أهل الكتاب الأحمر و توظيف الرمزية المثيولوجية في السرد القصصي

img

أهل الكتاب الأحمر و توظيف الرمزية المثيولوجية في السرد القصصي

بقلم : مفيدة الضاوي

  العالم موسوعة من حكايات لا تنتهي كان الإنسان بها و لا يزال يجسد رموزاً لا حصر لها تستوحى من الخيال لتلامس الواقع وتعكس الحقيقة ثم تسرد بألآف القصص المتوجة بالدلالات و المجازات .

في الكتاب القصصي “أهل الكتاب الأحمر” للكاتب التونسي سفيان رجب الصادر عن دار زينب للنشر سنة 2019 نجد عالم من حكايات الأزل و الأبد استمدت من الواقع الحقيقي و سردت بأساليب خرافية حتي ظلت سبل الشك من اليقين طريقها في متاهات الخيال الخارق و سارت عكس التيار السابق .
كتاب جمعت فيه رحلة البشرية جمعاء ..
رحلة فريدة شيقة تحط الرحال في كل قصة في مكان و زمان و قد يكون إلي عوالم بلا زمان و مكان .
في كل حكاية تفاجئنا الفكرة و الدلالة و نقف طويلاً أمام أسماء الشخصيات اللامعة في التاريخ البشري لنجدها عادت لنا بعد تاريخ مؤرخ بأدوار غير التي سردها علينا الاولين و هذا هو الإبداع المتفرد الذي جاء به الكاتب سفيان رجب في هذا الكتاب القصصي .
قراءته تستدعي لعقل فطن و لماح لتفكيك الرموز و فهم الأبعاد الرمزية لكل شخصية من شخصيات الكتاب و هي خلفية ايديولوجية ذكية في جذب القارئ لتسليط الضوء من جديد بأسلوب جديد ساخر تارة و ناقد أخري على موروث إنساني ثقافي عقائدي باهت
دلالات العنوان والغلاف :
أهل الكتاب الاحمر للوهلة الأولى من قراءة العنوان يخطر ببال القارئ عدة أسئلة :
من هم أهل الكتاب الأحمر ؟
ما هو الكتب الأحمر؟
ما هو سر أهل الكتاب الاحمر؟
و ما إن نولج إلي عوالم الكتاب الغامضة يرحب بنا الكاتب بافتتاحية قصيرة يجيبنا فيها على هذه الأسئلة و كأنه يعلم مدي حيرة القارئ أمام إشكالية العنوان فنلقى الرد : ” الكتاب الاحمر الذي نقصده ليس كتاب يونع و لا كتاب ماو تسي تونغ و لا كتاب أحد غيرهما من عائلة ونغ ” (ص5) .
ذلك الكائن الأسطوري الأحمر الذي يشبه الإنسان و ماهو بإنسان ذلك الذي يقبع في جهة من غلاف الكتاب الأمامي و الخلفي كأنه يحرس عالم بين داحل الكتاب عيناه تتحد و تتوحد مع نظرات الكاتب الحادة الغامضة
من هذه اللوحة يخيل للقارئ أنه بصدد قراءة قصص رعب أو أساطير خيالية بصدد اكتشاف كائنات أخري قد تكون شبه بشرية أو خرافية يتساءل قارئ العنوان من هو الكتاب الاحمر ؟ و ماهي أخباره ؟ فنجد كذلك رداً :
“الكتاب الأحمر الذي نقصد هو كتاب الإنسان العظيم الذي لا يزال يخطّه بدمه على الأرض منذ أوّل كائن حاول أن يمارس اختلافه عن القطيع البشريّ و تمّت تصفيته”. (ص5)
هنا يؤكد لك الكاتب أنك أمام الانسان الحقيقي الذي منا و منه لكن سيتجلى أمامنا بصورة مخالفة و مختلفة .. صورة الإنسان العظيم بكل رتبه الكوينة أو الوجودية القوية أو البسيطة ..
في النهاية هو إنسان توسم بالعظمة حين اعتلى جنان السماوات و تغطرس بالعظمة حين سكن الارض و بدا يخط قدره بدمه و لا يزال دمه يسفك و يندثر تحت هشاشة واقعه و متاهة وجوده .
كما يلاحظ القارئ إلي تكرار توظيف اللون الأحمر بداية من العنوان إلي الغلاف ثم يظهر في العديد من القصص و رغم ذكر بعض ألوان أخري كالأبيض ( الإنسان الأبيض – العائلة البيضاء ) و الأخضر ( ساق أمي خضراء ) والاسود ( الكتف السوداء ) إلا أن اللون الأحمر كان ذا مغزى كبير و عميق في سياق الكتابة برز كمعني محمل بالرموز الكامنة في لونه فهو اللون الوحيد الذي يحمل شبح الموت و الفناء و هو الدم و هذا ما يثير في نفس القارئ تأثيرات نفسية و تاريخية و فطرية مرتبطة بعلاقة اللون الاحمر بالدم و بالقتل و الموت كموروث عقائدي ترسخ في العقل البشري منذ الجريمة الأولى .
الشخصيات المتناقضة :
لم يأتي الكاتب بشخصيات خيالية بل كلها شخصيات مرت عبر التاريخ الطويل منذ آدم الإنسان .. أول إنسان مروراً بأبطال الأساطير الإغريقية إلي أنبياء الحقبة الإسلامية ثم من العهد المعاصر .. ادم – حواء – قابيل – إبراهيم – زيوس – حمون – هتلر – كارل يونغ – جعفر بناهي – إبراهيم الكوني – نجيب محفوط – الخ .. أسماء كان لها أثر و تأثير في الحياة البشرية جمعت كلها في عيادة طبيب نفسي و بعضها الاخر يحطم تابوهات الأسلاف السابقة و النواميس الهشة خلفه و يتمرد على شواهد الكون و الانسان و يخلق فوضى عارمة تعصف بعقل القارئ فتجعله يخلع عقله عند كل شخصية و حكاية و يعيد هرسلة أفكاره الموروثة لعله يخرج بأبعاد أخري حين ينتهي من قراءة الكتاب .
فوضى عارمة أحدثها الكاتب في حياة جل الشخصيات المعروفة و سيرهم و كل الأدوار و المهام تغيرت تغيير جذري و امتزجت بخيال طافح جمع بين العقائد الفكرية المتوارثة للإنسان و بين خياله الخاص ذو أبعاد و بين هذا و ذاك دس الهزل في الجد و طوقها بمجازات دلالية صعب من يفك شيفرتها و هذا يدل علي عبقرية الكاتب المتمكن من هذا الإطراء الجذاب .

البعد الزمكاني :
من البعد الجغرافي في السرد لا حصر له و لا حدود له يبدأ بنا من أرض الواقع في عيادة طبيب نفسي ثم يعرج بنا إلي جنان آدم و حواء و يعود بنا إلي أراضي سحيقة في ماضي غابر إلي الأرض ثم يرتحل بنا تارة الي إيران و أخري إلي صحراء إبراهيم الكوني و يهوي بنا إلي جوهانسبورغ و شمال إفريقيا و غيرها من الأماكن المنتشرة علي الكرة الأرضية لكارل يونع .
عوالم تتراقص بالقارئ بين أفق شاهقة و واقع مزدحم بالقصص البشرية المتناقضة .
أما من البعد الزماني فهو سفر دائم عبر الزمن من الماضي إلي الحاضر المعاصر إلي المستقبل المجهول حسب رحال كل شخصية و زمنها و أحيانا تجد نفسك تبحر عبر الأزمان إلي المطلق في رحلة زمنية ممتعة جداً .

دور المثيولوجيا في السرد :
مما هو سائد أن المثيولوجيا لعبت دوراً كبيراً في مجالات الفنون و الأدب و الثقافة و كانت مصدر إلهام الأدباء و الفنانين في كل أنواع الفنون على مر العقود إلا أن الكاتب هنا و كما هو واضح في كل كتابه سار عكس ما سلكه الآخرون و اتجه عكس التيار و وضع القارئ في حلقة مفرغة تائهاً بين ما كان يعتقد في حقائق الشخصيات و بطولاتهم و بين المنظور المختلف الذي وجده عليهم مثل :
آلهة مريضة نفسياً و آدم وحيداً و قابيل القاتل المعقد .
خليط جذاب من خيال خرافي مع إضاءات من الواقع بالإضافة للغة البسيطة و المحبكة مما جعل السرد القصصي ممتعاً جداً رغم ذلك الحاجز المقدس الذي يفصل القارئ أحياناً بين الاندماج لا الإطار الخيالي و التمعن في المضمون الأصلي الراسخ في العقل .
تمرد الكاتب علي المعتقد المقدس ببراعة مبدعة بلورها في صورة مستوحاة من المثيولوجيا الشيقة فكانت مشاهد طريفة و أدوار متناقضة و رمزيات دلالية تجلت في كل القصص حاول من خلالها تعرية بواطن الإنسان منذ آدم و حواء إلي الإنسان المعاصر ينبش عميقاً دون حذر و لا قيود اجتماعية او دينية إلي ضمائر الإنسان العظيم إلي جوانبه السوداء إلي صراعاته و أسقامه و نواقصه لكن رغم كل هذا يصفه بالإنسان العظيم الذي من أجله خط له كتابه .
في خلاصة الكتاب نجد أن ذلك الإنسان الغريب في البداية الذي يشبه الإنسان هو نفسه الذي قام بكل أدوار الأبطال الحكائية في السرد هو مرآة كل انسان في هذا العالم الأحمر الذي ينزف دماً .
في عالم أهل الكتاب الأحمر لا تجد شيء ثابت في مكانه المعهود والمعروف به و كأن القارئ يخيل له أنه يتعرف علي العالم لأول مرة بصورة مخالفة يتعرف على بني نسله من الأب الأول إلي كل السلاسة عبر التاريخ .
نوافذ عديدة تفتح في عقله و تستقبل نسائم منعشة تضخ في الروح نشوة المغامرة الفكرية الحرة أما الجسم فيبقى ذلك الدم الأحمر البشري المشترك يضخ في شراينه حياة لا تنتهي بموته فالطين الأحمر نزيف لا ينقطع يكتب قصصه بحبره الخاص في مئة قصة و قصة .

تونس في

16أفريل2020

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: