أعشاش البوحبيبي ، أعشاش القصة

img

 

أعشاش البوحبيبي ، أعشاش القصة

 

عبدالله المتقي

 

” أعشاش البوحبيبي ” ، هو العنوان الذي اختاره القاص التونسي خالد العقبي لمجموعته الصادرة حديثا عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع في حلة أنيقة ، وتشتمل ستة عشرة  قصة قصيرة  ومتممات قصصية قصيرة جدا ارتأى القاص أن تكون قصصا قصيرة جدا ، ولا ريب ، أن هذا التفاوت في الأحجام القصصية ولدته حال الكتابة وقلقها حين انسياب الكلمات والمحكي .

ولنبدأ أولا من الغلاف  ، لنبدأ من عنوانه الذي لا يحمل أي نص قصصي في المجموعة ، ونتساءل :ماذا عن دلالة هذه الأعشاش وهذا البوحبيبي بابا للدخول ؟

إنها مكر فني ورمزي ارتأى العقبي أن يلاعبنا به في العتبة ،ويحببنا في قصصه،كي تكون  مجموعته المَسْكنُ الذي يُعَدُّ للقصة التي سيتعود أسرارها القارئ وتتعوده كما طائر البوحبيبي يتعود بسرعة  على البشر ، وقصص المجموعة بالمناسبة ،  محبوبة  تجعلك من أول قصة تقع في حبال سحرها وجمالية حكيها وسخريتها اللاسعة ، وموسيقاها القصصية التي تعزف على وتر الهموم  والمفارقاقات واللحظات المتوترة والطفولية

وعليه ، تتميز المجموعة بتنوع أجوائها وموضوعاتها ، وهكذا ،  تحضر الطفولة في نصوص هذه المجموعة بكل بهجاتها وشجونها ، تحضر طفولتان ، طفولة مدللة ومشاغبة ولها فسحة للتمدرس وممارسة الرسم :” كان الرسم باهتا فأخذ يبرزه بقمه الجاف وعندما اكتمل وظهرت معالمه أطلق التلميذ ضحكة مدوية هزت هدوء القاعة ” 62

وطفولة شقية تشاكس تشحذ وتستجدي وتقتسم المداخيل بعد انتهاء احتفالية كان يذكر جيدا الشجار الذي كثيرا ما يندلع بين الصبية في آخر مشوار عروضهم داخل البيوت وهم يتقاسمون العطايا المتنوعة من دقيق وفلفل و” فرماس” وطماطم مجففة ” ص38

بحضور الطفولة ، يحضر نبش القاص في أرشيف ذاكرته الطفولية والمختبئة في اللاشعور ، وكم هو خصب  وثري عالم الطفولة ببراءته وعفويته  ،والكتابة الإبداعية لن تعدو أن تكون سوى  طفولة ثانية  في نهاية الكلام ، ويتجلى  هذا الحضور الطفولي ، في القصص التالية: ” ذنوب صبيانية ” و اللاره” ” ضحكة مشتركة” و” حالة سقوط “و”

كذلك ، يتابع القاص ملامسة مواضيع تتعلق بالهموم الإنسانية المستمدة من واقع الناس وحياتهم سواء أكانت هذه  الهموم نفسية أم معيشية أم سياسية ،بموازاة التخييل وجمالية اللغة والاصطدام مع الأحداث مما يولد الإدهاش والانبهار .

بهذا الوعي والجمال ، يقارب القاص في مجموعته موضوعة الاحتفاء بالكتابة ، حرقتها ووجعها البروميتيوسي :” من بعيد سمعت للمدفأة زفيرا كصدر المقهور فرميت لها الورقة ، هدأت كالطفل الوديع فيما رأيت ورقتي ترقص للفناء في حضن الرماد ” ص23

ثم مخاضها  ومكان إنجابها  وطقوسها وفوضاها المنظمة ، نقرأ في الصفحة 22 من قصة ” ” :” هي غرفتي بلا شك ، وتلك مدفأتي بالتأكيد ، وهذه أوراقي الناصعة التي سكبت عليها  عصارة أشعاري إن لم تخني الذاكرة ” .

ويمكن أن نضيف إلى هاتين الموضوعتين ، موضوعة السكر ومقارعة القنينة :” بدا سكرانا حد الثمالة ورغم ذلك بدا سكرانا حد الثمالة ورغم ذلك كان ثابتا وكانت يداه ثابتتان لا ترتعشان” ص89 ، سكر لم يكن دافعه سوى ما ” تهريب زوجته ” الذي سينضاف  إلى  لائحة همومه الهموم :” قفزت إلى رأسه صور أبنائه الذين هربت بهم أمهم إلى دار والدها ولم يرهم منذ أشهر” ص89 ، هذا الضغط سينفجر على شكل تدنيس للمحرم حيث سيتسلل إلى المسجد ثم فضاء المئذنة  :” صاح من أعلى المئذنة بآذان في غير وقته وبغير عباراته :

” الله أكبر عليكم يا كلاب .. الله أكبر عليكم يا أوباش “ص90

   هاهنا يتحول السكر إلى فعل إيجابي ، حين يحتمي ويطلب اللجوء إلى ، كي ينشر غسيل العمدة نقرأ في الصفحة 90 :”

من يكلمني ؟ عمدة الهانة ورقود الجبانة ، كم تقبض منيي عندما تحل مشكلتي ؟يا مستغل الأرامل وآكل حقوق الايتام ، الا تخجل من نفسك ؟

ومن نفس الداخل يفصح عن مطالبه الحقوقية للمعتمد التي غيبتها الرشوةوالعلاقات الزبونية   ونقرأ في نفس الصفحة:

” أنا لا أريد إلا إنصافي واخذ حقي من أصهار المفترين ”

      و في قصته ” صلاة النقابة ” ، اقتراب جريء من موضوعة تديين النقابي ، وتنقيب لديني ، والتي تناولها القاص بتحد لينتج بذلك نصا واعيا،و بكل ما أوتي من جرأة ، متجاوزا الرقيب  القابع على شفاه الكثير من الأقلام ، مع أنها تدرك تماما كم تحتاج لحرية من داخلها لتعكسها على نصوصها .

بهذا الوعي يمكن قراءة هذه القصة ، التي يخترق فيها السارد بسخرية وبلذة  الاكتشاف هذه العوالم ” النقابوية ” ووفق ما يرى وبمتمرس ، حيث تعرية الإيهام بحقيقة أحداث غير حقيقية ، نقرأ في الصفحة 59: ” و جاءتنا الإجابة على الفور ، وفاة المنوبي سائق سيرة الرشاد الفلاحي في حادث اصطدام بقطيع  الجمال … رحم الله المنوبي نقابيا وعارفا بالله”

وثمة في المجموعة اشتغال متأن على اللغة التي ينتهك القاص قداستها وحرمتها ، بانفتاحها على بوليفينية متنوعة ، من قبيل   الدارجة التونسية :

” سيب الريدو ياولدي ، سيب يهديك ” ص15

” عندي ما نقلك ” ص66

” باصيني ، يا للا ، باش ترتاحي مني ؟؟؟ قولي ليبيع الزطلة وما تقولي ليش حكاية سوريا .. نعل..” ص67

هكذا ، يكسر القاص تراكيبه اللغوية بمعطيات لسانية من الدارجة التونسية بطريقة تندغم  فيها دلالة اللسانين في النص القصصي  الواحد ، مما يمنحه فسيفساء لسانية داخل  نسيجها .

         وينضاف إلى هذا الانتهاك اللساني تخلي  قصص المجموعة وضمن سياق تقوية المسرى ألانزياحي ، يوظف القاص ما يمكن تسميته بتقنية الزيادة أو التلاعب بالأصوات ، وذلك بتمديد حرف المد ” الألف” زمنيا ومكانيا ، زمنيا يإطالة التصويت مع المكون اللغوي ” أوووووووووووووه ” ، ومكانيا بتشغيله لمسافة فضائية تمططت بإضافة ثلاثة ألفان إلى الألف الأصلية ، دلالة على انبثاق الصوت من عمق الأعماق وبارتفاع الصوت بكل أبعاده .

         والى جانب يتسرب الشعر النص إلى قصص المجموعة ، مما يساهم في توهج السردي وشعرنته نقرأ في الصفحة 24 :” فطارت أوراقي حمامات ملونة وهي تنشد بصوت شجي حزين :

” عمرك الباقي

وعمر قد يليه

وإذا تمكنت من ألف عمر

أيها الإنسان لا بد تتيه

أنت لست النار

بل أنت الشرر”

    وصفوة القول ، هذا هو خالد العقبي ، هذه هي أعشاشه التي سعينا إلى تفقيس بعض من بيض  طائرها البوحبيبي والقصصي  ، ليدهشنا بتجربته الجريئة والساخرة والمحبوبة ،والحافلة بالسخرية اللاذعة ، والمفارقات الحكائية التي تلتقط بعين حاذقة عبوس الواقع وخشونته ، فتغدو من ثمة أعشاشه القصصية مسكنا للقصة والقاص وهواة القنص  السرود ” الباهية بارشة ” ،  وسلام على الجنوب التونسي والقصصي

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.