إشراق الغديري: رُهَابُ العُروبَة 

img
إشراق الغديري: رُهَابُ العُروبَة 

“الرهاب أو الفوبيا أو عصاب المخاوف هو مرض نفسي بمثابة خوفٍ شديد ٍمتواصلٍ و غير منطقيٍ ، يعجز المريض عن التخلّص منه بدون تدخّل طبيب نفسي. هذا المرض لا يكون عائقا أمام حياة سويّة للمريض فحسب ، بل يؤثّر سلبا على كلّ من يتواجد في محيطه. كذلك هو رُهَابُ العُروبَة”
منذ أشهر مضت إعترضني على موقع الفايسبوك منشور نقله بعض الأصدقاء الإفتراضيين عن محامية و”إعلامية” تونسية كتبت في جريدة إلكترونية تصدح بقلم فرنسي “لستُ عربيّة”. لم يكن العنوان وحده مستفزّا بما يكفي لأتوقّف عند المقال و أخصّص له هذه الفسحة القيّمة ذلك أنّه قولٌ لا تجديد فيه إذ تحوّل مؤخرا إلى “صيحة” دارجة إنسجاما مع “متطلبات اللحظة التاريخية” التي تستوجب بحسب البعض التخلّص من كل ما له صلة بالعروبة : ذلك الإرث اللعين العتيق الذي يُعيق انعتاقنا !!
غير أنَّ ما احتواه المقال من مغالطات فجّة و عدوانيّة فاضحة جعلني في حالة ذهول عجزتُ معها عن فهم مالذي يمكن أن يدفع امرأةً تُقدّم نفسها على أنها “مثقّفة و تقدّمية” لأن تشارك _ و غيرها_ مع العموم خطابا عنصريا، شوفينيا، مشحونا بالكراهيّة و ضاجّا بالتناقضات . ثمّ اهتديت أخيرا إلى تشخيص هذه الحالة المتشنّجة المستشرية: إنه رُهاب العروبة.
جاء في خطاب “المُصابة” أنها لا تنتمي قطعا لمجتمع “بول البعير” في إحالة على العرب الذين نفت _ واثقةً_ نسبها إليهم. إختزال العرب في “فتاوى مشائخ البلاط” فعل متحاملٌ و غير منصفٍ البتّة فضلا عن أنه يفتقر لأبسط معايير الموضوعية التي يجب أن تلتزم بها شخصية عامة تحتّل حيزا إعلاميا معتبرا للتعليق على الأحداث و القضايا . ليس من فراغٍ أن كلّ مقولات العنصرية تأسست تاريخيا على التعميم و التنميط: انتشار الجريمة عند السود أكبر _ رائحة اليهود كريهة _ الأكراد أغبياء بالفطرة.. العرب متخلّفون و تافهون و مشعوذون و مروّجون للتخاريف . و على هذه الوتيرة تواصل متبرّئة من ثقافة “الصحراء و الخيام” في استحضار رخيص لعنصرية ثلاثية الأبعاد: البحر / الصحراء _ الحضر / البدو _ المباني/ الخيام. و لئن كانت حجّتها الأولى (مجتمع بول البعير) صورة مسقطة غايتها التنفير فقد ضُبطت فيما بعد في وضعية “تسلّل” واضح : أولا لأن الصحراء و الخيام ليست داعيا للسخرية أو التّهجّم ، و ثانيا _ و خصوصا_ لأن المواطنة التونسية الفخورة بتونسيّتها سهت عن أن أكثر من ثلث مساحة تونس تغطيها الصحراء, و أن أكبر تركّز للقبائل الأمازيغية في تونس اليوم هو في الجنوب حيث الصحراء و الخيام !! و عموما لا غرابة في ذلك لأن صاحبة المقال، كغالب من يردّدون ما تقول ، لا علاقة فعلية لهم بالموروث الأمازيغي، لا تتحدّث الأمازيغية، و لا تعرف شيئا عن تقاليدهم و عاداتهم و طبيعة علاقاتهم و الأهمّ أنها _ و قد دعت التونسيين إلى البحث عن أصولهم الحقيقية_ قد لا تحمل في جيناتها أي شيء يربطها بالأمازيغ ! لماذا؟ ببساطة لأننا في القرن الواحد و العشرين لا يمكن أن نتحدّث عن سلالة نقيّة تماما.

النازية الجديدة أو كيف تكون نازيا في 2019 !
ليسَ صحيحا أنَّ النازيّة انتهت. النازيّة متجدّدة كفكرة تحت أشكال متعدّدة. في سبتمبر الماضي سُئلت خلال مؤتمر في برلين حول ما رسخ في ذهني حول النازية، قلت بثقة “أنها توأم الصهيونية”. أن تتبنّى مقولاتٍ عرقيّة في زمن أقرّ فيه العلم إستحالة وجود عرق نقيّ بعد ملايين السنين من الإختلاط بين السلالات البشرية بفعل الهجرة و التناسل ذلك يعني أنّك عنصريّ ! من المفارقات المثيرة للسخرية أن هتلر الذي ارتكب جرائم فظيعة ، ليس فقط ضد اليهود و لكن أيضا ضدّ كل من لا يستجيب للمعايير الجسمانية الخاصة بالعرق الآري، لم يكن جرمانيا و لو بنسبة 10 بالمائة بحسب الكثيرين. و صاحبة المقال التي نعتت العرب بأبشع النعوت يمكن أن تكون “عربيّة” و إن لم تُرد ذلك. و لو لم تكن كذلك فعليها أن تعيَ أن ما كتبتهُ يرقى لأن يُعتبر تحريضا و طعنا في النسيج المجتمعي التونسي الذي تعود فيه أصول العديد من الجهات إلى اليمن و الأردن و الشام و مصر و غيرها على أغلب الظنّ. و مهما يكن من أمر ، علينا أن نتّفق على أنّ إنتماء تونس إلى العروبة لا علاقة له بالعرق بل هو إنتماء حضاري لا يملك حتى مناهضوه التخلّص منه ، بالنظر لمعطيات عديدة أبسطها أنّ العربية هي اللغة التي يتكلّمها شعبها _ و اللغة وعاء الهوية_ و هي اللغة الرسميّة لها بحسب دستورها الذي يجتمع فيه و عليه كلّ التونسيين بكلّ اختلافاتهم و أيضا لأنّه _ و لو أرادوا _ لن يكُفّ العالم أجمع عن أن يعتبرهم عربًا !
الخلط النشاز بين الإسلام و العروبة في مقال صاحبته دفعها إلى أن تنفي عن إيران “عروبتها” في إطار الجرد الذي سمحت من خلاله لنفسها بنفي عروبة لبنان و سوريا و الأردن و العراق و فلسطين و اعتبار أنها بلدان تمَّ احتلالها من قبل “الجيوش المتعطشة للدماء” شأنها شأن تونس ، رغم أنها تحاول أن توحي للقارئ بأنها تفرّق تماما بين العروبة و الإسلام ، بل و تفتخر بكونها مسلمة كما تفتخر بالنبيّ محمّد _ لولا أنّها لم تحترم كونه نبي عربيّ عندما افتتحت مقالها بشتم سلالة العرب ، كلّ العرب !! لماذا قالت ذلك؟ ربّما لتحتمي بالإسلام على الأقل، من الأسهل بكثير أن نحارب العروبة هكذا !
العنصريّون لا يعترفون أبدا بأنهم كذلك. و صاحبة المقال لم تشذّ عن القاعدة، بعد وابل الشتائم و الإهانات و الأحكام الجائرة الذي صفعت بها العرب بمثقّفيهم و متنوّريهم و فنّانينهم و شعرائهم و مناضليهم، نسائهم و رجالهم ختمت “لستُ عنصرية. أنا أحترم العرب الذين لا يسمّمون حياتنا بأفكارهم و ملابسهم السوداء” !!عاش الانسجام ، عاش التنوير الذي يُراعي حريّة اللباس..عاش عاش.
من حقّ أيّ كان _ في إطار الحقّ في الإختلاف_ أن يعبّر بحريّة كاملة عن تمثّله لهويّته الفردية و لو كان تمثّلا مبنيّا على أسسٍ واهية، لكن عند توجيه الخطاب للتونسيين لتحديد هويّتهم الجمعيّة ، أضعف الإيمان أن يكون طرحه منسجما مع التاريخ و الحاضر ، متماسكا غير متناقض و موضوعيا لا إنطباعيا.. و الأهم ألا يكون عنصريّا.

“كنا دائما أحرارا و أذكياء و حكماء”: الفوقية التي تقتل المنطق.
“كنا دائما أحرارا و أذكياء و حكماء”. بما أنّه من المتفّق عليه أنَّ واقعنا اليوم ليس كذلك، قصدت الكاتبة غالبا أن نسلَنا “تشوّه” بالعروبة فانقلبنا إلى ما نحن عليه بعد أن كنا سادةً كرامًا. لم يكن الخطاب العدائي للعروبة ليُثمر بدون هذه النبرة الاستعلائية. العنصرية ذات رأسين و إلا فلا تكون: “غيرك أقلّ منك. أنت أفضل منه”
ماذا يقف وراء هذه الجملة و ما شابهها؟ أولا، العجز والهروب إلى مواساةٍ في الماضي البعيد جدا. هذا الواقع المريض أو هذه “العروبة المريضة” لو صحّ القول ليست شيئا أجنبيا عنا ننزعه بسهولة فنصير شعبا معافىً. نحن جزء من هذا الأمر برمّته، من الجهل ، من التطرّف ، من التراجع ، من ضياع الحقوق ، من اللاعدالة ، من وصاية الدكاكين و المنتصبين للحساب الخاص على الدين ، من اضطهاد النساء ، من الأميّة ، من الإنقطاع عن الدراسة ..من الإرتهان لأصحاب المال و النفوذ في الداخل و الخارج و من الإحتلال حتّى ! هذه تركتنا المشتركة و لو بمنابات متفاوتة. هل يمكن أن نتخلّص منها جميعها بأن نكتب كما فعلت “تونس أمازيغية. نقطة إلى السطر” ! أبدًا . هل لنا أمل في أن نتخلّص منها دون أن نضطرّ لإنكار عروبة تونس؟ نعم، بالتأكيد، بلا شكّ. لأن العروبة ليس حضارة متخلّفة من الأصل كما يروّجون، حتّى دعنا نقول بأنه لا يمكن أن تكون أيّة حضارة متخلّفة من الأصل. لأنّ أمما أخرى كانت “مظلمة” ثمّ استطاعت أن تخرج إلى النور دون أن تفكّر في نزع جلدها و ارتداء جلد آخر.
ثانيا، عقليّة التفوّق التي تدفع بنا إلى التعالي عن كلّ ما ننتمي إليه. نقول تونس أمازيغية فقط حتى لا نقول عربية . نقول تونس الحوض المتوسط هربا من أن نقول تونس إفريقيا. هذا التجرّد _واعٍ كان أم غير واعٍ_ من كل ما يحيط بنا شرقا و غربا و جنوبا ليس إلا ترجمةً لتوقنا المريض للشمال البعيد، الشمالُ الذي لن نكون منه يوما ، و لن يقبل أن نكون. فـ”مرساي” ليست أقرب من القاهرة و لا يمكن أن تكون.
تونس المتجذّرة في تربتها و المتصالحة مع عمقها يمكن أن تكون قويّة و مزدهرة و رائدة.. يكفي أن تكون مقاومة. والعروبة يمكن أن تكون مستنيرة و مبدعة و مستقلّة و منفتحة، حتى أنها كذلك فعلا مادامت مقاومة.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: