إضاءات حول خصائص الفردانيّة الجامعة في سياق الثّورة التّونسيّة

img

د.المولدي قسّومي

جامعة تونس

 

مــقـدّمــة

لا تهدف هذه المساهمة إلى تناول الفردانيّة باعتبارها أساسا لتوليد الوقائع والظّواهر الاجتماعيّة أصلا، لأنّ الرّهان المنهجي يفترض أن ننطلق من قدرة الفردانيّة على تجميع المخزون المجتمعي واستبطانه من أجل تحديد مآلات التّغيّر الاجتماعي في نسق ثوري[1]. ذلك يفترض أن نشتغل على بعض الوقائع الفرديّة التي كان لها الدّور الفاعل في الانفجار الاجتماعي الذي عرفته تونس وأضفى إلى ما يعرف بالمسار الثّوري. ومن خلال هذه الفردانيّة غير المألوفة نسعى إلى فهم المجتمع التّونسي في كلّيته وبروح تأليفيّة في سياقه التّاريخي الذي يمتدّ من مقدّمات الانفجار الاجتماعي وصولا إلى بعض المآلات التي نتعايش معها راهنا كفاعلين ومحلّلين. كلّ هذا يحتّم أن نأتي على بعض عناصر التّناظر بين الحالات الجماعيّة والحالات الفرديّة وتنزيلها في إطار الدّيناميكيّة التي يعيشها المجتمع التّونسي من أجل اختبار مدى فاعليّة الفردانيّة ومدى قدرتها على إثبات خصائصها الجامعة واستبطانها لخصائص الكليّة الاجتماعيّة وسماتها العامّة، باعتبار ما برز منها في واقع لا يزال قيد التّشكّل، وبعض المسارات الممكنة التي لم تفرض وجودها بعد أو قد تأتي في سياق ما سيفرضه الحراك والتّفاعل الاجتماعيّين بمحدّداتهما السّياسيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة.

الجمع بين الفرد والفردانيّة ليس تكرارا لمسألة بحثيّة معرفيّة واحدة وإنّما هو وصل لموضوع بحثي بمنهج تحليل، باعتبار أنّ العلوم الاجتماعيّة عموما لا تكتفي بأحدهما في إقرار التّخصّص بل تفترض التّخصّص مرّتين، أي بشكل مضاعف: تخصّص في الموضوع الذي نتناوله بالدّرس، وتخصّص في منهج دراسة ذلك الموضوع وتحليله. الأوّل عبارة عن مادّة البحث ومخزونها من الوقائع في حالتها الخام، والثّاني عبارة عن النّموذج التّفسيري ومنهج التّحليل الذي يمكّننا من تفكيك تلك المادّة وإعادة بنائها معرفيّا. هذا ما يدعونا إلى افتراض أنّ الأفراد ليسوا مجرّد أدوات بالنّسبة إلى القوى الاجتماعيّة والمعطيات الاقتصاديّة المتعاقبة في مسار التّاريخ، بل هم واعون بأوضاعهم ومصالحهم. وتبعا لذلك فهم يحدّدون خياراتهم ويتابعون أهدافهم دون تحديديّة جماعيّة ودون انفعال بالكليّات الاجتماعيّة. وهذه الآفاق تستدعي التّفكير في الفرد كفاعل اجتماعي وليس كعون محكوم بسببيّات متجاوزة له في التّاريخ وفي المجتمع، كما تستدعي إلغاء كلّ الصّفات التي تسندها بعض النّماذج التّفسيريّة للفرد وتستمدّها من فرضيّة تبعيّته للخيارات الجماعيّة اللاّواعيّة أو عدم إدراك وضعه الخاص ومنزلته الفرديّة. وبالمحصّلة فإنّ الثّقافوي الذي يطرح مبدأ الهويّات الجماعيّة والوظيفي الذي ينتصر إلى مبدأ اندماج السّلوكيّات في نسق كلّي يبدوان في تناظر تام مع الفردانيّة التي تسعى إلى المرور من جماعيّة الفعل إلى أحاديّة الخيار وتبحث في المفردات الاجتماعيّة المبطّنة داخل الفعل الثّقافي والسّياسي والاقتصادي على مرّ التّاريخ دون أن تفترض مسبقا أنّ مآلاتها الجماعيّة كانت محدّدة قبليّا بالظّروف السّابقة والحتميّات الاجتماعيّة. على هذا الأساس يمكن أن نتجاوز مقولة أنّ المجتمع الكلّي هو المجال الوحيد لاشتغال العلوم الاجتماعيّة أو الفضاء الوحيد الحاضن لموضوعات هذه العلوم، فالمجتمع ليس كلّيّة مسقطة بمعزل عن عناصر وجودها الأساسيّة وليس تحديديّة شموليّة منعزلة عن بنياتها التّكوينيّة الفرديّة والظّرفيّة. لذلك تتّجه هذه المساهمة إلى البحث في الخصائص الجامعة للفردانيّة بما ينسجم والحالة الاستثنائيّة التي اتّسمت بها بداية الاحتجاجات الشّعبيّة التي نشّطت ثورة التّونسيّين بدل البحث عن تشكّل هذه الظّاهرة انطلاقا من تجميع الوقائع والأفعال الفرديّة وفقا للصّيغة الكلاسيكيّة التي تفسّر بها الفردانيّة المنهجيّة الظّواهر والوقائع الاجتماعيّة. ولذلك أيضا فإنّ استعمالنا لمفهوم مثل “التّغيير الاجتماعي” يخرج في موضوعنا من إطار العنصر المستقل الذي يمكن أن نتناوله كواقع مكتمل الشّروط التّكوينيّة ويضعه في حالة ارتباط بمتغيّر فعّال هو منزلة الفرد في مسار التّغيير وفي نفس الوقت قدرته على استبطان شروط التّغيير الاجتماعي بما فيه من مبادئ وشروط جماعيّة وليست فرديّة. أي التّغيير الاجتماعي بما يتميّز به من خاصيّات استثنائيّة وبنيويّة مؤثّرة وقادرة على فرض شروطها على الأنساق والأطر الفرعيّة والمجهريّة للمجتمع بقدر ما ينسجم المجتمع وأنساقه مع مقوّماتها.

 I –  الثورة التّونسيّة من منظور الفردانيّة المنهجيّة

1- الفردانيّة ولحظة التّناغم الانتقائي بين الفيضيّة الإجتماعيّة والفعل الفردي

إنّ منزلة الفردانيّة في سياق الحراك الاجتماعي الذي انتهى بتغيير النّظام في تونس احتكم إلى مبدأ  التّناغم الانتقائي بين ما أتاه الشّاب محمّد البوعزيزي من فعل احتجاجي انتهى بإقدامه على حرق نفسه والرّغبة الجماعيّة في التّعبير عن السّخط الاجتماعي الذي بدأ يتصاعد منذ بداية 2008. هكذا تتولّد الفردانية الجامعة أو الخصائص الجامعة للفردانيّة. وسواء كانت الخاصّية الفردانيّة هي المحدّدة للمسار برمّته أو أنّها كانت منفعلة بالسّياق الشّامل ولم تكن تمثّل فيه سوى مجرّد بنية تكوينيّة فرعيّة أو نوويّة، فالثّابت في كلّ الحالات أنّ  البوعزيزي لم يكن معلّقا في فراغ اجتماعي بل هو حالة جامعة للألم الجماعي النّاتج عن الاقصاء الجماعي الذي شمل عديد الفئات والتّهميش الجماعي الذي غطّى عديد الجهات. ولذلك فهو فرد متموقع اجتماعيّا وله ماض وموارد ومعتقدات وإكراهات وضغوطات ورهانات تعود كلّها إلى المجتمع. وبالتّالي لم تكن عمليّة الاحتجاج النّوعيّة التي أوقدت لهيب الاحتجاج الاجتماعي سوى تعبير عمّا تكثّف داخل الذّاتية الفرديّة من استبطان لحقيقة الواقع السّائد، ومن هنا يبدو أنّ العمليّة قد حرّكتها الإنفعالات الذّاتيّة المحكومة بعمليّة الاستبطان لمختلف المعطيات الجماعيّة التي يمكن أن يختلف التّعبير عنها من فرد إلى فرد. ولكن رغم إمكانيّة الاختلاف في التّعبير أداة وأسلوبا فإنّ الدّوافع والأهداف لا يمكن أن تكون محلّ اختلاف. إلاّ أنّ النّتيجة لا يمكن أن تكون ذاتها وباتّالي لا يمكن أن تكون محلّ اتّفاق لو كانت ردّة فعل البوعزيزي غير التّي سجّلها التّاريخ ذات 17 ديسمبر 2011. وهنا تتأكّد فاعليّة الفردانيّة على مستوى المساهمة في بلورة النّسق العام ولو في صيغته الاحتجاجيّة والنّزاعيّة. والفارق الذي يمكن أن تحدثه منزلة الفرد على مستوى النّسق العام يتحدّد بطبيعة الدّور والفعل اللذين يصدران عنه. فالعديد من ردود الفعل الأخرى في السّياق ذاته وعلى نفس المنحى وتحت تأثير نفس الإكراهات ولأهداف وتّطلّعات ورهانات أهمّ وأشمل وأعمّ بل أكثر وعيا بالمرحلة وأكثر إدراكا للمطلوب في تلك المرحلة، لم تحدث ما أحدثته عمليّة البوعزيزي لأنّها كانت من نوع آخر غير الانتحار حرقا. يمكن أن نستدلّ على ذلك مثلا بالمواجهة المنفردة التي قام بها الصّحفي توفيق بن بريك مع نظام بن علي ولكنّها رغم ما تحمله من مضامين وأهداف ليس أقلّها عنوان الحرّيات العامّة والفرديّة وعنوان الدّيمقراطيّة، فإنّها بقيت منحصرة النّتائج ولم تأت بما أتت به ردّة فعل البوعزيزي.

يبدو أنّنا بصدد تناول مسألة محلّ خلاف بين التّياّرات السّوسيولوجيّة، وأهمّ ما في الأمر أنّها محلّ خلاف. فالعديد من الوقائع الفرديّة المحض أحدثت تغييرا جذريّا في مسار التّاريخ. يمكن أن نقارن حادثة البوعزيزي بقضيّة ألفريد درايفوس[2]، الضّابط اليهودي الفرنسي الذي تعرّض إلى محاكمة كانت تعدّ جائرة في نظر العديد من الفاعلين الاجتماعيّين آنذاك فتحوّلت إلى حالة استبطان جماعي لواقع اليهود في كلّ بلدان العالم وما يتعرّضون إليه من اضطهاد.

عندما نعود إلى قضيّة الضّابط الفرنسي يهودي الدّيانة نجدها شغلت كلّ مثقّفي جيله وقسّمت فرنسا بشكل مؤلم كما عبّر عن ذلك دوركايم[3] لعدّة سنوات، وقد “تحوّلت من قضيّة بسيطة إلى قضيّة عامّة تطلّبت تجاوز النّقاش في الوقائع إلى معالجة المبادئ، وكان ذلك واقع الحالة الذّهنيّة للمثقّفين، الذين اتّجهوا إلى النّقاش حول الأفكار الأساسيّة التي يدافعون عنها بدل الاتّجاه إلى تبريرها”[4].

لقد مثّلت قضيّة درايفوس مثالا في المضامين الثّنائيّة والمعاني المزدوجة بالنّسبة إلى دوركايم لأنّه بقدر ما اتّجه إلى الخوض في المبادئ العامّة، شأنه في ذلك شأن المثقّفين الفرنسيّين، فإنّه أبدى إقرارا بفردانيّة المسألة، وهو الذي يُعتبر من العلامات الكبرى في السّوسيولوجيا الهولستيّة الفرنسيّة. وقد اعتبر بذلك أنّه يجد هذه الفردانيّة متماهية مع الأنانيّة الوظيفيّة الضّيقة لسبنسر وبعض الاقتصاديّين الذين يدافعون عن فاعليّة الفرد التّاجر أو المقاول، رغم أنّه يذكّر أولئك لاقتصاديّين بأنّ الحياة الجماعيّة غير ممكنة إذا لم تكن المصالح الجماعيّة أعلى من المصالح الفرديّة. لذلك فهو يقرّ بأنّ الفردانيّة مسألة نادرة واستثنائيّة، وهو يرى أنّ فلسفة سبنسر التي ترى خلافا لذلك هي مشبعة بالبؤس الفكري والأخلاقي[5]. أمّا الإقتصاديّين الفردانيّين فيرى أنّهم مُغرمين بالتّبسيط الذي توفّره لهم هذه النّظريّة.

“إذا كان المثقّفون يرفضون بشدّة الانحناء بمنطقهم إلى حديث جنرال عسكري فهذا يعني أنّهم يدّعون الحقّ في أن يحكموا على المسألة بأنفسهم”[6]. هكذا لخّص دوركايم خط الجبهة المناهضة لدرايفوس: القيام بمحاكمة الفردانيّة التي مثّلت المرض الكبير في العصر الحديث. وعلى الرّغم من أنّ دوركايم هو مساند لدرايفوس من الصفّ الأوّل فإنّه لم يوقّع على “بيان المثقّفين” في 1898 وهو يوضّح كيف رفض بذلك فكرة الفردانيّة من خلال مقاله “الفردانيّة والمثقّفين”. وفي هذا المقال فإنّه يقدّم تحليلا لفهم نبيل يدافع فيه عن الحقوق والحرّيات الفرديّة القائمة على المصالح المشتركة والمغايرة تماما للدّفاع عن المصلحة الخاصّة والأنانيّة المنعزلة. ومن خلال تقديمه لهذا الفهم فإنّ عالم الاجتماع الفرنسي يوضّح موقفه من المسألة استنادا إلى فكره الأصلي: وهو “أن يكون فردانيّا مع الإقرار بأنّ الفرد هو إنتاج المجتمع”.

إنّ دوركايم لا ينفي الفردانيّة إطلاقا بل يقرّ بأهمّيتها ولكن لا يتبنّاها ولا يعتمدها في تحليله، وخاصّة عندما يشير إلى الفردانيّة العصيّة على الهزيمة مقارنة بتلك المشار إليها سابقا. يتحدّث هنا عن الفردانيّة التي أسّسها أغلب المفكّرين قبل ذلك بقرن من الزّمن أمثال كانط وروسّو، وهي فردانيّة إعلان حقوق الانسان[7].

لقد كانت حالة البوعزيزي بدورها محلّ نزاع بين عديد الفاعلين المحلّلين، ولكن مضمون الخلاف في هذه الحالة غير المضمون الذي بدا في حالة درايفوس، لأنّ النّتيجة لم تكن ذاتها ولا حتّى متشابهة في الحالتين. لذلك فإنّ الاختلاف بين الفاعلين في معالجة حالة البوعزيزي ستتحدّد بمعطيين اثنين: معطى يتعلّق بقراءة ما أقدم عليه من المنظور الدّيني وتقييمه من النّاحية الفقهيّة، ومعطى يتناوله بالقراءة  والتّقييم من زاوية النّظر الاجتماعيّة والسّياسيّة. وفي هذين السّياقين المتغايرين فإنّ حالة البوعزيزي التحقت بكوكبة الحالات الفرديّة التي كان لها أثرها على مستوى الكلّية الاجتماعيّة وفرضت نتائجها على المستوى الوقائعي المجسّد في مسار الأحداث التي أعادت صياغة التّاريخ أو على الأقل ساهمت في إعادة صياغته. كما فرضت نتائجها على مستوى التّناول المعرفي والعلمي وألزمت الفاعلين المحلّلين (على الأقلّ أولئك المشتغلين في مجال العلوم الاجتماعيّة) بالبحث عن مناويل تفسير وربّما أيضا فرضت عليهم التّجديد في حقل النّماذج التّفسيريّة إذا لم تجد حالة البوعزيزي الباراديغم الأكثر قدرة على فهمها وتفسيرها من بين كلّ البراديغمات الموجودة ضمن التّراث الفكري والنّظري والمنهجي صلب العلوم الاجتماعيّة.

تؤكّد النّزعة الفردانيّة أنّ تاريخ النّزاعات والأحداث الموضوعيّة يجب أن يكون له ما يعادله من تاريخ النّزاعات النّفسيّة للأفراد رغم نّ التّطلّع إلى إعادة هيكلتهم النّهائيّة بمعزل عن الأنساق الكلّية والسّياقات الشّاملة تبقى غير قابلة للتّحقيق[8]. كما يبيّن ريمون آرون فإنّ التّأويل العقلاني مرتبط بوصف الرّوابط بين القرارات الواضحة وتفسير نتائجها الموضوعيّة. ولكن هذا النّسق من التّفسير يمكن أن يُـلغى بفعل ما يشترطه نوع آخر من التّأويل المتّصل بدور آخر لفرد آخر في أيّ إطار آخر يمكن أن يكون محدّدا أيضا ولكن بصفات وخصائص مغايرة وهي التي تعني منزلة الشّخص ومكانته المختلفتين منزلة الفرد ومكانته.

يُعرّف الفرد بالنّظر إلى الآخرين على أساس أنّه “حالة اقتطاع من المجموعة، فهو الوحدة الأصغر ضمن مكوّناتها، ولكن فردانيّته تبدأ من حيث أنّه لا يرغب في أن يكون منصهرا تماما فيها لأنّه يرغب في أن يكون منفردا متميّزا ومختلفا عنها”[9]. على العكس من ذلك، فإنّ الشّخص يُعرّف بالنّظر إلى ذاته، لأنّه لا يمكن أن يُبنى بشكل قبلي أو من الخارج بل يبقى موضوع اكتشاف بالنّسبة إلى الجزء الذي يتعلّق به والذي يقبل الانكشاف إليه ويفرض مسافة تتحدّد بأكثر من شروط العضويّة في المجموعة. لذلك فإنّ المرور من الفرد إلى الشّخص يعيد صياغة شروط التّصرّف في العلاقة بين الفرد والمجتمع من ناحية وبين الشّخص والمجتمع من ناحية أخرى. فحينما تمّ تنظيم المجتمع على أساس تصوّر جماعي فإنّه لم يقص لا مكانة الفرد من بنياته التّكوينيّة ولا دور الفرد من خصائصه الوظيفيّة[10]. وهذا يعني أنّ الأساس الجماعي للمجتمع ينطلق أصلا من استبطان الفردانيّة بقطع النّظر عن تعميق الفوارق والمنافسة بين خصائص الفرد وسمات الشّخص.

ألا يُعتبر تناول الموضوع من المنظور الفرداني إسقاطا وتوظيفا لا سياقيّا ؟

إنّ محاولة إدخال مقاربة من نوع الفردانيّة لفهم حقيقة التّغيّر الذي يعيشه المجتمع التّونسي (باعتباره مجتمع الثّورة المقصود بالتّحليل) يصطدم منذ البداية بالعديد من الصّعوبات المنهجيّة:

المستوى الأوّل من الصّعوبات يتعلّق بالغموض الذي تتّسم به عبارة الفردانيّة في حدّ ذاتها، ولم يبالغ ماكس فيبر عندما أشار إلى أنّها “تغطّي المعاني الأكثر اختلافا ممّا يمكن أن نتخيّله”[11].

المستوى الثّاني وهو المستوى الأكثر حرجا من بين هذه الصّعوبات، يتعلّق بأصل الفردانيّة مفهوما وموضوعا، الأمر الذي يدعونا إلى التّساؤل عن مدى ظهورها في سياق مجتمعي وفي نطاق ما يفرضه تطوّر الوعي الاجتماعي. “فخلال القرون الوسطى كان الوعي الاجتماعي بوجهيه – الوجه الذّاتي والوجه الموضوعي- غير مكشوف. وكانت الحياة الفكريّة تشبه نصف حلم، وكان السّتار الذي يحجب العقول بمثابة نسيج من العقيدة والأحكام المسبقة ومن الإرتباك الطّفولي ومن الأوهام، ولقد قام بإبراز العالم والتّاريخ تحت ألوان سحريّة. أمّا الإنسان فإنّه لم يكن يُعرف إلاّ بصفته عـرق، شعب، جماعة، تنظيم، عائلة، أو تحت أيّ من الأشكال المجتمعيّة الأخرى العامّة والجماعيّة. لقد كانت إيطاليا أوّل من مزّق هذا الغطاء وأعطى الإشارة لدراسة الدّولة موضوعيّا ولكلّ الأشياء في هذا العالم. ولكن إلى جانب هذه الطّريقة في طرح المواضيع بدأ تطوّر الملامح الذّاتيّة: الإنسان أصبح هو الفرد الذّهني لأنّه أصبح يملك وعيا بهذه الدّولة”[12]. وبالعودة إلى هذه الرّحلة الطّويلة من تشكّل الفردانيّة قبل أن تمرّ إلى مرحلة الاستعمال العمومي والتّداول الشّائع[13]، يمكن أن نقف على سياقات أربع تكوّن الإطار المرجعي لأصلانيّتها  وتعطيها أبعادا أربعة، يمكن أن نسوقها هنا حسب التّتابع الزمني وتعاقب السّياقات:

  • ولادة الفردانيّة السّياسيّة في سياق التّحوّلات التي عرفتها مفاهيم السّياسة والدّولة منذ القرن الثّالث عشر وفي كلّ تاريخ الحق الطّبيعي الحديث[14].
  • للفردانيّة بعد دينيّ أيضا، لأنّ مصادرها الأولى كانت توجد في التّنسّك والتّصوّف وهي تدخل بشكل خاص في سياق ديني اتّسم بصراع مع الفردانيّة الكونيّة ومع نموذج الثّقافة والإنسانيّة الجديدتين[15]. فثمّة من يُرجع ظهور الفردانيّة الحديثة إلى الإصلاح الدّيني الكالفيني، و خاصّة مع تراجع الكنيسة عن صفتها كمؤسّسة هولستيّة وتحوّلها إلى جمعيّة مكوّنة من أفراد[16].
  • سياق حقوقي عبّر عنه انتصار الفرد في إعلان حقوق الانسان في 1789، وقد ساهم ذلك في تفكّك فردانيّة الجماعة المسيحيّة التّراتبيّة القديمة، ورفع إلى مستوى القيم العليا سمات الفردانيّة التي هي المساواة والحرّية: المساواة في تعارض مع التّراتبيّة التي تمثّل مدخل العالم الهولستي، والحرّية بمعنى الاستقلاليّة التي تمثّل ركيزة المواطنة منذ أن تجاوز النّاس وضعيّتهم كأعضاء في الكلّ، وأصبحوا عناصر من مجتمع مفتّت[17].
  • التّقلّبات الاقتصاديّة والتّطوّر التّكنولوجي الذي بدأ يتحكّم في نمط الحياة تدريجيّا من المعطيات التي أدخلت مسارا تصاعديّا من فردنة العلاقات الاجتماعيّة. هذا المحيط الاقتصادي والتّكنولوجي الجديد فجّر البناء الاجتماعي التّقليدي وفكّك مفهوم الطّبقة[18]. “هكذا تبدو الفردانيّة بمثابة الأعراض التي تنبّه إلى أزمة الهويّة، فهي تُنتج مجتمعا مفتّتا لا يجدي شيئا غير إضافة الأفراد بلا معايير… وهي فردانيّة تعبّر عن انفجار الهويّات الجماعيّة المنصهرة في الجماعات والطّبقات”[19].  

الخلاصة أنّ الفردانيّة في الغرب كانت نتاجا طبيعيّا للثّورات وهي متأصّلة فيها، أمّا في حالة الموضوع قيد التّناول فنجد أنّ الفردانيّة من ناحية أولى هي وليدة البنيويّة الصّدفيّة ومن ناحية ثانية هي أصل للثّورة وليست نتاجا لها. لذلك فإنّ الحرج السّوسيولوجي الأكبر الذي تواجهه مقاربة “مجتمع الثّورة” فردانيّا يكمن في استعمالنا لمفهوم وموضوع ونموذج تفسيري تبلور في صيغه الثلاثة واكتمل في سياق غير السّياق الذي ندرسه والذي لم تستجب فيه الفردانيّة (مفهوما وموضوعا) لنفس تلك الشّروط التي حدّدت تبلوره التّاريخي. خلاصة الحرج أنّنا نحاول أن ندرس حالة، يُفترض حسب الاتّفاق العام أنّها خرجت على كلّ المتون التّفسيريّة المعهودة وتجاوزت كلّ البراديغمات، ولكن في دراستنا لها نحاول أن نُخضعها إلى البراديغمات الكلاسيكيّة التي لا يمكن أن تنسجم مع الطّابع الاستثنائي للثّورة التّونسيّة.

ينبغي علينا أن نسعف المسألة بالعودة إلى مبرّر وحيد مُحتمل إلى حدّ الآن – إلى أن يكتمل هذا الحيّز من الدّراسة والتّحليل- وينبغي أن يُفهم في سياق فرضيّة ولا باعتباره خلاصة أوفكرة تقريريّة. هذا المبرّر الذي يضفي السّمة الاستثنائيّة هو كون الثّورات هي عمل جماعي حتّى وإن قادها الأفراد، لأنّها حاملة في مضمونها لتطلّعات جماعيّة ورهانات ذات مضامين اجتماعيّة وسياسيّة واقتصادية ليس بإمكان الفرد أن يترجمها بشكل أحادي، كما أنّه لا دور للأفراد فيها إلاّ ما يفرضه سياق الثّورة وقانونها من نسق التّفاعلات. ويبرز الاستثناء حينئذ في “ثورة تونس” منذ أن فـُهمت ردّة فعل البوعزيزي الفرديّة بروح مجتمعيّة وذهنيّة جماعيّة وانتظارات اجتماعيّة واعتـُبرت عربة البوعزيزي جهازه الوظيفي الذي يقاوم به سياسة اقتصاديّة فاشلة ومنوال تنمية غير عادل وتوجّهات نيوليبراليّة تطحن بآلاتها الرّأسماليّة الجبّارة كلّ من لايستطيع أن يندمج في نسقها التّنافسي المحدّد مسبقا من طرف مؤسّسات بريتون وودز على أساس الغياب المتميّز للبعد السيّادي في السّياسة الاقتصاديّة للدّولة. ويبرز الاستثناء أكثر حين تشكّل مجتمع ثورة تونس حول حالة فرديّة وجد فيها أنّها خلاصته الظّرفيّة والهيكليّة في كلّ أبعاده ومعانيه.

هذه بعض السّمات الاستثنائيّة التي يمكن أن تبرّر إقحامنا لهذا المبحث، إذا كان علينا أن نختبر قدرة الفردانيّة المنهجيّة على قراءة “مجتمع الثّورة التّونسيّة” من باب استجابته لمدى استثنائيّته في التّجانس مع استثنائيّة الثّورة التّونسيّة.                 

إنّ مسار الفردنة الذي تعيشه المجتمعات ليس محلّ شكّ، بل إنّه يواصل التّأكّد والثّبات في الواقع وبشكل اكثر انسجاما مع تراجع الطّابع الجماعي للفعل.  ولكنّ ذلك لا يعني أنّنا وصلنا إلى  مستوى الحديث عن مرحلة التّسليم بالقوّة المطلقة للفرد، لأنّ ذلك “سيكون إعلان الانفصال البنيوي والوظيفي للفرد عن المجتمع، ثمّ تجاوز الفردانيّة للمحدّدات التي تدرج الفرد ضمن المجتمع لتصبح تعبيرا عن حالة حدوديّة اقتطاعيّة تفصل الشّخص عن خصائص الفرد وواقع المجموعة وبالتّالي ستكون المرحلة التي تشهد بروز صورة الشّخص وهيمنتها على فضاء الفعل”[20].

لا شكّ أنّ المقاربات التّاريخيّة معقّدة بطبيعتها ولا تخلو من غموض في علاقتها بالفردانيّة. فالشّخصيّات هي التي تعبّر عن الأعوان المنفلتين جزئيّا من العقلانيّة التّاريخيّة، لأنّها تتميّز بالقدرة على صياغة التّاريخ بدل الامتثال إلى نواميسه السّائدة، وهي تتميّز بقدرتها على ذلك ذلك.

في كلّ ثورة يبرز من يمثلها حقّا ولكن ينزلق أيضا أناس من الضّفة الأخرى، بعضهم من الذين لا يزالون يعيشون منذ زمن ما قبل “الثّورة” حيث يحافظون على طقوسه ولا يفهمون حركات التّغيير من منظور النّاموس الثّوري أو يرفضون الثّورة باعتبارهم محافظين وباعتبارها حركة تغيير جذري، أو على الأقلّ لم يكونوا من أعوانها أو الفاعلين فيها. ومع ذلك يمكن أن يكون لهم تأثيرا مهمّا على المجتمع وذلك بقدرتهم على العودة بالقديم في سياق الجديد وكذلك المناورة وممارسة الدّهاء السّياسي أو قدرتهم على تمثيل القوى المضادّة للثّورة التي لا ينبغي أن تعود إلى الفضاء العام خلال مسار اتّسم بتطلّعات لاتزال ثوريّة بعد، ومع ذلك فهم يعودون إلى حقل الصّراع السّياسي بفاعليّة وجدارة كبيرتين حتّى وإن كانوا وافدين متأخّرين على الثّورة ومسقطين على الكتلة التّاريخيّة التي لم تنضج بالقدر الكافي وبالصّفة التي تسمح لها بإقصاء الأعوان غير المنسجمين مع متطلّبات المرحلة الثّوريّة[21]. هكذا يتهيّأ المتّسع الكفيل باستيعاب الأدوار الفرديّة المتميّزة والبارزة في سياق التّاريخ وفي فضاء الفعل الاجتماعي بفعل هذه الحالة من ضعف التّبلور وعدم الإكتمال التي لم تمكّن أي مجموعة أو طبقة أو فئة من توجيه الفعل والتّحكّم في مآلاته.

من هم الفاعلون القادرون على البروز بفردانيّتهم الجامعة في سياق مجتمع الثّورة؟

هم الثّوريّون الأكثر وعيا بالمهام التّاريخيّة التي ينبغي إنجازها والمتمثّلة في تحقيق الشّعارات التي عبّرت عن تطلّعات الفئات المنتفضة ضدّ الواقع المتّسم بالبطالة والتّهميش والإقصاء والتّفاوت الفئوي والجهوي وغياب الحرّيات والاستبداد السّياسي وتسلّط النّظام… وبالتّالي هم الذين يعبّرون عن ضحايا نظام سياسي فقد صلوحيّته رغم تضخّم صلاحيّاته، وهم الذين فرضوا طورا تاريخيّا جديدا لا يمكن أن ينسجم مع نظام سياسي قديم بسياسته الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي أدّت بمحمّد البوعزيزي إلى الانتحار حرقا.

إنّ بروز الممثلين الفعلييّن للثّورة يتحدّد حسب علاقات القوى والفعل الثّوري للطّبقة التي تفرض المسار الذي سينتج بشكل طبيعي فاعليه الأساسيّين[22]. ويمكن أن نشير إلى أنّ دور الشّخصيّات في طرفي للصّراع الملتزم أي داخل المنظومة السّائدة وداخل المنظومة الثّوريّة المتمرّدة يبيّن أهمّية الدّور الذي قام به البوعزيزي رغم ما فيه من عفويّة ليحرّك القوى الاجتماعيّة في أغلب مناطق تونس الدّاخليّة حين عبّر عن ذلك بفردانيّته الجامعة التي لخّص فيها واقع الكلّية الاجتماعيّة التي ينتمي إليها والتي بدأت بالمواجهة مع رموز النّظام وانتهت بالذّهاب إلى الإنتحار حرقا.

2– البوعزيزي – شكري بلعيد بين الفردانيّة المتجدّدة[23] والفردانيّة المعاكسة   

بقطع النّظر عن صحّة الرّواية من عدمها وبقطع النّظر عمّا إذا كانت من وحي الخيال أو التّأليف الاجتماعي أو حتّى إن كانت من باب الصّناعة الإعلاميّة، فالمهمّ أنّ البوعزيزي أصبح حدثا تاريخيّا وحالة ينبغي أن تدرس دون الاجتهاد في إثبات مدى صحّتها، لأنّ ذلك غير مجد أصلا ولا يفيدنا في الفهم والتّحليل بقدر ما يفيدنا التّعامل معها كمعطى ينبغي فهمه وتفسيره. والأهمّ من ذلك أنّ حالة البوعزيزي كانت بمثابة الفردانيّة الجامعة التي عبّرت عن موقف أخلاقي واجتماعي وسياسيّ مكثّف استبطنته فئات وشرائح مهمّة من المجتمع التّونسي، كما عبّر عن حالة التّناغم الانتقائي الذي جمع بين ردّة فعله والتّطلّع العام للاعتراض على النّظام السّائد.

انطلاقا ممّا تمليه قواعد التّحليل من منظور السّوسيولوجيا الفردانيّة فإنّ الممثّلين الحقيقيّين للثّورة ينبغي أن يكونوا واعين بالخاصّية الفرديّة لأفعالهم، ولكن لا ينبغي أن يكونوا مسقطين على الواقع الذي يمكن تصنيفه بالواقع الثّوري، كما لا ينبغي أيضا أن يكونوا من بين أولئك الذين لا يعترفون بأصل الصّراع ولا يدركون فاعليّة دورهم الفردي في المجتمع أو قدرتهم على تمثّل الوعي الجماعي فرديّا. نجد هذا المبدأ حتّى لدى ماركس الذي يُعتبر من بين الكلاسيكيّين الأكثر ارتباطا بالتّحليل الهولستي في أغلب منجزه العلمي ولكنّنا نجده فردانيّا في بعض المناحي، إذ يفسّر ذلك من خلال مقطع شهير في نصّه الشّهير حول “الثّامن عشر من برومار، حيث يرى أنّ النّاس يصنعون تاريخهم الخاص ولكنّهم لا يصنعونه اعتباطيّا في الظّروف التي يختارونها هم ولكن في الظّروف المعطاة  والموروثة من الماضي. إنّ تقاليد كلّ الأجيال الفانية تمثّل ثقلا كبيرا على عقول الأحياء ولكنّهم ينسون حقيقة مهامهم التّاريخيّة”[24].

هذا ما كان يؤدّيه شكري بلعيد خلال مقدّمات “الثّورة التّونسيّة” وأثناءها وخلال مسارها المتوتّر والمرتبك إلى حدّ تم معه استبدال “المسار الثّوري” بالمسار الانتقالي. يمكن اعتباره كأحد الفاعلين في انتفاضة الحوض المنجمي منذ بداية 2008 من داخل موقعه الحقوقي النّشيط الذي كرّسه في جانبه الأكبر إلى مساندة قضايا المهمّشين والمعطّلين عن العمل ومعارضي نظام بن علي. وهو أحد أهم الفاعلين في تنشيط السّاحة السّياسيّة منذ 17 ديسمبر 2010 إلى أن أطيح برأس النّظام يوم 14 جانفي 2011. وهو المسئول بعد ذلك عن أغلب التّحرّكات المعارضة لحكم الإسلاميّين في صيغته المعروفة بالتّرويكا إلى أن تعرّض إلى التّصفية الدّمويّة التي وضعت حدّا لدوره الثّوري وغيّبت مكانته الشّخصيّة عن الفضاء السّياسي وألغت دوره الفردي بخصائصه الجامعة لتوجّهات القوى التي تعبّر عن المسار الثّوري. لقد كشف اغتيال شكري بلعيد عن حقيقة الدّور الذي يقوم به الفرد في مجتمعه وبيّنت أنّ مكانة الفرد في سياقه الاجتماعي ارتقت إلى مستوى فاعليّة الشّخص الذي يملك القدرة على صياغة التّاريخ الصّغير بقدر ما يمكن أن يطوّر ذلك التّاريخ إلى عنصر متحكّم في التّاريخ الكلّي برمّته. فقد مثّل اغتيال شكري بلعيد لحظة فارقة في تاريخ تونس السيّاسي على مستويين:

على المستوى السّياسي العام  من خلال الآثار المباشرة المترتّبة على اغتياله، حيث تغيّرت الخارطة السّياسيّة كلّيّا، فظهرت توجّهات وتحالفات جديدة وتغيّرت بعض عناوين الصّراع السّائد وتشكّلت قوى اجتماعيّة على منحى ظاهرة الاغتيال السّياسي، واضطرّ الائتلاف الحاكم الى تغيير استراتيجيّته السّياسيّة ولو بصفة تكتيكيّة من أجل تفادي الرّجات الارتداديّة التي عقبت عمليّة الاغتيال بشكل متواتر لعلّ أهمّها إعلان الاتّحاد العام التّونسي للشّغل أوّل إضراب عام وطني منذ 26 جانفي 1978.

أمّا على المستوى السّياسي الفرعي أو الجزئي فقد أحدث اغتيال شكري بلعيد رجّة صلب حزبه السّياسي[25] الذي كان يمثّل زعيمه الأوحد وداخل قوى اليسار حيث كان يمثّل أبرز شخصيّة قياديّة قادرة على توحيد هذه القوى وحيث كان من أهمّ المساهمين في بناء الجبهة الشّعبيّة. وقد تأكّدت فردانيّته بخصائصها الجامعة عندما برزت عديد الخلافات والإنشقاقات داخل قوى اليسار كادت تعصف ببعض مكوّناتها، وكان ذلك انعكاسا لغياب دوره الفردي ومكانته الشّخصيّة في هذا الإطار وذاك المسار.

هذه المعطيات المتّصلة بحالة من الفردانيّة المؤسّساتيّة هي التي فرضت على قوى اليسار إعادة قراءته للواقع السّياسي ودفعته إلى إعادة توجيهها نحو بناء تصوّرات واستراتيجيّات ورهانات جديدة منفعلة في أغلبها بالنّتيجة التي وصلت إليها بعد عمليّة الاغتيال. ولعلّ هذا ما تأكّد مرّة أخرى إثر اغتيال رفيقه في الجبهة الشّعبيّة أيضا والنّائب بالمجلس الوطني التّأسيسي محمّد البراهمي[26] الذي كان يحتلّ مكانة بنفس الثّقل داخل التيّار القومي العروبي في تونس ولكنّه أيضا كان الشّخص الأكثر قدرة على ملء الفراغ الذي خلّفه اغتيال شكري بلعيد لذلك كان اغتياله تأكيدا لفاعليّته الفرديّة المحتملة والتي بدأت تتأكّد خلال الحيّز الزّمني الذي تخلّل الإغتيالين. وقد ذهب العديد من المحلّلين إلى أنّ اغتيال البراهمي كان نتيجة كشفه للمخطّط الخطير الذي انبثق عن مؤتمر التّنظيم الدّولي للإخوان المسلمين باسطنبول والذي كان فحواه أنّ الإسلاميّين سيلجأون إلى العنف باستعمال السّيارات المفخّخة. وكان قد تمكّن من كشف هذا المخطّط بفعل علاقته الوطيدة بالقيادي المصري للتّيّار الشّعبي النّاصري حمدين صبّاحي الذي كان من المزمع أن يلتقيه مجدّدا بالقاهرة في غضون أيّام قليلة غير أنّ حادثة الإغتيال كانت أقدر على توجيه الأحداث[27].

لقد شكّل اغتيال محمّد البراهمي مرتكزا فعليّا لتكوين جبهة الإنقاذ التي أسقطت حكومة التّرويكا الثّانية، كما كان لإغتيال شكري بلعيد الأثر المباشر في إسقاط حكومة التّرويكا الأولى ومغادرة أوّل رئيس حكومة إسلامي للقصبة، ومن هنا نقف على فاعليّة الفرد ومكانته في سياق الأحداث وتوجيه مآلاتها. وليس من باب المجازفة أن نقرّ بأنّ تحويل المسار الثّوري إلى مجرّد مسار انتقال سياسي وتنشيط القوى المضادّة للثّورة، وعودة أعوان النّظام القديم، وسطو اليمين المحافظ الذي لا يثور ولا يؤمن بالثّورة على مُنجزات الحراك الثّوري يعود في جانب منه إلى التّغييب بالاغتيال لأهمّ قياديّين من قيادات الثّورة. وليس ذلك الإقرار بالمجازفة قطّ، لأنّه ليس معطى جديدا ولا مسقطا على التّاريخ، فقد بيّن ماركس أيضا أنّ فشل الكومونة يعود أيضا إمّا إلى عدم كفاءة القيادات أو إلى غياب القيادات القويّة التي تعطي الطّاقة والوعي الكافيين. فتوقيف أوجست بلانكي كان له أهميّة كبرى لأنّه كان بالإمكان أن يكون الصّوت المسموع والمحرّك الفاعل لهجوم سريع ضدّ فرساي بعد 18 مارس (برومار) ووضع اليد على بنك فرنسا”[28] الذي يتحكّم في شرايين الاقتصاد الفرنسي آنذاك.

لقد ورد مع ماكس فيبر[29] أنّه ليس من الواقعيّة افتراض أنّ الفاعلين التّاريخيّين يمكن أن يكون لديهم معنى مسبق ونهائي لفعلهم مهما كان واعيا ومهما كانت درجة وعيهم بذلك الفعل، فالنّتيجة النّهائيّة للنّشاط السّياسي قليلا ما تستجيب للنّوايا الأوليّة للفاعل لأنّ الممارسة الاجتماعيّة باعتبارها نشاطا واعيا فإنّها تستند إلى معرفة ما، ولكنّ هذه المعرفة تبقى دائما مؤقّتة، لذلك فإنّها ستكون محكومة في العديد من مناحيها بمبدأ النّتائج الفارقة والآثار العكسيّة[30].

حينئذ يمكن أن نشير مجدّدا إلى أنّ ما أتاه البوعزيزي لم يكن خاضعا إلى قانون اجتماعي وهو منفلت من أيّة تحديديّة قبليّة مهما كانت درجة وعيه بدوافعه ورهاناته ومهما كانت درجة إدراكه للنّتائج المتوقّعة، وهذا يعني أنّ فردانيّة البوعزيزي انطلاقا من إقدامه على الانتحار حرقا لم تكن منحصرة في خيار عقلاني صاغه بمفرده وحدّد نتائجه مسبقا بقدر ما كانت معرفته مؤقّتة وعقلانيّته محدودة لأنّ نتائج فعله أصبحت منطلقا لرهانات شاملة (اجتماعيّة وسياسيّة) كانت قد تناغمت مع فعله الفردي المبني على تمثّلات جماعيّة.

هذا ما يمكن أن نسمّيه بحساسيّات التّماهي الجماعي مع الفعل الفردي أو تماهي الفردانيّة مع الرّغبة الجماعيّة. ولكن من غير الممكن أن تكون حالة مطلقة وعامّة ومحدّدة بقانون اجتماعي يفترض أن تخضع إلى نفس المعايير وتؤدّي إلى نفس النّتائج، لأنّها عادة ما تكون حالة ظرفيّة غير محكومة بنواميس مسبقة. لذلك فهي حالة محدّدة أوّلا بفاعليّة الفرد وثانيا بمدى تجاوز خاصيّة الفرد المحدود في تأثيره إلى خاصيّة الشّخصيّة المؤثّرة في محيطها، وثالثا بمدى تجاوب المحيط وتماهي المجموعة معها، ورابعا بمدى استبطانها للحسّ الجماعي والتّعبير عنه. ولأجل ذلك لا ينبغي أن نتناول فردانيّة البوعزيزي وشكري بلعيد ومحمّد البراهمي بنفس المقاربة، لأنّ الأمر يتعلّق بأفعال وأدوار ومكانات من أصول وأنماط مختلفة. يكفي أن نتذكّر بأنّه لا يوجد في التّراث الثّوري من ينتحر حرقا تعبيرا عن اليأس من الواقع الاجتماعي، لأنّ الثّوريّين لا ييأسون ولا ينتحرون، بل لأنّهم ثوريّين فهم أكثر تشبّثا بالحياة من غيرهم. ومع ذلك فإنّ البوعزيزي الذي انتحر يأسا كان أكثر قدرة على تكثيف كلّ تعبيرات الرّفض والاعتراض والاحتجاج والسّخط الذي تستبطنه فئات واسعة وشرائح عريضة من المجتمع التّونسي. لذلك فإنّه يعبّر عن حالة تماه مع بيئته وشريحته وفئته وجهته وليس العكس، ولذلك أيضا فإنّه حالة من الفردانيّة المعاكسة أو الفردانيّة ذات الخصائص الجامعة. أمّا شكري بلعيد الأكثر ارتباطا بالثّورة التّونسيّة (مقارنة بالبوعزيزي) قيادة ونضالا وتضحية، والأكثر وعيا بكلّ أفعاله، والأكثر قصديّة في كلّ مواقفه، والأكثر إدراكا لمتطلّبات المرحلة الثّوريّة، والأكثر وعيا بشروط التّغيير من منظور النّاموس الثّوري فإنّه صورة طارئة للشّخصيّة التّاريخيّة التي يمكن أن تفرض خطابها إلى مستوى تماهي المجموعة معها وليس تماهيها مع المجموعة، لأنّه من خصال الثّورييّن وسماتهم أنهم يتجاوزون السّائد ولا يتماهون معه. غير أنّ هذه الميزة أيضا ارتبطت بقدرة فائقة في التّعبير عن انتظارات المجموعة والتّعبير عن هواجسها وتطلّعاتها إضافة إلى جدارة القيادة وطرح البدائل للواقع السّائد. لذلك فهي حالة بارزة أيضا من الفردانيّة المعاكسة أو هي تعبير عن الخصائص الجامعة للفردانيّة.          

في مختلف الأدوار التي تؤدّيها شخصيّة تاريخيّة ما تظهر أشكال مختلفة من التّواصل والتّماهي معها.

إنّ التّماهي الأوّلي حسب التّحديديّة الفرويديّة هو لاشعوري وآني[31] وعادة ما يتعلّق بحساسيّة مجموعة ما أو ردّة فعلها التي يمكن أن تظهر بشكل عفوي تجاه مواقف أو قرارات شخصيّة تاريخيّة. لعلّه يكون التّماهي الأكثر تعبيرا عن حالة البوعزيزي، وهو ما لا نجده بالكثافة المهمّة في التّاريخ. أمّا حالة شكري بلعيد فيمكن أن نجدها مترسّخة أكثر في تاريخ الثّورات. فخلال الثّورة الفرنسيّة كانت خطابات دانتون (بعد سقوط الملكيّة في 1792 وتدخّل روبسبيار في المجموعة الثّوريّة بباريس) قد توافقت مع رغبة الشّعب الفرنسي في إنهاء الملكيّة وتصاعد النّزعة الوطنيّة ضدّ الاحتلال الأجنبي. وخلال كومونة 1871 كانت الحساسيّة الفوضويّة لجول فالاّس Jules Vallès قد عبّرت عن رغبة شعبيّة في الدّيمقراطيّة المباشرة.

ثمّة نوع آخر من التّماهي يسمّى بالتّماهي الثّانوي، وهو الذي يراهن أكثر على الحساسيّات الفكريّة ولكنّه أيضا يعكس الوعي بالأفراد الأكثر بروزا. إنّه لا يقصي التّماهي الأوّل ولكنّه يمكن أن يتطابق معه كانخراط واع في خيار ما أو في نموذج مثالي. فالنّاس يتماهون إذن مع المواقف الأخلاقيّة والسّياسيّة لفاعل تاريخي لأنّهم يكتشفون فيه نمطا ومنوالا من الفعل المثالي، وخيارات وجوديّة بقدر ماهي سياسيّة تؤدّي إلى انخراطهم العاطفي في القرارات المطابقة للخطاب الذي يحمله. ولكن هذا التّماهي لا يلغي الإحساس بالمسافة بين الأفراد والشّخصيّة الكاريزميّة[32]. فالفرد الفاعل يتجاوز مرحلة العفويّة الصّرف من التّدريب العاطفي والكاريزما إلى مرحلة الفاعل الذي ينجز الفعل التّاريخي المحكوم بالإيديولوجيا بنفس قدر الاحتكام إلى العاطفة[33]. وهنا لا ينبغي اعتبار حالة البوعزيزي تستجيب لهذه المحدّدات لأنّه دون الوصول إلى مرحلة الفعل الإيديولوجي، بينما نجد حالة شكري بلعيد أو حالة محمّد البراهمي أكثر تطابقا معها وأكثر تجاوبا مع خصائصها.

3 – الأساس الفردي لشعارات الثّورة التّونسيّة ومبادئها 

عندما نتأمّل في أبرز شعارات الثّورة التّونسيّة أو على الأقلّ الشّعارات الأكثر تردّدا خلال ما كان يُعرف بالمسار الثّوري فإنّنا نجدها مشحونة بدلالات تستهدف القطع مع سمات الرّعيّة والتّأسيس للمواطنة. وهي بالضّرورة شعارات تتطلّع إلى تكريس ذاتيّة الفرد التي هي ركيزة المواطنة، كما أنّ الفرد بصفته المواطنيّة هو الحقيقة الاجتماعيّة التي تتقاطع فيها الحرّية  والدّيمقراطيّة وحقوق الانسان. وتطلّعا إلى استبدال صفة الرّعيّة بصفة المواطنة طالب شباب الثّورة بالشّغل والحرّية والكرامة الوطنيّة. وهي مطالب منبثقة من صلب المنظومة الكونيّة لحقوق الانسان. هذه المنظومة التي تتكوّن من خمس عائلات يعبّر عنها فقهاء القانون بأجيال حقوق الانسان، وهي الحقوق المدنيّة والحقوق السّياسيّة والحقوق الثّقافيّة والحقوق الاقتصاديّة والحقوق الاجتماعيّة.

ضمن هذه العائلات الخمس نجد أنّ الفقر هو العنصر الأساسي في خرق المنظومة برمّتها. لأنّ الفقر هو نتاج النّظام القائم مثلما هو الشّأن بالنّسبة إلى الرّخاء، وهذا يعني أنّ الفقر هو نتاج النّسق العام الذي يجمع بين الثّقافي والاقتصادي والاجتماعي والمدني والسّياسي (نسبة الفقر في تونس 24,7 بالمائة خلال سنة 2013). والفقر كما هو معروف فإنّه يتسبّب دائما في اختلال الواقع الاجتماعي ويعطّل مسار النّمو الاقتصادي ويؤدّي عموما إلى الإخلال بالنّظام السّياسي ويؤثّر باستمرار في الواقع الثّقافي وعادة ما يؤثّر سلبا في الحياة المدنيّة[34]. وكما أنّ الفقر يمكن أن يكون سببا في خرق هذه الحقوق فإنّ الحقيقة الجدليّة هي السّائدة حيث أنّ خرق أيّ من هذه الحقوق هو سبب مباشر في الفقر. فالمؤتمر العالمي حول حقوق الإنسان الذي انعقد بفيينّا سنة 1993 كان قد أكّد على التّرابط العضوي بين الفقر وخرق منظومة حقوق الإنسان[35]. والفقر الذي يهدّد كلّ أصناف حقوق الإنسان وأجيالها هو الذي نعرّفه بكلّ بساطة على أنّه “الحالة التي يكون فيها الفرد غير قادر على توفير احتياجاته الأساسيّة التي تؤمّن له شروط العيش الكريم”[36]. ومن خلال هذا التّعريف نجد أنّ الفقر يتوفّر على كلّ أنواع الخروق، لذلك فإنّ البوعزيزي عندما دخل في اشتباك مع عون شرطة التّراتيب البلديّة بمحافظة سيدي بوزيد كان يطالب بحقّه في العيش الكريم بصفته إنسان، وعندما أراد مقابلة المحافظ (والي سيدي بوزيد) فإنّه كان يسعى إلى ممارسة مواطنته لأنّه رأى في المؤسّسة من خلال جهاز المحافظة كفيلة بتحقيق مواطنته ومعالجة وضعه الاجتماعي الهش. وعندما كان شكري بلعيد يدافع عن حق الجهات المحرومة في التّنمية وعن حق المعطّلين في التّشغيل، وعن حرّية التّعبير والفكر والإبداع، وعن المساواة بين المرأة والرّجل… فإنّه كان يطلب مزيدا من الحقّ والحرّية بما يتوافق وشروط المواطنة التي لا أساس لها إذا لم تكن ذاتيّة الفرد هي ركيزتها الأساسيّة. من المؤكّد أنّ مستويات المطلبيّة متفاوتة بين شكري بلعيد والبوعزيزي وكذلك أساليب الفعل المطلبي لأنّ أحدهما يعبّر عن الفردانيّة الدّنيا/ الخجولة، وهي في تقديرنا  ليست إلاّ فردانيّة صدفيّة والآخر يعبّر عن الفردانيّة المؤسّساتيّة، إلاّ أنّه في مستوى المضمون العام للأفعال وأهدافها التي تتقاطع في دائرة الحقوق والحرّيات وأسس المواطنة. لذلك يبقى كلاهما تعبّر عن كليهما حتّى وإن كانا متباعدين فإنّهما متضافرين حتّى على مستوى فردانيّة كلّ منهما لأنّهما ترجمة لكليهماوالواحد منهما بمثابة الإمتداد للآخر.

ألا يعني هذا أنّ الفرد هو إنسان حقوق الانسان وأنّه الفاعل المعني بالدّرجة الأولى بهذه الحقوق، وأنّ الفردانيّة هي الصّيغة النّموذجيّة للتّعبير عن جوهر هذه المنظومة وهدفها؟

لقد تكوّن معنى الفردانيّة في علاقة بالمسألة الحقوقيّة التي بدأت تبرز في مجتمعاتنا لاسيّما حقوق الأفراد المعروفة بشكل عام بحقوق الإنسان، وهذا المعنى يشير على الأقل إلى أنّ “هناك ثلاثة أطوار مختلفة من التّاريخ الذي تشكّلت في سياقه الفردانيّة: التّاريخ الميتافيزيقي لمبدأ الفردنة وارتباط الحداثة بتجاوز المنطق القديم والنّزوع إلى التّفريد. ثمّ التّاريخ السّياسي لحقوق الأفراد والذي يتضمّن من بين مكوّناته تاريخ الاقتصاد السّياسي، هذا التّاريخ لحقوق الأفراد برز في صيغتين: في صيغة العقد السّياسي وفي صيغة السّوق بمعناه الاقتصادي. وأخيرا التّاريخ الاجتماعي للتّفريد، يعني تاريخ دخول الحقوق الفرديّة المجرّدة في المجتمع المجسّد”[37].

حينئذ نفهم أنّ الفرد فاعل اجتماعي ولكن بمضامين جماعيّة وليست فرديّة، باعتبار أنّ الفردانيّة هي محصّلة الإنجازات المجتمعيّة وأهمّها الحقوق والحرّيات والدّيمقراطيّة. وحقوق الانسان هي بالأساس حقوق الفرد، كما أنّ مبادئ حقوق الانسان مثل الحرّيّة والمساواة انبنت بالأساس على الفرد ولأجله[38]. ولمّا كان الفرد هو إنسان حقوق الانسان فإنّ الفردانيّة هي أساس البناء الاجتماعي. فليس ثمّة شيء أهمّ من التّأكيد على الدّفاع عن كرامة الشّخص، لأنّها تخصّ الكائن البشري في حقيقته المطلقة، ولكن من الضّروري أن ننتبه إلى التّمييز بين الشّخص والفرد. لأنّ “الفرد ليس سوى مجرّد تجسيد بسيط لبعض ملامح الشّخصيّة في جانبها الوقائعي والميداني وهو بمثابة النّقطة غير المعزولة عن إطارها الاجتماعي، في حين أنّ الشّخصيّة هي النّسيج الذي يحيط بتلك النّقطة وهي جزء من نسيج أشمل يكوّن الواقع”[39]. فحدود الشّخصيّة ليست مضبوطة مسبقا لأنّها مرتبطة بامتداد مفهومها النّفسي والاجتماعي في حين أنّ الفرد محدود في إطاره وفضائه ومحيطه وكذلك في حقوقه[40]. لذلك فإنّ القاعدة الأساسيّة التي تؤطّر مجال حقوق الإنسان هي الاشتغال على حقوق الفرد بكلّ معانيها، لأنّ الفرد هو قاعدة المجتمع ومن ثمّة يضطلع المجتمع بمسئوليّته في حمايتة بصفته رافعته الأساسيّة. لذلك فالفرد أكثر تواجدا في نسيج المجتمع من الشّخصيّة ولذلك أيضا فإنّ تناولنا لفاعليّة البوعزيزي وشكري بلعيد ليس بصفتهما شخصيّتين تاريخيّتين فقط رغم أنّ هذه الصّفة لا تنطبق عليهما بنفس القدر ولكن أيضا انطلاقا من واقعهما الفردي الذي نجده أكثر قدرة على تأكيد الواقع الجماعي والتّعبير عنه من قدرة الشّخصيّة على ذلك. والخلاصة أنّنا بقدر ما نقف على الخصائص الجامعة للفردانيّة فإنّنا نقف على الخاصيّة الحدوديّة والحالة الاقتطاعيّة المميّزة للشّخصيّة.

مثلما تشكّل مفهوم الفردانيّة على ثلاثة أطوار تاريخيّة كما أوردناها سابقا، نجد مارسال غوشيه يقترح رسما تطوّريّا للشّخصيّة يقوم على ثلاثة أجيال: الشّخصيّة التّقليديّة المتطابقة مع النّظام الاجتماعي لما قبل الفردانيّة. والشّخصيّة الحديثة المطابقة للفرد الكلاسيكي الذي يعبّر عنه الفرد البورجوازي في عصره الذّهبي بين القرنين 17 و19. ثمّ الشّخصيّة المعاصرة حيث تمّحي معها هياكل الإنتماء وتكون بمثابة التّعبير عن الفرد المستقل عن المجموعة[41].

في واقع الحال يمكن أن تتّجه بعض التّصوّرات إلى أنّ الدّفاع عن حقوق الأفراد أو حقوق الأشخاص لا تشتغل على مبادئ حقوق الإنسان كلّها ولا على كامل المنظومة التي تضمن حقوق الفرد في المطلق الاجتماعي أو حقوق المواطن في صيغة التّدقيق السّياسي، لأنّها تتطابق مع الشّروط الضّامنة لحقوق الرّعايا أو المتساكنين أكثر من تطابقها مع الشّروط الضّامنة لحقوق الإنسان الذي يجمع المعاني التي يوحي بها مفهوم الفرد والمواطن معا[42]. لذلك فإنّ حالتي البوعزيزي وشكري بلعيد متأصّلتان في التّطلّع إلى تجاوز سمات الرّعيّة التي لم تكن تسمح باستقلال الفرد عن سياقه الجماعي الكلّي إلى تحقيق سمات المواطنة القائمة على استقلاليّة الفرد ولو في صيغته الجامعة.

إنّ الفرد الذي يمثّل موضوع حقوق الإنسان يوجد ضمن علاقة أشمل حيث تكون العلاقات بين الدّولة والمجتمع، بين الدّيني والمدني، بين الاجتماعي والتّشريعي، بين المحلّي والعالمي، بين الدّاخلي والخارجي، بين الظّرفي والهيكلي، بين المؤقّت والدّائم…كلّها علاقات تتّسم بالتبعيّة المتبادلة[43] إلى الحدّ الذي لا يمكن أن يوجد فيه تحت سلطة واحدة بل هو يعيش تحت سلطة موزّعة تحيط به في كلّ مجالات حياته. فهو محمول على الامتثال للسّلطة السّياسيّة والعائليّة والاجتماعيّة والدّينيّة وكذلك سلطة القيم الثّقافيّة ورموزها… لأنّها جميعها تمثّل عناصر مهمّة ولكلّ واحدة منها مساهمة في توجيهه والتّأثير عليه في صناعة قراره. هذا ما يحيلنا على ضرورة طرح المسألة في جوهرها من خلال تحديد صفة حقّ الإنسان وموضوعه، ومن ثمّة تحديد موضعه. وباختصار فإنّ موضوع حقوق الانسان وهدفها الأساسي هو تحرير الفرد من كلّ تلك العلاقات التي تتنازع فيه أشكالا متعدّدة من السّلطة والتّحكّم والمرور به من طور التّحرّر إلى طور إثبات ذاتيّته المواطنيّة.

  II – الفردانيّة بين نظامين

  • الفردانيّة في ظلّ النّظام القديم

إنّ محاولة تشريح بنية الفردانيّة الجامعة خلال هذه المرحلة الآنيّة من الأمد الطّويل الذي تبلور خلاله المجتمع التّونسي وتشكّل على النّمط الذي نعيشه اليوم، لا يتنافى مع إمكانيّة كشف عناصر التّواصل بين خصائصه الفردانيّة مع نظام ما قبل2011 ومع النّظام الذي جاء بعد ذلك. ومن أهمّ نتائج ذلك مضاعفة التّشابهات بين النّظامين ولكن أيضا بين الخصائص الفردانيّة التي تعبّر عن تلك التشابهات التي تضمن عناصر الاستمرار والتّواصل بين النّظامين. فلم تكن الجهات والمدن الطّرفيّة السّاخطة فقط هي التي تتشابه ولكن التّشابه كان بين الأفراد أيضا من مختلف الفئات والشّرائح والطّبقات في كلّ المناطق المتشابهة[44] إلى الحدّ الذي يتأكّد فيه أنّ التّشابهات تراكميّة والفردانيّات أيضا تراكميّة باعتبار أنّها تتكوّن بشكل متشابه وفي سياق متشابه وبمقتضى التّشابهات. وحتّى وفق المنطق الجدلي الذي يقف على مقوّمات التّناظر المطلق بين المتغيّرات فإنّ كلّ الذين هم موجودين خارج دائرة البؤس ومناطق الحرمان هم بدورهم أصبحوا شيئا فشيئا متشابهين في مظاهر وجودهم وفي فردانيّتهم المغايرة لفردانيّة البؤساء رغم خصوصيّة واقعهم المتميّز بالرّخاء[45]. فالفردانيّة التي نحن بصدد تشريحها من صنيعة النّظام القديم في إفرازاتها البوعزيزيّة. لأنّ البوعزيزي هو صورة نمطيّة لشباب تونس الذي تعاضدت في تنشئته وتداخلت وتكاملت في تكوينه منظومة التّعليم والسّياسة الاقتصاديّة وفشل منوال التّنمية ونظام الحكم اللـصوصي القائم والنّزعة الاحتكاريّة للحزب الحاكم واستقالة النّخبة وتفسّخها وضعف الدّور التّعديلي للمجتمع المدني وانتشار الفقر والجهل واستفحال الاقصاء وتعميق الشّرخ الجهوي والتّفاوت الاجتماعي. وهي أيضا من نتائج نفس النّظام في صيغتها التي عبّر عنها شكري بلعيد ومحمّد البراهمي أو صاحب الصّرخة الشّهيرة: “بن علي هرب”. وفي الصّيغة الأولى والثّانية فإنّ الفردانيّة التي أنتجها النّظام القديم كانت تعيش الألم وتتعايش مع المعاناة اختزالا للمعاناة والألم الجماعيّين وبالتّالي تسعى إلى تقويضه باسم الجموع المتشابهة في الألم والمعاناة. ولكن ذات النّظام أفرز فردانيّة أخرى في الصّيغة التي تدافع عن المنظومة السّائدة قبل انهيارها أو تعبّر عن إمكانيّة عودتها  بالمناورة لتبثّ فيها نبض الحياة من جديد، وهي فردانيّة تعبّر عن حالة جماعيّة من المتشابهين في الحظوة والإمتياز والرّخاء، وهي فردانيّة تمظهرت كذلك من خلال فرديّة المراقبة والملاحقة والتّضييق وكلّ أشكال التّوظيف التّسلّطي لأفراد المجتمع بعضهم ضدّ بعض لفائدة النّظام القائم والحزب الحاكم تحديدا[46]. وهذه الفردانيّة تجد مبرّرها في عدم إمكانيّة عودة هياكل النّظام القديم وبنياته ومكوّناته، فتقوم بالإحلال محلّ تلك المؤسّسات والبنيات الكلّية لتلعب دورها في نطاق الفردانيّة الخجولة حسب تعبير ريمون بودون.

يرى توكفيل أنّ الفردانيّة تعبير حديث ولّدته فكرة جديدة، لم يكن أباؤنا يعرفونه لأنّهم كانوا يعرفون تعبير الأنانيّة[47].  والأنانيّة هي حبّ مفرط للذّات يحمل الإنسان على ألاّ يعتبر سوى نفسه ويُرجع كلّ شيء لذاته. أمّا الفردانيّة فهي شعور قائم على التّفكير الهادئ يملكه كلّ مواطن لكي ينعزل عن الجماعة التي ينتمي إليها ويبتعد عن عائلته وأصدقائه، بما يمكّنه مع مرور الوقت من تكوين مجتمع بحسب استعماله ويغادر إراديّا المجتمع الكبير في حدّ ذاته[48].

تبقى العائلات بالنّسبة إلى المجتمعات الأرستقراطيّة على مدى قرون عديدة في نفس الوضعيّة وفي نفس الفضاء. وبناء على ذلك تبدو كلّ الأجيال وكأنّها معاصرة لبعضها البعض، فالمؤسّسات الأرستقراطيّة تساهم كثيرا في خلق الرّبط بين الإنسان وبقيّة مواطنيه، وكذلك الطّبقات التي هي منتقاة بشكل دقيق تبقى ثابتة وغير متحرّكة في مجتمع أرستقراطي. في هذه المجتمعات حيث يكون كلّ المواطنين في مواقع ثابتة عبارة عن مجموعات متراتبة الواحدة تحت الأخرى ممّا يعني أنّ كلّ واحد يرى في من هو أعلى منه مصدرا لحمايته ويرى في من هو دونه مصدرا لمنافسته، فإنّ النّاس الذين يعيشون في مجتمعات ارستقراطيّة هم مرتبطون دوما وبشكل ضيّق جدّا بشيء موجود خارجهم وهم مستعدّون دوما لأن ينسوا أنفسهم، وهذا يعود أيضا إلى أنّ المعنى العام للتشابه أو التّماهي في تلك القرون لا يزال غامضا[49].

هكذا كان توكفيل قد فهم الواقع الفرنسي إبّان الثّورة حينما انتبه إلى  وجود فردانيّة جماعيّة في نهاية النّظام القديم وفرضت امتدادها على النّظام الجديد إن لم يكن على مستوى الواقع فعلى الأقل على مستوى البناء الفكري والمفاهيمي الذي يمكّن من فهم المرحلة. لقد أشار إلى ذلك بوضوح رغم وعيه بأنّه “لم يكن لدى آبائنا كلمة “فردانيّة” التي صقلناها لاحقا وكانت من استعمالنا، لأنّ في وقتهم لم يكن هناك الفرد الذي لا ينتمي إلى فريق ويمكن أن يعتبر نفسه وحيدا مطلقا، بل كلّ فرد هو واحدا من آلاف المجموعات الصّغيرة التي كانت تكوّن المجتمع الفرنسي والمشتقّة منه هو ذاته”[50].

وبالنّظر إلى ذلك فإنّنا نجد للفردانيّة حسب توكفيل منبعين أصليين : أوّلا، الوهن الذي يحلّ بمؤسّسات النّظام القديم، وثانيا، انبعاث المجتمع الدّيمقراطي.

قد يصدق المنبع الأوّل على واقع المجتمع التّونسي لأنّ ذلك هو حال المؤسّسات الوسطيّة والجهويّة والفرعيّة التي تكوّن النّظام المؤسّساتي العام. في حين أنّ المبعث الثّاني لا يبدو مطابقا لحقيقة المجتمع التّونسي إلى حدّ الآن باعتبار ما لذلك من شروط لم تكتمل بعد في هذا المجتمع، وباعتبار ما تفرضه الفردانيّة في المجتمع الدّيمقراطي من سمات وخصائص وشروط.

إنّ الفردانيّة في ظهورها الدّيمقراطي هي نتاج عزلة الأفراد عن بعضهم البعض. عزلة تعود إلى المساواة في الظّروف. ويمكن أن نجد النّموذج المثالي للوضعيّة الفردانيّة – كما عبّر عن ذلك توكفيل في مقاربته الظّاهراتيّة – في صلب الطّبقة المتوسّطة كما تسمّى اليوم: “عندما تتساوى الظّروف والحظوظ يلتقي عدد كبير من الأفراد. هم ليسوا أغنياء كما أنّهم ليسوا متنفّذين لكي يمارسوا تأثيرا كبيرا على من يشبههم… إنّهم متعوّدين على اعتبار أنفسهم معزولين لأنّهم يعتقدون أنّ مصيرهم بأيديهم أنفسهم”[51].

يمكن للمقاربة اللّغويّة أن تمنحنا أداة لا يمكن تعويضها لدراسة مباشرة لمسارات تكوين الظّواهر الاجتماعيّة. وبالتّالي فإنّ فكّ رموز أيّة ظاهرة اجتماعيّة يكتسي بالضّرورة دلالة لغويّة. إنّ المسار اللّغوي هو الذي يعطي للاجتماعي مصداقيّة وقابليّة لأن تتفرّع عنه مجموعات فرعيّة وقطاعيّة مميّزة[52]. أمّا الحقائق الاجتماعيّة – الاقتصاديّة وديناميكيّة الأحداث فهي التي تتحكّم في تبدّل الفاعلين التّاريخيّين، ولكن ذلك يعود أيضا إلى العامل النّفساني وحساسيّة الشّخصيّات والفردانيّات ذات الخصائص الجماعيّة التي ينبغي أن نعود إليها لكي نفهم كيف يمكن لقرارات مخاطرة أو أفعال جريئة وخارجة عن المألوف أن تتدخّل لتغيّر مجرى التّاريخ.

بناء على ذلك فإنّه من الوجيه أن نعتبر حالة البوعزيزي الفرديّة العفويّة الجامعة هي التي تدخّلت لتفجّر الواقع الاجتماعي وتفرض تغييرا سياسيّا لم يكن بالإمكان أن يتحقّق. وحالة الباجي قايد السّبسي المناورة والمراوغة هي التي تخفي وراءها مجموعات كبيرة من أعوان النّظام القديم ومن المحافظين ومن شرائح مهمّة من البرجوازيّة الحضريّة والأرستقراطيّة التّقليديّة التّونسيّة وحليفتهما الوافدة على هيكل البناء الاجتماعي، وكذلك الأوليغارشيّة الماليّة التي تكوّنت في ظلّ ذات النّظام وكانت تمثّل مندوبه الدّائم لدى كلّ الفئات الاجتماعيّة التي تعيش رهينة شروط الاعتياش وضغوط الضّرورة وطموح التّخلّص من البؤس. وربّما هذه الفردانيّة الجامعة هي التي يتسلّل من ورائها النّظام القديم بكلّ مكوّناته.

أمّا حالة شكري بلعيد فهي الفردانيّة التي كثّفت في حضورها أو غيابها الشّخصيّين مآل المسار الثّوري الذي شهد تحويرا جذريّا في مضمونه منذ اغتياله واستكمال إلغائها باغتيال محمّد البراهمي. فهذه الفردانيّة النّموذجيّة بدورها تخفي وراءها هواجس وتطلّعات كلّ الذين أرادوا مواصلة المسار الثّوري ولكنّهم وقفوا بعد الاغتيال على حقيقة أنّه أصبح مسارا انتقاليّا نسف كلّ شعارات الثّورة، بل هي تعبّر عن تطلّع الحشود والجموع الثّوريّة إلى تحقيق شعارات الثّورة أو على الأقلّ تطويرها لتصبح مبادئ ثوريّة مترسّخة في المجتمع ومجسّدة في الواقع ولكنّها بعد الاغتيال لم تظفر بشيء من كلّ ذلك، بل أيقن سوادها الأعظم أنّ الحدود الفاصلة بين انجاز مهام الثّورة من عدمها رهينة ما كان ينبغي أن تفرضه اللّحظة من تطوّر شعارات الثّورة وتحوّلها إلى مبادئ ثوريّة[53].

بناء على كلّ ذلك نجد مبرّرا لبعض الأسئلة التي طرحها ماكس فيبر ونورد فيما يلي فحواها: لماذا نعطي أهميّة قصوى لأسباب مختلفة؟ بل لماذا نعير اهتماما لتعدّد الأسباب رغم أنّه من الممكن الوقوف عند سبب وحيد لكلّ مسألة أو الإكتفاء بالأسباب الظّاهرة؟ ولماذا ينبغي أن نتساءل بفعل قوّة التّخيّل عن النّتائج الممكنة لأسباب أخرى غير بارزة بشكل واضح من أجل تجاوز الأسباب الظّاهرة ونتائجها أو تخطّيها قصد الوصول إلى نتائج مرتبطة بأسباب غير ظاهرة وغير معلومة؟

قد نتساءل على سبيل المثال – في ذات السّياق المحكوم بهذا التّصوّر المبني ذهنيّا – عمّا يلي: “إلى أيّ مدى كان تاريخ الثّورة الفرنسيّة سيأخذ منحى مختلفا لو أنّ روبسبيار والنّوّاب المتّهمين في غرميدور لم يتردّدوا في تجاوز القانون وتعطيل العدالة؟ ولو أنّ تروتسكي لم يتأخّر في معارضة ستالين علنا ولو أنّه استعمل وصيّة لينين في 1923 ليدفع بستالين إلى الانهيار السّياسي في أقرب الآجال بدل التّعجيل بمعارضته؟[54].

تأسّيا بكلّ ذلك يمكن أن نتساءل: ماذا كان سيحصل لو أنّ البوعزيزي لم يضرم النّار في جسده، ولو أنّ محافظ سيدي بوزيد استقبله واستمع إلى مطلبه الاجتماعي؟ أمّا وقد حدث ما حدث في حالة البوعزيزي، فماذا كان سيكون مآل المسار الثّوري لو لم يتمّ اغتيال شكري بلعيد ومحمّد البراهمي؟ ولمّا كان ذلك أيضا منفلتا من إمكانيّة الإلغاء من التّاريخ، فماذ كان سيكون واقع الحال لو لم يدخل الباجي قايد السّبسي الحياة السّياسيّة من باب المعارضة بعد أن سلّم دواليب الحكم للإسلاميّين الفائزين بإنتخابات المجلس التّأسيسي؟ وهل كان سيكون للتّاريخ السّياسي اتّجاها آخر لو أنّ راشد الغنّوشي أبقى على حكومة الباجي قايد السّبسي ولم يدفعه  بشكل ما إلى أن يكون منافسا سياسيّا له ؟ وماذا كان سيحدث لو لم يفز الإسلاميّون – بانتخابات 23 أكتوبر 2011 وهم الذين لم يشاركوا أصلا في الثّورة ولم يساهموا في صياغة شعاراتها ؟ وماذا لو أنّ راشد الغنّوشي لم يعد ليغنم من معركة لم يكن طرفا فيها؟ كلّ هذه الأسئلة لا يمكن أن تصاغ إلاّ بالطّريقة التي تؤكّد قوّة التّرابط بين الفاعليّة الفرديّة وأثرها على المستوى الجماعي وكذلك بالطّريقة التي توحي بالخصائص الجامعة للفردانيّة باعتبار التّرابط الشّديد بين دور الأفراد والمنجز العام على مستوى الواقع.

ليس المهمّ في توجّه فيبرالفرداني أن نبحث عن أسباب ما حدث ولكن المهم أن نبحث عن النّتائج الممكنة لأسباب مغايرة غير الأسباب التي نعرفها لنتمثّل نتائج أخرى غير النّتائج التي تحقّقت. إنّه يجمع بين محدّداته الفردانيّة وشروطه في صياغة النّموذج المثالي.

أمّا المعالجات الفكريّة لتوكفيل فهي أكثر واقعيّة بعيدا عن تعقيدات بناء النّموذج المثالي وشروطه حتّى نفهم الموضوع قيد التّناول بالدّرس والتّحليل. ففي “النّظام القديم والثّورة” نجد معالجات توكفيل مرتبطة بالمحصّلة التّاريخيّة للثّورة ومقارنتها بما سبقها لذلك فهو يتطرّق إلى مشكل أساسي: كيف يمكن للقناعات الفكريّة أن تتبلور في شكل أفعال؟ وهذا التّساؤل يتعلّق بمواقف الشّخصيات التّاريخيّة بقدر ما يتعلّق بإمكانيّة التّواصّل العاطفي والإيديولوجي الذي تصنعه صفاتهم الكاريزميّة[55].

يبيّن توكفيل كيف أنّه انطلاقا من التّماهي مع منوال معيّن من الماضي والانخراط في مثال ما أو نموذج تفسيري يمكن يتحوّل الفعل الفردي والرّمزيّة الفرديّة إلى حالة شغف جماعي، وهو في ذلك يذهب إلى إدراج الشّخصيّات التّاريخيّة للثّورة الفرنسيّة في قراءته لها كممثّلين عن “فئات غير معروفة ولكنّها تملك الجرأة إلى حدّ الجنون بحيث لا يمكن لأيّ جديد أن يفاجئهم ولا يمكن أن يوقفهم ولا يتردّدون أبدا أمام ضرورة تنفيذ أيّ مخطّط”[56]. ورغم ذلك فإنّه حسب الأخلاق السّياسيّة للثّوريّين الفرنسيّين، كان ينبغي لقدرة الشّخصيّات على التّأثير الفردي أن تمّحى أمام المبادئ الجماعيّة التي يعبّرون عنها[57]. فالرّغبة في اكتساب شعبيّة كبيرة يؤدّي إلى الاتّهام بالنّزوع إلى الدّكتاتوريّة، لأنّها يمكن أن تتشكّل انطلاقا من التّفرّد بالرّأي[58].

  • التّجلّيات السّياسيّة للفردانيّة المعاكسة في تونس بعد الثّورة

ما يُعرف عن الثّورة التّونسيّة أنّها بلا تأطير مسبق وبلا إعداد تنظيمي وبلا قيادة، كما أنّها لم تنجز وفق تخطيط وبرنامج ثوريين، وتعرف أيضا بأنّها خاوية من أيّ تأصيل نظري وإيديولوجي وفاقدة لأيّ ميثاق ثوري جماعيّ، وهي خلو من خصائص الثّورات التي عرفتها المجتمعات من قبل لأنّها لم تتضمّن أهدافا ثوريّة بالأساس، غير أنّ مضامينها الثّوريّة كانت طارئة على المسار الذي فرضه الانفجار الاجتماعي، أمّا شهاراتها فقد كانت وليدة اللّحظة الاحتجاجيّة.

هذا ما وضعها أمام قراءتين متناظرتين: إمّا أن تكون محلّ شكّ في كونها ثورة وإمّا أنّها ثورة وهي تفتح طورا ثوريّا جديدا وفهما جديدا للثّورات بمعان جديدة. لأنّ معنى الثّورة كما يحيلنا عليه “عصر الثّورة”[59] أو حسب ما نستنتجه عندما نقرأ ما كتب “في الثّورة”[60] يتعلّق بشيء آخر تماما غير الذي يسمّى ب”الثّورة التّونسيّة”. ولذلك فإنّ خصوصيّة ما حدث في تونس واستثنائيّته تضعاننا أمام إشكاليّة البحث عن براديغم تفسيري. ولعلّ الفردانيّات هي من العناصر الأكثر بروزا في هذا السّياق، وحتّى الخريطة السّياسيّة الجديدة في تونس هي بصدد التّشكّل حول فاعليّة الأفراد والشّخصيّات الموهوبة والملهمة أو على الأقلّ ذات القدرة على التّأثير في السّاحة السّياسيّة والتّأثير في موازين القوى، وحتّى الشّخصيّات التي تتمايز من باب الطّرافة واللاّنمطيّة في مجال العمل السّياسي.

إنّ الاشكال الأوّلي للفردانيّة المنهجيّة يتعلّق بمكانة الموضوع وصفته في صلب المجموعة، وهو بمثابة اعتراض يترجمه السّؤال المطروح حول الفرد وفعله، وبمعنى آخر الفرد وحريّته. ومن باب البحث عن مبدأ التّطابق من عدمه مع هذا المبدأ فإنّ فردانيّة البوعزيزي هي منبثقة عن حالة معاكسة تماما للحريّة بل هي تعبّر عن دائرة الإكراهات والضّغوطا المسلّطة عليه بقدر ما تعبّر عن مكانته الثّانويّة والمهمّشة صلب المجموعة. لذلك فإنّ اعتراضا من هذا النّوع لا يمسّ فقط علم الاجتماع السّياسي، بل إنّه يقود إلى المعارضة الشّاملة لكلّ نظريّة تمتثل أكثر إلى التّحديديّة الاجتماعيّة. ومن هنا تتجدّد حالة التّناظر بين نوعين من التّقاليد السّوسيولوجيّة من أجل فهم جملة الوقائع التي طبعت ما أمكن تسميته وفق التّداول اللّفظي والإعلامي بـ”الثّورة التّونسيّة”: الأولى ذات التّوجّه الكلّياني في قراءة الظّواهر (ماركس، دوركايم…)، والثّانية على العكس من ذلك تبحث عن تفسير الظّواهر انطلاقا من الفرد واختياراته ورغباته وتوجّهاته (توكفيل، فيب، بودون…).

لقد اتّجه توكفيل في تحليله إلى الرّبط بين نهاية النّظام القديم والفردانيّة عندما أشار إلى أنّ المجتمع القديم بدأ يفقد صلوحيّته ويضمحل، ويضمحلّ معه هذا النّسيج من المؤسّسات الأهليّة والقضائيّة المستقلّة التي كانت داخله، فالثّورة لم تترك إلاّ الأفراد وقوفا[61]، لأنّ المؤسّسات والبنيات الجماعيّة والهياكل الكلّية انهارت بينما ظلّ الأفراد.

ففي اللّحظة التي يتكوّن فيها مجتمع ديمقراطي على أنقاض المجتمع المرتبط بالنّظام القديم “تظهر على السّاحة ثلاث مجموعات من النّاس: أولئك الذين وصلوا إلى الاستقلال وهم منتشون بسلطتهم الجديدة ويعتقدون أنّهم راضين عن أنفسهم بشكل نهائي ولا يخفون عدم اكتراثهم بمن هو ليس منهم. والأرستقراطيّون الذين يعتبرون أنفسهم غرباء داخل المجتمع الجديد، ينسحبون جانبا ولا يهتمّون إلاّ بأنفسهم. وأولئك الذين كانوا في قاع المجتمع وفي أسفل السّلم الاجتماعي وهم لا يخفون قلقهم الظّاهر بفعل استقرار حالة اللاّمساواة مع العلّيّين القدامى”[62].

أمّا في واقع الحال فإنّ المجتمع التّونسي بعد الثّورة لم تبرز فيه أدنى مظاهر إعادة التّموقع الجماعي أو إعادة التّشكّل الطّبقي ولا حتّى أدنى تغيير لطبيعة المؤسّسات ونظام عملها… كما لم يعش واقع الإطاحة بطبقة وصعود أخرى. ولم يبرز أيّ مظهر من مظاهر إعادة تشكيل البنيات الاجتماعيّة على قاعدة التّغيير الكلّي والجذري للبناء القديم، ولم تبرز أدنى ملامح إعادة تموقع الطّبقات والفئات الاجتماعيّة التي انتفضت في سلّم البناء الاجتماعي بما ينسجم ودورها في الحراك الاجتماعي. كلّ هذا غير موجود إطلاقا لا على مستوى البنية الكلّية للمجتمع ولا على مستوى السّياق الشّامل للحراك الاجتماعي ولا على مستوى الوعي العام والتّمثّلات الجماعيّة. وكلّ ما يحيلنا على التّحليل الشّمولي والقراءة الهولستيّة لا وجود له في الواقع. لكن المعطى الأكثر بروزا هو ظاهرة التّموقع وإعادة التّموقع الفردي في واقع اتّسم بالغياب التّام لإعادة التّموقع الجماعي. وحتّى إن اتّسم ذلك بشيء من الرّوح الجماعيّة ووجد قبولا على مستوى بنية الرّأي العام فإنّها بفعل تجميع الحالات الفرديّة تضعنا في قلب المسارات الفردانيّة حينما نستعرض محطّات “الثّورة التّونسيّة” بدءا بما فرضه البوعزيزي من ضرورة التّجاوب الجماعي مع حالته المتفرّدة وصولا إلى الفردانية التي طبعت الحياة السّياسيّة خلال المسار الانتقالي ويعتبر الباجي قايد السّبسي أبلغ تعبير عنها، مرورا بالآثار السّياسيّة والعامّة المباشرة وغير المباشرة، الآنيّة والمؤجّلة المترتّبة عن اغتيال شكري بلعيد ثمّ إغتيال محمّد البراهمي. وحينئذ نحن محمولين على استعمال الفردانيّة المنهجيّة حينما نكون بصدد فهم وتحليل العناصر التّكوينيّة لكلّ مراحل المسار الذي بدأ منذ لحظة الانفجار الاجتماعي الذي بدأ مع حادثة البوعزيزي.

يمكن أن نقف على هذه الحقيقة الوقائعيّة (الحقيقة التي تبرز التّحديديّة الفردانيّة في سياق الثّورة التّونسيّة) بالعودة على الانتخابات الأولى بعد اندلاع الثّورة (انتخابات المجلس التّأسيسي التي أجريت في 23 أكتوبر 2011) لندرك أنّها رغم طابهما الجماعي وصبغتها الشّموليّة واحتكامها إلى التّحديديّة الجماعيّة إلاّ أنّها لم تخل من الفاعليّة الفردانيّة، أو على الأقل نجدها قد احتكمت إلى حالة فصاميّة تجمع بين روح الجماعة وروح الفردانيّة وتلغي روح المجتمع. روح الفردانيّة من خلال الهاشمي الحامدي الذي عبّر عن ظاهرة لوحده لأنّه الفرد الذي خاطب في صيغته المفردة أبناء جهته في صيغتهم الجماعيّة (سيدي بوزيد) فبرز مؤثّرا في صيغته الفردانيّة الجامعة والمؤسّساتيّة باعتباره اختزل بمفرده قوّة الاستبطان الفردي لأغلب انتظارات مجموعات وفئات وشرائح مهمّة من الذين انتظروا أن يأتيهم “الرّخاء بعد الثّورة”، وخاطب بصيغته تلك بسطاء المجتمع بالمضامين التي ينتظرونها[63]. وراهن من خلال مخاطبته لأبناء جهته على استمالة الجهات الأخرى من خلال التّماهي مع واقع سيدي بوزيد وتطلّعاتها. أمّا روح الجماعة التي هي دون روح المجتمع وإن كانت أعمّ من الفردانيّة وأشمل منها فقد تجلّت في الاعتماد على العصبيّة القبليّة والعلاقات الأبويّة والأخلاق والواجب الدّيني للفرد من خلال صوته الانتخابي ودوره في الانتصار إلى الإسلام في مواجهة العلمانيّة[64]، وفي استعمال الخطاب المصلحي واستقطاب الأصوات بالعطايا والتّركيز على الإشباع الفردي المباشر.

إنّ ما أعطى إمكانيّة لتّـأكيد السّمات والخصائص الفردانيّة للثّورة التّونسيّة وأثبت فاعليّة الفرد فيها ليس فقط العمليّة السّياسيّة المجسّدة بالدّرجة الأولى في الانتخابات التي أفضت إلى تكوين ما سمّي بحكومة التّرويكا بقيادة الحزب الإسلامي “حركة النّهضة”، بل أيضا  الفرد – غير المنتمي سياسيّا وغير المنضوي تحت مرجعيّات فكريّة وإيديولوجيّة ثوريّة وغير المنخرط في أحزاب سياسيّة – الذي صنع الاحتجاج بفعل مواجهة الضّغوطات والإكراهات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة وفرضها على نسق التّفاعلات الاجتماعيّة من أجل تحقيق غايات وأهداف لم يكن بالإمكان أن تتحّق إلاّ انطلاقا من قدرة الفردانيّة على اختزال المعايير الجماعيّة والتّعبير عنها في مستوى الأفعال والوقائع، سيّما إذا أخذنا بعين ما أتينا عليه سابقا من أنّ مواضيع الاحتجاجات متّصلة أساسا بحقوق الفرد ومنزلة المواطن. هكذا نجد الفردانيّة في الثّورة التّونسيّة تحلّ محلّ البنيات الاجتماعيّة الكلّية أو الوسطيّة (الطّبقات والجماعات والتّنظيمات) التي لم تبرز بفاعليّتها بقدر ما تميّزت بدورها المفقود نتيجة ضعف التّبلور الاجتماعي عبر التّاريخ لكلّ الأطر الإجتماعيّة المعنيّة قبل غيرها بفعل التّغيير في نسق ثوري (ضعف التّشكّل الطّبقي للبروليتاريا وأغلب شرائح الطّبقة الوسطى والبرجوازيّة الصّغرى). من هنا تسلّلت فاعليّة الفرد بصفته فاعلا اجتماعيّا في ظلّ غياب الفاعل الجماعي الذي تدارك أمره في لحظة متأخّرة من توقيت المسار الثّوري.

حسب الذّهنيّة الفردانيّة المنهجيّة يحسن أن نبحث في كلّ حالة لوحدها لكي نفهم أنّ الوقائع الاجتماعيّة يمكن أن تتجمّع لتمكّن من ظهور فعل جماعي دون أن نفترض مسبقا أنّ ذلك التّكتّل كان ضروريّا ومحدّد مسبقا بالظّروف والإكراهات الجماعيّة. هذه الآفاق المنهجيّة تستدعي التّفكير في “الفرد بصفته فاعلا قادرا على حلّ المشكلات وليس بصفته عونا محكوما بسببيّات، كما تستدعي أيضا إزاحة كلّ الصّفات التي تسندها إلى الفرد وتستمدّها من اللاّوعي أو عدم إدراك وضعه أو الوعي الزّائف الذي يسيطر عليه أو كلّ ما من شأنه أن يجعل الفرد غير قادر على تحديد خياراته”[65]. هذا ما يتجلّى في مستوى تطبيقاتها السّياسيّة، حيث أنّ الفردانيّة المنهجيّة تضع موضع التّساؤل تأويل الاختيارات والتّوجيهات السّياسيّة مثلما تضع موضع التّساؤل تأويل مسارات صناعة القرار داخل موقع السّلطة[66]. ففي مجال السّلوكيّات الانتخابيّة تقترح الفردانيّة مقاربة تقوم على تسليط التّساؤل حول اختيار المواطن وتفترض أنّ الأفراد ليسوا مجرّد أدوات بالنّسبة إلى القوى الفاعلة بل هي مواضيع واعية بوضعيّتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة وهي تتابع أهدافا معيّنة. وعوض البحث عن تفسير سلوك النّاخبين تفسيرا سببيّا من الممكن أن نفهم سلوكهم الانتخابي باعتباره النّتيجة المباشرة للإختيارات والتّوجّهات الفرديّة وأسلوب التّعبير عنها.

على العكس من السّوسيولوجيا البنيويّة المسكونة بهاجس العلاقات الموضوعيّة وثقل القوى الاجتماعيّة على المسؤولين السّياسيّين، فإنّ الفردانيّة المنهجيّة تستدعي التّساؤل حول الخيارات والميولات المفردة عوض أن تقحمها ضمن ظروف محدّدة. ومن خلال ذلك فإنّ هذا المتن يسعى إلى أن يجمع بين المقاربة السّوسيولوجيّة والمقاربة التّاريخيّة الموسومة بأنّها تهتمّ بمعرفة المفردات والجزئيّات والتّفاصيل. فإذا كان بإمكان عمليّة تجميع الأفعال الفرديّة أن تغيّر الواقع الاجتماعي، فإنّ سلوك الفرد في المقابل لا يُبنى أبدا على فراغ اجتماعي بل على العكس من ذلك فهو يتشكّل على أساس الإكراهات الاجتماعيّة الموجودة مسبقا. وحتّى إذا ما اعتبرنا مثال الاقتراع فإنّه رغم إمكانيّة استقلال النّاخب بقراره في التّصويت فإنّه خيار مفروض عليه، لأنّه لا يمكن أن يختار إلاّ من بين المُقترحات التي فـرضت عليه ولا يملك أيّة إمكانيّة لأن يجد ما يمكن أن يتوافق مع انتظاراته الآنيّة ومصالحه المباشرة من خارج تلك الخيارات[67]. وهذا ما تثبته المعطيات المتعلّقة بالدّور الثّاني للإنتخابات الرّئاسيّة الذي يفرض على كلّ النّاخبين أن يختاروا أحد المترشّحين الإثنين الذين تجاوزا الدّور الأوّل. حينئذ فإنّ مجال الإختيار الفردي لايندرج ضمن حريّة الإختيار المطلقة بقدر ما يندرج ضمن التّحديديّة التي يفرضها أحد الخيارين الموجودين. بهذا المعنى فإنّ تفسير خيار النّاخب ينبغي أن يعود إلى حقل الإمكانيّات المتاحة أمام الخيارات الفرديّة وبهذا المعنى أيضا تتجسّد الفردانيّة في صيغتها المعاكسة وتظهر فاعليّة الهابيتوس الاجتماعي للفرد[68] (نوربارت إلياص) لتحسم توجّهات الفرد حسب مدى توافق استعداداته المكتسبة مع ما هو مطروح أمامه من مقترحات مهما كانت منحصرة.

لئن كان تفسير المسألة من هذا المنظور الذي يعبّر عن حالة توفيقيّة أو مقاربة هجينة تجمع بين الفردانيّة والبنيويّة التّكوينيّة، فإنّ المحصّلة الجماعيّة للاقتراع في جميع الأحوال هي خلق وضعيّة سياسيّة جديدة لها منطلقها الخاص وتتدخّل بشكل تام بعد ذلك في تحديد نتائج الخيارات الفرديّة وآثارها على مستوى الواقع العمومي دون أن تنفي الدّور المباشر للفرد الذي يأخذ صفة العون الاجتماعي المحكوم بنتائج هذه الخيارات الجماعيّة وفاعليّتها المسلّطة عليه والمجسّدة في الواقع للتّعبير عن ضرورة الإختيار بين متنافسين إثنين فقط  دون سواهما. غير أنّ هذا الحقل من الإمكانيّات والإختيارات المتاحة أمام الفرد ولئن كان يعبّر عن مقتضيات الفعل الجماعي الذي أفضى إلى هذه النّتيجة فإنّه في الأصل قد تشكّل حسب مقتضيات الخيارات الفرديّة التي تحكّمت في عمليّة الإقتراع خلال الدّور الأوّل ومن ثمّة تحكّمت صياغة حقل الإختيارات في الدّور الثّاني.

في علاقة بكلّ ذلك فإنّ مسألة الفعل الجماعي توجد ضمن آفاق منهجيّة مختلفة تماما ومتن تحليلي آخر غير الفردانيّة المنهجيّة. كما أنّ الثّقافوي الذي يطرح مبدأ الهويّات الثّقافيّة والوظيفي الذي ينتصر إلى مبدأ اندماج السّلوكيّات في نسق كلّي يبدوان جاهزين أكثر لفهم الأفعال الجماعيّة مقارنة بالنّظريّة التي تجد من حيث المبدأ صعوبة في التّفكير في حالة المرور من تعدّد الخيارات إلى وحدة الفعل. وفي حين تسعى السّوسيولوجيا ذات الخلفيّة البنيويّة إلى توظيف بحوثها في الارتباط بالأعمال التّاريخيّة التي تنتصر إلى الجماعات والكلّيات الاجتماعيّة التّحديديّة[69]، فإنّ المقاربة الفردانيّة تسعى إلى الاستعارة بشكل أكثر إراديّة من الأشغال التّاريخيّة التي تبيّن بشكل تقليدي جدّا أهميّة خيارات الفاعلين الاجتماعيّين وميولاتهم.

ومن أجل إنهاء الحوار بين البنيويّة التّكوينيّة والفردانيّة المنهجيّة[70] يمكن أن نستحضر الجدل الذي يهمّ الايديولوجيا السّياسيّة. فهذه المسألة تمثّل موضوع تأويل حاد انطلاقا من تلكما المقاربتين: البنيويّة التي تضع في مركز اهتمامها وتحليلها البحث في العلاقات بين الوضعيّات الطّبقيّة، والآراء والمواقف والأحكام التي تسلّم بأنّ تلك الأشكال من الوعي هي في علاقة تحديديّة مع تلك الوضعيّات، كما تسلّم أيضا بأنّ تلك الآراء والأحكام مشروطة بمحدّدات وجودها المرتبطة بالفضاء الاجتماعي والمتّصلة به اتّصالا وثيقا[71]. في المقابل نجد الفردانيّة المنهجيّة تعارض جذريّا هذا الفهم للإيديولوجيا كما تجدّد اعتراضها على كلّ تحديديّة سوسيولوجيّة وتدعو إلى التّساؤل حول خيارات الأفراد وميولاتهم ومصالحهم من أجل فهم انخراطهم في إيديولوجيا معيّنة دون غيرها وارتباطهم بها.

تبعا لهذه المعالجة المزدوجة أو التّوفيقيّة فإنّه ينبغي اعتبار المسئول السّياسي مثل أيّ فاعل اجتماعي ومثل كلّ من يملك هامشا من الحرّيّة، وهذا لا يعني أنّ خياراته عقلانيّة وناجعة بالضّرورة، لأنّ تبعات الآثار العكسيّة التي تتابع القرارات السّياسيّة بما فيها الأكثر حكمة  يبيّن إلى أيّ مدى يمكن أن يتسلّل الفارق بين الانتظارات العقلانيّة لأصحاب القرارات السّياسيّة وبين ما يسمّى بـ”عقلانيّة القرارات”.

خــــاتــمــة

في لحظة التّقارب والتّوافق بين المناهج يصعب أن نجد في العلوم الاجتماعيّة القوّة النّزاعيّة التي كانت تعارض بين موقع الفردانيّة وموقع الهولستيّة[72]. فالأرضيّة المنهجيّة وسّعت من دائرة الاختلاف بين أولئك الكتّاب الذين يناضلون من أجل ليبراليّة محتكرة من طرف المصالح الفرديّة والأنانيّة وأولئك الذين ينطلقون من كارل ماركس ليقرأوا على سطح المجتمع الأفعال ما تحت الأرضيّة لقوى رأس المال[73].

غير أنّ السّؤال حول التّقليص من الصّيغة الجماعيّة للوقائع إلى مستوى بُعدها الفردي وكذلك الارتباط بين الكلّيات الاجتماعيّة والأطر الاجتماعيّة المجهريّة لا يتلخّص فقط في الإجابة عن سؤال منهجي صرف. ومن أجل أن يتمّ تناولها بتوفيق ينبغي أن تكون متزاوجة مع شروط وجودها[74]، وبالتّالي فالمراوحة وحدها بين المنهج والأساس الوجودي للوقائع تسمح بالإفلات من الصّورة الماسخة نوعا ما للمواقف التي تبديها الفردانيّة المنهجيّة وبفعلها لا يمكن أن تعرف سوى الأفراد وتتجاهل الكلّيات، في حين أنّ الهولستيّة المنهجيّة تُخضع الأفراد إلى فاعليّة الكلّيات[75].

بناء على ذلك فإنّنا نجد صعوبة في تحديد الضّوابط التي ينبغي اتّباعها من أجل التّمييز بين الخيارات الفرديّة و الخيارات الجماعيّة[76]. فأمام المجتمع الذي نصنّـفه دينيّا، لا الفردانيّة المنهجيّة ولا الهولستيّة المنهجيّة يمكن أن تفرض ذاتها على الأخرى. والباحث يُمكن أن يحلّل المعتقدات باعتبار أنّها إنتاج جماعي يفرض فاعليّته على الأفراد، أو بصفتها تعبيرا عن المصالح الفرديّة. هكذا فإنّ الفردانيّة المنهجيّة ستكون مطابقة للهولستيّة المنهجيّة بمجرّد أن يفكّر الأفراد في أنّهم منفعلين بضوابط ومعايير جماعيّة.

ولكن أيضا أمام المجتمع الذي نصنّفه بالحداثي لا الفردانيّة المنهجيّة ولا الهولستيّة المنهجيّة يمكن أن تفرض أهمّيتها على الأخرى. والمحلّل الذي له خيار تفسير هذه المعتقدات يوجد بين قراءتها في شكل إنتاج جماعي وبين اعتبارها مصالح فرديّة. وبشكل متواز ومتساو فإنّ الهولستيّة المنهجيّة هنا ستكون متطابقة مع مجرّد أن يحدّد الفاعلون مصيرهم بالمصالح الفرديّة.

وبناء على ذلك أيضا فإنّه على العكس من انطباعات العديد من الباحثين والكتّاب فإنّ المناهج ينبغي أن تتكامل وتتقاطع فيما بينها حيث يمكن أن نجد تفسيرات هولستيّة لظواهر فرديّة وتفسيرات فرديّة لظواهر كليّة، باعتبار أنّه ليس ثمّة منهج هولستي واحد لفهم ماهو كلّي وليس ثمّة منهج فرداني واحد لفهم ماهو فردي[77]. لذلك فإنّ الفردانيّة المنهجيّة في حدّ ذاتها باعتبار أنّها نموذج تفسيريّ لم تعد منحصرة في ما يفرضه سياق الفردانيّة المنفعلة بالنّواميس اللّيبراليّة بل يمكن أن تأخذ أشكالا وأبعادا أخرى كما يمكن أن تنبع من سياقات متعدّدة. فالفردانيّة التي قدّمها فريديريك فون حايك[78] وكارل بوبر[79] في سياق فكري ليبرالي من أجل إبراز تفوّق الفرد الفاعل في نسق اجتماعي اقتصادي يراهن على فاعليّة الدّور والمكانة الفرديّين في نظام ليبرالي مفتوح بالقدر الذي يكون فيه الفرد ملهما للمجتمع وملزما لشروط النّسق المفتوح. في مواجهة ذلك هناك فردانيّة مأساويّة تجتمع فيها خصائص الفعل التّجميعي الذي يلخّص واقع الألم الجماعي والإقصاء الاجتماعي وفردانيّة أخرى صاخبة تعبّر عن فاعليّة الفرد في التّعبير عن الوعي الجماعي والتّطلّع الجماعي. هذه الفردانيّة المأساويّة التي ولدت من صلب المعاناة والتّهميش الجماعيّين في نسق من الهامشيّة المغلقة والمنحصرة فئويّا وجغرافيّا بفعل ما فرضه عليها نسق الحظوة والامتيازات المقابل والمغلق بدوره. وردت هذه الفردانيّة الطّارئة وعبّرت عن أصلها الفجئي الصّدفي بروح جماعيّة من خلال إقدام البوعزيزي (ومثله فعل خالد سعيد في مصر) على الانتحار حرقا ليترجم حالة متفرّدة جامعة لكلّ الحالات التي تواجه نسق الإقصاء والتّهميش. أمّا الفردانيّة الصّاخبة فهي تلك التي نحت ملامحها شكري بلعيد ليعبّر بها عن تطلّع جماعي إلى بلوغ مستوى أرقى من المواطنة والحصول على منسوب أوفر من الحقوق وإلى تحقيق مبادئ الحريّة والدّيمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة. وبالتّالي فإنّها فردانيّة قادرة على اختزال التمثّلات الجماعيّة لأولئك الذين عبّر عنهم البوعزيزي ليكتمل دورهم الاجتماعي مع شكري بلعيد. وفي الحالتين (حالة البوعزيزي وحالة شكري بلعيد) فإنّنا لم نعد إزاء فردانيّة تمثّل أساس الظّاهرة الاجتماعيّة وتتحكّم في تشكّلها، بل نحن إزاء فردانيّة تختزل الظّاهرة الاجتماعيّة وتكثّف تجلّياتها وتعبّر عن التّمثّلات الاجتماعيّة. إنّها الفردانيّة الجامعة.


بيبليوغرافيا

  • هوبسباوم، إيريك، عصر الثّورة: أوروبا (1789-1848)، ترجمة فايز الصُيّاغ، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، الطّبعة الثّانية، بيروت 2008.
  • أرندت، حنّا، في الثّورة، ترجمة عطا عبد الوهّاب، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، بيروت 2008.

 

 

 

  • Andolfatto, Dominique, « Syndicalisme et individualisme », in Projet, n° 271 – 2002.
  • Ansart, Pierre, « Sociologie et sciences du politique», in Cahiers internationaux de sociologie, vol XCIV, 1993.
  • Behar, Roland, « De la souffrance de l’individu à la souffrance de la société », in Revue des sciences morales et politiques, 1977, N°3.
  • Ben Hammouda, Hakim, Les pensées uniques en économie, Paris, L’Harmattan, 1997.
  • Boudon, Raymond, « Individualisme et holisme dans les sciences sociales », in Pierre Birnbaum et Jean Leca (dir), Sur l’individualisme, Paris, Presse de la fondation nationale des sciences politiques, 1991.
  • Boudon, Raymond, « L’individualisme en sociologie », in Esprit n° 11, novembre 1985.
  • Boudon, Raymond, Effets pervers et ordre social, Paris, PUF, 1977.
  • Bredin, Jean- Denis, « La France et les droits de l’homme », in Revue des sciences morales et politiques, n° 2, avril – juin 2001.
  • Brochier, Hubert, « A propos de l’individualisme méthodologique: l’ouverture d’un débat », in Revue d’économie politique, n°104, janvier – février 1994.
  • Cassirer, Ernest, Individu et cosmos, traduit de l’allemand par Pierre Quillet, Paris, Minuit, 1983.
  • Cibois, Philippe, « Individualisme méthodologique et sociologie », in Esprit n°2, février 1985.
  • Colin, Denis, La théorie de la connaissance chez Marx, Paris, L’harmattan, 1996.
  • Cugno, Alain, « Modernité et individualisme », in Projet, n° 271, septembre 2002.
  • Defalvard, Hervé, « Critique de l’individualisme méthodologique, revue par l’économie des conventions », in Revue Economique, N°1, janvier 1992.
  • De Singly, François, L’individualisme est un humanisme, Paris, Edition de l’aube, 2005.
  • De Tocqueville, Alexis, De la démocratie en Amérique, tome 2, Paris, Gallimard (coll. Falio) 1986.
  • De Tocqueville, Alexis, L’ancien régime et la révolution, Paris, Gallimard, 1967.
  • Delobelle, André, « L’individuel et le social dans le phénomène humain », in Diogène, n°117/ 1982.
  • Dourlen, Michèle- Ansart, « Le rôle des individualités au cours des mutations historiques », in Cahiers internationaux de sociologie, vol XCIV, 1983.
  • Dumont, Louis, Homo-aequalis, genèse et épanouissement de l’idéologie économique, Paris, Gallimard 1977.
  • Durkhiem, Emile, L’individualisme et les intellectuels, (préface par Sophie Jankélévitch), Paris, Mille et Une Nuit – PUF, 1987.
  • Elias, Norbert, La société des individus, Traduit de l’allemand par Jeanne Etoré, Paris, Arthème Fayard 1991.
  • Elster, John, « Marxisme et individualisme méthodologique », in Pierre Birnbaum et Jean Leca (dir), Sur l’individualisme, Paris, Presse de la fondation nationale des sciences politiques, 1991.
  • Fischbach, Frank, La production des hommes: Marx avec Spinoza, Paris, PUF,
  • Freund, Julien, «De l’interprétation dans les sciences sociales», in Cahiers internationaux de sociologie, Vol, LXV, 1978.
  • Gauchet, Marcel, La démocratie contre elle-même, Paris, Gallimard 2002.
  • Kardiner, Abram, L’individu dans sa société : essai d’anthropologie psychanalytique, Traduit de l’anglais par Tanette Prigent, Paris, Gallimard, 1969.
  • Kraiem, Mustapha, La Révolution kidnappée, La Maghrébine pour l’impression et la publication du livre, Tunis 2014.
  • Le Corre, Françoise, « Individu, individus : rois sans royaume », in Etudes, janvier 1998.
  • Mbonda, Ernest-Marie, « La pauvreté comme violation des droits humains : vers un droit à la non-pauvreté», in Revue Internationale des Sciences Sociales, n° 180, juin 2004.
  • Panikkar, Raimundo, «La notion des droits de l’homme est-elle un concept occidental?», in Diogène 1982, n° 120.
  • Renaut, Alain, L’ère de l’individu, Paris, Gallimard, 1989.
  • Rollet, Jacques, « De l’individualisme selon Tocqueville », in Projet 196/ 1985.
  • Sané, Pierre, « La pauvreté, nouvelle frontière de la lutte pour les droits de l’homme », in Revue Internationale des Sciences Sociales, n°180, juin 2004.
  • Simmel, Georges, Les problèmes de la philosophie de l’histoire, Paris, PUF 1984.
  • Sombart, Werner, L’apogée du capitalisme, Tome 1, Paris, Payot, 1932.
  • Sombart, Werner, Le Bourgeois, contribution à l’histoire morale et intellectuelle de l’homme économique moderne, Paris, Payot 1966.
  • Touraine, Alain, « Modernité et spécificité culturelle », in Revue Internationale des Sciences Sociales n°118, novembre 1988.
  • Valadier, Paul, « La morale après l’individualisme », in Projet, n° 271, septembre 2002.
  • Vigarello, George, « Le deuxième âge de l’individualisme », in Esprit, n°7-8, juillet – aout 1984.
  • Waterlot, Christian, « Les droits de l’homme et le destin de la tolérance », in Diogène n° 176, octobre – décembre 1996.
  • Weber, Max, L’Ethique protestante et l’esprit du capitalisme, Paris, Plon.
  • Weber, Max, Le savant et le politique, Paris, Plon 1959.
  • Yacoub, Joseph, « Pour un élargissement des droits de l’homme», in Diogène n° 206, avril- juin 2004.

 

[1] – نحاول أن نختبر هذه المتغيّرات على مفهوم التّغيير الاجتماعي باعتباره مسارا من إعادة تشكّل البنيات الاجتماعيّة بصورة قابلة للملاحظة والتّشخيص ويسمح بقياس الفروق بين وضعيّتين متغايرتين لتلك البنيات مع ما يعنيه ذلك من إدراك نتائج التّغيّر على مستوى الخصائص الجزئيّة والفرديّة للمجتمع وكذلك خصائصه الكلّية. غير أنّ واقع الحال ولئن توفّرت فيه العوامل السّياسيّة والأيديولوجية والاقتصاديّة والثّقافيّة إلاّ أنّه من باب المجازفة الإقرار بأنّه مسار من التّغيير الاجتماعي المنظومي/ الكلّي. من هنا نجد تبريرا للتّساؤل حول الفردانيّة الجامعة أو الفردانيّة المعاكسة.

 

[2] – الضابط الفرنسي الذي عاش بين 1859 و 1935 والمنحدر من عائلة يهوديّة من منطقة لـلـزاس. حوكم من طرف مجلس الحرب الباريسي في 22 ديسمبر 1894 بتهمة الخيانة وسلّطت عليه عقوبة الحط من الرّتبة العسكريّة والإبعاد مدى الحياة إلى جزيرة الشّيطان في غويانا. وقد أثارت هذه المحاكمة حفيظة المثقّفين الفرنسيّين وبالخصوص اليساريّين والاشتراكيّين على أساس أنّ المحاكمة كانت جائرة وتتنزّل في إطار الممارسات المعادية للسّاميّة. وقد كان الكاتب الفرنسي إميل زولا في مقدّمة المثقّفين المساندين لدرايفوس وبرز من خلال رسالته المفتوحة التي وردت تحت العنوان الأكثر شهرة في تاريخ رسائل الإحتجاج: “أنا أتّهم”. وبسبب ذلك تعرّض إميل زولا بدوره إلى المحاكمة التي كلّفته عقوبة السّجن عاما واحدا وخطيّة ماليّة بقيمة 3000 فرنك فرنسي. وكانت قضيّة درايفوس وراء أعمق أزمة سياسيّة عرفتها الجمهوريّة الثّالثة الفرنسيّة وأدّت إلى خلق تكوينات سياسيّة جديدة من اليسار ومن اليمين.

[3] – من المهم الإشارة إلى أنّ دوركايم هو صهر درايفوس وبالتّالي فإنّ مساندته له من الممكن أن تكون قد خضعت إلى معايير ومحدّدات شخصيّة وفرديّة صرف.ومع ذلك فإنّه لم يتنازل عن تصوّره المبني على الفاعليّة الاجتماعيّة في ضبط وتحديد وتوجيه الفعل البشري وتكوين الظّاهرة الاجتماعيّة. ومساندة دوركايم لدرايفوس والتحاقه بصفوف المدافعين عنه يضعه في حرج معرفي باعتبار أنّ السّيرة العلميّة لأغلب الكلاسيكيّين منفعلة بسيرتهم الذّاتيّة غير أنّ دوركايم يبدي حالة فصاميّة في ذلك، لأنّه لم يبرز انسجاما بين موقفه الشّخصي من محاكمة درايفوس وتوجّهه العلمي في دراسة الوقائع الاجتماعيّة. حينئذ يمكن أن نتساءل: أيّهما تنازل للآخر، دوركايم الهولستي أم دوركايم اليهودي المتعاطف مع ابن طائفته؟ وبالتّالي أيّهما كان أكثر قدرة على تأكيد أنّ شروط الحياد العلمي لا تعترف بالمحدّدات الشّخصيّة: دوركايم الذي ساند درايفوس مع بقيّة المثقّفين ولم يوقّع على بيانهم بحجّة أنّه لا يؤمن بمجتمعيّة قضيّة الحال وبأنّها حالة فرديّة غير منسجمة مع شروط  تشكّل الظّاهرة الاجتماعيّة كما يراها هو، أم دوركايم الذي تمسّك بتأصّله المنهجي وجذوره الوضعيّة واحتكم إلى معايير معرفيّة وابستيمولوجيّة صرف حتّى في تعامله مع قضيّة شغلت فرنسا وخلقت فيها ديناميكيّة سياسيّة وساهمت في إعادة تشكّل مجتمعها السّياسي وخلقت واحدة من أبرز الأزمات في الجمهوريّة الثّالثة الفرنسيّة؟ وأيّهما حقّق انتصارا على الآخر: دوركايم الذي كان عليه أن يستحضر يهوديّته ويشتغل على معنى التّضامن الآلي ويستحضر واقع المجتمع التّقليدي في فرنسا الصّناعيّة الحداثيّة، أم دوركايم الهولستي الذي تحوّل إلى مدافع عن الجمهوريّة الفرنسيّة حتّى في مواجهة النّقابات والمجتمع المدني الفرنسي بحجّة ضرورة الدّفاع عمّا وصلت إليه فرنسا من تطوّر التّقسيم الوظائفي للعمل وبالتّالي فإنّه لم يعد ثمّة مجال سوى للتّضامن العضوي المتجاوز للمحدّدات التّقليديّة؟ في جميع الحالات التي يمكن أن تؤول إليها الإجابة الأقرب إلى الحقيقة فإنّه يعسر أن نجد حيادا تامّا في التّناول العلمي لمثل هذه القضايا حتّى لدى دوركايم أكثر الملتزمين بمبادئ التّمشي الوضعي وهو الذي أسّس تعاليم السّوسيولوجيا القائمة على تشيئة الظّواهر الاجتمايّة. لذلك فإنّنا نجده في وضعيّة مزدوجة لا تحقّق الانسجام بين دوركايم الفرد/ الفاعل ودوركايم المحلّل/ عالم الاجتماع.

[4] -Durkheim, Emile, L’individualisme et les intellectuels, Paris, PUF 1987, p. 07.

[5]Ibid. p. 09.

[6]Ibid. p. 14.

[7]Ibid, p. 10.

[8] – Dourlen, Michèle- Ansart, « Le rôle des individualités au cours des mutations historiques », in Cahiers internationaux de sociologie, vol XCIV, 1983. p. 78.

[9] – Le Corre, Françoise, « Individu, individus : rois sans royaume », in Etudes, janvier 1998. p. 55.

[10] –  Ibid, p. 55.

[11] – Weber, Max,  L’Ethique protestante et l’esprit du capitalisme, Paris, Plon 1986, p. 122.

[12]– Cassirer, Ernest, Individu et cosmos, traduit de l’allemand par Pierre Quillet, Paris, Minuit, 1983. p. 48.

[13]– إنّ إعادة البناء الثّمين للتّاريخ ذاته بالمعنى الذي يشير إليه مارسال غوشيه يعلّمنا بأنّ الاستعمال العمومي الأوّل والأكيد لمفهوم الفردانيّة كان سنة 1826 بقلم محرّر مجهول بالمجلّة السّانسيمونيّة المُنتج (Producteur) ليشير إلى انخفاض الاقتصاد إلى أضيق مجال من الفردانيّة. وقد أعيد استعمال العبارة سنة 1829 من طرف أنفانتان Enfantin في تقديم النّظريّة السّانسيمونيّة من أجل تحديد حالة تفكّك المجتمع الذي يحتاج إلى أن يتمّ إصلاحه بشكل عميق. ثمّ ارتبط بعد 1830 بالتّجربة التي نعرفها لدى الكتّاب الاشتراكيّين الذين شخّصوا هذه الوحدة التّكوينيّة في المجتمع البورجوازي الذي يجب أن تتجاوزه متطلّبات المصلحة العامّة.

[14] – Renaut,  Alain, L’ère de l’individu, Paris, Gallimard, 1989, p. 78.

[15] – Cassirer, Ernest, Individu et cosmos, op. cit. p. 48.

[16] – Renaut, Alain, L’ère de l’individu, op. cit. p. 70.

[17] Ibid,  p. 79.

[18] – Andolfatto, Dominique, « Syndicalisme et individualisme », in Projet, n° 271 – 2002. p. 82.

[19]Ibid, p.84.

[20] – Le Corre, Françoise, « Individu, individus… », op. cit. p. 56.

[21] – نشير على سبيل الذّكر إلى أنّ الباجي قايد السّبسي هو الشّخصيّة الأكثر تعبيرا عن هذه الحالة بالنّظر إلى أنّه عايش كلّ الأجيال السّياسيّة المتعاقبة منذ السّنوات الأخيرة من الاستعمار الفرنسي المباشر لتونس وتعايش معها وانخرط في كلّ الكتل التّاريخيّة المتعاقبة وكان من أعوان النّظام القائم الدّائمين والمدافعين عن السّائد، وعلى هذا الأساس فإنّه من أهمّ النّماذج المثاليّة للتّعبير عن الوافدين من زمن ماقبل الثّورة. ولا يمكن أن تمثّل عودته إلى الّاحة السّياسيّة إلاّ في إطار الاستراتيجيا الدّفاعيّة التي ينتهجها أعوان النّظام القديم في حماية مصالحهم والإبقاء عن حظوظهم في الانخراط في حقل الصّراع حسب قواعده الجديدة.

[22] –  Dourlen, Michèle- Ansart, « Le rôle des individualités … », op. cit. p. 80.

[23] – لا نستعمل مفهوم “الفردانيّة المتجدّدة” هنا بالمعنى الذي يشير إليه ريمون بودون (المعنى المستعمل في متن النّص في نطاق تصنيف أنواع الفردانيّة) ولكن بالمعنى المتداول في نطاق المعارف الشّائعة والذي يحيل على حالة التّكرار والظّهور في مناسبات متعدّدة وفي أكثر من موقع ومع أكثر من فاعل اجتماعي.

[24] – Dourlen, Michèle- Ansart, « Le rôle des individualités … », op. cit. p. 81.

[25] – تعرّض حزب الوطنيّين الدّيمقراطيّين الموحّد إلى أزمة كادت تعصف به بعد اغتيال زعيمه ومؤسّسه شكري بلعيد.

[26] – من تبعات اغتيال محمّد البراهمي فإنّ التّيار القومي النّاصري في تونس تعرّض إلى انقسامات حادّة وأزمة تنظيميّة لا تزال تلقي بظلالها على مكانته السّياسيّة … ومازال لم يتعاف منها إلى حدّ الآن.

[27] – Kraiem, Mustapha, La Révolution kidnappée, La Maghrébine pour l’impression et la publication du livre, Tunis 2014, p. 482- 483.

[28] – Dourlen, Michèle- Ansart, « Le role… », op. cit. p. 80.

[29] – Weber, Max,  Le savant et le politique, Paris, Plon 1959, p. 165.

[30]– Boudon, Raymond, Effets pervers et ordre social, Paris, PUF, 1977,  p.20.

[31] – Kardiner, Abram, L’individu dans sa société : essai d’anthropologie psychanalytique, Traduit de l’anglais par Tanette Prigent, Paris, Gallimard, 1969. p. 414.

[32] – Dourlen, Michèle- Ansart, « Le rôle des individualités … », op. cit. p. 84.

[33]Ibid, p. 84.

[34]– Sané, Pierre, « La pauvreté, nouvelle frontière de la lutte pour les droits de l’homme », in Revue Internationale des Sciences Sociales, n°180, juin 2004, p. 304.

[35]Ibid, p. 304.

[36] – Mbonda, Ernest-Marie, « La pauvreté comme violation des droits humains : vers un droit à la non-pauvreté», in Revue Internationale des Sciences Sociales, n° 180, juin 2004, p. 309.

[37] – Gauchet,  Marcel, La démocratie contre elle-même, Paris, Gallimard 2002, pp. 235-236.

[38] –  Bredin, Jean- Denis, « La France et les droits de l’homme », in Revue des sciences morales et politiques, n° 2, avril – juin 2001. p. 24.

[39] – Panikkar, Raimundo,  «La notion des droits de l’homme est-elle un concept occidental?», in Diogène 1982, n° 120. p. 100.

 [40] – Waterlot, Christian, « Les droits de l’homme et le destin de la tolérance », in Diogène n° 176, octobre – décembre 1996. p. 49.

[41] – Gauchet, Marcel, La démocratie…, op. cit. pp. 238 – 255.

[42] – Panikkar, Raimundo,  «La notion des droits de l’homme est-elle un concept occidental?», in Diogène 1982, n° 120, p.98.

[43] – Yacoub, Joseph, « Pour un élargissement des droits de l’homme», in Diogène n° 206, avril- juin 2004, p.103.

[44] – Rollet, Jacques, « De l’individualisme selon Tocqueville », in Projet 196/ 1985. p. 80.

[45]  Ibid, p. 81.

[46] – Hibou, Béatrice, La force de l’obéissance, op. cit. p. 110.

[47] – De Tocqueville, Alexis, De la démocratie en Amérique, tome 2, Paris, Gallimard (coll. Falio) 1986, p. 143.

[48]Ibid, p. 144.

[49]–  Ibid, p.145.

[50] – De Tocqueville, Alexis, L’ancien régime et la révolution,  Paris, Gallimard, 1967,  p. 177.

[51] – Rollet, Jacques, « De l’individualisme selon Tocqueville »,   in Projet 196/ 1985, p. 82.

[52]– Dolobelle, André, « L’individuel et le social dans le phénomène humain », in Diogène, n°117/ 1982. p. 69.

[53] – ما يمكن الإقرار به أن “الثّورة التّونسيّة” أنتجت شعاراتها الآنيّة وليدة اللّحظة الثّوريّة ولكنّها لم تؤسّس مبادئ ثوريّة يمكن أن تتحوّل إلى تراث ثوري. فالشّعارات المعلّقة التي لا تتحقّق في أرض الواقع لا يمكن أن تمضي إلى مستوى بناء مبادئ الثّورة. والثّورات التي استكملت مهامها وحقّقت شعاراتها وأعطت للإنسانيّة منجزا ثوريّا هي الثّورات التي أسّست مبادئها. ومبادئ الثّورة ليست هي مجرّد الشّعارات المكثّفة التي يمكن إبداعها لحظة الحراك الثّوري بل هي المبادئ التّأسيسيّة للنّظام والمجتمع البديلين عن النّظام والمجتمع اللّذين استهدفتهما الثّورة. الشّعارات لها اتّجاهان: فهي تستهدف السّائد بالوصف والتّشهير وتتطلّع إلى البديل بالإشادة والتّنويه، أمّا المبادئ فهي تتّجه بكلّ وضوح إلى تأسيس واقع جديد تتحقّق فيه تلك التّطلّعات الواردة في الشّعارات.

[54] – Dourlen, Michèle- Ansart,  « Le rôle des individualités… », op. cit. p. 77.

[55]Ibid, p. 84.

[56] – De Tocqueville, AlexisL’ancien régime…, op. cit. p. 208

[57] – Dourlen,  Michèle- Ansart, « Le rôle des individualités… », op. cit. p. 84

 

[58] – هكذا كان جيروندان غوداي Girondin Gudet قد اتّهم روبسبيار في ربيع  1792 بأنّه تحوّل إلى المثال الأعلى للشعب. وهو نفس التّبرير الذي استعمله روبسبيار لتوقيف دانتون في 1794 حيث اعتمد على حجّة من نفس النّوع: “لوجوندر Legendre  تكلّم عن دانتون لأنّه يعتقد بلا شكّ أنّ هذا الاسم يعبّر عن امتياز ما. نحن لا نريد امتيازات كما لا نريد مثلا أعلى”. وفي تقريره الذي اتّهم فيه الدّانتونيّين Dantonistes يؤكّد سان جوست أنّ “الثّورة في الشّعب وليست أبدا في مسمّى أيّ شخص.

[59] -هوبسباوم، إيريك، عصر الثّورة: أوروبا (1789-1848)، ترجمة فايز الصُيّاغ، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، الطّبعة الثّانية، بيروت 2008.

[60] – أرندت، حنّا، في الثّورة، ترجمة عطا عبد الوهّاب، المنظّمة العربيّة للتّرجمة، بيروت 2008.

[61] – Rollet, Jacques, « De l’individualisme selon Tocqueville », op. cit. p. 78.

[62] –  Ibid, p.80.

[63] – التّجربة التّونسيّة (تاريخيّا وحينيّا) تشير إلى أنّ الطّبقات الشّعبيّة تتّجه إلى الانضمام إلى حزب قوي التّنظيم وتعتبره بمثابة محلّ ثقة للدّفاع عن مصالحها. يتّخذ مفهوم الايديولوجيا ضمن هذه الآفاق معنى واسعا ويشير إلى مجمل التّمثّلات المشوّهة للعلاقات الاجتماعيّة والتي تستجيب لوضعيّة مجموعة أو طبقة اجتماعيّة وتؤمّن بشكل خاص وظائف إثبات المشروعيّة.

[64] – من بين الظّواهر التي برزت بكثافة وأثّرت بشكل ما في نتائج انتخابات المجلس التّأسيسي نذكر توظيف المساجد في الحملة الانتخابيّة لفائدة حركة النّهضة (أكبر الأحزاب الإسلاميّة وأهمها) واستعمال الخطاب الدّيني لاستمالة أصوات النّاخبين. وقد لعب أئمّة العديد من المساجد هذا الدّور بالإضافة إلى الخيمات الدّعويّة والجمعيّات الخيريّة والتّوعويّة التي تبطن أهدافا سياسيّة، وقد وصل الأمر إلى حدّ إصدار فتاوى تكفيريّة في حق الخصوم السّياسيّين خاصّة الأحزاب الحداثيّة والعلمانيّة.

[65] – Ansart, Pierre, « Sociologie et sciences du politique», in Cahiers internationaux de sociologie, vol XCIV, 1993, p. 29.

[66]Ibid. p. 28.

[67] – Elias, Norbert, La société des individus, Traduit de l’allemand par Jeanne Etoré, Paris, Arthème Fayard 1991. p. 238.

[68]Ibid, p. 239.

[69]  – Ansart, Pierre, « Sociologie et sciences du  politique », op. cit. p. 31.

[70] – هذا التّعارض المحسوم بين البنيويّة والفردانيّة يوضّح سلسلة من التّعارضات: التّحديديّة – اللاّتحديديّة، الهولستيّة – الفردانيّة، الوضعيّة – الذّاتيّة، وهي التّعارضات التي تصطدم بها السّوسيولوجيا السّياسيّة… ففي رسم تشخيص أوّلي يمكن أن نجزم أنّ البنيويّة التّكوينيّة تتّجه إل اختزال العون في موقع ما في الفضاء الاجتماعي وضمنيّا تختزل المواطن في منوال من التّطابق المفروض عليه من طرف النّسق. كما يمكن أن نجزم أنّ الفردانيّة تسعى من حيث المبدأ إلى اختزال الضّغوطات والهيمنة إلى مجرّ نتائج لوضعيّات معيّنة يمكن لكلّ واحد أن يؤوّلها بكلّ حرّية وكلّ عقلانيّة.

[71] – Ansart, Pierre, « Sociologie et sciences du politique », op. cit. p. 32.

[72] – Cibois, Philippe, « Individualisme méthodologique et sociologie », in Esprit n°2, février 1985 p.106.

[73]– Defalvard,  Hervé, « Critique de l’individualisme méthodologique  revue par l’économie des conventions », in Revue Economique, n°1, janvier 1992, p. 130

[74]Ibid, p. 130.

[75] – هناك من يسمّي هذه الفردانيّة بالفردانيّة النّفسانيّة، وهي التي تعتبر أنّ نقطة المواجهة بين الفردانيّة المنهجيّة والهولستيّة المنهجيّة يمكن تلخيصها في السّؤال حول مدى التّقليص أو عدم التّقليص من التّكتّلات الاجتماعيّة إلى مستوى البعد الفردي.

[76]– Valadier, Paul, « La morale après l’individualisme », in Projet, n° 271, septembre 2002, p. 63.

[77]– Behar, Roland, « De la souffrance de l’individu à la souffrance de la société », in Revue des sciences morales et politiques, 1977, N°3. p. 98.

[78] –   Fréderic Auguste Von Hayek(1899- 1992) النّمساوي اللّاجئ إلى بريطانيا ثمّ إلى الولايات المتّحدة. هو الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد سنة 1974 باعتبار معارضته الشّديدة للماركسيّة بل أيضا حتّى للكينزيّة القائلة بإمكانيّة تدخّل الدّولة ودورها الحمائي في النّظام الاقتصادي. فهو يرى أنّ السّوق هو أفضل إجابة على مشكلة التّعديل في المجتمعات المعقّدة هو اقتصاد السّوق. كما يبرّر دفاعه المستميت على الحريّة الفرديّة باعتقاده في وجود نظام تلقائي. لذلك فقد سخّر كلّ أعماله ليبيّن تفوّق المجتمع اللّيبرالي على كلّ الأشكال الأخرى للتّنظيم الاجتماعي   من أهمّ ما كتب فريديريك حايك:   Prix et production (1931), La route de la servitude (1944), Droit, legislation et liberté (1971

[79] – Karl Popper (1902- 1994) فيلسوف سياسي تميّز بنقده للهولستيّة الكلّيانيّة والتّاريخانيّة باعتباره مدافعا عن الدّيمقراطيّة واللّيبراليّة التّقدّميّة. نجد عنده نقدا واضحا للأنساق الكبرى المغلقة وخاصّة الماركسيّة. فهوينقدها في نفس الوقت بسبب تاريخانيّتها وكذلك تحديديّتها. مقابل ذلك فإنّه يرى في اللّيبراليّة والدّيمقراطيّة نسقا مفتوحا استمرّ بعد عمليّة فرز عبر التّاريخ وهو يعني ما تبقّى بعد إلغاء الأخطاء عبر التّاريخ وأخطاء الماضي (الاستبداد، التّسلّط، الدّكتاتوريّة). في حين يرى أنّ الدّيمقراطيّة هي النّسق المفتوح الذي تكون فيه كلّ الأخطاء قابلة للتّصحيح بما في ذلك إقصاء القادة السّيّئين    من أهمّ ما كتب كارل بوبر:

La logique de la découverte scientifique (1935), La société ouverte et ses ennemis (1945), Misère de l’historicisme (1945), Conjectures et réfutations (1963)

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: