إشكالية الاختلاف: دور النظام الاجتماعي، وإمكانية الحل

img

إشكالية الاختلاف: دور النظام الاجتماعي، وإمكانية الحل

 

رسلان  جادالله عامر

 

الاختلاف هو حقيقة دائمة، لم يغب عن تاريخ البشر ولا عن حاضرهم، ولن يغيب عن مستقبلهم، وهو حاضر في كلّ ميادين حياتهم ويلعب فيها أدوارا مختلفة، فيكون أحيانا مصدرا للتّنوّع والإغناء والتّفاعل البنّاء، وقد يتحوّل في سواها إلى مسبّب للخلاف، الّذي قد يتحوّل بدوره إلى صراع هدام، وقد يقع أثره ومفعوله بين هذا وذاك قي أحيان أخرى، فيتعايش المختلفون دون أن يكون بينهم تكامل بنّاء ولا صراع هدّام يذكران.

 

هذا الاختلاف هو في جوهره جزء أساسيّ من طبيعة الوجود، فالكون والطّبيعة حافلان بالاختلافات، التي لولاها لما كان ممكنا للكون وللطّبيعة أن يتكوّنا، وكذلك هو الحال في العالم البشريّ، فالبشر مختلفون في الجنس، وهم مختلفون في التّكوين والبنية، في أجسادهم وأذواقهم ورغباتهم وعقولهم، ومختلفون في أماكن عيشهم وظروف حياتهم، وهذا ينشأ عنه بشكل عفويّ طبيعيّ اختلافات في تقاليدهم وعاداتهم وسلوكاتهم ومعتقداتهم وأفكارهم.

وهذا الخلاف هو الذي يجعل بناء المجتمع ممكنا عبر تنوّع إمكانات وخيارت أبنائه وتكاملها، كما أنّه -وعلى نفس المنوال- يخلق إمكانيّة التّكامل بين المجتمعات المختلفة وتبادل الخبرات في ما بينها وتطويرها، ما يعزّز وينمّي في النّتيجة إمكانيّة بناء الحضارة البشريّة ككلّ.

 

هذا كلّه طبيعيّ وإيجابيّ!

ولكن مع ذلك لا بدّ من طرح السّؤال المنطقيّ عن كيفيّة حلّ الخلاف النّاجم عن الاختلاف، فلو بقي الأمر في الاختلاف بدون خلاف، أو بقي الأمر في الخلاف بدون صراع، لما كان حتّى في الخلاف ثمّة مشكلة تستوجب الحلّ، ولما كان ثمّة عندها ضرورة لطرح السّؤال عن حلّ طالما أنّه ليس هناك مشكلة.

 

واقعيّا الجواب موجود!

فعبر التّاريخ تعّلم البشر الكثير عن كيفيّة حلّ الخلافات والّتعامل السّلمي معها، منها مثلا الحوار والتّفاهم والاحتكام، والتّعايش بين المختلفين، وهكذا دواليك، وهذه التجربة البشريّة تتطوّر أكثر فأكثر، ويصبح النّاس أقدر على الحوار وعلى الاحتكام والتّعايش، ولكن مع ذلك ما تزال الخلافات الغير قابلة للحلّ قادرةً على التّسبب بالصراعات الخطيرة!

هنا عند البحث عن حلّ يجب أن نعي أن أكثر الصّراعات التّي تحدث ليس سببها الاختلاف والخلاف، وإنّما هي بسبب المطامع أو المصالح السّيّئة، ولكن يجب ألا ننكر أنّ عصبيّات المعتقد والرّأي والانتماء تلعب أبضا دورها الكبير الصّراعات، وهي بدورها كثيرا ما تتكامل مع المطامع والأغراض الخبيثة.

وفي التّعامل مع هذه المشكلة يجب التصرّف كالمُزارِع الرّشيد، الذي بدلا من أن يبحث عن وسائل لمكافحة الآفات التي تؤذي مزروعاته بعد أن تظهر هذه الآفات، يلجأ إلى أسلوب مختلف، فيعمل على عدم إعطاء هذه الآفات الإمكانيّة للظّهور من الأساس، فإن كانت هذه الآفات نوعا من الدّيدان المؤذية مثلا، فهو لا ينتظر حتى تظهر هذه الديدان ثم يستخدم المبيدات ضدّها، وإنّما يطهّر تربة حقله ويجعلها غير مناسبة أساسا لنموّ هذه الدّيدان.

 

إنّ جلّ الصّراعات بين النّاس تعود إلى المطامع والعصبيّات، وهذه لا يمكنها الّتواجد إلا في النّظم والبيئات المجتمعيّة الّتي توفّر الفرصة لنشوئها ونموّها، فالمطامع مرتبطة بالمصالح الأنانيّة المفرطة، والعصبيّات مرتبطة بتدنّي الوعي العام.

المطامع المفرطة بدورها ترتبط بالبيئة المحيطة بها برابطين:

أولّهما سياسيّ اقتصاديّ، والثاّني تربويّ أخلاقيّ.

الأولّ منهما يتحقّق بوجود منظومة سياسيّة اقتصاديّة تسمح بتمركز السّلطة أو الثّروة أو كلاهما معا، فتخلق عند الشّخص في هذا المجتمع إغراء امتلاكهما والدّافع لتحقيق ذلك، ولو لم تكن هذه البيئة من الأساس فيها تمركز سلطة أو ثروة، لما تولّد إغراء الامتلاك، ولو لم يكن الاستحواذ فيها على السّلطة أو الثّروة ممكنا، لما توّلد دافع السّعي لتحقيق هذا الاستحواذ، ففي بيئة لا يتمّ فيها تعاطي الخمور مثلا، لا ينشأ إغراء داخليّ لدى أبناء هذه البيئة بتعاطيها، ولو فرضنا أن هذا الإغراء تسرّب إلى البعض من الخارج، فهو عندها لن يؤدّي إلى مفاعيل عندما تكون البيئة غير قابلة لإنتاج وتداول الخمور، ولن يحاول الرّاغبون بالخمور الحصول عليها وهم يعلمون سلفا أنّ الحصول عليها متعذّر.

وخلاصة القول في هذه النّقطة هي أنّه عندما تتوفّر إمكانيّة مركزة الثروة أو الّسلطة في نظام سياسيّ اجتماعيّ ما، فهنا تنشأ إمكانيّة مساوية لحدوث الصراعات بين الطّامعين بكلٍّ منهما المتنافسين على الاستحواذ عليهما، أو بين المحرومين فعليّا منهما الّذين يتصارعون على الفُتات المتروك لهم منهما، أو بين المحرومين منهما والمستحوذين عليهما.

ثاني الارتباطين – وهو التربويّ الأخلاقيّ- يعود إلى أنّ كلّ بيئةٍ اجتماعيّة تخلق ثقافتها وأخلاقها وفقا لظروفها الخاصّة، وعندما تكون هذه البيئة قابلة لمركزة السّلطة والثّروة، فستكون الثّقافة فيها راضية عن هذه المركزة ومعزّزة لها، وسيربّي الناس أبناءَهم على الرّضا بمركزة السّلطة أو الثّروة والسّعي إليها، وبذلك سينشأ الشّخص راضيا عن هذه المركزة ولديه طموح لتحقيقها، ولو خلت بيئته من هذه المركزة أساسا، لخلت أيضا من الثّقافة المرتبطة بها والمتضافرة جدليّا معها، وبالطّبع لن يكتسب أبناء هذه البيئة عندها ثقافة مركزة الثّروة والسّلطة بعدوى من بيئة خارجيّة تسود فيها مثل هذه الثّقافة.

إنّ ثقافة كلّ بيئة اجتماعيّة هي جدليّة الارتباط والعلاقة بنظامها السّياسيّ الاقتصاديّ، والبيئة الّتي ليس فيها أساسا تمركز للسّلطة والثّروة لن تربّي أبناءها على قبول هذه المركزة والسّعي لحيازتها.

 

أمّا العصّبيات المرتبطة بتدنّي الوعي، فجزء أساسيّ منها لا ينفصل عن سياسات الطّامعين، الّذين يعزّزون ويكرّسون هذه العصبيّات، ويجهّزون لها الأجواء والظّروف المناسبة لرسوخها ونمّوها، ليستغلّوها بشكل مستمّر في تحقيق غاياتهم الخبيثة.

والجزء الثّاني منها يعود إلى المتعصبين أنفسهم، الّذين يعملون بأنفسهم على ترسيخ ثقافتهم المريضة بالاستمرار في ترويجها والتّركيز عليها والتّصدي العنيف لكلّ ما من شأنه أن يؤدّي إلى تغييرها.

وهكذا يكون لدينا ثلاثة أصناف من العاملين على بقاء قوّة العصبيّات:

  • طامعو ثروة أو سلطة في المجتمع من أرباب المال والحكم أو السّاعين إليهما.
  • طامعو نفوذ في أوساط المتعصّبين من الزّعامات الدّينية أو الاجتماعيّة أو العرقيّة الانتهازيّة.
  • متعصّبو عقيدة أو انتماء شديدو الولاء لمعتقداتهم أو انتماءاتهم كالزّعماء الدينيّين أو الطائفيّين أو القوميّين المتطرّفين وما شابه.

 

إنّ حلّ مشكلة العصبيّات يقتضي رفع مستوى الوعي الاجتماعي بنشر العلم والفكر العقلاني وثقافة التسامح واحترام الاختلاف، وهذا يعني العقلنة والدمقرطة، وفي شكله الأفضل والأضمن يقتضي العلمنة الديمقراطيّة.

لكنّ الحلّ على هذه الجبهة لا ينفصل عن الحلّ عن الجبهة الأخرى، جبهة المطامع، فحلّ مشكلة المطامع يقتضي الخلاص من حالة مركزة الثّروة والسّلطة والثقافة المرتبطة بهما، وبالنّسبة لمركزة السّلطة فحلّها يكون بالديمقراطيّة السياسيّة ونشر الثقافة الديمقراطيّة، أما مركزة الثّروة فحلّها الحقيقيّ هو بالاشتراكيّة والتثقيف الاشتراكيّ.

وجوهريّا لا يمكن حلّ مشكلة مركزة السّلطة بشكل منفصل عن حلّ مركزة الثّروة وبالعكس، وأي حلّ منفصل في هذه أو تلك سيكون شكليّا كما في اللّيبرالية الرّأسمالية أو مجتزءا ومهدّدا بالنكوص كما كان الحال في التجربة السوفييتيّة.

 

الحلّ الجذري لمشاكل المجتمع لا يمكن أن يكون إلا علمانيّا أمميّا اشتراكيّا ديمقراطيّا بنفس الوقت.

فبالعلمانيّة والأمميّة يتمّ الخلاص من مشاكل عصبيّات المعتقدات الدينيّة والانتماءات العنصريّة.

وبالاشتراكيّة والديمقراطيّة يتم الخلاص من مشاكل أطماع الثّروة السّلطة والاستحواذ عليهما.

وعندما يتحقّق هذا، ولا تبقى خلافات تتلاعب بها مطامع أو تدفعها عصبيّات، لن يبقى إلا خلافات الرّأي، وهي في مجتمع عالي التنظيم والثقافة لا تشكل أي خطر، هذا كحد أدنى إن لم تكن بحد ذاتها عامل إغناء تنوعي، أو عامل مفاضلة أو مكاملة بين آراء المختلفين يؤدي إلى اختيار الأفضل من بينها أو أتركيب الأفضل بناءً عليها، وإن اقتضى الأمر حلا عندما لا تكون المفاضلة أو المكاملة متاحتين، فهذه الخلافات إما أن تُحلّ بالحوار المفضي إلى اتّفاق، أو تُقبل على مبدأ قبول المختلف والتعايش معه، وعند ضرورة اتّخاذ قرار في حالة الخلاف يُلجأ إلى أسلوب إدارة الخلاف السلميّ، فيُتّخذ القرار بالأساليب الديمقراطيّة المعروفة.

أما اختلافات المعتقد والانتماء، فهي في مثل هذا المجتمع ستكون قد بلغت درجة عالية بما يكفي من المرونة والتّهذيب بحيث تُقبل عموما كاختلاف وتنوع تامينّ دون أن تتحوّل إلى خلاف، فإن حدث وتحوّلت استثنائيّا إلى خلاف، فهي عندها لن تكون إلا نوعا من خلاف الرّأي لا أكثر، وهي لن تسبّب أو تتسبّب قطعا بأي صراع، وهذا يعود من ناحية إلى عامل ذاتي يتمثل في رفعة مستوى وعي وثقافة أصحابها وتقبّلهم للغيريّة والاختلاف، و يعود من ناحية ثانية إلى رقيّ مستوى اجتماع وتنظيم المجتمع الذي لا يمكن فيه نشوب صراعات، لأنّه مجتمع خالٍ من الّتناقضات والتّوترات، فهنا لن يتواجد من ينمّي ويستغلّ الخلاف، ولا من يستجيب لحالة شاذّة طارئة من التعصّب إن ظهرت، بل على العكس ستجد هذه الحالة نفسها في وضع تضاد تام مع المجتمع ككل يجعلها باطلة المفعول ويخمدها في مكانها.

 

*

 

‏08‏/09‏/2018

سوريا

 

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.