إقامة الرمز والعلامة التراثية في ربوع الأثر الفني المعاصر

img

د.بسمة منصور

     باحثة في علوم وتقنيات الفنون

   إقامة الرمز والعلامة التراثية في ربوع الأثر الفني المعاصر

       ما من شك في ان مسألة الأصالة والمعاصرة لا تزال تستهوي الفنان والباحث على حد السواء، فالساحة الفنية العربية تسعى إلى تأسيس علاقة مع تراثها. باستلهام العلامة والرمز كمورث ثقافي وفني. ليتراء لنا هذا الموروث في الفضاء التشكيلي معبرا عن الموطن والهوية. تعبيرا يتخطى الرؤية المعهودة له بل ويتخطى الفكرة الدلالية لتلك الرموز (فالخمسة أو العين أو الهلال… رموز كانت لها دلالات في زمن ما) لتصبح اليوم أيقونة تأثث الأثر الفني، أيقونة تكشف دعوة المعاصر للأصالة، دعوة أخرجته من جلبابه المألوف ليرتدي حلة الذاتية والفرادة، ورهان “هذه الدعوة يعني تحقيق أصالة في الفن متجددة ومتطورة ومرتبطة بطموحات الإنسان، فالمعاصرة هنا تعني التقدم، تعني التجديد وتعني الإبداع، وقد نقترح عنوانا جديدا لهذه الدعوة فنقول أنها الأصالة والإبداع لكي نضع هذه الدعوة أمام أهدافها الصحيحة وننقذها من محاولة التوفيق التي يسعى إليها كثير من الذين تحدثوا في هذا الموضوع بتردد واضح وبتبني سطحي لهذه الدعوة…”(1). دعوة تحمل في ثناياها قوة المسؤولية الفنية وعمق البحث الفني، فأن نستدعي المورث الثقافي هو اختبار في حد ذاته للفنان، اختبار يضعه أمام سؤال كيف نستدعي الماضي ليمثل في الحاضر وفي ذات الوقت ينفتح على المستقبل؟ رهان فني يعمل على تصحيح الرؤى السطحية والبسيطة في كيفية تناول كل ماهو تراثي. فإن نجعل من التراث موضوعا ومنطلقا ومادة بحث فني، يعني تخطيط مسبق وفكرة ذهنية وقعت في ذهن المبدع دغدغت أنامله لينقل الصورة الذهنية ويحولها إلى صورة مادية مرئية تعبيرية تصل الماضي بالحاضر.

   ان اعتماد التراث مرجعا فنيا يحمل معاني جمالية، تتناغم إيقاعاتها بإيقاعات رؤى الفنان الخاصة، لهو دليل قاطع على تجذره في صلب التراث، بل انغماسه وسريانه داخل عروق الماضي وما يضمه من رموز وعلامات، سريان يؤكد تعرف الفنان على معانيها ودلالاتها، معرفة تأتي عن قصد أو غير قصد لتأثر بحضورها على النفس وتستهوي المتلقي لتأملها، حضور يأتي للاستفادة من أبعادها الجمالية، لتصبح أشكال تسكنها معاني فلسفية، تشكيلية ذات طابع مخضرم. تستدعي لقراءتها والبحث حول ما تستكينه من معاني جديدة وتنظر إلى التراث نظرة بحث تساؤليه تجمع بين الماهية ومدى تفعيله في ربوع الفن المعاصر تفعيل يحمل الإبداع بين طياته ولا يسقطه في متاهات “غربة الحضور” داخل الماضي والحاضر، وإنما تجعل منه منبعا للفكرة الذهنية، فكرة تجعل من الأصيل يتعايش داخل محيطه الجديد، لا فكرة تسقط المادة إسقاطا داخل فضاءها الفني وترغمه على التعايش، دون الاستفادة من طاقاتها الجمالية والتشكيلية، بل تحول هذه الرموز والعلامات التراثية إلى موضوع بحث يهتم بالابتكار والإبداع.

   فالمسألة إذن، لا تنحصر في دعوة المعاني الأصيلة لتقيم في فضاء فني عصري وإنما في كيف يقع التعامل مع الموروث بصيغتيه، صيغة الحضور والإبداع، كيف يمثل في الأثر؟ وكيف يحمل الأثر الإبداع؟ فرهان الدعوة تنشيط المألوف وجعله يحمل صفة اللامألوف، وهو ما نشهده في التجارب الفنية العربية المعاصرة، مثل تجربة الفنان الجزائري رشيد القريشي والتونسي علي ناصف الطرابلسي والمغربي فريد بالكاهية وغيرهم… تجارب وجدت في الرموز والعلامات التراثية معينا تغترف منه، ليعج سطح العمل بتكوينات مختلفة حيث يلتقي التناظر بالتقاطع، الخط والحرف، رموز تتكرر وأخرى تتخفى خلف الأشكال والألوان، نظام وفوضى، حركة وثبات… تكوينات تنشط فضاءه لتشدنا إلى الحقيقة وترجعنا إلى جذورها غير إنها ليست هي الحقيقة المألوفة بل هي إيحاءات وسراب من الماضي انطبعت في العمل لينفتح على زمانه الجديد وتحوله إلى عمل يعبر عن الأصالة والمعاصرة. وكأن بالفنان هنا في رحلة بحث روحي، يبحث عن ذاته، ليشكل بالهوية هويته الفنية. رحلة جمع فيها جميع اختباراته الفنية، حيث المعرفة بالمتخيل الذهني، والتقنيات مع الخامات المقدمة، ليضع باختباراته المتلقي أمام أعمال مشبعة تشكيليا ونظريا، توحي بالتشابه لكن تنفي التشابه، لا تعبر عن شيء سوى ذاتها. إيحاءات يصعب فهمها أو إدراكها. فما يمكن جمعه والخروج به إنها أعمال تخطت زمانها وهجرت مكانها لتعيش في زمان أخر وفي مكان آخر، وتعبر عن شيء ما وقع في ذات الفنان، بل ربما تحكي قدراتها ومدى انفتاحها وتأقلمها مع مجالها الجديد. تأقلم يدفعنا لنتساءل عن سر تأقلمها وإقامتها في ربوع الحاضر، أهي بساطة الشكل أو جماليته أو ثراءه التاريخي؟ أم هي قدرات الفنان التشكيلية التي جعلته ينفتح ويتعايش مع زمانه، ليتجذر من جديد، ولكن بحلة مخالفة؟ إشكال يقودنا لنؤكد على القدرات التعبيرية للرموز والعلامات وقدرات الفنان الفنية، فالتأقلم يعني التعايش والانسجام، فلتنسجم الأشكال على سطح العمل وتوحي بالتناغم، تفسير قاطع لإمكانيات الفنان التسييرية لخاماته وأشكاله، فالتقاء الخط بالرمز واللون لخلق إيقاعا خاصا، إيقاعا يكشف قدرات الفنان التشكيلية، ليحول الفضاء من اللا ممكن إلى الممكن. ويترجم مقاسات بحثه أمام انفتاحه وتطلعه على تجارب غربية، لتمتزج تصوراته بإمكانيات عربية وغربية في الآن ذاته.

   وللحقيقة فكما أثرت الرموز والعلامات في الفنان العربي ليكتشف قدراته الفنية أمام غربة وغرابة الشكل ويمزج بحثه الفني بمعارفه الغربية، فقد استهوى المصدر ذاته بحث الفنان الغربي ليكتشف ذاته الفنية انطلاقا من المحيط العربي وموروثه الثقافي، كتجربة الفنان ماتيس، بولي كلي… ليتحول من محيطه المعتاد إلى محيط غربي وبرؤية مخالفة تبحث عن التسطيح واللون والفراغ.. بحث يسعى من خلاله ليتعرف عن الشكل وتأثيراته البصرية واللونية بعيدا كل البعد عن الشكل الأصلي…

    وبذلك تظل مسألة إقامة الأصالة في ربوع المعاصرة مسألة تستهوي الفنانين لما تحمله من طاقات جمالية، تستدعي لأدراجها إلى بحوث فنية، لتضحى العلامة والرمز ملاذا لعديد من الفنانين ويقع إندراجهما في شتى المجالات التزويقية والفنية. إلا انه طرح قد يجد الرفض من قبل بعض الفنانين الذين يدعون إلى ضرورة تجاوز مفهوم الأصالة والمعاصرة والبحث عن مفاهيم فنية أخرى ولعلنا نذكر في هذا السياق الفنان التونسي نجيب بلخوجه والصادق قمش… فنانين اتخذوا موقفا معاديا ضد التشخيص الفلكلوري والذي يتعلق بكل ماهو تقليدي.. فهذا الجدل الفني وان بدا معاديا إلا انه يزيد من رقعة البحث وتوسيع مجالاته الفنية والنظرية…

المراجع والمصادر:

  • د. بهنسي (عفيف)، الفن الحديث في البلاد العربية، تونس، دار الجنوب للنشر، 1979 ص35
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.