إلى الواقف من أجل تونس ، اجلس قليلا!

img

بقلم : رياض عمايرة

مرحبًا سيّد رئيس الحكومة ، أنا الموقّع أدناه صحافي تونسي ، أطلب منك بكلّ لطف أن تتوقّف قليلا عن إنجازاتك ومشاريعك الكثيرة لتقرأ هذا المقال ، والأمر لن يأخذ منك وقتًا كثيرا.

و انا أهمّ بكتابة هذا ، قرأت اليوم خبرًا مفاده أنّ تونس هي الأولى عربيّا على مستوى حريّة الصحافة . لم أبتهج أبدًا رغم يقيني بصحّة الخبر لأنّني لم أعد أصدّق الكذبة التي نعيشها.
أنا ككل صحافيّي تونس أو كبعضهم أتكلّم و أصيح و أصرخُ حبرًا وصوتًا و لن يسمعني أحدُ ، الأمر صار شبه عاديّ وقد كتبتُ عن هذا المأزق مقالة سابقة لكَ أن تُراجعها ليلًا حين تنتهي من مشاريعك اليوميّة الكثيرة * .
أنا لا أؤمن بالبروتوكولات ، لذلك لا أعرف كيف أقول لك “سيّدي” وأنا أخاطبك الآن ، فأنتَ حسب الواقع لست قادرًا على أنت تسود شيئا ما وإن كان بسيطًا ، لا تغضب أرجوكَ ، اعتبرني صديقكَ المفضّل الذي له حقّ عتابكَ أو اعتبرني واحدًا من شعبكَ إذا كنتَ تعي أنّكَ تحكم شعبًا ، على الأقلّ منصبكَ يفترض ذلك.
سأخاطبك ب “جوزيف” لأنّنا نستعمل الاسمَ ونحن نخوض في أمور البلد. ونحن شعب مقبل على كل ما يأتينا من وراء البحر سواء أكان لغة أو سلعة أو عادة أو غير ذلك.
قلت أنا صحافي وإن شئت لنقل “أنا مواطن تونسي” يحبّ الشعب قليلا – لسبب سأفسره فيما بعد – ويحبّ جميع القرى والمدن . آخر مرّة ذهبتُ فيها من الجنوب إلى العاصمة أمضيت سبع ساعات واقفا في عربة القطار بعد أن سدّدت معلومًا باهضًا لعون الإستخلاص الذي منحته أيضا ضحكة صفراء كاصفرار البلد. لا أخفيك أنّه أثناء وقوفي الطويل و المتعب تذكّرت عبارتك البليدة ” لازم ناقفو لتونس ” ، فوقفتُ و وقفتُ و وقفتُ دون أن أشتمكَ.
قيل و يقال أنّك ألقيت خطابًا البارحة . وقد علمت بالأمر قبل إطلالتك لكنّي لم أنتظرك. ذهبتُ إلى المقهى بعد اقتناء سجائر زاد ثمنها في عهدك و أخذت قهوة جيّدة لأشاهد مباراة أوروبيّة رائعة.
في الحقيقة كنت سأختلق أمرًا أقضي به الليلة حتّى وإن لم تكن المباراة . كأن أشاهد مسرحيّة “شاهد ماشافش حاجة” أو أكتب نصّا عمّا فعلتموه بنَا أنت وزمرتك ، أو أقرأ رواية يثور فيها الشعب على حاكم فاسدٍ فاشلٍ عساني أجدُ المفترضَ مجازًا ، المهم أنّني لم أفكّر لحظة في متابعة ما ستقوله . أنا لا أنتظر خطابك ، أنتظر تحديدًا ثورة الشّعب عليكم.
يبدو أنّك اكتشفت أنّي صريحٌ ، أنا صريح للغاية يا جوزيف العزيز ولو استشرتني قبل خطابكَ ، لأعفيتُكَ منه و استضفتُك إلى المقهى كي نشاهد المباراة معًا . كنّا سنتعلّم كيفيّة إنقاذ فريقٍ من الغرقِ كما فعلَ المدرّب و كنّا أيضًا سنتعلّم كيفيّة احترام الجماهير كما فعلَ الفريقان. أعتقد أنّ الدّرس سيعجبك كثيرًا.
كانت فرصتي في التعرف إليكَ ، أنا لا أعرفكَ وهذا ليس تقصيرًا منّي ، أغلب التونسيّين لا يعرفونكَ وإن كذبَ عليكَ بعضهم.
مرّة في حوار صحفيّ قلتَ لنا عن اسم خالكَ ، أظنّك تمزح ، على الأقلّ لأننا لسنَا في قبيلةٍ. لكن يا صديقي ؛ من أنتَ ؟ من أينَ أتيتَ ؟ وكيفَ أتيتَ ؟ قبل تولّيك منصبكَ لم يمرّ اسمك بذاكرتي التي أظنها تعرف بلدي جيّدًا.
لو أتيتَ لنشاهدَ المباراة معًا لأعفيتني و أعفيتَ نفسكَ من هذا السؤال البريء .
*****
طيّب لنتجاوز هذا ، عوّدني الأدب على أنّ المغمورين يبدعون أكثر ممّن وجدوا تحت الضوء لأسباب كثيرة. ولكَ أن تقرأ قصّة نيكوس كازنتزاكيس مع زوربا ، طبعا إذا لديك الوقت لذلك ، ولتعذرني مشاريعك الكبيرة مرة أخرى لأني أتسبب في تعطيلها .
لكن هل أبدعتَ حين قالوا لنا ذات صيف أنّ يوسف تونس سيقودها إلى برّ الأمان !
لا أخفيك أنّي لم أصدّقهم أبدًا ولم أنتظر مثل بعضهم معجزة يوسف ، ليس لأنّ عهد المعجزات قد ولّى. ربّما الأمر مردّه خلل لديّ . إذ لم أصدّق كلّ ما حدث بعد 2011 وقد كتبت عن الأمر أيضًا.*
مجدّدا أعتذر لمشاريعك الطائلة ولحروبك ضدّ الفساد على مقاطعتها بثرثرتي الزائدة.
هل أبدعتَ ؟ أعتقد نعم و بشدّة أيضا.
تونس يا صديقي جوزيف صارت تُحيلني إلى الروايات اللّاتينية التي كتبت في عصر ما عُرف ب”جمهوريات الموز”. نعيش الآن سيناريو مُدهشا أنت أحد كتّابه ، و يالكَ من مبدعٍ ، نرى في اليوم ألف جريمة وألف حادثة وألف زيادة في الاسعار ونرى صراخ النّاس في الشوارع والمقاهي ، فنهلع و نظنّ البلاد ستهوي على رؤوسنَا ، إلى أن تطلّ علينَا واقفا بضحكتك الدافئة وكلامك الرصين فتهجع قلوبنَا ونبتسم واقفين لتونس ، أيستطيع ساحرٌ غيركَ فعل هذا !
ورغم عدم معرفتي السابقة بكَ أشكّ أحيانًا أنّك من نسل “تشارلي شابلن” ، تضحك باستمرار رغم كل شيء.
نقول لكَ ، قتلوا الرّضّع فتبتسمُ . نقول زادت الأسعار فتبتسم . نقول ما عاد لنَا شيء لنأكله لا زيت و لا خبز و لا حليب فتبتسمُ . نقول أصبحت الحريّات مهدّدة رغم كذبة الديمقراطية فتفتح سجنًا لبعضنا و تبتسمُ. نقول لكَ وجب إصلاح التعليم عاجلًا فتحاصر المدرّسين و تبتسمُ. نقول لكَ اذهب الى شعبك الموشك على الموت فتذهب إلى كريستين و تبتسمُ. نقول لكَ إنّ التنحي يصبح ضروريّا حين تتراكم الأخطاء فتبتسمُ و تفتحُ دكّانًا جديدًا وتصرخُ في وجوهنا “تحيا تونس”.
أنت لاعب لغة ماهر عزيزي جوزيف ، لاعب يضعنا في مأزق لغويّ. إن قلنَا “تحيا تونس”كنّا معكَ في حانوتك و إن لم نقلها كنّا ضدّ أنفسنا . اللعنة !
****
لا علم لي بما جاءَ في خطابك عزيزي يوسف. أعتقد أنّكَ حدّثتهم عن مشاريع قائمة فقط في رأسك وحلمت أمامهم بمستقبل جيّد . لن يصدّقك هؤلاء لكنّهم سيعلكون حديثك هذا إلى أن يحين موعد حديثك اللّاحق الذي لا شكّ في أنّك ستحثّهم فيه على انتخابكَ في الاستحقاق القادم.
سأفسّر لكَ الآن مشكلتي مع الشعب. هذا الأخير كان عليه أن يسقطك بثورته عليك. فأنت و منظومتكَ – بفتيانها و مشائخها ونخيلها وحمامها – يجب أن تسقطكم ثورة لا انتخابات تشرفون عليها بوسائلكم و قنواتكم الكثيرة.
أخبرتك عزيزي يوسف أنّني صريح للغاية. سأصارحك الآن ، اجلس قليلًا ، لقد أتعبكَ الوقوف.
تعالَ نجلس هنا لنشرب القهوة و نتحدّث عن أشياء كثيرة إلى تأتي الثورة . وأنا على يقين أنّ ذلك أسهل عليكَ من إعداد كذبة للخطاب القادم ، وأسهل من التفكير في كلّ تلك المشاريع والانجازات !
عزيزي جوزيف ، لقد أعياك الوقوف ، فاجلس قليلا !

رياض عمايرة


  • انظر مقال التافهون يحصلون على كل شيء – موقع حقائق اونلاين
  •  انظر مقال أورويل في شارع الحبيب بورقيبة ، ثلاثية الموت والسّذاجة و الديمقراطية الواهية
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: