أَبْحَثُ عن عَلَاءْ-رانية سواحي

img

أَبْحَثُ عن عَلَاءْ-رانية سواحي

استيقظْتُ اليومَ وفي ذِهني هدفٌ واحدٌ. البحثُ عن “عَلَاءْ” في ذاكرتي.
كانت أوّل رسالةَ حُبٍّ أكتُبها إلى رجُلٍ، قصيرةً جدّا. جُملةٌ واحدةٌ فقطْ. كتبتُها بخطٍّ غليظٍ وقلمٍ أسودٍ على سيجارةٍ سرَقتُها من عُلبة أمّي. سَأرْمِيها لَهُ من الشرفة عندما يأتي.
علاء، الشّابُ الذي كُنتُ أُحبُّ لمدّةِ سبعِ سنوات ولمْ أَجِدْ الفُرصةَ كَيْ أُخْبِرَ أحدًا بذلك، سيمرُّ بعد خمسِ دقائق تقريبا. في هدوءٍ مُصطنعٍ، أَجلسُ على الكُرْسيّ في شُرفةِ الصالون، أنظرُ إلى اليَمينِ لِأُرَاِقب الساعةَ المنتصبةَ في الوسط وإلى اليسار لأنتظِرَ مُرورَ علاء.
لم أكُنْ أعرفُ الكثيرَ عنْهُ، وقدْ يكونُ ذلك أفضل. فقط معلوماتٌ محدودةٌ جدّا جَمّعتُها عنه في رحلة التجسُّسِ عليه. أعرفُ أنّه أصغر إخوته، يعيشُ مع أمّه وإخوته- شاهين أو شهاب- لا أذكر جيدا، ولُبْنَى أخته الكبرى.
لُبْنى، تُذكّرني مِشْيَتُها بشخصيّة “مالينا” الايطاليّة، لكنّها أكثرُ جُرأةً منها. كانت لُبنى على حدِّ قولِ سُكّانِ الحيّ “قَحْبَه” وكانت أمّها “بَطْرونَه”، وعندما أقولُ قحبه فإنّي لا أَقْصد بأنّهم كانوا يشتمونها، هي حقّا تُأجِّر جسدها مقابل سعرٍ يُتَّفَقُ عليهِ مع الزبون، أمّا بالنسبة لأمّها، البطرونه، فذلك يعني أنّها كانت “قحبه” وأنّها عندما تقدّمت بالعمر أصبحت تشتغلُ سِمْسَارًا أي تحصل على عُمُولَةٍ مقابل الخِدْمةِ. أنا طبعا أُصَدِّقُهم ورُبَّما لذلكَ أحببتُ عَلاء.
حينَ تتوقَّفُ سيّارةُ لُبنى في الشارع، يتوقّفُ كلُّ شيء، حتّى الوقت. مع نزولها ومع كل خطوة تخطوها هذه “المالانا”، يبدأُ كلُّ شيء في الت ح رّ ك ب ب ط ء شديد.
كانت لبنى ثَدْياءُ، طويلة جدّا، تمشي باستقامةٍ وترفعُ مُؤخّرَتَها. لونُ بَشْرَتِها أبيضٌ جدّا، شَعْرُها أسودٌ جدّا كَمَا لا قيمة لكلّ هذا أمامَ أنْ تُحدّق لبنى بأعيُنِنا جميعًا. وكأنّها تملكُ سرَّ العالم. وكأنّها تعرفُ كُلَّ أسرارِنَا. وكأنّها تُعرِّينا.
لا أفْهَمُ لماذا كان “الدُّغْرِي” لا يُراقبُ لُبنى وَلا ينْظُرُ أينَ تكُونُ حتّى.
عندما تنظر لي، أُحِسّ بكلّ الأضداد في نفس الوقت. الجمال والقبح والخوف والرغبة والجرأة والجبن… كلّ شيء وربّما كانت تعرف أنّني أحبُّ علاء.
أعتقدُ أنّها كانت تَصُفُّ السيّارة في آخرِ الشارعِ عمدًا. تَنْزِلُ شِبْهَ عارية، ترتدي “بيكيني” أسود يتدلدلُ منه خيوطٌ ذهبيّةٌ. كان لباسُها أقرب للباسِ الرّقص الشرقيّ من لباسِ البحر. لبنى لا تتكلّمُ إلى أحدٍ ولا تقولُ صباح الخيرِ لأحدٍ ولا تشتري شيئا من محلّاتِ الحيّ.
هي فقط تُنادي علاء من تحتِ الشرفة عندما تَنْسَى مفاتيحها. لمدّةِ سبعِ سنوات سأُشاهد نفس المشهد كل يوم، تَنْسَى لبنى مفاتيحَهَا وتصرخ:

– يا علاء يا علاء حِلّْ ربّ الباب ويردّ علاء: أوه على الزِّبِّي لُبْنى طَلَّعْ رَبّْ مِفْتاح.

طبعًا، بعد الجدالِ اليوميّ سَيفتحُ علاء الباب.
دَعُونِي أصفُ لكم كيفَ يكونُ الميكانيكيّونَ في شارع تازركة بباب الخضراء بتونس العاصمة. رُبَّما يُذكّركُمْ أيّ تفصيل في أيّ شيء يُسَاعِدُني على إيجاد علاء.
هُمْ دَوْمًا مُستلقون على ظهورهم، أنصافهم العُلْويّة تحت السيّارات وأنصافهم السُفْليّة خًارِج السيّارات، أرجلهم مفتوحة. هؤلاء الميكانيكيّون راقصون محترفون لكنّهم لا يدركون ذلك. لو طُلِب منهم القيام بهذه الحركة أمام جمهورٍ على ركحٍ لوَجَدُوا صُعوبةً في ذلك. لكنّها تُصْبحُ عفويّةً ومُرْتَجَلَةً عندما تأتي لبنى.
تُسْحبُ الساقُ إلى الأُخرى فتُغلقُ الأرجلُ تَلِيها حركاتُ الأعناقُ والعيونُ في اتجاهٍ واحدٍ. وفي حركةٍ واحدةٍ، هُووبْ، يظْهرونَ من تحتِ السيّارات. صاحبُ الورشةِ كذلكَ، الواقف دائما في الباب، يسمحُ لهم بالتوقُّفِ قليلا عن العمل لأنّ هذا يصبح غريزيّا وغيرُ مُسَيْطرٍ عليهِ، كالجوعِ تمامًا. ثمّ عندما تختفي لبنى يصيحُ فيهم للرجوع للعمل فتختفي أنصافهم العُلْوِيّة مجدّدا تحت السيّارات.

تَفْعلُ لُبنى مَالَا يستطيعُ مدرّبُ رقصٍ أن يفعله في شهرٍ من التّدريبات. تُدَرِّبُهُمْ على هذه الرّقْصة لدرجةِ أنّه يمكنُكَ الشكُّ بأنّ مِهْنَتَهَا هي مُروِّضةُ نمورٍ في السيرك وليس قحبة كما يُقال. لكنّي كنتُ أُصَدِّقُ سُكّان الحيّ لأنّ لا سيرك لنا في المدينة.
هَكَذَا تتواصلُ حركةُ الرُّؤوسِ إلى أنْ تدخُلَ لبنى العمارة. كان علاء يمشي في مكان بين خلف وجانب لبنى بطريقة يكاد يكون ملتصقا بمؤخرتها. كان وكأنّه يحرُسُ مؤخّرة لبنى. وكأنّه يقول هذه مؤخّرة أختي، تُعْجِبُنِي هَكَذَا وَلا شَأْنَ لِأحدٍ بِهذا.
في حركةِ الأعناقِ التي كُنت أُراقِبِها كانت الرؤوس تنزل عندما ينظر اليهم علاء وترتفع عندما يُشيح علاء نظره. كانت حركةُ الأعناقِ كالموجِ تُتَابِع مِشْيَةَ لبنى، تَصْعَدُ بتصاعُدِ ثَدْيَيْهَا وتنزِل بنزولهما.

“أُحِبُّكَ إلى الأبد” : هذا ماكتبتُ على السيجارة.

في الجِهةِ المقابلة من عِمارتنا توجد عِمارةُ عائلة “الدُّغْري”، هُمْ جْرَابَى، هكذا كان سكّان عمارتِنا يقولون. في الظاهر، كلمة “جرابى” عاديّة ويُقْصَدُ بها المولودين في جزيرة جِرْبَة أو المنحدِرين من عائلات وُلِدتْ ونَشأتْ في جربة، لكنّ هذا كان سيكون، رُبّما صَحِيحًا، لو لا أنْقُل لكم الطريقة التي يقولون بها “هُم جْرَابَى”. اعتقدت لفترة أنّ للجَرَبِ علاقة بتسميتهم هكذا وأنّه لا يجبُ الاقترابُ مِنْهم.
يقولونها بصوتٍ منخفضٍ أقربُ إلى الوشْوشَة ويُحرّكون حَوَاجِبَهُم بطريقةٍ تَجْعلكَ تَشُكُّ أنّ في الأمرِ سرّا عظيما.
أنا، كنت أَكْرَهُ الدُّغْرِي الأب، هكذا دون أسباب.
ما رأيتُهُ من “الدّغري” في ذلك الوقت يكفي لأقول بأنّه رجلٌ ملتزمٌ، جديٌّ أكثر من اللّازم وتقليديٌّ. رجلٌ لا يُحْتَمَلُ بالنّسبةِ لي. دائمُ الكآبةِ وهِوايتُهُ التحديقُ بالفضاء والقِراءَة. يجلسُ وحيدًا في شرفة شقّته كتمثالٍ نِصفيّ. لا تراهُ يُدخِّنُ أو يَأكُلُ أو يَشْرَبُ أوْ بِصددِ الوقوف أو الجُلوسِ. رُبَّما لم يتبوّلْ يومًا.
قرّرتُ مرّةً أنْ لا أنام إلّا بعد أنْ أتأكّد بأنّه إنسان حقيقيّ وأنّهُ ليس تمثالا يُغيّر أحدُهُمْ شَكْلَهُ كما يُخيَّلُ لي.
مرّت ساعاتٌ والدُّغْري جامد. صِرْتُ الآن في انتظارِ مرورِ “علاء” وتحرُّكِ “الدّغري” الذي لم أعرف اسمه إلى اليوم.
أتذكّر أنّ شُهبًا سقط فرفعتُ رأسي أتأمّلُ كيف يهْوِي، وعندما وجّهتُ نظري إلى الدُّغري كي أُوَاصِلَ مُرَاقَبتهُ، وجدتُ الكرسيَّ فارغًا.

… يتبع…

عنوان اللوحة: «ذاكرة الفضاء » للفنّان التشكيلي Houcine Msadak

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: