أنا عاهرة: قصة قصيرة

img

أنا عاهرة: قصة قصيرة

بقلم : ابراهيم جركس

وقفت حليمة مرتجفة في زقاق مظلم في ليلة شتاء باردة. كانت ليلة مقمرة، موحشة ساكنة، باستثناء بعض الصخب والصياح الصادران بين الحين والآخر من كائنات الليل العابرة على الأرصفة. في البعيد، كانت أضواء الشارع الخافتة والسيارات القليلة العابرة تبرق بهدوء، بالإضافة إلى بعض الظلال الخفيفة المارقة لأشخاص عائدين إلى منازلهم أو أطياف هائمة من دون هدف عبر الشوارع الصامتة وشبه الخالية للمدينة.

 

التفت قدماها العاريتين الباردين على بعضهما في محاولة يائسة لنيل بعض الدفء، لكنّ البرد القارص كان ينخر طريقه عبر جسدها. ألم عاصر في معدتها من الجوع، جسمها يكاد يخذلها جرّاء الإرهاق، ورأسها يكاد ينفجر من الصداع. أنفاسها كانت متسارعة اختلطت مع الضباب البارد، وقلبها كان ينبض بسرعة وجهد وكأنّه يبذل قصارى جهده من أجل البقاء على قيد الحياة. كانت تبدو كفتاة يانعة في سنّ الخامسة عشر أو السابعة عشر من عمرها، وبعض علامات السذاجة الأنثوية الطفولية ارتسمت بشكلٍ واضح على جسدها. كانت وحيدة في هذه المدينة الشاسعة والموحشة، مُدانة بجريمة قتل، وهاربة من منزلها ومن حاضرها. كانت فتاة تكافح من أجل البقاء على قيد الحياة من الموت برداً وجوعاً.

 

واقفةً هناك لوحدها، بوضعها ووجودها المأساويين، عادت بها ذاكرتها إلى المكان الذي ولدت فيه وأبصرت فيه النور لأول مرة، حيث كانت ولدتها بجانبها دوماً. كان هذا الجوع القاتل الذي تشعر فيه الآن غريباً بالنسبة لها قبل عدة أيام، عندما كانت في بيتها الدافئ، مع والدتها، كان لديها سقف يؤيها، وسرير دافئ يحميها، وإن لم يكن فاخراً، فقد كان مريحاً، جميع الأشياء التي كان يمكن أن تقول عنها أنّها كانت تمتلكها يوماً. لم تشعر قط بمعدتها فارغة، أو وصلت إلى حدّ التضوّر جوعاً، فوالدتها ما كانت لتسمح بذلك.

 

لم تعرف حليمة والدها قط، ولم تلتقِ به من قبل. عندما كانت صغيرة، كانت تسأل والدتها دائماً عنه، لكنّ والدتها كانت تختلق بعض القصص الغريبة، أو تتظاهر بأنّها لم تكن تصغي لها إطلاقاً. لكنّ ذلك لم يكن كافياً لإرضاء عقل الطفل الفضولي فيها، وعندما كانت ترى صديقاتها الأخريات برفقة آبائهنّ، كانت تذهب إلى أمّها وتسألها مرةً أخرى عن والدها، لكن بدون جدوى. فبدلاً من إجابة مقنعة لها، كانت والدتها تقصّ لها قصصاً مسلّية بالنسبة لفتاة صغيرة في سنّها سرعان ما يجعلها تنسى سؤالها، كانت تخبرها عن سبب تسميتها حليمة، وأنّ ذلك تيمّناً بمربية الرسول محمد الذي ربّته عندما كان يتيماً مثلها تماماً، وكيف أنّها حدّثت أمّه عن الملاكين اللذين زاراه وفتحا صدره، وكيف أنّ الله يحبّ اليتيم حتى أنه أوصى عباده برعايته وعدم نهره، وأنّه سييسّر أمره في النهاية كما يسّر أمر نبيّه وحياته. كانت هذه القصص والروايات تأسر عقلها الطفل، وكانت تنسى جميع أسئلتها حول والدها.

 

سرعان ما كبرت حليمة ووصلت إلى السن الذي يخوّلها لدخول المدرسة. قالت لأمّها في أوّل يوم لها بالمدرسة. ((أمّي، لا أريد الذهاب. لا أريد تركك)).

 

عانقتها والدتها وهمست في أذنها بلطف وحنان. ((لا تبكي ياصغيرتي، لن أترككِ. سأكون في انتظارك هنا حين تعودين. هناك في المدرسة ستلتقين بأصدقاء جدد بإمكانك أن تستمتعي برفقتهم، وستغدو ملاكي الصغير فتاة يافعة وناضجة يوماً ما)).

 

كانت ولدتها تمشّط لها شعرها وتجدلّه على شكل ذيل حصان جميل كل يوم، تغسل وجهها، ويديها وقدميها، تحضّر لها وجبة الفطور، توضّب لها كتبها ودفاترها، ثمّ توصلها إلى المدرسة، ثمّ تذهب لتحضرها للمنزل بعد انتهاء دوامها… كانت والدتها تعتني بها بكل وسيلة ممكنة.

 

مرّ الوقت سريعاً، وكبرت حليمة لتصبح فتاةً ناضجة، جميلة، ومحبّة. كانت حياتها تملأوها النعمة والسعادة والهدوء، ولم يسبق لها أن ذاقت طعم الليالي الباردة والقاسية. كان دفء شمس والدتها يملأ حياتها. في أحد الأيام مرضت بشدة، كانت تعاني من حمّى شديدة وبالكاد كان بإمكانها السير أو الأكل. عندها اختبرت البرد الذي لم يسبق لها أن اختبرته من قبل، كان ينهك جسدها ويجعل منه قطعة من الرخام البارد الخالي من أي شعور أو إحساس، على غرار البرد الذي تشعر به الآن تماماً. كانت والدتها تعتني بها وتسهر على راحتها ليلاً نهاراً، وكانت يديها مصدر الراحة والسلام الذين شعرت بهما طوال فترة مرضها حتى تعافت بشكلٍ كامل.

 

كانت تقف لوحدها هناك، في الزقاق المظلم والموحش، لا إنسان يشعر بها أو بما تمرّ به من إحساس بالجوع والألم والبرد والوحدة. ملأت دموع الحنين عينيها وانحدرت باردة على وجنتيها المخدّرتين جرّاء البرد القارص، دموع حنين لذكرى والدتها التي أحبّتها بشكل غير مشروط يوماً ما. مدّت يدها غريزياً تحاول الإمساك بيد والدتها الدافئة، لكنّ حقيقة أنّ والدتها ميّتة كانت تطاردها باستمرار، فانتابها شعور سقيم بالذل والخذلان بمجرّد التفكير في ذلك. كانت تشعر بالجوع والبرد، لكنها كانت تفتقد يديّ أمّها الدافئتين لتهدئتها والتخفيف عنها، كان قلبها ينزف لكنها لم يكن لديها أحد تلجأ إليه. مهما حاولت، لم تكن تستطيع إبعاد ذكرى والدتها كما لم تستطع أنفاسها المحمومة تهدئة قلبها المملوء بالهلع. كانت قد فقدت والدتها، والآن أدركت كم كانت والدتها تشعر بالضعف والعجز، أدركت التضحيات التي قدّمتها والدتها لتحافظ على سعادة ملاكها الصغير.

 

كانت حليمة تكبر يوماً بعد يوم، وبدأت تتكشّف لها أسرار غريبة حول منزلها. لم يكن لديهما أي أقارب، كما لم يقم أي جيران بزيارتهما من قبل. كانت والدتها تفضّل الانعزال وكان لديها أصدقاء قلائل. عندما تكون بالمدرسة أو تلعب في الخارج، كانت تشعر بأنّ الناس ينظرون إليها ويتهامسون، أو يسخرون منها علانيةً. لم يتلقيا أيّ دعوة من جيرانهما في أية مناسبة كانوا يقيمونها أو أي زفاف أو عيد ميلاد. كانت تشاهد الناس يحتفلون عن بعد. كانت تتوق للذهاب هناك والاختلاط بهم، أن تضحك معهم وتستمتع برفقتهم، أو هذه كانت فكرتها عن قضاء يوم بهيج.

 

_((أمي، لماذا لا يدعوننا إلى حفلات زفافهم أو إلى أعياد ميلادهم؟))

_((آه يا صغيرتي! لاتقلقي حيال ذلك. إنهم يغارون منك، ولا يريدونك بالقرب منهم لأنك أجمل وأذكى منهم)) كانت تحاول والدتها تبرير ذلك.

 

لكنها الآن أصبحت كبيرة وناضجة، ولم تعد تقنعها هذه القصص الخيالية التي تختلقها والدتها من أجل تهدئة فضولها. لذا كانت تلحّ في السؤال ((لكنني أرغب في الذهاب!))

 

_((عندما تغدو ملاكي الصغير فتاة ناضجة وجميلة، ستتزوّجين من شاب وسيم وستحظين بمنزل جميل وعائلة رائعة، وستعيشين حياة جميلة، وتنسين كل شيء بشأنهم))

 

ومع ذلك، كانت تشعر بأنّها لم تحصل على الجواب الشافي، كانت كلمات والدتها تجعل عقلها يتساءل حول مسألة زواجها. كانت تتخيّل زوجها شاباً وسيماً يدخل السعادة إلى قلبها ويملأ حياتها. كانت تحلم بالحياة السعيدة التي ستقضيها مع زوجها الوسيم والمحب مع أنّها لم تكن تفهم بعد بشكل كامل معنى الزواج. كانت تحكي لوالدتها على أحلامها، التي كانت بدورها تجاملها بابتسامة لطيفة وحنونة. كان اللطف والحنان الواضحين في عيني أمّها يجعلانها دوما تنسى أكبر مشاكلها وهمومها.

 

مضت الأيام، وبدأت حليمة تختبر أولى علامات الأنوثة في جسدها. ثم في أحد الأيام عادت إلى المنزل بعد انتهاء دوامها في المدرسة، وتوجّهت مباشرةً إلى أمها، عانقتها وبكت لوقت طويل. كان الألم بادٍ في عينيها وشفتاها المرتعشتان تحاولان البوح بما يعتمل في صدرها من وجع مكتوم. حاولت والدتها تهدئتها والتخفيف عنها، لكنها لم تصغي لكلام أمها. كانت تستمر بالنشيج والتعلّق بأمها أكثر. لم تفهم أمها سبب بكائها، ولم تستطع العثور على أيّة كلمات مناسبة من شأنها كبح بكائها وتهدئتها.

 

بعد فترة من الوقت، هدأ بكاؤها وتحوّل إلى تنهّد طويل، وبعد أن استجمعت قواها وقدرتها على الكلام، نظرت إلى أمها وأمسكت يدها وقالت ((أمي، أصدقائي في المدرسة يقولون أنك بائعة هوى، قولي أنهم يكذبون عليّ، أرجوكِ أمي!)) اغرورقت عيناها بالدمع، باذلة قصارى جهدها عدم البكاء وإكمال جملتها.

 

أصغت الأم لابنتها بهدوء، وبقيت ملتزمة الصمت أمام مناشدة ابنتها لها. كان هناك أسى في وجهها ودموع تملأ عينيها، لكن لم يكن لديها أي جواب أمام أسئلة ابنتها. كيف لها أن تشرح الأمر لابنتها؟ هل تتحلّى ابنتها بما يكفي من الشجاعة لمواجهة الحقيقة؟ وهل تتحلّى هي نفسها بالشجاعة الكافية لذلك؟ هل بمقدور ابنتها استيعاب وتفهّم الحقيقة المرّة عن العالم؟ هل كان ملاكها الصغير والغالي على استعداد لذلك؟… لم تكن تدري.

 

كان صمت والدتها أشبه بصفعة موت على وجه حليمة وآمالها. كانت تأمل أن تنكر أمها ذلك، وأن ينقضي الأمر ككابوس عابر. لكن لا! وقفت أمها أمامها بصمت، حيث تقبّلت بهدوء كلام حليمة، تلك الاتهامات التي كانت الأخيرة تأمل أن تنكرها أمها وتدافع عن نفسها، محطّمة بذلك جميع أحلام وآمال حليمة، واضعةً حداً نهائياً لسعادتها وبراءتها. لم تعد تشعر بالألم، بل سيطر الخمول والخدر على جميع مشاعرها وأحاسيسها. شعرت بالقرف والاشمئزاز تجاه والدتها، حيث أنّها اصبحت سبب معاناتها وبؤسها في هذا العالم.

 

عندما تموت آمال الإنسان وتندثر أحلامه، عندما ينقضي كل سبب للسعادة والأمل، يظهر الجانب المظلم من الإنسان. تولد المآسي والكوارث جرّاء أفكار الإنسان السوداء وكراهيته، وفي أعمق منطقة بروح الإنسان تعمل تلك الكراهية وتكبر، ثم تتوجّه نحو عرق معين أو فئة معينة أو قضية معينة، أو إنسان معين بحد ذاته. لقد انغرست بذور البغض والكراهية تجاه أمّها في عقلها وقلبها اليافعين. لقد تحوّل وجه أمها المحبّ والحنون إلى شيء في غاية البشاعة بالنسبة لها، وتحوّلت يداها اللتان كانت مصدراّ للراحة في وقتٍ مضى إلى شيئين قذرين لا يجب لمسهما. الآن باتت تفهم سبب عدم زياتهما من قبل أي أحد، ولماذا لم يوجّه أحد إليهما دعوة إلى اي مناسبة، لأنّهما لاتنتميان إلى ذلك المجتمع الذي طالما ضللتها أمها بشأنه وشوّهت صورته بأكاذيبها وتبريراتها. كانت ترى صورة أمها في إطار ذلك المجتمع، ككائن قذر لا يمكن لمسه، كائن مذنب ودنس، لا يحق له أن يكون جزءاً من المجتمع. وانتابتها ذات المشاعر حول نفسها. كانت شخصاً من دون أب، كانت ابنة شخص يبيع جسده لكي يعيش.

 

إنّ حقيقة أنّ والدتها كانت بائعة هوى صدمتها وهزّت كيانها عميقاً، ولم تتعافى من تلك الصدمة بشكلٍ كاملٍ قط. لم تعد تتسكّع مع صديقاتها، بل تركت المدرسة ولن تعد تلك الفتاة المرحة التي تملأ البيت بضحكاتها. بدأت تنقلب إلى شخص حزين ومنطوي وسوداوي. وأخذ كراهيتها لأمها تتجذّر عميقاً داخل روحها. لم تعد والدتها تلك الإنسانة التي تحبّها وتقدّسها، بل شخصاً مكروهاً تريد التخلّص منه.

 

في كل يوم كانت ترى والدتها بصحبة رجال مختلفين في بيتهم، وكان هذا أمراً لم تلاحظه من قبل، وفي كل يوم كانت تتمنّى لو تموت فيه. كانت ترى آثاراً وندوب على وجه أمّها، تلك العلامات التي يتركها عليها هؤلاء المتوحشين الفجرة الذين رأتهم بصحبتها، كانت والدتها تحتملها بصمت. لكن بدلاً من التعاطف معها والإشفاق عليها، كانت تلك العلامات والندوب تزيد من كرهها لوالدتها أكثر.

 

كل يوم كانت تعيشه في منزلها، كان يبدو جحيمياً بالنسبة لها. كانت قد شهدت هناك المعنى الحقيقي للعبودية، دموع أمها الصامتة. رغبت بالهروب، لأنّ أمها ربّتها لتكون غير هيّابة، كانت متمرّدة، لأنّ أمها علّمتها كيف تكافح وتقاتل. لم تستطع نسيان ماتعلّمته لكنّ قدرتها على الاحتمال فاقت جميع توقّعاتها، بقيت محتفظةً بتلك الشعرة من الأمل في الوقت الذي كان فيه العالم كله يتداعى من حولها.

 

كانت حليمة كعادتها منطوية في غرفتها، تشهد على عبودية الجنس البشري كله، تستمع إلى أصوات الصفعات وصرخات أمها المكتومة من الغرفة الأخرى.

 

كلا… هذا يكفي… على هذا أن يتوقف!… لن أدع أمي تموت في هذا الجحيم… لن أحتمل هذا الجنون يوماً آخر… سأهرب من هنا.

 

خرجت من غرفتها بهدوء، وذهبت إلى المطبخ، تناولت سكيناً وأخفتها في ملابسها، ثم توجّهت إلى الغرفة التي تقبع فيها أمّها مع ذلك الوحش.

 

توقفت لبرهة أمام باب الغرفة، فقد شعرت أنّها الآن في مأزق، وكأنها كانت تصلي لله ليغفر لها عمّا هي على وشك القيام به. لكنّ ألمها كان أعمق، وكراهيتها تكفي لاجتياح العالم بجميع وحوشه ومهووسيه وحيواناته المنتصبة، ولم تكن هناك قوة في العالم ولا أي منطق يمنعها من إنجاز ما أتت للقيام به.

 

دفعة الباب دفعة قوية بيدها، انفتح بقوة، رأت والدتها في أتعس وأشقى حالاتها. ورأت بجانبها الوحش المفترس، نظرت في عينيه بثبات مع شعور طاغٍ بالانتقام يعتمل بداخلها. ذلك الإحساس بالثأر الذي كان يغلي في قلبها حوّلها إلى حجر بارد، أو بالأحرى أمات جميع أحاسيسها وعواطفها. لم تطرف ولو لبرهة إنّما ثبّتت نظرها على ذلك الوحش الذي أوشك أن ينقضّ عليها. التفت نحوها الرجل، واندفع باتجاهها غاضباً مزمجراً من جرّاء مقاطعتها له، ليدفع حليمة بقبضته خارج الغرفة، لكن قبل أن يتمكّن من أن يمسّها، كانت السكين تخترق صدره العاري، لتصل إلى قلبه.

 

حاول الرجل إطلاق صرخة حادة، لكنه لم يستطع ذلك لأنّ السكين كانت قد استقرت في قلبه، فتكوّم على الأرض أمامها ينازع كوحشٍ جريح.

 

نظرت إلى وجه جثّة خصمها المهزوم، كانت صيحة نصرها مدوية تتردّد أصداؤها عبر تلك الدماء المسفوحة عند قدميها. كان انتصارها من أجل الحرية، من أجل سماء مفتوحة رحبة يمكنها عبرها إنكار أيّة مخاطر تهدّد وجودها. كانت يداها المخضّبتان بالدم الأحمر علامة انتصارها وحرّيتها.

 

ما أن بدأت حليمة بتهنئة نفسها بالنصر الجميل، حتى اخترقت مسمعها صرخات أمّها المذعورة. استدارت نحوها ونظرت في وجهها، كانت امرأة مليئة بالندوب والكدمات بعد أن قضت حياتها في عذاب جحيمي، نفس مقهورة ضعيفة محرومة من وجودها، امرأة جاهلة تبكي وتنوح في اللحظة التي كانت فيها على وشك أن تخسر حريتها ووجودها. أو على الأقل هذا ما اعتقدته حليمة.

 

كانت صرخات والدتها أشبه بخيانة ومؤامرة خبيثة ضدّ انتصارها. صرخت في وجه أمّها ((أنت السبب… أنت من دفعني للقيام بذلك!))، أخرجت السكين من الجثة الهامدة الممدّدة عند قدميها، وتوجّهت ببطء وهدوء نحو أمّها. كانت الدموع تنهمر من عينيها، الأمر الذي شوّش على تصميمها القوي. انكمشت والدتها في مكانها على السرير رعباً، لكنها وضعت السكين جانباً بهدوء، ونظرت في عيني أمها مباشرةً.

 

_((أحبك يا أمي))، كان صوتها مرتجفاً، ويكاد يكون مخنوقاً تحت تلال الدموع التي تحاول حبسها في عينيها ((لكنني أحب أحلامي أكثر منك، أحب حريتي أكثر منك ومن حياتك المثيرة للشفقة. سامحيني، أمي!))

 

قبل أن تدرك والدتها معنى كلامها، كان نصل السكين أسرع باختراق قلبها، شعرت أنها تنزوي وتغرق في عالم النسيان، بين يدي الشخص الوحيد الذي كانت مستعدة لتقديم أي شيء من أجله.

 

كانت حايمة واقفة في ذلك الزقاق المظلم والبارد، ورياح الشتاء القاسية تصفع كافة أجزاء جسدها المكشوفة كنصال السكاكين انتقاماً منها لأمها، لكن كل ذلك لايقارن بالألم الكبير الذي يعتصر قلبها، ألم ذكرى والدتها، ألم رؤيتها تموت على يديها. لقد حققت حليمة امنيتها وهربت كما كانت ترجو، هربت من والدتها إلى صقيع هذه المدينة القاحلة حيث تقف وحيدة تماماً بين جدرانها.

 

في ذلك الزقاق المظلم والبارد، وقفت حليمة وحيدة تتضوّر جوعاً وتكاد تموت من البرد، متذكّرةً والدتها. كانت عيناها خاليتان من الدموع، لكن روحها المنهكة كانت تنزف. لقد هربت ونالت حريتها، لكنها لم تكن تتوقّع الصراع الذي كانت على وشك أن تخوضه، الصراع من أجل البقاء. هذا العالم المجهول، الذي كانت تأمل في الهروب إليه، لم يقدّم لها أي مأوى، أي طعام، أو أي يد مساعدة. تُرِكَت هناك وحيدة في صراعها، في ذلك الزقاق البارد لتتمسّك بحياتها بقوة، مع أنها كانت مدركة تماماً أنها ستخسر ذلك الصراع في النهاية.

 

الآن فقط أدركت الموقف الذي كانت تقف فيه والدتها، تلك المقايضة التي كان عليها الشروع فيها من أجل البقاء، تلك التضحية التي كان عليها تقديمها لمتابعة الصراع وعدم الاستسلام. لقد رأت بوضوح القيود والسلاسل التي تضعها الحياة والعبودية التي تفرضها على الجميع، تلك العبودية الأزلية التي لايمكن فيها عن أي شيء أنه خطأ في سبيل الحفاظ على البقاء.

 

ما أن بدأت آمالها بالتلاشي ورغبت في الاستسلام لمصيرها، رأت حلمية أضواء سيارة تقترب منها. لوّحت حليمة بيدها، فتوقفت السيارة امامها. اقتربت حليمة من نافذة السائق وطرقت عليها، أنزل السائق زجاج النافذة ورمقها بنظرة متفحّصة، نظرت هي بدورها إليه وارتسمت عبر شفتيها ابتسامة مصطنعة.

 

_((كم تريدين في الليلة؟)) سألها السائق باستعجال كونه لم يكن يحتمل برودة الليل لأقل من دقيقة. هي تعاني من هذا البرد كل يوم لساعات طويلة.

 

_((خمسة آلاف ليرة))، توقّفت لبرهة متفكّرة، ثم تابعت ((ووجبة عشاء قبل ذلك))

 

ابتسم الرجل عند سماع ذلك، وأشار إليها أن تتوجّه نحو الباب الآخر الذي فتحه لها من الداخل. دخلت إلى السيارة، شعرت بدفء الهواء المنبعث عن مكيّفها، هذا الدفء الذي يأخذه هذا الرجل كبديهية يومية، كانت ستدفع أغلى ما لديها لتشعر به، لذا قرّرت أن تستمتع به أطول فترة ممكنة. ثمّ مضت بهما السيارة إلى مكان ما لم تكن تعرف أين هو… في الحقيقة لم يكن يهمّها ذلك.

 

سألها الرجل ((ما اسمكِ؟))

 

أجابت بخدر جراء الدفء الذي بدأ يعيد الحياة لجسدها ببطء ((ساندي))

 

_((حقاً قصدت اسمكِ الحقيقي، من تكونين؟))

 

نظرت حليمة للرجل الجالس بجانبها، أخذت نفساً عميقاً بنزقّ، غرقت في مقعدها الدافئ والوثير، وبعد برهة أجابت ((أنا عاهرة))

 

لم يطرح الرجل أيّة أسئلة أخرى. إذ كانت يده قد بدأت بمداعبة ثديها وجسّه وعصره.

 

كانت حليمة تفكّر بوجبة العشاء، وبالسرير الدافئ الذي سيحميها من برد هذه الليلة… أمّا غداً فسيكون يوم آخر للصراع من أجل البقاء، لم تكن تريد التفكير فيه.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: