أنتلجنسيا تنشر كتاب الاغتيال السياسي في الشرق الاوسط للكاتب الاردني نضال العضايلة : الفصل الأوّل

img
          حين وردنا مقترح نشر كتاب “تاريخ الاغتيال السياسي في الشرق الاوسط” للكاتب نضال العضايلة على حلقات متتابعة  لم نتردّد في قبول المقترح بالرغم من كون الموقع لم يخض التجربة سابقا – تجربة نشر الكتب على حلقات –  ، دوافع موضوعيّة كثيرة فرضت نفسها علينا لنقبل المقترح ، و لكنّ أهمّها هو المتعلّق بالهم ّ المشترك – و كلّنا في الهمّ شرق – فاغتيال “رفيق الحريري” مثلا هو نفسه اغتيال الشهيد السعيد ” شكري بلعيد ” وهو نفسه اغتيال الشهيد الصائم “محمد البراهمي “برغم المسافة بين شرق الوطن الممتد و مغربه  و لان الهمّ ممتدّ هو الآخر  فرض الكتاب نفسه و خيّرنا خوض التجربة فكلّ الشكر للكاتب الاردني نضال العضايلة على البادرة ,
أنتلجنسيا – تونس
 
الفصل الأوّل:
 
المقدمة
 
يجود التاريخ يجود التاريخ بصيرورته الازليه، وظيفته التي يرصد عبرها ايقاع البشر، كشاهد دائم على الاحداث في كل المراحل، وفي كل البقاع وبين كل الامم ويجود برجال يحملوا رؤى من شانها إحداث منعطف في مسيره التاريخ ذاته، فيؤثر هذا المنعطف بحياه الناس وفي غيرها من حال الى حال، فتفضي تلك الرؤى الى حال ارقى، او الى حال ياتي بما هو غير مرغوب للناس ولاحوالهم.
 
ويهيء التاريخ ايضا لهؤلاء الرجال الاسلحه اللازمه لخوض معركتهم مع التغيير، فيمدهم بالطاقه الفكريه او السياسيه او الثقافيه او العسكريه، او بكلها مجتمعه معاً، بل ويعطيهم الهيبه والقبول، وهو ما يتعارف عليه “بالكريزما”، التي توهب من الله سبحانه وتعالى لأناس دون غيرهم، فتكون تلك الهيبه الممنوحه وسيلتهم لقبول الاخرين لهم ولرؤاهم، ولأقوالهم وأفعالهم، ايضاً، حيث يلتف الناس من حولهم نخباً، وجموع، فيحملوا تلك الرؤى بقناعة ويحاولوا السعي نحو ترجمتها على ارض الواقع.
 
ويعطينا التاريخ مئات الاحداث بشتى مراحله على وجود هؤلاء الرجال والتغيرات التي احدثوها في مسيره شعوبهم ومناطقهم، فمنهم من قاد تحرير لأرضٍ مغتصبه، ومنهم من نقل الحياه من وضع متخلف بدائي الى وضع أرقي في سلَّم التطُّور الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، ومنهم ايضا على الجانب الآخر من اغتصب ارضا للغير، او انحدر بحياه الناس من وضع متميِّز إلى وضع بائس، إلَّا أنَّه وبرغم اختلاف نتاجات هؤلاء وآثارهم على واقع الحياه إيجاباً أم سلباً، فإنَّهم بإلتأكيد يندرجون تحت صنف الرجال الأستثنائيين الذين خلَّدهم التاريخ، سواء في صفحات مجلَّله بالإحترام أم صفحات أخرى ترغبُ البشريةُ بأن تنساها ولكن دون جدوى.
 
والحقيقة، ان هؤلاء الرجال يتشابهون بأَّنهم قد نذروا أنفسهم وكل ما هو عزيز عليهم لتحقيق غاياتهم، كما يختلفون بالماهية الأخلاقية وبالسلوكيات، في سبيل الوصول إلى تلك الغايات، فالبعض منهم آثر الألتزام بمنظومة القيم الأخلاقية المستمده من معايير دينية او إنسانية، ومنهم من نجح، ومنهم من أخفق، والبعض الآخر لم يتورَّع عن إستخدام كل الأساليب الممكنة بغض النظر عن أخلاقيتها أو أنسانيتها في سبيل الوصول الى أهدافه.
 
وفي كل الاحوال فإنَّ التاريخ وحين يحيل أفعالهم في صفحات الماضي لا يتوقف كثيراً عند تلك الأساليب، بل يسجل النتائج فقط كعناوين للإنجاز أو الإخفاق، ويترك التفاصيل محفوظة في ردهاته للباحثين عن الحقيقة، من علماء ومؤرَّخين، حيث عليهم ان يلجوا في عتمه تفاصيل التاريخ، وما اكثرها، وصولاً الى تلك الحقيقة التي بتقديري لا تؤثَّر كثيرا في أنّ النتائج بعناوينها الرئيسية التي تبقى الأهم والأبقى.
 
أردت من هذا الحديث ان اقول إلى أن هؤلاء الرجال المندفعون بإتجاه أهدافهم والواقفون على ناصية المعرفة وناصية التسلح بالفكر أو بالسياسه أو الثقافة أو بالقوة والممتلكون لتلك الهيئة الربانيه، لا يمكن لأي عوامل من ان توقف إندفاعهم ما داموا قدم إمتلكوا كل امكانات تحقيق الأهداف للوصول برؤاهم إلى الترجمة العمليه، هذا بإستثناء عامل واحد، ألا وهو الأغتيال السياسي، وهو أقصر الطرق وأجبنها بل وأضعفها حجة دراماتيكيه، تحول تحوّل الحياة إلى موت، والطموح الى زوال والأمل الى إحباط.
 
وفي تقديري انَّ الباحث نضال العضايلة، في كتابه “تاريخ الإغتيال السياسي في الشرق الأوسط” قد قدَّم محاولة جادة لقراءه الإغتيال السياسي في منطقتنا، وبالتركيز على أحداثه المعاصره، حيث حال الإغتيال دون تحقيق أهداف هولاء الرجال رغم امتلاكهم إلى العناصر اللازمة لتحقيق تلك الأهداف، فيكون الإغتيال العامل الحاسم في وقف إندفاعاتهم، وبالتالي يحول التاريخ على منعطف آخر نظراً لغياب هؤلاء الرجال وغياب رؤاهم معهم.
 
فالملك المؤسس للمملكه الاردنيه الهاشميه المغفور له عبد الله إبن الحسين، والرئيس رياض الصلح رئيس وزراء لبنان في حقبه ما بعد الإستقلال كانا قد اتفقا معاً في عمَّان في أواخر حزيران من العام 1951 على العمل يداً بيد وجمع طاقات الأمه وإمكانات بلديهم بالخصوص لتحقيق وحدة سوريا الكبرى، فالفرصه لم تكن مواتية كما هي تلك الفتره لعمل إختراق تاريخي وصنع الوحده التي طالما كانت ولا زالت حلماً عربياً ينغرس في عمق أشواقنا، بل ويحاكي عمق مصالحنا المادية، اقول أتفق الرجلان على ذلك في عمَّان وكان لإتفاقهم إمكانيات كبرى للنجاح، فالملك عبد الله يحمل مشروع أبيه الوحدوي بل ولهُ إسهامات عمليه نحو تحقيق هذا المشروع، يسجَّلها التاريخ في ميادين الحروب وفي ميادين السياسة والثقافة على حد سواء.
 
عاش عبدالله إبن الحسين كما هو جيله تواقاً إلى الوحدة العربية والتي تبدأ بوحدة سوريا والعراق، على طريق الوحدة الشاملة، إيمانا من هذا الجيل بأنَّ الخلاص العربي والقضاء على التخلُّف والجهل ودحر الإستعمار وتحرير فلسطين وإعادة المكانه اللائقة لأمتنا والتي إفتقدتها عبر قرون من الظلام والتخلُّف والإستعمار لا يتم إلا عبر وحدة الأمه.
 
كما أنَّ رياض الصلح الذي ينتمي الى نفس الجيل إنما لهُ إسهاماتهُ الكُبرى في رفض التجزئة والتقسيم، بل وفرض لبنان على أمته العربية، بل وعاش عمره محاولاً إعاده الأمور إلى نصابها الطبيعي، فوحدة الأمة، ووحدة سوريا والعراق كنقطة بداية إنما هي القاعدة، وأن التجزئة والانقسام إنما هي الإستثناء.
 
وإعتقادي الشخصي بإن شراكة الرجلين النزيهة والتي تحاكي تطلعات الأمة وجماهيرها كان يمكن ان تحدث أثرها الإيجابي، وان تخرج سوريا من مأساة الإنقلابات العسكرية الهشَّه التي لم تأتي إلا بالخراب والدمار، بل وتُخرج لبنان من إنقسامه على نفسه، ذلك الإنقسام الطائفي والمذهبي البشع، والذي ادخل لبنان فيما بعد في حروب أهليه أكلت الأخضر واليابس، وحالت دون ان يبني هذا البلد العربي نفسه ويواكب متطلبات العصر والتقدم على الرغم من انَّه يمتلك كافة العناصر اللازمة لذلك، بل وتعطي للأردن أي “الوحده” عمقً مادياً ومعنوياً، لأن يحقق وأشقاؤه العرب ما لم يستطيعوا تحقيقه في حالة الإنقسام والتشرذم المساندة وخصوصاً تحرير فلسطين.
 
وهنا يتدخل الإغتيال السياسي ليوقف مشروع الرجلين، وتلك الشراكه المزمعه ويحول دون تحققها على أرض الواقع، فليس من المصادفه بمكان أن يتم إغتيال رياض الصلح حال إنتهاء إجتماع مع الملك عبدالله في عمَّان وأثناء مغادرته القصر الملكي بإتجاه المطار، بل وأن يتم إغتيال الملك عبد الله في ذات الأسبوع وهو يهم بدخول المسجد الأقصى المبارك لأداء صلاة الجمعه في القدس.
 
وأنَّ النموذج الآخر الشاهد على أنَّ الإغتيال السياسي يفعل فعله المؤثَّر في إيقاف إندفاعات الرجال الإستثنائيين ويحول دون تحقيق برامجهم وأهدافهم، هو نموذج وصفي التل الذي نذر حياته منذ شبابه الأول من أجل الأردن وقبل ذلك من أجل فلسطين. فوصفي التل التحق بالكلية العسكرية البريطانية في صرفند / فلسطين ليكتسب المهارات العسكرية وليتهيأ لأن يأخذ دوره كمواطن عربي شريف في تحرير فلسطين. علماً بأنَّ وصفي التل قد ذهب إلى الكلية العسكرية البريطانية بتكليف من حركه القوميين العرب الت كان عضواً بها وليس لأنه يعمل مع البريطانيين كما حاول خصومه وخصوم منهجه،أن يلصقوا به تهمة العماله.
 
وحال إنتهائه من تلك المرحلة التحق بالجيش الإنقاذ وقاتل إلى جانب الشرفاء العرب والفلسطينيين في عام 1984، بل وعاد الى سوريا بعد ذلك وحاول مع ضباط سوريين شرفاء احسُّوا بمرارة قيام إسرائيل على جزء من أرض فلسطين 48 أن ينهوا النظام الديكتاتوري العسكري القائم بسوريا والذي لم يقم بما هو مطلوب منه، إبان تلك الحرب.
 
سُجن وصفي التل في الشام، وأُبعد الى الأردن، حيث بدأ مسيرته الأردنية التي قامت على اساسين رئيسين، الأول بناء الدوله الاردنيَّة الحديثة، وإحداث نمو إقتصادي وتطور إجتماعي، وتأييد نظام الحُكم ومطاردة الفاسدين، والأساس الثاني بناء جيش أردني قوي ليلعب الدور المطلوب لاحقاً في تحرير فلسطين.
 
ولم يسجل على وصفي التل منذُ أن أصبح سفيراً ومن ثمَّ مديراً للأذاعه، فرئيساً للوزراء حتى إستشهاده أي خروج عن هذين الأساسين اللذان وسما حياته وسنواته، خصوصا أثناء وجوده في الموقع التنفيذي الأول في الدوله الاردنيه، بل وأنَّ خلافه مع الفصائل الفلسطينيه المسلحه عام 70 لم يكن على أساس جلال مهمتها في تحرير فلسطين، وانما على سلوك بعض منتسبيها الذين تركوا الخنادق في مواجهة إسرائيل وعادوا الى عمان والمدن الاردنية الأخرى يمارسون الفوضى والمسّ بهيبة الدولة الأردنية، بل وخلق حالة من الشقاق المفتغل بين المواطنين الأردنيين الذين جمعتهم وحدة الأهداف والأشواق والواقع، بل واقتسموا معاً منذ نكبة فلسطين اللقمة والمكان ليعيدوا للحياة نموذج المهاجرين والأنصار، أبان هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام الى المدينه المنورة.
 
ووصفي التل حين ذهب الى القاهرة بصفته وزيراً للدفاع في اليوم الذي أُغتيل فيه، إنما كان يحمل مشروعاً عربياً عسكرياً للرد على هزيمة 1967 وتحرير الارض، وهنا يتدخل الإغتيال السياسي ليوقف مشروع هذا الرجل بكل ما حمل من معاني وطنية وقومية، بحيث فقدت الأمه برحيله واحداً من الرجال الذين ليس من السهولة بمكان بأن يجود التاريخ كثيراً بمثله، وهو الأمر الذي يفسر بقاء وصفي التل في الذاكره الوطنيه طوال هذه السنين رغم أنّه قد مرَّ على رحيله ما يقرب من 45 عاماً، بل وأنَّ من حاكوا عمليه إغتياله قد عادوا بعد عقود ليخطئوا فعلتهم الشنيعة، ويعيدوا الى الرجل بعض من حقه عليهم، بل وإنصاف مسيرته القوميه وجلاء مواقفه نحو القضية الفلسطينية.
 
كتاب الباحث العضايله يتَّسم بالرصد الدقيق الذي يتوخى الموضوعية ويقدم مادة تاريخية غنية لأهم قضايا الإغتيال السياسي وأثارها، وأن قراءة هذا الكتاب للأجيال الحديثة السن إنما يعطيها إغناءاً معرفياً هاماً من شأنه مساعدتها في معرفة صلابه الأرض التي يقفون عليها، والإسهام في تمكينهم في بلورة فكر مناسب وعملي لأعانتهم على إختراق معيقات الحياة وتحقيق إسهامات على طريق رسم معالم حياة عربية من شأنها الإرتقاء بالأُمه وتقريبها من تحقيق اهدافها الكبرى المشروعة.
 
وإنَّني بهذا التقديم، أحاول ان ابين مدى الفائده المرجوة من هذا الكتاب، حيث أتمنَّى للباحث المحترم كل توفيق، مع تثميني للجهد العلمي والبحثي المبذول في هذا الكتاب.
 
مؤكداً أنَّ الإغتيال السياسي كشكل من اشكال الإرهاب لا زال يحتاج الى المزيد من الدراسة والبحث، عسى ان تسهم في التخفيف من غلواء إيقاعاته السيئة على الحياه، اقول التخفيف ولا اقول الإلغاء؛ لأن الإرهاب والإغتيال السياسي كإشتقاق له بتقديري غير قابلة للإندثار الكلي، بل إنَّ الأستقرار الأجتماعي والأمني، وإحقاق شروط العدالة وحل القضايا العالقة على أسس مشروعة، إنما هي عوامل من شأنها أن تبطل الأسباب التي تقود الى الإرهاب والإغتيال السياسي.
 
أدعو لك بالتوفيق وإلى الأمام إن شاء الله إنه سميع مجيب اخوكم المهندس سمير الحباشنة
وزير الداخلية الأردني الأسبق
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: