ألا تستحق روح لبنى أن نتوحد من أجلها ؟

img

 

ألا تستحق روح لبنى أن نتوحد من أجلها ؟

بقلم : خديجة السويسي 

“نعاونو في النساء ضحايا العنف بش يخرجوا منوا أما قاعدين أحنا نغرقوا فيه” جملة لطالما رددتها على مسامع زميلاتي في فضاء الأمان لإيواء النساء ضحايا العنف. كنت أردد هذه الجملة منذ الأسبوع الأول في العمل أساسا لم أمضي هناك سوى سنتين من عمري ودهرا من الألم.

أما هي فقد أمضت ثمانية عشر سنة من حياتها تنصت، توجه، ترافق وتتابع النساء ضحايا العنف بمختلف أشكاله.

هل تعرفون أيها السيدات والسادة ما معنى الإنصات للنساء ضحايا العنف؟ هل جربتم/ن يوما أن تنزعوا “مخلة” الحصان لتضعوها على ظهوركم/ن أن تريحوه من ثقله لتحملوه مكانه؟ أو ربما استبدلتم يوما مجموعة أغانيكم المفضلة بقصص مسجلة عن الضرب عن الاهانة عن التعذيب عن الاغتصاب مرفوقة بآلام وآهات ضحاياها؟ أو ربما أمضيتم/ن ساعات محاولين/ات إقناع امرأة مسكينة بأن ما تعيشه يوميا عنف قد يودي بحياتها إذا عادت لتلك الجدران المغلقة رفقة جلادها لكن لم تفلحوا في إقناعها بل أمضيتم/ن الليالي تفكرون/رن في مصيرها بعد العودة؟

هل تعرفون المخلفات النفسية للإنصات ؟ مثلا كالأرق والقلق والدائم والميل إلى الانعزال أو كالتحول إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة مع الإشارة إلى أن انفجارها لن يدمر سواها؟ أو لعلكم/كن جربتم/ن الطريقة الكلاسيكية في إعادة إنتاج العنف على الذات بطرق شتى لا أظنني مستعدة للحديث عنها حتى.

هي وكل العاملات في مجال الإنصات والمرافقة والتوجيه للنساء ضحايا العنف تعرضن ويتعرضن لذلك يوميا.

لبنى هي امرأة في العقد الرابع من عمرها لم يكن النضال بالنسبة إليها مجرد شعار أو توصيف طبوي وإنما كان خبزها اليومي ناضلت ضد المجتمع الذكوري بكل صوره النمطية وأحكامه وتمثلاته الاجتماعية للنساء لم تكن تهوى البروز واعتلاء المنابر وإلقاء الخطب الرنانة عن الحقوق والواجبات بل كانت تفضل العمل الدؤوب من أجل مساعدة النساء في تحصيل هذه الحقوق.

هي إحدى مناضلات ما وراء الكواليس اللاتي تتعبن كثيرا ولا تظهرن إلا نادرا حتى أنني أذكر أخر جملة قالتها لي قبل أشهر “هذا العمل أمرضني وهو الذي سيقتلني” عملت لبنى كمكلفة بالإنصات والتوجيه للنساء ضحايا العنف في فضاء تناصف التابع لجمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية هناك حيث أفنت أجمل سنوات عمرها في دعم النساء ضحايا العنف والإحاطة بهن.

لم يكن محركها في ذاك العمل الحوافز المادية ولا الإضافة التي من شأنه أن يقدمها لها وإنما كان حافزها الوحيد إيمانها الثابت بقضايا النساء وبأن الدفاع عن قضايانا يتطلب منا التضحيات.

كانت تخوض حربا يومية مع صعوبات الحياة بدءا بالمسافة إذ تنتقل يوميا ذهابا وإيابا من ولاية زغوان منطقة الفحص تحديدا إلى ولاية تونس لتباشر عملها في فضاء تناصف والحقيقة أن عملها لم يقتصر على ساعات تواجدها في الفضاء وإنما كانت تعمل تقريبا في كل الأوقات حيث تتلقى مكالمات النساء ضحايا العنف حتى في توقيت ما بعد العمل هذا دون ذكر إشرافها على بعض المشاريع في الجمعية والتي تعمل على مختلف الفئات الهشة من النساء.

خلاصة القول لبنى كانت مثال المرأة المناضلة المؤمنة بذاتها والفاعلة من أجل تحسين أوضاع مختلف النساء.

للأمانة الكتابة دائما ما تخونني حين أتحدث عن نضالات النساء فلا أستطيع إيفائهن حقهن ولكن هذا الفقد الأليم أحالني على ما تعيشه الحركة النسوية اليوم كسائر البلاد من تشرذم وصراعات داخلية من شأنها أن تضعفها وتعود بها إلى الوراء ألا تستحق روح لبنى أن نتوحد من أجلها ؟ ألم يحن الوقت لأن نقوم بقراءة نقدية لتجربتنا ولنقف على هناتها ونقاط ضعفها حتى نتمكن من تجاوزها ؟

فضلا عن نضالات الجمعيات النسوية التونسية العريقة على غرار جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات تتبوأ تونس على المستوى التشريعي مكانة هامة في مجال حقوق النساء لكن ما يزال أمام التونسيات مسار طويل في طريق تحقيق المساواة التامة والفعلية وما تزال أمام النسويات معارك دامية لخوضها من أجل قضاياهن من ذلك ما يكنه رئيس الجمهورية قيس سعيد من عداء للنسويات ولقضاياهن من خلال تصريحه ضد المساواة في الميراث وهذا ليس إلا عنوان معركة من المعارك فمواطن التمييز ضد النساء كثيرة وهنا أجدني مضطرة لتذكير نفسي وتذكيركن أنه من الضروري توجيه بوصلتنا نحو العدو الحقيقي بدل من إهدار الجهد في صراعاتنا الداخلية.

ختاما، وداعا لبنى صديقتي وصديقة كل النساء وخاصة منهن ضحايا العنف رجائي أن تكون لحظة وداعك فرصة أمام النسويات لإعادة النظر في ماهية صراعاتهن.

سيداتي لسنا خالدات إلا بما نخلفه من أثر.

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: