أُخوان-شيروود أندرسون

img

قصة مترجمة

أُخـــــــــــــوان

Brothers

شيروود أندرسون

ترجمة : زيد الشهيد

إنَّها أواخر أيام اكتوبر حيث السماء تهطلُ مطراً في هذا الوقت ؛ وأنا في بيتي الكائن في الريف . ما خلفَ البيتِ غابةٌ ، أما أمامه فطريق . وما بعدَ الطريق تنفتحُ الحقولُ ويظهرُ الريفُ تلالاً واطئةً تنحدرُ انحداراً شديداً ما تلبث أنْ تتشكَّل سهولاً . على بعدِ عشرين ميلاً وعبرَ الأرض المستوية تمتدُّ مدينةُ شيكاغو الهائلة .

في هذا اليوم الممطر تتساقطُ اوراقُ الشجر صانعةً خطّاً أمام نافذتي . أبصرُها اللحظةَ تتساقط صفراء وحمراء وذهبية . ابصرُها ثقيلةً يرشقُها المطر بقسوةٍ ، متنكرةً للوميض الذي يُحدِثه البرقُفي السماء .. في اكتوبر تندفعُ الأوراقُ راقصةً بفعل هياجِ الريح بعيداً إلى حيثُ الحقول .

صباحُ الأمس نهضتُ مبكراً وخرجت ، تحدوني رغبةُ التجوال . كان ثمَّة ضبابٌ افقدني الطريق ، فهبطتُ باتجاه السهول وعُدتُ من جديدٍ الى التلال . كانَ الضبابُ أمامي مثلَ جدارٍ والاشجارُ مشوهةً عن بعدٍ كأنَّها في شارعِ مدينةٍ خلال ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل يظهر فيها الناسُ فجأةً طالعينَ من الظُّلمةِوداخلين دائرةَ ضوءِ الشارع . في الاعلى ضوءُ النهار يتسلَّلُ بطيئاً فيلجُّ قلبَ الضياء . وكانَ الضبابُ يتحركُ بطيئاً ، وهاماتُ الاشجار هي الأُخرى تتحركُ ببطء . أمَّا دونَ الاشجارِ فكان الضبابُ ارجوانياً كثيفاً كأنَّه دخانٌ يمرُّ في طرقاتِ مدينةٍ صناعية .

من وسط ِالضباب دنا مني رجلٌ عجوز لي معرفةٌ به . الناسُ هنا يسمّونه المجنون ” إنَّه متصدعٌ قليلاً .” يقولون .. يعيش لوحده في بيتٍ صغيرٍ مدفونٍ عميقاً في الغابة ، ويملك كلباً صغيراً يحملُه على ذراعيه . في عديدِالصباحات كنتُ ألتقيه يمشي في الطريق . حدَّثني عن رجالٍ ونساءٍ قال عنهمإنَّهم اخوتُه وأخواته ، وأبناءُ أعمامه ، وعماتُه ، وأعمامُه ، ونسباؤه . إنَّها لحالةٍ من التشوش . لا يقدر الاقتراب من الناس حيث يغدو في المتناول  ؛ لذا نأى باسمه عمّا يردُ في الجريدة وعقلُه أظهرَ عدمَ اهتمامٍ بها … في صباحِ أحد الأيام أخبرني وأنا منهمكٌ في الكتابةِ أنَّه ابنُ عمِّ  رجلٍ اسمه كوكس المرشح للرئاسة آنذاك . وفي صباح آخر  أخبرني أنَّ المغني كاروسو كان تزوجَ امرأةً هي نسيبته . ” إنّها أخت زوجتي .” قال ممسكاً كلبه الصغير بين ذراعيه . عيناه الدامعتان الرماديتان ارتفعتا تستغيثان بتصديقِ ما يقول . ” زوجتي كانت فتاةً نحيلةً وحلوة .” صرَّح لي .” عشنا معاً في بيتٍ كبير . وفي الصباح كنّا نمشي ذراع على ذراع . الآن اختُها تزوجت كاروسو المغني . هو الآن من عائلتي .”

عندما أخبرني أحدهم أنَّ الرجل العجوز لم يتزوج من قَبل رحتُ أبحثُ عنه . عثرتُ عليه في أحد صباحات سبتمبر المُبكِّرة . كان جالساً  تحت شجرةٍ بجوار دربٍ قريب من بيته . أطلق الكلبُ نباحه باتجاهي ثم عادَ زاحفاً ليسترخي بين ذراعيه . في ذلك الوقت كانت صحف شيكاغو تمتلىء بقصةِ مليونير له مشاكل مع زوجته بسبب علاقتِه بممثلة . أخبرني العجوز أنَّ تلك الممثلةَ هي أخته . كان عمرُ المليونير ستين عاماً بينما الممثلةُ التي ظهرت قصتها في الصحف بعمر العشرين ؛ ولقد تحدث العجوزُ عن طفولتِهما عندما كانا يعيشان سويةً .” أنتَ لا تُدرك ذلك وأنتَ تشاهدنا الآن لكنَّنا كنّا فقراء .” قال . ” إنَّها الحقيقةُ . عشنا في بيتٍ صغير عند كتفِ التل . ومرَّة عندما هبَّت عاصفةٌ كنست الريحُ بيتنا بعيداً . يا لها من ريحٍ ! كان والدنا نجاراً وقد شيّد البيوت القوية المُتقنة للناس لكنَّه لم يبنِ بيتنا بالقوةِ التي بنى بها بيوتَ الآخرين .” هزَّرأسه بشيءٍ من الحزن . ” كانت أختي المُمثلة في وضعٍ مربك . بيتُنا لم يُبنى بالإتقانِ المطلوب .” قال ذلك في اللحظةِ التي تركته واتخذتُ الدربَ مبتعداً .

***

لشهرٍ أو شهرين كانت صحف شيكاغو التي تصلنا إلى القرية تتناولُ أخبارَ حادثةِ قتل . رجلٌ قتلَ زوجته دونَ معرفة الدوافع . والحكايةُ جرت كالآتي :

لا شكَّ أنَّ الرجل الذي يُحاكَم داخل قاعةِ المحكمة سينال عقوبةُ الإعدام شنقاً . قضى عمرُه يعمل رئيسَ جوقةِ عمال  في مصنع دراجات . يعيش مع زوجته وأمِّها في شقّةٍ بشارع اثنين وعشرين . أحبَ فتاةً كانت تعمل في مكتبٍ بالمصنع نفسه الذي يشتغل فيه . كانت قد جاءت من بلدةٍصغيرة في مقاطعة آيوا . سكنت في بدايةِ الأمر مع عمَّتِها التي توفيت في ما بعد . آنذاك بدت لعيني رئيس جوقة العمال الرماديتين ونظرته البليدة الفتاةَ الأكثرَ جمالاً في العالم . تَّتخذُ منضدةً عند النافذة في زاوية  المصنع الذي يشكِّل جناحاً من بنايةٍ بينما هو يجلس في مكانه عند منضدةٍجوار النافذة . مرَّة كان جالساً عند منضدته يستخرج أوراقاً يندرج فيها العملُ المنجزُ لكلِّ عامل في قسمِه . عندما رفعَ نظرَه شاهد الفتاة في كرسيها منهمكةً في واجبها . دخلت رأسه فكرةُ أنّها فتاةٌ رائعة بصورة غريبة . لم تراوده فكرةُالاقتراب منها أو الفوزِ بحبِّها . طالعها كما يطالع أحدٌ ما نجماً أو درباً لتلال ريفية واطئة في شهر اكتوبر حيثُ اوراقُ الشجر جميعاً حمراء وصفراء وذهبية  .” إنَّها نقيةٌ ، شيءٌ عذري . ” فكَّر بإبهامٍ ” بماذا تفكر الآن وهي جالسةٌ تمارسُ عملَها  عند النافذة ؟”

في فترةِ خطوبتهما أخذ رئيسُ الجوقة الفتاةَ من بيتها في آيوا معه الى شقتِه في شارع الثاني والثلاثين بحضور زوجته وحماته . طوالَ اليوم في معرضِ البيع واثناء المساء في بيته حملَها رقماً في رأسه . عندما جلسَ عند النافذة في شقته ونظر باتجاهِ سكة حديد ألينوي المركزية ، ثم ما وراء المسارات صوبَ البحيرة كانت الفتاةُ هناك الى جانبه . وفي الأراضي الواطئة كانت ثمَّة سيدةٌ تسير ؛ وفي كلِّ امرأةٍ شاهدَها كان فيها شيءٌ من الفتاة  . في الأسفل كان ثمَّة نساءٌ يمشين ؛ وفي كلِّ امرأةٍ يجدُ بعضاً من ملامحِ الفتاة التي من آيوا. واحدةٌ تمشي كما تمشي هي . أخرى تومىء بيدِها فيتذكُّرها . جميعُ النساء اللاتي ابصرهن كُنَّ يشبهنَ الفتاةَ التي ادخلها إلى نفسه باستثناء زوجتِه وحماته . المرأتان اللتان كانتا في بيته بدتا تُربكانه . اصبحتا لديه وبصورةٍ مفاجئة غيرَ محببتين ومبتذلتين ؛ خصوصاً زوجتُه التي طفقَ يراها كالورمِ الكريه الغريب العالق بجسده .

في المساءِ وبعد نهار من العمل في المصنع قصدَ بيته وتناول العشاء . كان أغلبُ الاوقات رجلاً صامتاً ؛ وعندما يُحجِم عن الحديث لا أحدَ يعترض . وبعد العشاءِ صحبَ زوجتَه الى معرضٍ للصور . كان لديه طفلان ، يتوقع وزوجته حصولَهما على مولودٍ ثالث . عادا إلى الشقة وجلسا . كانت طريقةُ ارتقائه السلَّم كلَّ درجتين مَعاً مما أرهقَ زوجته وجعلها تجلس على كرسي جوارَ أمِّها تئنُّ من التعب .

كانت حماتُه تحملُ روحاً طيبة ؛ تولَّت في البيت مهمَّةَ خادمةٍ دونَ أجر . عندما أرادت ابنتُها الذهاب لمعرض الصور لوَّحت بيدِها وابتسمت .” اذهبي . أنا لا أُريد الذهاب . أُفضِّل البقاء هنا .” سحبت كتاباً وشرعت تقرأ . استيقظَ الطفل ذو التاسعة وابتدأ بالصراخ . أرادَ الذهاب الى الحمام فأخذته ليقضي حاجته .

عندما عاد الرجلُ وزوجته الى البيت جلسَ الثلاثة صامتين لساعةٍ أو ساعتين قبل النوم . تظاهرَ بقراءةِ صحيفة . طالع كفَّيه . ما زالَ دهانُ العجلاتِ الأسود تحت أظافرهرُغمَ غسلِ يديه بعناية . فكَّر بالفتاةِ من آيوا . فكَّر بأناملِها البيضاء وهي تضربُ بتسارعٍ علىحروفِ الطابعة فساورَه احساسُ أنَه قذرٌ ومزعج .

عرفت فتاةُ المصنع أنَّ رئيسَ جوقةِ العمال وقعَ في حبِها فأثارتها الفكرةُ قليلاً . بعدما توفيت عمَّتها ذهبت للعيش في نزل ولم يكن لديها عملٌ تؤديه  فترة المساء . ومع أنَّ رئيسَ الجوقة لا يعني لها شيئاً إلا أنَّها فكَّرت بإمكانيةِ استغلاله . أصبح رمزاً يخصُّها . كانَ بعضُ الاحيان يأتي الى المكتبِ فيقف عند الباب للحظات . كفّاه الكبيرتان ملوثتان بالدهانِ الاسود . طالعته بلا اهتمام . في خيالِها مكانٌ مهيئٌ لشابٍّ رشيقٍ وطويل . في رئيسِ جوقة العمال لا ترى غير عينين رماديتين اخذتا تشتعلان بنيران غريبة . عبرَّت العينان عن اشتياقٍ وتواضع مقرونتان بخشوع . وجودُ رجلٍ بمثل هاتين العينين لا يثير عندها الخشية .

كانت تريدُ حبيباً يأتيها بمثلِ هذه النظرة في عينيه . من حين لآخر ؛ ربَّما مرة خلال اسبوعين مكثت متأخرةً في مكتبها متظاهرةً بعملٍتسعى لإكماله . شاهدته عبر النافذة ينتظر . وحين خرجَ الجميع اغلقت مكتبَها ونزلت الى الشارع . وبالوقت نفسِه ظهرَ خارجاً من بابِ المصنع .

مشيا معاً وقطعا عدداً من المباني العالية وصولاً لسيارتها . كان المصنعُ في مكانٍ يطلق عليه ” جنوب شيكاغو ” .. استمرا يمشيان حتى حلول المساء . كانت الشـوارعتمتدوعلىجانبيهاهياكلُبيوت صغيرة غير مطلية وأطفال بوجوه قذرة يعدون صارخين في الطريق المترب . عبرا جسراً تحته سفينتان تحملان فحماً تقفان متعفنتين في الجدول .

يمشي إلى جانبها متثاقلاً ومُجاهداً في اخفاء كفّيه اللذين حكَّهما بعناية قبل مغادرته المصنع لكنَّهما بدتا لنظره مثل نفايةٍقذرة متدلية على جانبيه . مرات عديدة سارا معاً ، وخلال صيف واحد .. ” الجو حار ” قال . لم يكلّمها بأيِّ شيءٍ باستثناء كلامِه عن الجو ” الجو حار ” قال ، ” قد تمطر “.

كانت تحلُم بحبيبٍ ربما يأتي يوماً ما ؛ طويل وجميل . غني ويمتلك بيوتاً وأراضيَ . الرجل الذي يسير جنبها لا شيء يتحلّى به وفقَ مفهومِها للحب . تمشي معه .. بقيت في المكتب حتى غادرَ الجميع  لتمشي معه غير متأثرة به بسبب عينيه ، بسبب الشوق في عينيه اللتين في الوقت نفسه تُظهران تواضعاً وقد انحنتا لها . لا خطرَ عليها طالما هي معه ؛ لا خطرَ على الاطلاق . ومن ناحيتِه لن يحاول الاقتراب منها ولمسها بيديه . كانت آمنةً معه .

في المساء وفي داخلِ شقته جلس تحت ضوء المصباح الكهربائي مع زوجته وحماته . وفي الغرفةِ الثانية يرقدُ طفلاه في سريرهما . وخلال الفترةِ القادمة سترزقُ زوجته الطفل الثالث . لقد كان معها في معرضِ الصور وبوقت قصيرٍ سيكونان في الفراش معاً .

سيبقى في الفراش مُضطجعاً يفكِّر ؛ سيسمع عياط سبرنك السرير حيث حماته ، في الغرفةِ الاخرى ، تزحفُ بين الشراشف . كانت الحياةُمليئةً بالألفة . سيبقى صاحياً متلهفاً ، يتوقّع .. يتوقَّع ماذا ؟ لا شيء .

تلك اللحظة صرخَ أحدُ الطفلين . ارادَ الخروج لقضاء حاجته . لا شيء غريب أو غير عادي أو مدهش سيحدث أو قد يحدث . كانت الحياةُ حميميةً جداً مليئةً بالأُلفة . لا شيء يمكن حدوثُه في الشقّة يتسبب بتعكيرِ صفوه . الأشياءُ التي قد تقولُها زوجته ؛ انفجاراتُها الفاترة العارضة للعاطفة ، طيبةُ حماته التي عملت مثلَ خادمةٍ دون مقابل .

جلس في الشقّة تحت ضوءِ المصباح الكهربائي يفكِّر لكنه يتظاهر بقراءةِ جريدة  . طالعَ كفَّيه ؛ كانتا كبيرتين . لا مظهر جميل لهما . إنَّهما كفّا عاملٍ .

خطت الفتاة التي من آيوا حولَ الغرفة . خرجَ من الشقّة وراحَ يتمشى معها بصمتٍ قاطعين أميالاً من الشوارع . ليس ضرورياً أنْ تقولَ كلمة . تمشي معها جوار بحر ؛ على ذروة جبل . كان الليل صافياً وساكناً بينما النجوم تتوهَّج . هي أيضاً نجمةٌ ليس ضرورياً أنْ تفوهَ بكلمة .

كانت عيناها كنجمتين . وكانت شفتاها كتلّين ناعمين يعلوان خارجَ العتمة . نجمةٌ تضيءُ السهول . ” إنَّها عصيةٌ على الادراك . إنَّها بعيدةٌ كالنجوم ” فكَّر .” إنَّها عصيةٌ على الادراك مثلَ النجوم لكنَّها ليست كالنجوم تتنفس ، تحيا . إنَّها كنفسي .”

في احدى المساءات وكانت قد انقضت ستةُ أسابيع قتلَ رئيسُ جوقة العمل الذي كان يعمل في مصنع الدراجات زوجتَه ؛ وهو الآن في قاعةِ المحكمة يُحاكَم كقاتل . يومياً كانت الصحفُ تتناولُ قصةَ القتل . في المساء الذي جرى فيه القتلُ كان قد اصطحبَ كالمعتاد زوجتَه لمشاهدةِ معرضِ الصور وعادا الى البيت في التاسعة . في شارعِ اثنين وثلاثين ، عند الزاوية القريبة من عمارتِهم السكنية مَرقَ رجلٌ فجأة خارجاً من المَمر ثم عاد مُسرعاً كالسهمِ . قد يكون الحادثُحصلَ بفعلِ فكرةٍ قتلَ زوجتَه برأسِ الرجل .

وصلا مدخلَ العمارة وولجا مَجازاً مُعتماً . ثم بَغتةً ، وبدونِ تفكيرٍ على ما يبدو سحبَ الرجلُ سكيناً من جيبه ” اعتقد أنَّ الرجلَ الذي مرقَ عبرَ الممر كان ينوي قتلنا .” فكَّر .. فتحَ السكين ودارَ حوله ثم طعنَ زوجتَه . طعنها مرتين ؛ وبجنون اثنتي عشر مرةً . كانت ثمَّة صرخةٌ ثم جرى سقوطَ زوجته .

كان بوّاب العمارة قد أهملَ اضاءةَمصباح الغاز في عُمق المجاز . بعد ذلك صرَّح رئيسُ جوقة العمال أنَّ ما دفعه لفعل ذلك هو خروجُ الرجل مُنسلاً في المَمر المُعتم وعودته كالسهمِ مُجدداً . ” بالتأكيد ، ” قال في سرّه . ” لم أكُنْ لأفعل ذلك لو كان المصباحُ مُضاءً .” . وقفَ في المدخلِ يُفكِّر . كانت زوجتُه قد ماتت ، وماتَ معها جنينُها . كانت ثمَّة أبوابٌ تُشرع في شقَقِ الطوابقِ العليا . لعدّةِ دقائق  لم يحدث شيءٌ . كلُّ ما كان هو أنَّ زوجتَه وجنينَها ميتان . ركضَ نحوَالطوابقالعلياصاعداًالسلَّم وغارقاً في التفكير … في الظلمةِأعادَ السكين إلى جيبه وراحَ يهبط درجات السلم خارجاً إلى الفضاء . لا دم بيديه أو على ملابسه . كان قد غسلَ السكين في الحَمّام باعتناء وخمدَ الهياجُ قليلاً في داخله . صارَ يخبرُ كلَّ من التقاه بالقصةِ نفسها . ” كان هناكَ عطبٌ .” . أوضح ” لقد انسلُّ رجلٌّ خارج البناية وتبعني أنا وزوجتي ونحنُ قاصدان البيت  . تبِعنا الى البناية ولم يكُن هناك ضوء . البوّاب أهملَ اضاءةَ مصباح الغاز . ” حسناً . لقد كان هناك صراعٌ ، وفي الظلام قُتلت زوجته . لم يكن باستطاعته إخبارَ أحدٍ كيف تمَّ الحادث . ” لم يكُن ثمَّة ضوء . البوّاب أهملَ اضاءة مصباح الغاز .” استمر يردِّد .

ليومٍ أو يومين لم يُستجوَب ؛ وكان لديه الوقت الكافي للتخلِّص من السكين . عندما كان يتمشى في الطريق رمى السكين في النهرِ الذي جنوب شيكاغو حيث مركبا الفحم متوقفان متعفنان تحت الجسر ؛ الجسرُ الذي عبره في احدى أماسي الصيف باتجاه دربِ المركبات صحبةَ الفتاة العذراء الصافية ، والتي كانت بعيدةً ومستحيلةَ الادراك مثل نجمة ؛ أمّا الآن فلم تعُد نجمة .

بعد ذلك اعتُقِلَ ، وقدَّمَ اعترافه سريعاً . قال كلَّ شيء . قال إنَّه لم يُدرك لماذا قتل زوجته . وكان حذراً فلم يأتِ على ذِكر فتاةِ المكتب . حاولت الصحف اكتشاف دافعَ الجريمة . استمرت في محاولاتِها حتى جاءَ احدهم ليعُلن أنَّه شاهده في احدى الأمسيات يسير صحبةَ فتاة فاستُدعيت الفتاةُ والتُقِطَت لها صورةٌ احتوتها واجهات الصحف ما ولَّد لها ازعاجاً ؛ وكانت مُستعدَّةً لإثبات أنْ لا علاقة لها بالرجل .

***

البارحة صباحاً هبط ضبابٌ ثقيلٌ على قريتنا عندَ حافةِ المدينة  وكنتُ قد خرجتُ لأتمشى مبكراً . وبينما كنتُ اُعرِّج عائداً من الأراضي المنخفضة لريفنا ذي الهضبة قابلتُ الرجلَ العجوز الذي ينتمي لعائلةٍ كبيرةٍ بتفرعاتٍ غريبة . كان يسير بجانبي لبعض الوقت وهو يحملُكلباً صغيراً. كان الجو بارداً والكلبُ يئنُّ ويرتجف . في الضباب كان وجهُ الرجلِ العجوز باهتاً . يتحرك جيئةً وذهاباً  ببطء . الضباب كان كثيفاً في الفضاء ، وفوقَ الاشجار  . تحدَّث عن الرجلِ الذي قتلَ زوجته  ويتردَّد اسمُه على صفحات جرائد المدينة التي تُجلبُ إلى القرية كلَّ صباح . وفيما هو يخطو بجانبي راحَ يقص حكايةً طويلةً تتعلقُ بحياته وحياةِ أخيه الذي غدا الآن قاتلاً وكانا يوماً ما يعيشان معاً . ” إنَّه أخي . ” . كرَّرها عدةَ مرات بصوت يعلو ويعلو ، وهو يهزُّ رأسه . بدا خائفاً مِن أنْ لا اصدقه . كان ثمَّة حقيقة يُحب تثبيتَها . ” لقد كنّا أخوةً ، أنا وذلك الرجل .” . شرع بالحديث مُجدداً . ” أنت تعرف أننا عشنا مَعاً في الحظيرةِ الكائنة خلفَ بيت أبينا . أبونا رحلَ في سفينةٍ أخذته بعيداً . ذلك الرحيل الذي جعلَ اسماءنا مشوشة . أنتَ تدرك ذلك . لنا اسمان مُختلفان لكنَّنا أخوة . لنا الأبُ نفسه . لقد لعبنا سوياً خلفَ حظيرة بيت أبينا . لساعاتٍ كنّا نضطجع على القش داخلِ الحظيرة وكان المكانُ دافئاً هناك .”

في الضباب أصبحَ جسدُ الرجل نحيلاً أشبه بشجرةٍ كثيرة العِقَد ومُتغضّنة  تتأرجح في الهواءِ ذهاباً واياباً مثلَ جسمٍ يتأرجح في مِشنقة . كان بوجهٍ يتوسَّل أنْ اصدِّق القصةَ التي تحاول شفتاه النُّطق بها . في خاطري إنَّ كلَّ علاقٍة بين الرجال والنساء اصبحت مُرتبكةً ومشوشة .دخلت روحُ الرجل الذي قتلَ زوجتَه روحَهذا الرجل العجوز الضئيل الجسم ، هناك على قارعةِ الطريق .

كان يجاهد لإيصالِ القصة التي لا يستطيع قولَها داخل قاعة المحكمة في المدينة بحضورِ القاضي . قصةُ وحدةِ الانسان برمتها في مسعى لإدراك جمالِ المستحيل الذي يُعبّرُ عنه مِن بين شفتي رجلٍ عجوزٍ يتمتمُ ، تسبَّبت الوحدةُ بجنونه ، ويقفُ بجانبِ طريقٍ ريفي في صباحٍ مُضبَّب حاملاً كلباً صغيراً بيديه .

كانت ذراعا الرجل العجوز تمسكان الكلب بقوةٍ فتتسببان في جعله يئن من الألم . اعترت جسدَه حالةٌ من التشنج . بدت الروحُ في جهادٍ من أجلِ الخروجِ من الجسدِ والطيران بعيداً خلال الضباب ، وانحداراً عبرَ السهل الى المدينة ، إلى حيثُالمغني، السياسي ، المليونير ، القاتل ، إلى اخوتها ، ابناء عمِّها ، أخواتها ؛ إلى هناك  في أدنى المدينة . كانت قوةُ رغبةِ العجوز فضيعةً . تعاطفي معه جعلني أرتعدُ . شدَّ ذراعيه حول جسدِ الكلب الصغير الذي راح يعوي من الألم . وقفتُ أمامه معترِضاً فارداً ذراعيَّ فسقط َالكلبُ أرضاً وتمدد وهو يئن . لا شكَّ أنه أصيب ، أو سُحقت أضلاعه . حدَّق العجوز في الكلبِ المُمدَّد عند قدميه كما حدَّق العاملُ في مصنع الدرّاجات بزوجته القتيلة عند مدخلِ العمارة السكنية . ” نحنٌ أخوة ” قال ثانية . ” عندنا أسماءٌ مختلفة ، لكنَّنا أخوة . أبونا كما تعلم غادرنا وركب البحر .” .

أجلسُ في بيتي في الريفِ والسماء تُمطر . أمام ناظريَّ تهوي التلالُ منحدرةً بعيداً . وهنالك السهولُ المستوية ؛ وما بعد السهول تكمنُ المدينةُ .. قبل ساعةٍ مرَّ العجوزُ صاحب البيت الذي في الغابةِ من أمام باب بيتي ، ولم يكُن الكلبُ الصغير معه . ربما أنهى  حياته عندما التقينا في الضباب , ربما كان الكلبُكزوجته القتيلة وجنينها الميت الآن .. أوراقُ الشجر المُمتد على طولِ الطريق أمام نافذتي تتهاطلُ كالمطر – الاوراق الصفراء والحمراء والذهبية تتهاوى  . المطرُ يضربُها بشدَّةٍ وهي تتنكَّرُ للوميضِ الذهبي الذي يخترقُ السماء .. في شهرِ اكتوبر كانلزاماً على الاوراقِأنْ تندفعَ بفعلِ الريحِ بعيداً إلى السهول .. لزاماً عليها أنْ تنأى بعيداً راقصةً .


(*) شيروود أندرسون ( 13 سبتمبر1876- 8مارس 1941 ) روائي أمريكي وكاتب قصص قصيرة ، أحد رواد الواقعية ، له تأثير واضح على الادب الامريكي .

الصورة الرئيسية المرفقة للمترجم

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: