إحياء ذكرى مولد  الرسول و”اختطاف” بردة كعب بن زهير

img

 

 إحياء ذكرى مولد  الرسول و”اختطاف” بردة كعب بن زهير

في تنكر الأرتودوكسية لبشرية الرسول وهواه الشعري– مقاربة فنية ثقافية

بقلم : العربي بن ثاير

  • مدخل:

مقالي هذا يندرج ضمن تفكيك نزعات الإعلاء- Sublimatiom الزهدية المفتعلة والمرضية، وهي نزعات يتميز بها الفكر الأروتودوكسي بشتى تلويناته. غير أن بعض النسويات والنسويين  أو الجندريين   الذين يرون في التغني بجسد المرأة في الشعر الكلاسيكي منذ العصر الجاهلي امتهانا، يقعون – على أقل تقدير مفارقة أو تعارض زمني تاريخي  Historique  Anachronisme كما لا ينتبهون إلى العائق الإبستيمولوجي الذي يخترق رؤيتهم فيما يتعلق بتاريخ المعرفة والفن،  فيلتقون – وهذا الأخطر – مع نزعات الإعلاء من حيث لا يعلمون .

 

  • تأسيس تقاليد إحياء المولد النبوي

يرتبط إحياء المولد النبوي تاريخيا واحتفالاته المشهدية – بصريا وسمعيا – بالدولة الفاطمية، ولذلك ليس غريبا غيابه من الدول العربية وحتى الإسلامية التي لم تعرف الفاطميين وغيرهم من الشيعة. وقد عملت الدولة الفاطمية على خلق الذائقة البصرية فطوروا “بدعة” الاحتفال بمولد النبي وسنوا هذه السُّنة ولم يكن قبل ذلك لها من أثر. “قبل المولد بيومين يخرج الحاكم من الإبل والبقر والغنم شيئاً كثيرًا ويزفّها بالطبول والأناشيد، حتى يُأتى بها إلى الميدان، ويشرعون في ذبحها، ويطبخونها، فإذا كانت صبيحة يوم المولد يجتمع الناس والأعيان والرؤساء، ويُنصب كرسي للوعظ، ويجتمع الجنود ويعرضون في ذلك النهار، بعد ذلك تقام موائد الطعام، وتكون موائد عامة عامرة”. كما اجتهدوا في تزين الشوارع بألوان وأقمشة بهية الزركشة لتطوير الذائقة البصرية وشد انتباهها أكثر فأكثر، ولشد ما ركزوا  على إطراب الأذن: منها المنطلق وإليها الرجوع. فكان تسيير فرق تعزف الموسيقى وتقرع الدفوف في شوارع المدن الفاطمية، بهجة للسامعين..

كما عمل الفاطميون على سحر الذائقة السمعية بألوان من الذكر لكي  ينفتح القلب على حب النبي: فالأذن – في الثقافة العربية – تعشق قبل العين أحيانا.

  • الصراع على الرمز والمعنى

وكان أفول نجم الفاطميين، على سرعته، قد خلف في الذوق الشعبي في البيئات السُّنية آثاراً عميقة انشدت إليها المُهج؛ فليمحوِ ذيول الحضور الفاطمي في مخيال الناس، كان لابد لأهل السنة من تبن – بشكل أو بآخر – لهذه “البدعة” وتكييفها، وكان الحضور الزهدي – الفقهي في المولد النبوي لدى أهل السنة بديلا. ولكن أين الذكر:  أين طِربة الأذن، أين هِزة الروح؟ كان لابد لكل ذلك من رمز وعنوان، من هنا جاءت القصيدة الشهيرة الملحنة والمغناة التي يفتتح بها مجلس الذكر في الجوامع الكبيرة وعلى رأسها في بلادنا جامع عقبة، ومفتتح الذكر بتلك القصيدة الشهيرة المسماة “البردة”  التي ألفها  محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري (608 هـ – 696 هـ / 7 مارس 1213 – 1295) وجعلها على البحرالبسيط وعلى قافية الميم، وجعل مطلعها:

أمن تذكر جيران بذي سلم *** بكيت دمعا جرى من مقلتي بدمي

ولعل معظمنا يعلم أن بردة البوصيري هذه تقدم نفسها على أنها توقيع جميل يكيف نسبيا ما تقدم من “بهرج” فاطمي. كما نرجح  أيضا أنه كان يراد لها أن تتصل بنبع سابق من طرف، فكانت بذلك معارضة – أي معنى منسوجة لا على منوال سابق – لبردة كعب بن زهير التي كانت – كما سنرى – عشقية دنيوية، لتكون قصيدة البوصيري ارتباطا بها وومحاولة لمحوها  في آن  بما تدعيه من نهلٍ من نبع” الحب الروحاني “. وسأكتفي هنا بالجانب الشكلي والخلفية التأسيسية لهذه القصيدة :

  • بردة كعب بن زهير وترسيخ السُّنة الشعرية العربية:

لعل جلنا يعرف أن كعب بن زهير قد نال بُردة الرسول، وهي كساء يُلْتَحف به عند الرجال، وتسمى “البِشْت” في المشرق العربي. وهي تشبه جبة الرجال عندنا في تونس والمغرب العربي إلا أنه مفتوحة على دفتين. وبردة النبي حسب كتاب”خزانة الأدب” لعبد القادر البغدادي – هي البردة التي توارثها الخلفاء وبقيت في خزائن بني العباس إلى أن وصل المغول. ويرجح أنها هي المحفوظة في إسطنبول حاليا. وهكذا استئثر العثمانيون بها ونقلوها، هي والأشياء الشخصية الأخرى الخاصة بالرسول إلى خزائنهم.

وأياً يكن الأمر فإن الروايات تقول إن بردة ما من بُردات الرسول – أو لعلها هي نفسها التي في اسطنبول اليوم- كانت هدية من الرسول لكعب بن زهير؛ من شدة إعجابه بقصيدته. والراجح أن الشاعر قد احتفظ بهذه البردة طوال حياته ورفض بيعها رغم ما انقلاب حاله إلى  فقر بعد بحبوحة. وقد اشتهرت هذه القصيدة باسم “بردة ابن زهير” ككا أسلفت، وهذا مطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول***متيم إثرها لم يجز مقبول

بما فيها قسمها الغزلي الطويل الذي يبلغ 14 بيتا يليه البيت الخامس عشر الذي جعله الشاعر للتخلص، وأحسن فيه الانتقال إلى مقطع الرحلة وذكر بُعْد الحبيبة ووصف الراحلة التي بانت بها وهو يمتد حوالي15 بيتا ، يليه  مقطع  حكمي من 3 أبيات ثم  مقطع  مدحي للرسول وصحابته من قريش خاصة، ويستغرق 22 بيتا ( انظر القصيدة في أول تعليق) .

ولكن هناك سؤال قوي يبقى يشاكس العقل: لماذا انبهر الرسول بقصيدة  كعب بن زهير رغم هذا المطلع الطللي والقسم الغزلي وقسم الرحلة الطويلين الذين جاءا على سُنة الجاهليين بالرغم من أن المقام كان مدح الرسول؟ ثم لماذا لم تُستكره مدحيته تلك في ذلك العصر من أي طرف كان وقد عرفنا أن عمر بن الخطاب صريح في معارضة ما يبدو مخالفا لتعاليم الإسلام، وكذلك كان بعض الصحابة الآخرين، والحال أن الإسلام هاجم الشعر الجاهلي الموسوم بالغزل ؟؟!

لقد شاع عند معظمنا أن الرسول عبّر عن إعجابه بشعر لبيد بن ربيعة مثلا لما فيه من حكمة، وقد حث حسان بن ثابت على الرد عن مقامه كرسول على نمط لبيد، وطالبه بهجاء قريش هجاء يتوخى الأسلوب الجاهلي من حيث القيم والمفاخر ولكن ليس فيه إقذاع الجاهلية؛ مما يؤكد (أسلمة الشعر) أي جعل الشعر يخرج من مصنع الإسلام بخامات إسلامية ليعبرعن قيم الإسلام وتعاليمه، والإيمان بالله قولا وعملا، فلا يشغل الشعر عن ذكر الله وقراءة القرآن وفهم السنة، ثم إن الشعراء (الذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلِواْ الصَالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ) [ الشعراء: 227] لا يبغون بهذا الشعر الجديد غير الجنة مطلبا، ولا يتطاولون ولا يتعالون؛ بل يدافعون عن الله ورسوله وعن أنفسهم ليردوا ظلم الناس لهم بالحق . وقد كثر القول إن النظم المسمى “الشعر الإسلامي” كما جاء لدى حسان بن ثابت وصحبه (في بواكير الإسلام) لم يحفظ لنا أن شعراء أبقوا على الغزل بالمرأة غزلا حسيا كما هو الأمر في المرحلة المسماة جاهلية. أليست هذه هي الصورة الرائجة لدى معظم من أرخوا للشعر والشعراء في ذلك العصر؟ لماذا إذن لم ينل أي شاعر من هؤلاء بردة الرسول؟

 

إنه، وعلى خلاف ما يشاعُ، يبدو أن الشعر – على طريقة الجاهليين – كان مازال رائجاً عمليا حتى في زمن الرسول بل بحضور الرسول نفسه، ويشكل سُنة أدبية قوية لها مقوماتها التي لا محيد عنها حتى لو كان الممدوح الرسول نفسه، فما الذي يمنع إذن إزاء وجود نص مثل بردة كعب بن زهير استنتاج أنه نُظر إلى الرسول نفسه – من هذا الجانب – كشخص بشري اعتيادي يحب ويهوى ويعيش حالات العشق والولَهِ ويجد بعض أصداء نفسه ولواعجها في تعبير الشاعر، كأنه ينطق عنه؟ أليس الشاعر لسان قومه مجموعة وأفرادا في ذلك العصر؟  ألم يكن الشاعر لسان القبيلة وبالتالي فهو يتغنى بقيم القبيلة، وهل انحلت القبيلة تماما وانطمست معالم رؤيتها للوجود والحياة والفن حتى تنحل جميع سننها؟! أَ وَ ليس العشقُ من القيم التي تصاحب الفتوّة عند العرب؟ وهل من الضروري أن يكون شعر الشاعر إيديولوجياً على نموذج شعر حسان بن ثابت، أم يمكن أن يكون بشريا يعبر عن هوى النفس الإنسانية؟ وإذا كان كذلك، أليس كافيا أن يجُبَّ إيمان الشاعر الغواية الشيطانية ويجعله  هوى مشروعاً؟

يبدو أن الأمر كذلك: فها هو ابن حزم يصرح في كتاب “طوق الحمامة”: «الحب أعزك الله أوله جد وآخره هزل، دقت معانيه بجلالها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب في يد الله عز وجل. وقد أحب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين كثير….». فهل أحب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين على سنّة غير سنة نبيهم؟ لا نظن ذلك. ولكن المسكوت عنه في التاريخ يفضح انتقاءات كتب التمجيد المزيف والتقديس الروتيني والإعلاء الشيزوفريني، ويكشف ما أرادت الأرتودوكسية محوه من التداول…

 

  • بردة كعب وذائقة الرسول الشعرية

لقد جاء في بردة كعب بن زهير – في مطلعها وفي وهادها – غزل متميز بالجرأة المشهودة أو بتعبير آخر ب”الفحش” ولكنه الفحش العفيف مثل قوله:

هَيفاءُ مُقبِلَةً عَجزاءُ مُدبِرَةً ***لا يُشتَكى قِصَرٌ مِنها وَلا طولُ

فهل يبدو هذا أن النوع من الغزل قد كان مقبولا عصرئذ رغم جرأته (إذ يمكن أن نعتبره من نوع المشهدية الجريئة بلغة نقاد السينما اليوم)؟

ومن عجائب بردة كعب –  إذن – أن الشاعر قالها وربما من فرط ما سمع من وعيد قد خمّن أنه من العسير على محمد أن يتراجع عما راج من إهداره لدم كعبٍ حتى لو وعد كل من هرع إليه أن يعفو عنه؛ فهو يعلم أن الرسول قد تشدد عليه بسبب تعريضه به هو نفسه وبالمسلمين وتشبيبه بنسائهم، ولذلك ، حتى إن ضاقت عليه السبل وجازف بحياته فهو لم يجازف بالإخلال بالوفاء للسنة الأدبية، فإذا كان هلاك فليكنْ وليبقَ أمينا على تراثه الثقافي . ولأنَّ الأمل في النجاة ضئيل، فقد جعل قسم المدح ضئيلا أيضاً على خلاف القصائد المدحية التي يكون هذا القسم فيها هو الأهم طولاً وتفاصيلَ. وهل أدرك الرسول بفطنته المعهودة ما يعتمل من ذات الشاعر من مخاوفَ، بل رعبٍ، ولمح في القصيدة  حالة  نفسية  مضطربة تحتاح الشاعر، وأحس أنه ربما كان يتأرجح فيها بين اليقين بالهلاك، لذلك طمأنه وطمأن من خلاله كل من يئس: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [ الزمُر: 53]

ومن جانب آخر: ألا يكون في التقبل الجميل الذي أبداه الرسول ما يدل على إعجاب وانبهار بفن القول الأصيل لدى العرب؛ أعني الشعر، أ و لا يكون أيضا احتراما  لذات الشاعر وتقديرا له كفنان وكقائد لفن القول، ألا يمكن أن يكون هذا هو الأدعى لكي يسبغ النبي على كعبٍ بردته؟

 

 

  • الإيهام بالنسج على منوال قصيدة كعب والتنكر لبشرية الرسول

هذه القصيدة إذن هي التي عارضها البصيري ببردته لاحقاً. ولبردة البصيري تلك كانت معارضات كثيرة أخرى…  ومنها في العصر الحديث قصيدة أحمد شوقي:

ريم على القاع بين البان والعلم  *** أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

لقد حضر في قصيدة البوصيري “الحب” غير أنه ليس عشقا بشريا بل أريد لها أن ”يتهذب“ فيها الغزل مقارنة بما كان في ”بردة “ كعب ابن زهير، امتثالا وتثبيتا للمثال “الزهدي” ومحواً لطرس كعب بن زهير العشقي الدنيوي “الجاهلي”.

تمثلت هذه الخطوة في معارضة غير مكتملة كما هو معروف في الشعر، فلئن جاءت هي أيضا على بحر بردة كعب نفسها أي البحر البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلنx 2) فقد جاءت القافتين مختلفتان: فقافية بردة كعب بن زهير هي حرف اللام، أما قافية بردة البصيري فهي الميم. ولم تكن كذلك متقاربة معها في الغرض والبناء.

ولا أدري هل كان وراء تسميتها قصدة ابن زهير “لامية كعب” رغبة في الاقتراب بها إلى الجاهلية أكثر من الإسلام وإلا لقيل إنها “لامية الإسلام”. فكأنما ألحقوها بلامية الشنفرى التي سميت هي أيضا “لامية العرب”. فلمّ لمْ تُسمى قصيدة البوصيري “ميمية البوصيري” أو “ميمية العرب”؟ إنها لا تسمى إلا البردة ؛ أليس في هذا استيلاءٌ على مكانة بردة كعب بن زهير؟

ومن ناحية الشكل أوهمنا البوصيري على مدار الـ34  بيتا الأولى أن مطلعه طللي استهله بعبارة” أ من تذكر جيران بذي سلم؟” وإذ هو يجعل الطلل  “ذي سلم” ، ندرك   أن هذا الوادي ليس داراً لمحبوبة واقعية أو خيالية بل هو الموضع الذي سلكه الرسول في هجرته من مكة إلى المدينة، وأن جيرانه هم الرسول وأبو بكر ودليلهما ورواحلهم. فهو إذن ليس بطلل بل مكان مقدس، أو جرى تقديسه لاحقا ولا ندري متى بالضبط، وربما كان ذلك في عهد البوصيري. يلي هذا المطلع الطللي المقدس، مقطع يريد أن يوهمنا أنه غزلي في الـ 33 بيتا وينطق بمعجم الحب ولكن لا حبيبة بل حبيب هو الرسول! فما دوافع كل ذلك الحب والشوق؟

لقد قال البوصيري، والعهدة عليه، أنه رأى الرسول في المنام يخلع عليه بردة. جاء ذلك كما يلي: “كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، منها ما اقترحه عليّ الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، ثم اتفق بعد ذلك أن داهمني الفالج (الشلل النصفي) فأبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه فعملتها واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وقررت إنشادها، ودعوت، وتوسلت، ونمت فرأيت النبي، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة، فانتبهت ووجدتُ فيّ نهضة، فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً، فلقيني بعض الفقراء فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: أي قصائدي؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولها وقال: والله إني سمعتها البارحة وهي تُنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأعجَبَتْه وألقى على من أنشدها بردة. فأعطيتُه إياها. وذكر الفقير ذلك وشاعت الرؤيا.” (أدب اللطف، ج4، ص126-127)

هكذا يتبين لنا أن قصيدة البوصيري إلى العجائبي والمختلق أقرب: لقد ربطها  بمعاناة المرض ولكن أين صدى الفالج في القصيدة؟! لا شيء… وأين التوتر  النفسي؟ لاشيء فلا هي بسنّة العرب الشعرية ألصق، ولا بروائع الأدب الروحاني أعلق.

هكذا، ومن بعد إقحام بردة البوصيري في الاحتفلات الدينية والمناسبات الروحية وفي الموت غالبا ليلة دفن الميت، وربما تنشد أيضا عند ولادة صبي، أو ختانه، وعند بعض مراسم الزواج واحتفالياته عندما يقام بالإنشاد…الخ، صار لها أيضا مكانة في تاريخ الأدب الرسمي. ورغم أن بردة كعب بن زهير شرحت كثيرا ، فمن شُراحها ابن دريد (933 م)، والتبريزي (1109 م)، وابن هشام (1360 م)، والباجوري (1860م)، وفي العصر الحديث لأبي سعيد السكري ” شرح ديوان كعب ابن زهير”، ولفؤاد البستاني كتاب ” كعب ابن زهير “، وكلاهما مطبوعان . كما طبعت مراراً في أوربا والشرق، منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي في ليدن، وفي القرن التاسع عشر في هال وليبسيك وبرلين وباريس، وفي مطلع القرن العشرين طبعته قسنطينة، ثم بيروت سنة (1931 م). كما تـُرجمت إلى الإيطالية، ونشرها مترجمة إلى الفرنسية المستشرق “رينيه باسيه”، وعني بها، وشرحها شرحا جيدا، وصدره بالتعريف بكعب، وهنالك ترجمات إلى الأنقليزية، واللاتينية، والألمانية . ولكن بدا وكأن وكان هناك نوع من تعمد إهمال البردة الحقيقية من الذاكرة الشعبية ، فليست بردة كعب هل هي   التي ينشدها المنشدون على امتداد الآفاق خاصة في بلاد المغرب العربي قاطبة ليلة مولد الرسول بل هي بردة البوصيري. فمن من عامة الناس إذا قلت له اسم “البردة ” استحضر بردة كعب بن زهير؟ قليلون بل نادرون.

فهل يعني هذا أن بردة البصيري بديل؟ وهل يعني هذا أنهم يجعلون الرسول وكأنما “تراجع” في منام البوصيري، عن منح البردة إلى كعب بن زهير؟

أليس في هذا نزع لبشرية الرسول ومحو لعشقه البشري للشعر الغزلي  مقابل إعلاء لحب فقهي زهدي مفتعل؟

ولسائل أن يسأل: أليس من حق الكائن البشري – والرسول كذلك – أن يعشق عشقا بشريا تماما كما أن حالاته أن يهيم روحانيا؟ بل لماذا لا يكون العشقان – البشري والروحاني – متساوقين؟

هكذا يمكن القول إنه بحكم الصراع على احتكار الرموز بين الأروتودكسية السنية والارتودوكسية الفاطمية الشيعية من جهة، وكذلك بحكم نزعة الإعلاء  – Sublimation  التي أسست لها الأورتودوكسيتان المتصارعتان فيما يتعلق بشخص الرسول على وجه الخصوص ومبادئ الإسلام على وجه العموم، جرى إعادة تكييف الغزل سُنةً أدبيةً، لاسيما الفقهاء الزهاد أمثال البوصيري من أجل المحافظة على البعد الوجداني في العلاقة البشرية مع الرسول نفسه. ولذلك – وربما تحت ضغط الاورتودوكسيات باستكراهاتها وتحريماتها – كان لابد من اللجوء إلى الغزل كأداة ولكن مع ”تقليم أظافره” العشقية” بهدف نمذجته وقولبته وتعليبه وفق إكراهات منطق الصراع واستيهاماته  .

هذا، وتجدر الملاحظة أن الطابع الاختلاقي والتّصنعي الذي كانت عليه البردة البوصيرية ومثيلاتها ينزع عنه ادعاء الانتماء إلى الأدب الصوفي الروحاني كما جاء في التجارب الكبيرة للمتصوفة الروحانيين أمثال السهروردي والحلاج وابن عربي وابن الرومي والتبريزي. وهذا حديث آخر يطول.

  • الإسلام المحافظ  -الإخواني  وإلغاء الحب والعشق معا بشرياً كان أم زهدياً أم صوفياً:

الملحوظ أنه، ومن باب الجنوح إلى أقصى التنزيه والإسباغ القدسي و”تشذيب” كل ما يمكن أن يمتّ للبشرية الواقعية من صلة قد تشير إلى “تدنيس” ما ، قد جرى تأويل ”سعاد“ – في العصر الحالي  وفي الحلقات الإخوانية تحديدا ومنها إلى بقية فروع هذا التنظيم – على أنها ”الكعبة المشرفة“، وليست محبوبة الشاعر سواء أكانت حقيقية أم خيالية. لكنه – على حد علمي – كان تأويلاً شفهياً، ربما درّسه مشايخ وأساتذة لطلابهم في نوع التشذيب الأورتودوكسي الموغل في المراوغة والتسطيح الذي مكن أن تكون قد عرفته  فنون الأدب والفكر والفقه في أي عصر من عصور الفكر في العالم العربي . إنه شرح لم يتجرأ أحدٌ من ” مشائخهم” على تدوينه وربما اكتفوا ببثه بين أتباعهم حتى لا يكون ما يقول مهزلة عند ذوي الفكر الحصيف: فكيف تكون الكعبة بالوصف الحسي الجنسي مغناجٌ، مشتهاة:

وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا *** إِلّا أَغَنُّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ (في صوتها غنّةً كصوت صغير الظبي وعينيها كعينيه مكحولتان وتمتاز بالحياء الذي يبدو في طرفها)

هَيفاءُ مُقبِلَةً عَجزاءُ مُدبِرَةً ***لا يُشتَكى قِصَرٌ مِنها وَلا طولُ (“هيفاء” خصرها نحيلٌ عندما تكون آتية في اتجاهك، “عجزاء” أي كبيرة العجيزة  عندما تكون ذاهبة وهي كلمة ذات معنى جنسي شبقي ظاهرة)

 

تَجلو عَوارِضَ ذي ظَلمٍ إِذا اِبتَسَمَت *** كَأَنَّهُ مُنهَلٌ بِالراحِ مَعلولُ (اذا ابتسمت فإنّ ابتسامتها تجلو منها أسنان بيضاء لامعة تأسر قلب الناظر، يخالطها ريق  كأنه الخمر الرقيق “معلول”)

  • وكيف تكون الكعبة الشريفة وهي لا تستقر على حال دائمة الإخلاف للمواعيد، لعوب
يا وَيحَها خُلَّةً لَو أَنَّها صَدَقَتوَعَدَت أَو لَو أَنَّ النُصحَ مَقبولُ
لَكِنَّها خُلَّةٌ قَد سيطَ مِن دَمِهافَجعٌ وَوَلعٌ وَإِخلافٌ وَتَبديلُ
فَما تَدومُ عَلى حالٍ تَكونُ بِهاكَما تَلَوَّنُ في أَثوابِها الغولُ
وَما تَمَسَّكُ بِالوَصلِ الَّذي زَعَمَتإِلّا كَما تُمسِكُ الماءَ الغَرابيلُ
كَانَت مَواعيدُ عُرقوبٍ لَها مَثَلاًوَما مَواعيدُها إِلّا الأَباطيلُ

 

وإذا أحسنا الظن بالإخوان ! ولا يجدر بنا ذلك لأنهم فنانون في المراوغة فنيون في التلبيس ، فربما نقول إن سطحية تفكير بعض أتباعهم ممن اختلط عليهم أمر “البردة” بأمر “كسوة الكعبة” جعلت المسألة ملتبسة عليه إذ تداخل اسم “الكعبة” مع اسم الشاعر كعب بن زهير في خلده ، أو هكذا ظن، أو أراد أن يشيع. حتى إذا ما سرى هذا التخريج المعتاص المتقعر بين الأتباع وما أسرع ما يتداوله القطيع، استقر في الذهن وطوى به حقائق الفن والتاريخ. فلنتذكر أن شعارهم “اكذب.. ثم اكذب حتى تصدق نفسك .. فإذا صدقت نفسك صدقك الآخرون” .

 

خلاصة: من يسيئ إلى الرسول من قبلُ ومن بعدُ؟

يريد الإسلام الأرتودوكسي في شكله الزهدي الشعبوي (البوصيري نموذجا) والإسلام الإخواني والإسلام المحافظ أن يمحو أي فروق بين “بردة ” كعب زهير والبردات  الأخرى، مدعيا أنها جميعها ذات ملامح مشتركة  وأنها تخالف بناء القصيدة الكلاسيكية ونموذجها الأرقى المعلقات التي تعد أجود ما قيل من الشعر العربي، والحال أننا قد رأينا أن قصيدة كعب تنغرس عميقا في ذلك التراث، وتختلف عن البردات الأخرى، وقد ركزنا على برجة البصيري

وتدعي هذه الإسلامات أن البردات في بنائها على الغزل العفيف غير الحسي وقد رأينا أن بردة البوصيري توهم بالغزل وهي لا علاقة لها به بل تحوله حبا للرسول يبدو مختلقا ومفتعلا.

وتزعم البردة البوصيرية أنها تعبّر عن انشغالات الروح والعقل والقلب، ونقول إنها قد تتسم بضرب من الميل الزهدي ولكنها تفتقر إلى عمق الحالات التي شهدناها لدى المتصوفة الكبار بما تعبر عنه من حالات الروح في انفعلاتها وصراعاتها وارتقاءاتها من حال إلى حال فيه الكثير من الانثيال الوجداني الروحانية الذي يبتعد عن الطابع الانفعالي المباشر…

لقد اتكأت البردة البوصيرية على برة كعب واختلقت أجواء زهدية بادعاء حب للرسول لمحاولة إفراغ الاحتفال بالمولد النبوي بالمشهدية والفرح الدنيوي البشري بما يرافقه من حالات العشق والهوى الإنساني.

ولكن الإسلام الأرتودوكسي، وإن حاول أن ينسينا  بردة كعب بغرس بردة البوصيري في المزاج الشعبي فإنه لم يستطع محو  تلك القصيدة الفخمة من التاريخ  بما فيها من قسم غزلي يتغنى بالحبيبة كما هو شعور كل البشر أخفوه أم صرحوا به، ولم يستطيعوا أن ينكروا طرب لها الرسول فيما طرب، معبرا بذلك عن بشريته ودنيويته التي يراد إلغاؤها رغبة في التعليب والتصنيم والنمذجة بما يخدم روح الاستعلاء ويمنح السدنة الدينيين السلطان على القلوب والعقول والأهواء باسم النموذج الأرقى والأنقى.

 

البردة الأصلية – بردة كعب بن زهير

  1. بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ               مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُجزَ مَكبولُ
  2. وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا             إِلّا أَغَنُّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ
  3. هَيفاءُ مُقبِلَةً عَجزاءُ مُدبِرَةً                  لا يُشتَكى قِصَرٌ مِنها وَلا طولُ
  4. تَجلو عَوارِضَ ذي ظَلمٍ إِذا اِبتَسَمَت       كَأَنَّهُ مُنهَلٌ بِالراحِ مَعلولُ
  5. شُجَّت بِذي شَبَمٍ مِن ماءِ مَحنِيَةٍ           صافٍ بِأَبطَحَ أَضحى وَهُوَ مَشمولُ
  6. تَجلو الرِياحُ القَذى عَنُه وَأَفرَطَهُ            مِن صَوبِ سارِيَةٍ بيضٍ يَعاليلُ
  7. يا وَيحَها خُلَّةً لَو أَنَّها صَدَقَت              ما وَعَدَت أَو لَو أَنَّ النُصحَ مَقبولُ
  8. لَكِنَّها خُلَّةٌ قَد سيطَ مِن دَمِ                   ها فَجعٌ وَوَلعٌ وَإِخلافٌ وَتَبديلُ
  9. فَما تَدومُ عَلى حالٍ تَكونُ بِها               كَما تَلَوَّنُ في أَثوابِها الغولُ
  10. وَما تَمَسَّكُ بِالوَصلِ الَّذي زَعَمَت  إِلّا كَما تُمسِكُ الماءَ الغَرابيلُ
  11. كَانَت مَواعيدُ عُرقوبٍ لَها مَثَلاً  وَما مَواعيدُها إِلّا الأَباطيلُ
  12. أَرجو وَآمُلُ أَن يَعجَلنَ في أَبَدٍ            وَما لَهُنَّ طِوالَ الدَهرِ تَعجيلُ
  13. فَلا يَغُرَّنَكَ ما مَنَّت وَما وَعَدَت  إِنَّ الأَمانِيَ وَالأَحلامَ تَضليلُ
  14. أَمسَت سُعادُ بِأَرضٍ لا يُبَلِّغُها  إِلّا العِتاقُ النَجيباتُ المَراسيلُ

 

  1. وَلَن يُبَلِّغها إِلّا عُذافِرَةٌ فيها عَلى الأَينِ إِرقالٌ وَتَبغيلُ

 

 

  1. مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفرى إِذا عَرِقَت عُرضَتُها طامِسُ الأَعلامِ مَجهولُ
  2. تَرمي الغُيوبَ بِعَينَي مُفرَدٍ لَهَقٍ إذا تَوَقَدَتِ الحُزّانُ وَالميلُ
  3. ضَخمٌ مُقَلَّدُها فَعَمٌ مُقَيَّدُها            في خَلقِها عَن بَناتِ الفَحلِ تَفضيلُ
  4. حَرفٌ أَخوها أَبوها مِن مُهَجَّنَةٍ        وَعَمُّها خَالُها قَوداءُ شِمليلُ
  5. يَمشي القُرادُ عَلَيها ثُمَّ يُزلِقُهُ       مِنها لَبانٌ وَأَقرابٌ زَهاليلُ
  6. عَيرانَةٌ قُذِفَت في اللَحمِ عَن عُرُضٍ مِرفَقُها عَن بَناتِ الزورِ مَفتولُ
  7. كَأَنَّ ما فاتَ عَينَيها وَمَذبَحَها           مِن خَطمِها وَمِن اللَحيَينِ بَرطيلُ
  8. تَمُرُّ مِثلَ عَسيبِ النَخلِ ذا خُصَلٍ       في غارِزٍ لَم تَخَوَّنَهُ الأَحاليلُ
  9. قَنواءُ في حُرَّتَيها لِلبَصيرِ بِها    عِتقٌ مُبينٌ وَفي الخَدَّينِ تَسهيلُ
  10. تَخدي عَلى يَسَراتٍ وَهيَ لاحِقَةٌ      ذَوابِلٌ وَقعُهُنُّ الأَرضَ تَحليلُ
  11. سُمرُ العُجاياتِ يَترُكنَ الحَصى زِيَماً لَم يَقِهِنَّ رُؤوسَ الأُكُمِ تَنعيلُ
  12. يَوماً يَظَلُّ بِهِ الحَرباءُ مُصطَخِماً     كَأَنَّ ضاحِيَهُ بِالنارِ مَملولُ
  13. كَأَنَّ أَوبَ ذِراعَيها وَقَد عَرِقَت     وَقَد تَلَفَّعَ بِالقورِ العَساقيلُ
  14. وَقالَ لِلقَومِ حاديهِم وَقَد جَعَلَت وُرقُ الجَنادِبِ يَركُضنَ الحَصى قيلوا
  15. شَدَّ النهارُ ذِراعاً عَيطلٍ نَصَفٍ       قامَت فَجاوَبَها نُكدٌ مَثاكيلُ
  16. نَوّاحَةٌ رَخوَةُ الضَبعَين لَيسَ لَها     لَمّا نَعى بِكرَها الناعونَ مَعقولُ
  17. تَفِري اللِبانَ بِكَفَّيها وَمِدرَعِها     مُشَقَّقٌ عَن تَراقيها رَعابيلُ

بيت  التخلص

  1. يَسعى الوُشاةُ بِجَنبَيها وَقَولُهُم     إِنَّكَ يَا بنَ أَبي سُلمى لَمَقتولُ

 

مقطع حكمي عام

  1. وقالَ كُلُّ خَليلٍ كُنْتُ آمُلُهُ     لا أُلْفيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغولُ
  2. فَقُلْتُ خَلُّوا سَبيلِي لاَ أبا لَكُمُ فَكُلُّ ما قَدَّرَ الرَّحْمنُ مَفْعولُ
  3. كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ يَوْماً على آلَةٍ حَدْباءَ مَحْمولُ

المقطع المدحي أو الغرض الرئيسي 

  1. أُنْبِئْتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَني والعَفْوُ عَنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ
  2. وقَدْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ مُعْتَذِراً والعُذْرُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَقْبولُ
  3. مَهْلاً هَداكَ الذي أَعْطاكَ نافِلَةَ الْقُرْآنِ فيها مَواعيظٌ وتَفُصيلُ
  4. لا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوالِ الوُشاة ولَمْ أُذْنِبْ وقَدْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاويلُ
  5. لَقَدْ أقْومُ مَقاماً لو يَقومُ بِه         أرَى وأَسْمَعُ ما لم يَسْمَعِ الفيلُ
  6. لَظَلَّ يِرْعُدُ إلاَّ أنْ يكونَ لَهُ مِنَ الَّرسُولِ بِإِذْنِ اللهِ تَنْويلُ
  7. حَتَّى وَضَعْتُ يَميني لا أُنازِعُهُ         في كَفِّ ذِي نَغَماتٍ قِيلُهُ القِيلُ
  8. لَذاكَ أَهْيَبُ عِنْدي إذْ أُكَلِّمُهُ        وقيلَ إنَّكَ مَنْسوبٌ ومَسْئُولُ
  9. مِنْ خادِرٍ مِنْ لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ        مِنْ بَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونَهُ غيلُ
  10. يَغْدو فَيُلْحِمُ ضِرْغامَيْنِ عَيْشُهُما     لَحْمٌ مَنَ القَوْمِ مَعْفورٌ خَراديلُ
  11. إِذا يُساوِرُ قِرْناً لا يَحِلُّ لَهُ       أنْ يَتْرُكَ القِرْنَ إلاَّ وهَوَمَغْلُولُ
  12. مِنْهُ تَظَلُّ سَباعُ الجَوِّ ضامِزَةً ولا تَمَشَّى بَوادِيهِ الأراجِيلُ
  13. ولا يَزالُ بِواديهِ أخُو ثِقَةٍ       مُطَرَّحَ البَزِّ والدَّرْسانِ مَأْكولُ
  14. إنَّ الرَّسُولَ لَنورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ مِنْ سُيوفِ اللهِ مَسْلُولُ
  15. في فِتْيَةٍ مِنْ قُريْشٍ قالَ قائِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أسْلَمُوا زُولُوا
  16. زالُوا فمَا زالَ أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ عِنْدَ الِّلقاءِ ولا مِيلٌ مَعازيلُ
  17. شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لُبوسُهُمْ مِنْ نَسْجِ دَأوُدَ في الهَيْجَا سَرابيلُ
  18. بِيضٌ سَوَابِغُ قد شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ كأنَّها حَلَقُ القَفْعاءِ مَجْدولُ
  19. يَمْشونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ إذا عَرَّدَ السُّودُ التَّنابِيلُ
  20. لا يَفْرَحونَ إذا نَالتْ رِماحُهُمُ قَوْماً ولَيْسوا مَجازِيعاً إذا نِيلُوا
  21. لا يَقَعُ الطَّعْنُ إلاَّ في نُحورِهِمُ وما لَهُمْ عَنْ حِياضِ الموتِ تَهْليلُ

 

بردة البوصيري

 

  1. أمنْ تذكر جيرانٍ بذى ســــلمٍ مزجْتَ دمعا جَرَى من مقلةٍ بـــدمِ
  2. أَمْ هبَّتِ الريحُ مِنْ تلقاءِ كاظمـــةٍ وأَومض البرق في الظَّلْماءِ من إِضـمِ
  3. فما لعينيك إن قلت اكْفُفا هَمَتــا وما لقلبك إن قلت استفق يهــــمِ
  4. أيحسب الصبُ أنّ الحب منكتـــمٌ ما بين منسجم منه ومضْطَّــــــرمِ
  5. لولا الهوى لم ترق دمعاً على طـللٍ ولا أرقْتَ لذكر البانِ والعَلــــمِ
  6. فكيف تنكر حباً بعد ما شــهدتْ به عليك عدول الدمع والســــقمِ
  7. وأثبت الوجدُ خطَّيْ عبرةٍ وضــنىً مثل البهار على خديك والعنــــمِ
  8. نعمْ سرى طيفُ منْ أهوى فأرقـني والحب يعترض اللذات بالألــــمِ
  9. يا لائمي في الهوى العذري معذرة مني إليك ولو أنصفت لم تلــــمِ
  10. عَدتْكَ حالِيَ لا سِرِّي بمســـــتترٍ عن الوشاة ولا دائي بمنحســــمِ
  11. محضْتني النصح لكن لست أســمعهُ إن المحب عن العذال في صــممِ
  12. إنى اتهمت نصيحَ الشيب في عذَلٍ والشيبُ أبعدُ في نصح عن التهــم
  13. فإنَّ أمَارتي بالسوءِ ما أتعظـــتْ من جهلها بنذير الشيب والهـــرمِ
  14. ولا أعدّتْ من الفعل الجميل قـرى ضيفٍ ألمّ برأسي غيرَ محتشـــم
  15. لو كنتُ أعلم أني ما أوقـــرُه كتمتُ سراً بدا لي منه بالكتــمِ
  16. منْ لي بردِّ جماحٍ من غوايتهـــا كما يُردُّ جماحُ الخيلِ باللُّجُــــمِ
  17. فلا ترمْ بالمعاصي كسرَ شهوتهـــا إنَّ الطعام يقوي شهوةَ النَّهـــمِ
  18. والنفسُ كالطفل إن تُهْملهُ شبَّ على حب الرضاعِ وإن تفطمهُ ينفطــمِ
  19. فاصرفْ هواها وحاذر أن تُوَليَــهُ إن الهوى ما تولَّى يُصْمِ أو يَصِـمِ
  20. وراعها وهي في الأعمالِ ســائمةٌ وإنْ هي استحلتِ المرعى فلا تُسِمِ
  21. كمْ حسنتْ لذةً للمرءِ قاتلــةً مـن حيث لم يدرِ أنَّ السم فى الدسـمِ
  22. واخش الدسائس من جوعٍ ومن شبع فرب مخمصةٍ شر من التخـــــمِ
  23. واستفرغ الدمع من عين قد امتلأتْ من المحارم والزمْ حمية النـــدمِ
  24. وخالف النفس والشيطان واعصِهِما وإنْ هما محضاك النصح فاتَّهِـــمِ
  25. ولا تطعْ منهما خصماً ولا حكمـــاً فأنت تعرفُ كيدَ الخصم والحكــمِ
  26. أستغفرُ الله من قولٍ بلا عمــــلٍ لقد نسبتُ به نسلاً لذي عُقـــــُمِ
  27. أمْرتُك الخيرَ لكنْ ما ائتمرْتُ بـه وما اسـتقمتُ فما قولى لك استقـمِ
  28. ولا تزودتُ قبل الموت نافلـــةً ولم أصلِّ سوى فرضٍ ولم اصــــمِ
  29. ظلمتُ سنَّةَ منْ أحيا الظلام إلـــى إنِ اشتكتْ قدماه الضرَ من ورمِ
  30. وشدَّ من سغبٍ أحشاءه وطـــوى تحت الحجارة كشْحاً مترف الأدمِ
  31. وراودتْه الجبالُ الشمُ من ذهــبٍ عن نفسه فأراها أيما شــــممِ
  32. وأكدتْ زهده فيها ضرورتُـــه إنَّ الضرورة لا تعدو على العِصَمِ
  33. وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورةُ منْ لولاه لم تُخْرجِ الدنيا من العـدمِ
  34. محمد سيد الكونين والثقليــــن والفريقين من عُرْب ومنْ عجــمِ
  35. نبينا الآمرُ الناهي فلا أحــــدٌ أبرَّ في قولِ لا منه ولا نعــــمِ
  36. هو الحبيب الذي ترجى شفاعـته لكل هولٍ من الأهوال مقتحـــمِ
  37. دعا إلى الله فالمستمسكون بــه مستمسكون بحبلٍ غير منفصـــمِ
  38. فاق النبيين في خَلقٍ وفي خُلـُقٍ ولم يدانوه في علمٍ ولا كـــرمِ
  39. وكلهم من رسول الله ملتمـــسٌ غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ
  40. وواقفون لديه عند حدهــــم من نقطة العلم أو من شكلة الحكمِ
  41. فهو الذي تم معناه وصورتــه ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النســـمِ
  42. منزهٌ عن شريكٍ في محاســـنه فجوهر الحسن فيه غير منقســـمِ
  43. دعْ ما ادعتْهُ النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
  44. وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف وانسب إلى قدره ما شئت من عظمِ
  45. فإن فضل رسول الله ليس لــــه حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفــــــمِ
  46. لو ناسبت قدرَه آياتُه عظمــــاً أحيا اسمُه حين يدعى دارسَ الرممِ
  47. لم يمتحنا بما تعيا العقولُ بـــه حرصاً علينا فلم نرْتبْ ولم نهـــمِ
  48. أعيا الورى فهمُ معناه فليس يُرى في القرب والبعد فيه غير مُنْفحـمِ
  49. كالشمس تظهر للعينين من بعُـدٍ صغيرةً وتُكلُّ الطرفَ من أمَـــمِ
  50. وكيف يُدْرِكُ في الدنيا حقيقتـَه قومٌ نيامٌ تسلوا عنه بالحُلُــــــمِ
  51. فمبلغ العلمِ فيه أنه بشــــــرٌ وأنه خيرُ خلقِ الله كلهــــــمِ
  52. وكلُ آيٍ أتى الرسل الكرام بها فإنما اتصلتْ من نوره بهــــمِ
  53. فإنه شمسُ فضلٍ هم كواكبُهــا يُظْهِرنَ أنوارَها للناس في الظُلـمِ
  54. أكرمْ بخَلْق نبيّ زانه خُلـُـــقٌ بالحسن مشتملٍ بالبشر متَّســـــمِ
  55. كالزهر في ترفٍ والبدر في شرفٍ والبحر في كرمٍ والدهر في هِمَمِ
  56. كانه وهو فردٌ من جلالتــــه في عسكرٍ حين تلقاه وفي حشـمِ
  57. كأنما اللؤلؤ المكنون فى صدفٍ من معْدِنَي منطقٍ منه ومُبْتَســم
  58. لا طيبَ يعدلُ تُرباً ضم أعظُمَـــهُ طوبى لمنتشقٍ منه وملتثـــــمعليه وسلم
  59. أبان مولدُه عن طيب عنصــره يا طيبَ مبتدأٍ منه ومختتــــمِ
  60. يومٌ تفرَّس فيه الفرس أنهــــمُ قد أُنْذِروا بحلول البؤْس والنقـمِ
  61. وبات إيوان كسرى وهو منصدعٌ كشملِ أصحاب كسرى غير ملتئـمِ
  62. والنار خامدةُ الأنفاسِ من أسـفٍ عليه والنهرُ ساهي العينِ من سدمِ
  63. وساءَ ساوة أنْ غاضت بحيرتُهــا ورُدَّ واردُها بالغيظ حين ظمــي
  64. كأنّ بالنار ما بالماء من بــــلل حزْناً وبالماء ما بالنار من ضَــرمِ
  65. والجنُ تهتفُ والأنوار ساطعــةٌ والحق يظهرُ من معنىً ومن كَلِـمِ
  66. عَمُوا وصمُّوا فإعلانُ البشائر لــمْ تُسمعْ وبارقةُ الإنذار لم تُشــــَمِ
  67. من بعد ما أخبر الأقوامَ كاهِنُهُمْ بأن دينَهم المعوجَّ لم يقـــــمِ
  68. وبعد ما عاينوا في الأفق من شُهُب منقضّةٍ وفق ما في الأرض من صنمِ
  69. حتى غدا عن طريق الوحي منهزمٌ من الشياطين يقفو إثر مُنـــهزمِ
  70. كأنهم هرباً أبطالُ أبرهــــــةٍ أو عسكرٌ بالحَصَى من راحتيه رُمِىِ
  71. نبذاً به بعد تسبيحٍ ببطنهمـــــا نبذَ المسبِّح من أحشاءِ ملتقــــمِوسلم
  72. جاءتْ لدعوته الأشجارُ ســـاجدةً تمشى إليه على ساقٍ بلا قــــدمِ
  73. كأنَّما سَطَرتْ سطراً لما كتـــبتْ فروعُها من بديعِ الخطِّ في اللّقَـمِ
  74. مثلَ الغمامة أنَّى سار سائــــرةً تقيه حرَّ وطيسٍ للهجير حَــــمِى
  75. أقسمْتُ بالقمر المنشق إنّ لـــه من قلبه نسبةً مبرورة القســــمِ
  76. وما حوى الغار من خير ومن كرمٍ وكلُ طرفٍ من الكفار عنه عــِى
  77. فالصِّدْقُ في الغار والصِّدِّيقُ لم يَرِما وهم يقولون ما بالغـار مــن أرمِ
  78. ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسُج ولم تحُــــمِ
  79. وقايةُ الله أغنتْ عن مضاعفـــةٍ من الدروع وعن عالٍ من الأطـُمِ
  80. ما سامنى الدهرُ ضيماً واستجرتُ به إلا ونلتُ جواراً منه لم يُضَــــمِ
  81. ولا التمستُ غنى الدارين من يده إلا استلمت الندى من خير مستلمِ
  82. لا تُنكرِ الوحيَ من رؤياهُ إنّ لــه قلباً إذا نامتِ العينان لم يَنَـــم
  83. وذاك حين بلوغٍ من نبوتــــه فليس يُنكرُ فيه حالُ مُحتلــــمِ

 

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: