أعمال أريستوفان الجدّية

img

أعمال أريستوفان الجدّية

بقلم : صابر المنتصر

لن أكون ذلك الغريب على نفسه، إنّني أعلم جيّدا ما أريد، كما أنّني أحفظ عن ظهر قلب الطريق التي تؤدّي إلى هدفي، إنّ هدفي في حدّ ذاته وسيلة لتحقيق أهداف آخرين مثلي، كما أنّ الحبّ الذي أشعر به تجاههم ناتج عن معرفتنا الشّديدة بهول ما نعانيه لأن نكون أنفسنا؛ إن الحياة التي اخترت بحرّية مطلقة أن أعيشها لن تكون ببساطة الاختيار، إن كمّ الأفكار التي تسبح في مخيّلتي الآن تضعفني جسديا إلاّ أنّني لا أنحاز أبدا للمادّة، إنّ الحياة التي اخترت أن أمرّ عبرها بوابة تحملك من الضعف البشري الخاضع لتركيبة القوانين الرأسمالية الجامدة إلى قوّة الخلود الإنساني المتأتّية من حركيّة التجارب الفكريّة و العاطفيّة؛ إنّ الحياة التي اخترت أن أعيشها هي الموت.

لن أكون ذلك الغريب على نفسه، فالتّجارب كانت روحي التي تمدّني بكلّ الدّفء، كما أنّها كوّنت كلّ أعضائي، إنّ الممرّات التي سلكتها منذ ولادتي تؤدّي بضرورة العقل إلى هذه النتيجة، لم يكن بالإمكان أن أكون شخصا آخر، إنّ الفترات الحالكة في حياتي تتجاوز وبكمٍّ هائل لحظات الطفولة. كانت المعرفة شغلي الشاغل في حين اهتم الطّفوليون بدراسة تجارب من هم مثلي فأصبحوا غرباء عن أنفسهم؛ إنّ التجربة التي أتحدّث عنها هي الخيال.

أحسّ بكره شديد تجاه عادتكم، فهي المرض الشّائع في هذا العصر، إنّ كلّ أفعالكم ومعتقداتكم وأفكاركم متشابهة، فأنتم لا تأخذون من الماضي سوى التّفاهة، إنّ الحاضر الآن هو التّاريخ المتكرّر، إنّكم أصبحتم مجموعة من الحمقى والجهلة وأصحاب نيّة خبيثة، كما تعلّمتم ودرستم لتكونوا كذلك، تعتقدون أنّكم مختلفون كلّيا إلاّ أنّكم متطابقون، نسخٌ من بعضكم البعض، كلّكم متشابهون؛ إنّ العادة التي أتحدث عنها هي الحيوان.

لن أكون ذلك الغريب على نفسه، فقد شفيت تماما من سرطانكم، إنّكم تتحكّمون بدقّة رهيبة بكلّ خلايا عقول مرضاكم، إنّ كمّ المعلومات التي تمدّونهم بها كفيلة بتحويلهم إلى مجانين، وهذا ما تريدونه، كما أنّكم تعلمون مسبقا إن امتلاك المعلومات ينتج عنه امتلاك الحقائق وليس الحقيقة، إلاّ أنّكم تواصلون فعلكم الخبيث هذا دون أي إحساس بمعاناة المرضى؛ إنّ الخبث الذي أتحدّث عنه هو الإعلام.

ما يثير استغرابي هو أنّكم تعتقدون أنّكم الأكثر تطوُّرا إلاّ أنّكم في حقيقة الأمر أكثر البشر تشويها، إنّكم تتعلمون لغايات شخصية في حين أنّنا نتعلّم لأجل الكلّ، إنّ استعمالكم للعلم يثير الشفقة، تفتخرون مثلا بذهابكم خارج كوكبكم في حين أنّكم لا تستطيعون توفير أبسط الأمور على هذا الكوكب، تدّعون حبّكم الشّديد لهذه الأرض كما أنّكم في نفس الوقت تفجّرونها وتدمّرونها؛ إنّ الأرض التّي أتحدّث عنها هي الذّات.

إنّ هذه الطاقة الهائلة التي تسككني هي نتيجة الثّقة الكاملة بالرّغبة في النّصر، في حين أنّكم حتّى ولو امتلكتم بُنى قويّة إلاّ أنّكم تضعفون أمام أفكاري، فأنا لم أتلوّن بعد بالعولمة، إنّكم تعتقدون أنّكم تتفرّدون بمزايا صعبة الاكتساب لكنّكم في الأصل مجرّد آلات تقوم بوظيفتها الكلاسيكيّة، تلك الآلة التي نعتبرها شاذّة عن جنسنا، نحن البشر؛ إن الشّذوذ الذي أتحدّث عنه هو البعد الواحد.

 

بإمكاني أيضا أن أجزم أنّ أمثالي سينتصرون في أخر المطاف، إنّنا نحمل هموم ومصائب الآخرين دون أيّ تذمّر أو شكوى، إنّنا نجد في هذا العمل الشاق والمضني متعة حقيقية لا يضاهيها شيء في عالمكم، كما أنّكم تستغلّون أخطائنا لنعتنا بالانتهازيين، إلاّ أنّنا لا نأبه لضوضائكم بقدر ما نهتمّ لأخطائنا، إنّ النقد الذي نقدّسه لا تفهمونه، فمكانكم ثابت في التّاريخ في حين أنّنا نتقدّم وبخطى ثابتة؛ إنّ النّقد الذي أتحدّث عنه هو الغد.

أنا متأكّد تماما أنّ كلامي سيفهم أنّه عبثٌ وهذا طبيعيّ، فالقارئ الحداثي سينتقي كلماتي ويرتّبها حسب أهميّتها النظرية الأكاديميّة العابرة، إلاّ أن من هم مثلي، سيقرؤون الكلام ككتلة واحدة متماسكة، ويشكّكون في كلّ شيء ويبدأ التفكيك والتّركيب إلى أن يَنتج عن عمليّة الولادة العسيرة هذه فكرتان، فهم شامل لما كتبت وفكرة أخرى جديدة تنتظر آخرين مثلنا؛ إنّ التّكرار الذي تعمدّت أن يكون هو الطبيعة.

ستستغربون عند سماعكم هذا الكلام، فالمفاهيم تغيّرت، كما أنّكم ستحسّون بجهلكم المطلق، ولن نعطف عليكم، إنّ هذه المفاهيم الجديدة هي الأصل، في حين أنّكم ابتدعتم مفاهيم مشوّهة لكلّ ما سبق، بإمكان أيّ طفل من أبنائنا أن يعلّمكم فعلا معنى الخير، العدل، الشر، الطّبيعة، العقل، الحبّ…  بإمكاننا أن نعلّمكم فعلا معنى أن تفكّر مليّا وتشقى في التّساؤل والإجابة إلى أن يصبح هذا العذاب عشقا؛ إنّ الفلسفة التي أتحدّث عنها هي آلام الولادة.

ستبدؤون الآن بالخوف من كلّ كلماتي التي سبقت إلاّ أنّكم ستتظاهرون بالقوّة، في حين أنّنا نعلم جيدا أن القوّة في عالمكم تعني العجز التّام والضعف الشّديد، إنّكم متشابهون في الممارسة مع الحيوان، لكنّكم أيضا مختلفون عنه في القول، لهذا السّبب لن نغفر لكم أفعالكم وسنردّ عليكم بعنف شديد لا نهائيّ؛ إنّ القوّة التي سأمارسها هي الفكرة.

إنّ القوّة التي أمتلكها هي المال، وهو ما تهابونه وتخشونه، إنّه هدفكم الوحيد في حياتكم البائسة والتّعيسة. تعملون لساعات طويلة بتكرار قاتل. تتمحور كلّ سنوات حياتكم حول ذلك الأجر الزّهيد فكريا. تضحّون بكلّ شيء مقابل تمسككم بهذا الذي تعتبرونه واجبا مقدّسا في حين أن القدّيسون أنفسهم سئموا من طقوسهم، إلاّ أنّنا نعلم جيدا القيمة الفعلية للعمل، كما أنّه باستطاعتنا، وبكلّ سهولة أن نحوّل نظامكم المالي عديم الفائدة إلى آخر تكون ” الفائدة ” فيه دون أي قيمة؛ إن فائض القيمة الذي أتحدّث عنه هو الفنّ.

أعلمتكم مسبقا أنّني لن أكون، بعد الآن، ذلك الغريب على نفسه، إنني أعلم بيقين مطلق أنّكم ستتحوّلون كلّكم بعد سماعكم لحديثي، عن فائض القيمة، إلى مثقّفين، تلك الثقافة التي تمتهنوها عبر الأذن فقط، وفي أفضل حالاتكم، عبر أعضاء التناسل. إنّكم تعتقدون أنّ الثقافة تستوعب الفنّ في حين أنّنا ندرك جيّدا مدى خبث خالق المصطلحات، فولادة مصطلح غامض من شأنه أن يكوّن مفهوما ضبابيا وبالتالي طريقا نحوه مظلمة قافرة، وهذا ما تريدونه؛ إنّ الثقافة التي أقصدها هي المقابر (الجثث الحيّة).

إنّ المطرقة التي تستعملونها تليّن الحديد، إلاّ أنّكم لا تعلمون أنّها تُصدرُ صوتا، إن هدفكم يُعمي دائما عقولكم و يلغي عملها، إن الصّوت الذي تصدره مطرقتكم، أجوف، مثير للسخرية، كصوت البطّ في بحيراتنا، إلا أن مظهر المادّة التي تستعملونها جميل و خلاّب، كما أن لنا قولٌ في الجمال، دون نسيان أن جدّنا، سبق و حذّركم، إلاّ أنكم استغللتم مرضه الجسدي و نسيتم أمراضكم الفكرية، إنّ الحروب التي تخوضها أجسادكم لا تقوى على مواجهة أفكارنا، إننا نشفق عليكم كأطفال أو كشيوخ عجزة؛ إن المطرقة التي تحدّث عنها جدّنا الأول هي المرآة الشخصية.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: