أي تعليم نريد ؟

img

أي تعليم نريد ؟

 

التعليم لا يكون محايدا، أمّا أن يكون تعليما للحريّة أو تعليما للاستعباد

 

حبيب الزموري : كاتب عام النقابة الأساسية للتعليم الثانوي ببني خداش

لا تزال قضية  إصلاح المنظومة التربوية تراوح مكانها بعد  ثمان ٍ من الثورة أقفلت خلالها سلطة الإشراف كل أبوابها و نوافذها كي لا تهب عليها الرياح  إذ بقيت المنظومة التربوية خاضعة لسيطرة الحرس القديم في ظل العجز الفادح للحكومات المتعاقبة بعد الثورة عن مجرد فتح هذه القضية أمام الرأي العام الوطني فتحا جديا يرتقي إلى مستوى الأفق السياسي و الاجتماعي و الثقافي الذي فتحته ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي المجيدة. و قد تفاقم هذا العجز ليصبح تواطؤا مفضوحا على إعادة إنتاج نفس النظام على جميع المستويات بما فيها المستوى التربوي و التعليمي .و في ظل تفاقم الأزمة الشاملة التي تغرق فيها بلادنا أصبحت المدرسة العمومية بوصفها إحدى المؤسسات – الأم للمجتمع التونسي ترزح تحت ضغوطات و تحديات بل و تهديدات لا قبل لها بمواجهتها و هي تعيش إنحطاطا و تدهورا قل أن عرفته طيلة تاريخها العريق و يعود هذا أساسا إلى غياب الرؤية و الأهداف و البرنامج الذي من شأنه إنقاذ المؤسسة التربوية – التعليمية التونسية و يمكنها من وسائل و أدوات التصدي للمخاطر التي تتهدد بلادنا و إخترقت مؤسساتها بما فيها المؤسسة التربوية ,  تعتبر تجربة عالم التربية البرازيلي باولو فريري أحدى مداخل البحث و الممارسة للوصول إلى التعليم التعليم الشعبي و الديموقراطي المتسلح بقيم الحرية و المساواة و العقلانية .

“التعليم لا يكون محايدا, إما أن يكون تعليما للحرية أو تعليما للاستبداد” ليس مجرد عنوان لبحث أكاديمي بارد منفصل عن حرارة الممارسة و التجربة كما إنه ليس شعارا أفرزته حرارة اللوعة على مصير مئات الآلاف من التلاميذ و الطلبة تم الزج بهم في منظومة تربية مدججة بقوانين السوق و آليات الفرز المعرفي و الطبقي مجردة من قيم الحرية و النقد و الشجاعة, إنه خلاصة تجربة حية من أثرى التجارب التربوية في القرن العشرين تجربة المفكر و المعلم البرازيلي “باولو فريري”(1921-1997) الذي انطلق من مقولة الأديب الروسي الشهير تولستوي” الحرية شرط كل تعليم حقيقي” لصياغة نظريته التربوية في عدد من المؤلفات أشهرها “الأخلاق و الديموقراطية و الشجاعة المدنية”و “تربية الحرية ” و “نظرات في تربية المعذبين في الأرض”.شن “باولو فريري” ثورة على النظام التربوي السائد في البرازيل في ظل الحكم العسكري بوصفه نظام إعادة إنتاج القهر و الظلم الاجتماعي و السياسي و أطلق عليه ” النظام المصرفي أو البنكي” و هو “نظام تربية المقهورين” الذي ينتج جنودا و تقنيين لحراسة نظام القهر و الاستعباد مجردين من قيم الحرية و الحوار و النقد, هذه الجرأة كلفت فريرياتهامه من قبل النظام العسكري الحاكم في البرازيل بممارسة نشاط هدام يشكل خطرا على البلاد و لم يكن هذا النشاط الهدام سوى محو الأمية و تطبيق نظريته في “تربية الحرية” و تعليم المعذبين في الأرض في إحدى القرى النائية في منطقة أمازونيا بشمال البلاد . ركز “فريري” في دراساته على واقع مجتمعات أمريكا اللاتينية لكشف الحقيقة التاريخية لواقع القهر و تفسير الحواجز التي تحول دون تحقيق الإنسان لإنسانيته كاملة و يشخص فريري هذا الواقع المعرقل للتنمية و المكرس للتخلف قائلا :”إن مجتمعات أمريكا اللاتينية مجتمعات مغلقة تتميز ببنى اجتماعية طبقية صارمة,و بنقص السوق الداخلية, لأناقتصاداتها تدار من الخارج بتصدير المواد الخام و استيراد السلع الاستهلاكية دون أن يكون لها أي دخل في هاتين العمليتين”. يؤكد باولو فريري على البعد السياسي للتربية الذي يرى أنه كان مهملا ليس بالنسبة للمجتمعات الرأسمالية التابعة فحسب بل بالنسبة للدول الرأسمالية الكبرى و ذلك عبر تطبيق نظريته التربوية الثورية بنفسه في أرياف البرازيل الفقيرة معتبرا أن التربية و التعليم قوة أساسية و عملية لتحرير الإنسان من قوى القهر و الاستغلال و “و من البديهي أن الطرق و الوسائل المستخدمة في التربية من أجل تطويع الإنسان لمسايرة القهر لا تصلح و لا تتلاءم مع التربية من أجل الحرية “من هنا تكتسب تجربة “باولو فريري” التربوية بوصفها عملية أنسنة للكائن البشري كما تكتسب هويتها الثورية .

العلم و المعرفة لدى “باولو فريري” هي إحدى مفاتيح التحرر و السعادة بالنسبة للأميين و الكادحين و المضطهدين و لذلك اعتبر أن قضية “الأنسنة” هي القضية المركزية بالنسبة للإنسان بوصفها احتمالا ممكنا و قابلا للحياة و في المقابل يشكل تجريد الإنسان من إنسانيته خطرا محتملا أيضا, لذلك فإن الخيار أمامنا هو النضال في سبيل تحقيق “الأنسنة” بشكل عام باعتبار أن استلاب الإنسانية – رغم كونه حقيقة تاريخية ملموسة – ليس مصيرا محتوما, لكنه نتيجة لنظم تربوية تولد العنف لدى المضطهدين و تجردهم من إنسانيتهم لذلك تعتبر وضعية الناس الأقل إنسانية في حد ذاتها دافعا للتحرر و التخلص منها و لكي تكون العملية ذات معنى حقيقي حسب فريري, فإنه يجب على المضطهدين ألا يقوموا لاحقا باضطهاد مضطهديهم بل عليهم أن يعملوا على استرداد إنسانية الطرفين, فالمضطهدون في المناطق الزراعية لا يريدون إصلاحا زراعيا بقدر ما يريدون تملك الأراضي, أو بالأحرى يكونون “أسيادا” على عمال آخرين, كما إنه من النادر ,حسب فريريدائما , أن نجد عاملا ارتقى إلى رتبة مراقب عمال ألا يصبح أكثر جورا و تعسفا من المالك نفسه على بقية زملائه العمال, ليبقىالاضطهاد دون تغيير و يعيد نظام القهر إنتاج نفسه محافظا على استمراريته.القهر حسب “فريري” ليس مجرد بنية اجتماعية و اقتصادية و إنما ثقافية أيضا و يسميها البعض ” ثقافة القهر”في حين يسميها فريري”ثقافة الصمت” و هي ثقافة مغتربة يتم فيها قبول الأمر الواقع القهري فيتأرجح الناس بين وهم التفاؤل و قهر التشاؤم غير قادرين على تغيير واقعهم ليقوموا باستعارة حلول لمجتمعاتهم من المجتمعات الأخرى دون فحص و لا تحليل نقدي لسياقاتها التاريخية نتيجة لذلك تكون ثقافة هذه المجتمعات ثقافة مغتربة حيث يتمظهر القهر و الاغتراب أينما وليت وجهك في البلدان الرأسمالية التابعة تمظهرا صارخا في بعض البلدان و خافتا في بلدان أخرى و يكمن الحل عند فريري في التربية و التعليم , و لكن أي تربية ؟ و أي تعليم ؟

تبدأ تربية المقهورين بإيضاح حقيقة القهر في العالم وضرورة تغييره و سبل تحقيق ذلك , أي الإنطلاق بتغيير نظرة المقهورين لعملية القهر و تخليصهم من الأوهام و الأساطير التي صورها و صنعها النظام القديم .      هذه مقدمة عامة لنظرية ” باولو فريري ” حول ” التحرير التربوي ” كوسيلة لتحرير المجتمع , نموذج يقع خارج سياق النموذج الليبيرالي المتوحش الذي حول التربية و التعليم إلى سلعة و الذي ترزح تحته منذ سنوات منظومتنا التربوية في تونس التي تجري عملية تخريبها بتوجيهات مباشرة من مجالس إدارة المؤسسات المالية و الثقافية العالمية الخاضعة لهيمنة القوى الإمبريالية , و ستلي هذه المقدمة مقالا حول أهم الخطوات البيداغوجية التي يعتمدها التحرير التربوي لتربية الحرية و الأخلاق و الديموقراطية و الشجاعة المدنية لدى المعلم و المتعلم على حد السواء .

 

 

 

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.