أيضا !؟ فكّر إنريكو ؛ ربّما لستُ في زمن حرب و لم أخسر وطنا ، و لكنّ ما يجمعني بزفايغ هو ” ضياع ذلك الموطن الرّوحي ” و بالرّغم من أنّني لن أموت معانقا ماري كما فعل زفايغ مع زوجته “لوت” ، إلّا أنّ ابتلاع عشرات الأقراص المنوّمة فكرة مناسبة لموت هادئ .
في هذه اللّحظة سمع إنريكو ضجّة في الأسفل ، إنّه صوتُ ماري ! ، لقد عادت مع ساره ، مع أنّها أخبرتهُ أنّها ستقضي عطلة نهاية الأسبوع مع أمّها .
كانت ماري تصرخُ بفزع ؛ إنرييييكو … البيت يغرق .. أ لا يمكن أن تكون رجلا مسؤولا ليوم واحد !؟
تذكّر إنريكو أنه نسي الماء ينسابُ في حوض الإستحمام ، شعُر بحزنٍ كبير لتسبّبه بالفوضی ، رغم إلتِزامِه بخطّة مُحكَمة منذ البداية ، لم ينتظر إنريكو صعود ماري إلی الطابق العلويّ ، ففتح الرّسالة لكتابة جملة أخيرة ؛ ” عزيزتي ماري ، آسف حقا ، إنّ يوما واحدا لم يكن كافيا حتّي لموت مسؤُول “
ثمّ سحَب مسدّسا من دَرج مكتبه ، و أطلق النّار علی صدره ، سقط إنريكو علی الأرض ، و تكوّنت في الحالِ بِركة دمٍ كبيرة ، دمٌ كثير متخثّرٌ سيعلقٌ بين أظافر ماري و في كوابيس ساره ، و ستُوضَعُ صُورَهُ في مُحرّكات البحث إلی جانب صور فان غوغ ، و كلّ الذّين حاولوا عبثًا البحث عن إنتحار عقلاني .

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

3 تعليق على “إنتحار رجل عقلانيّ-إيناس مانسي”

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.