إغتصاب حياة -راوية صالحي

img
 
إلى نساء الأرض حبها وطينها شمسها وقمرها إليهن حروف ضعيفة .
 
في رحلة البحث الأبدية في دلالات الوجود و كيمياء الحياة و جبرية الموت نتعثربمطبات لاهوتية وإيتيقية مجتمعية توجهنا تجذبنا ترمي بنا ,إما في شكل ملحمي بطولي ولنا في جلجامش خير مثال مرورا بأنبياء الله بقدر حروف أسمائهم المختلفة و بملاحم الإنسان الحضري وصولا إلى صراع القوت اليومي : الخبز والثراء ’وإما مهمشون في صفحات التاريخ وأعمدة الصحف المعنونة جثث تبحث عن أسمائها .
غرباء كنا وسنظل دوما مهما تقدم بنا العمر وتلونت السنون ,ستكون الحروف فقط دليلا ومشكاة في عتمة ليل مضني الوطيس حميم الرائحة والحضور.
 
بعد يوم مضن ممزق بين قيظ الحر وتعب آخر يوم من الإمتحانات الجامعية ’وكعادتها في مثل هذا الطقس تتجه حياة إلى شاطئ البحر للممارسة هوايتها المفضلة وهي ركوب الأمواج طورا وإختبار كرم وجود البحر أطوارا لعله ينشق لها كما إنشق يوما لموسى هكذا حدثتنا الرواية وتراجيديا الأسطورة في ذكر لعروس البحر كأمنية للمتني وبهجة للناظرين .
إرتدت حياة ما تيسر من الثياب ,هاتفها وسماعاتها ,صنارتها ولوازم الصيد حقيبتها واتجهت مشيا نحو الشاطئ .
نقاء الماء تكاد ترتسم عليه الوجوه صفاءا ,ريح خفيفة وبعض النسمات المنعشة تبعث في الجسد قشعريرة تغويك بملامستها ومداعبة المياه بأنامل حياة الطفولية ,رمال الشاطئ كبريق الذهب لامعة أو كحبيبات الكريستال تغويك لإلتقاطها والتمدد عليها كأنها بساط جنة عدن مشتهاة .
البحر يغويني للسباحة ,سأسبح أولا هكذا تحدثت حياة لنفسها .
البحر اليوم خاو من المصطافين مقفر من جميع الوجوه الآدمية سواء متطفلين أو بحارة أو مرتزقة تهريب أو حتي بعض رفاق كأس وخمر ,يمنة يسرة, شمالا جنوبا لا أحد ينظر لحياة أو يراقبها هكذا ظنت يومها .
بدأت في نزع ثيابها قطعة قطعة غير أن فكرة مجنونة راودت مخيلتها يكاد ينطق بها لسانها “ما دمت وحيدة في ملكوت الطبيعة ,عودي للطبيعة.”
فالكون تشكل من ماء
سارعت بخطاها صوب البحر لتدثر به عريها الجسدي وتلتحم به في قصة تطهر من وثنية الذنب والقدر هكذا قيل في عرف الغجر ,بالماء الطهور تنقى من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس هكذا قيل في عرف العرب , وبالماء المبارك عمد المسيح وصلب ,تتزاحم الأفكار في مخيلتها وتطلق عقيرتها بالغناء وسط بحر فسيح لا يكاد يبلغه بصر, ببراءة الأطفال وحب السباحة مضت حياة تلهو مع البحر سويعات حد إنزلاق الشمس من قرص السماء تدرجا .
هي ذات الجسد الممشوق الأبيض الثلجي مسطحة البطن مكتنزة الصدر كأنه مهاجم في حلبة الصراع وقوفا وسواد شعر كليل بهيم مسدل على منكبيها يكاد يلامس خصرها ,طويلة الساق رقيقة الملمس تخاف أن تخدش عروقها لم ضغطت قليلا على يدها فكل من يلمحها يفتن بها
تتهادى وتتمايل حياة على أنغام موسيقى متناسية أنها عارية متقدمة في بطئ نحو الشاطئ ’توقفت لبرهة في توديعها للبحر فاتحة حضنها له واعدة بالعودة غدا ,لكن يد غليظة إلتفت حول خصرها قابضة عليها وأخرى كاتمة لأنفاسها ,تجتهد حياة لتحرر نفسها من أسر هذا الجاثم على أنفاسها ولكن يده القوية محكمة القبض على خصرها يحاول سحبها للصخور, كان كالنسر الكاسر من وجد صيدا ثمينا بعد جوع مفرط في صحراء خاوية كانت ساقاها مرتخية منهكة بعد سويعات قضتها في السباحة ولكن ذلك لم يمنعها من محاولة التملص من هذا الأسر تضرب يمنة ويسرة ولكن لم تستطع أن تتبين ملامحه فلقد خيم الظلام فجأة وزمجرة السماء بالرعد والبرق ,عصب لها عيناها بقطعة من ثيابها وكمم لها فمها وظل يجرها من شعرها غير أبه أو مكترث للصخور التي دمدمت ساقاها وللجروح التي تنزف طورا يجذبها طورا يلامس جسدها ويمرر يده متحسسا عورتها فكلما حاولت حياة التكور على نفسها وصده إشتدت قبضته أكثر .
توارى بين الصخور وطرح حياة أرضا متمددا فوقها طورا عابثا أطوار أنفاسه المتصاعدة ورغبته الآثمة إخترقت جميع حصونها وأسقطتها مغشيا عليا بعد أن أفرغ رغبته الذكورية على جسدها العذري الخصب.
لقد إفتضت بكارتها ,لقد أغتصبت
مرت ساعات الليلة الأولى بطيئة ثقيلة الوقع والخطى على حياة, عائلتها خرجوا للبحث عنها في شاطئ البحر : حياة حياة حياة هاتفها للحظة الموسيقى تشتغل , ثيابها, حقيبتها ,صنارتها وأدوات الصيد إلا حياة واصلت والدتها بحثها الجنوني عنها حتى أوصلها حدسها وغريزة الأمومة لإبنتها ملقاة تنزف ترتجف من البرد والألم فهمت الأم ماحل بإبنتها نزعت عنها ثوبها وألبستها إياه مولولة باكية ممتعضة لائمة ضاربة لإبنتها عساها تصحو من فاجعتها ,تجمع الباحثون حول الأم وحياة مهدئين من روعها مستفسرين ما حدث ومن فعل بها هذا .
صمت الموت حل على حياة نهزها أخوها محاولا مواساتها لكنها دخلت في نوبة صراخ وبكاء ونفير واضح له .
“علينا أن نِؤخذها للطبيب ومن ثم نشتكي على الفاعل لن نترك هذه الوحوش البشرية المفترسة تعيش بيننا “هكذا تكلم أخوها البكر وسارع للمستشفى.
في المستشفى ,دخلت حياة أمها أخوها وبعض من كان معهم للبحث عنها أما والدها فنوبة سكري كادت أن تحمل روحه المنهوشة وتغادر جسده الموجوع سارع أحد الممرضين ليسعف والدها .في بهو المستشفى ظلت حياة منتظرة حتى يفرغ الطبيب من معاينة والدها دموعها تنهمر لا نبش صوت لها فقط أنفاسها المتقطعة مكابدة نظرات الحائمين وطنين أصواتهم كحلقة نحل في فصل تزاوج ربيعي ,بعض النظرات تخترق جسدها من فعل بها هذا ؟هل حبيب لها؟ هل عابث وعابر ؟هل سلمت نفسها له ؟مسكينة قالت إحدى العابرات من سيتزوجها الآن؟ أردفت أخرى “إبن الحرام كان الله معها من سيغسل عارها ليتها توفيت “وأخرى وأخرى و أخرى ,تقدم شاب نحوها يحمل كاميرا ربما من صحافي المجاري صائدي صدى المحاكم “إحكي لي ما حدث لأساعدك في إقتناص حقك وتتبع مغتصبك “وقعت كلامته كوقع سيف على الرقبة “إغتصاب إغتصاب لم تدرك أنها أغتصبت إلا والدماء تسيل بين ساقيها ,نهضت حياة من مقعدها مدت يدها للصحفي لسندها ولكن ما إن لامست يدها يده إلا وقبضت على الكاميرا فهشمتها وأنهالت عليه ضربا مبرحا مخلفة له بعض الندوب الغائرة في القتامة .
تصاعدت الأصوات في ردهة المستشفى ليغادر الطبيب مكتبه متوجها صوب الأصوات المتعالية مستجليا الأمر ,وقعت عيناه على حياة متفحصا لها معجبا بها لم يرى جروحها ولا ندبها ولا ألمها المتناثر فقط حالة هولامية حلت به ليته يساعدها ويضمد هذه الجراح لها ,وقع خطوات ملائكي إقترب منها قائلا ” أنا الطبيب قدر سأباشر حالتك لنتعاون معا ونكن سويا بخير “.
تحاملت حياة على نفسها متثاقلة منهكة متعبة حد الموت تخبأت في ظهر أمها مختفية عن الأنظار ,دخلتا مكتب الطبيب لكنه أشار على أمها بالمغادرة لكي يفحصها بمفردهما خوفا على صدمة الأم الصامتة,على طاولة الفحص حاولت حياة التمدد ليتم الكشف عليها بمساعدة الممرضة تم قطب جميع جراحها الجسدية وتنظيف بقايا الدم من عليها ,”سنتعاون معا الآن أنا وأنت وتساعديني لنكشف عن ……..” تصلبت يدا حياة وتجمد الدم في عروقها من أول ما لامسها تعالت صرخاتها ذاك الصوت الداخلي تحرر وإنطلقت في سرد ما حدث لها لم يكن من الطبيب قدر إلا أن يحتضنها مهدئا من روعها مؤكدا لا بأنها بخير وأن الدماء التي تعلوها نتيجة الجراح بسبب جرها على الحجارة وما هي إلا كدمات ستزول بعد وأنها لم تفتض بكارتها فلازالت عذراء بتول .
لم تهتم حياة بما يقوله الطبيب قدر فمن سيضمد روح الشرف فيها بعد تدنيسها طلبت حياة منه أن يضمن هذا في تقريره الطبي وينادي أخوها ويخبره بفحوى الفحص أما هي تريد أن تغتسل قبل أن تتوجه لمركز الشرطة لأجل أن تشتكي فاعلها ولكن الطبيب أشار بعدم إغتسالها الآني بل عليها الشكاية أولا لأنهم سيعرضونك مجددا على الطبيب الشرعي لا تجزعي سأكون معك وأرافقك لمركز الشرطة مدها بمعطفه وهاتف صديقه المحامي ليلتحق بهم إلى مركز الشرطة .
في مركز الشرطة ,كانت حياة وقدر ,أبويها وإخوتها وجمع مساندين لها والمحامي ,كانت ساعات الصباح الأولى الحركة هادئة فقط حثيث الأشجار وبعض خشخشاة وضحك متأت من إحدى المكاتب ’لقد كان ضابطي شرطة يشاهدون بعض الصور التي إلتقطها أحدهم لفتاة كانت تسبح وحيدة قام بمراقبتها فأغوته فكرة إغتصابها .
لقد كانت حياة
تسمر الجميع من هول ما سمعوا ,سارع الطبيب لإحتضانها كتمسك الغريق بلوح نجاة ’أسندها أخوها بينما تولى المحامي تسجيل ما سمع بين سباب وشتيمة من الضابطين حد أن أحدهم توعدها بالإغتصاب والقتل لو إشتكت على صديقه .
اليوم أول جلسات محاكمة الضابطين ,حياة وقدر زوجها.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: